أرشيف ‘عادات إجتماعية لبنانية’ التصنيف

المبنى ب. دولةٌ خارجة على الدولة !

مارس 10, 2013

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 28-02-2013

الباحة الداخلية لسجن رومية وبدت ثياب السجناء معلقة عبر النوافذ

منذ العام 1998 تتسارع وتائر الشغب والتمرد في سجن رومية المركزي، وكذلك حوادث الفرار ومحاولات الفرار. معظم هذه الحوادث مسرحها المبنى ب. الذي “ينزل” فيه الموقوفون الاسلاميون، وفي طليعتهم عناصر “فتح الإسلام”. وفي ظل التسيب والفساد المستشريين في إدارة السجن، يبدو حبل الشغب والتمرد والعنف والجريمة فيه مشرّع على الغارب.

قبل انتفاضة السجناء في سجن رومية المركزي في نيسان 1998، لم يكن الخبر عن السجون ونزلائها وحوادثها حاضراً في التداول اللبناني العمومي، ولا عُرِفَ لبنان بوصفه بلد مداهمات أمنية واعتقالات وسجون، خلافاً للبلدان العربية الشهيرة بأنظمتها المخابراتية ومعتقلاتها وأدب سجونها، وخصوصاً العراق البعثي الصدّامي و”سوريا الأسد”. لكن انتفاضات السجناء في رومية والاخبار المدوية عنها لم تكرّس للبنان صورة بلد اعتقالات وسجون، قدر ما كشفت عن حال الإهمال والفوضى والتخلف في نظام هذه السجون وإدارتها، وعن أن بلد “الحريات في الشرق” والحروب الأهلية الملبننة لم يكن يوماً، ولن يكون، بلد اعتقالات وسجون. بل ان ما حدث في 1998 افتتح سلسلة متتالية من الانتفاضات والفرار من سجن رومية، لا تزال تتكرر فصولها حتى اليوم، ولا يبدو أنها ستتوقف في الأيام المقبلة.
في سنوات الحرب خلت السجون اللبنانية من نزلائها تقريباً، لكنها راحت تغصُّ وتزدحم بهم في زمن الوصاية السورية على لبنان الذي ظلت سجونه على حالها، بل تدهورت أنظمتها وخدماتها وإدارتها وضاقت مساحاتها وازدادت قسوة وإهمالاً عما كانت عليه قبل الحرب، واستشرى فيها الفساد الذي أخذ يضرب معظم مؤسسات الدولة، بعدما دمرتها الحرب، من دون أن تقوى حكومات الوصاية على انتشالها من لجة الانحطاط والفوضى والفساد. وهكذا جاءت انتفاضة سجناء رومية نذيراً من ذلك القاع الاجتماعي الذي كُدِّس فيه من ساقتهم أقدارهم وأفعالهم الى بؤسه وقسوته: 30 سجيناً في زنزانة لا تستوعب أكثر من عشرة، ثلاثة آلاف سجين ينتظرون المعاينة الصحية لدى طبيب واحد. أعداد كبرى من السجناء موقوفون منذ سنوات من دون محاكمة، ومنهم مرتكبو جرائم مخدرات هي أقرب الى مآسٍ انسانية منها الى جرائم. لم يكن بين السجناء المنتفضين آنذاك سوى 23 سجيناً موقوفين بتهمة الخطف والارهاب والاعتداء على أمن الدولة. وبعدما أحرق المنتفضون الفرش والأغطية وحطموا زجاج النوافذ وخلعوا بوابات الزنازين، وشطب بعضهم جسمه بآلاتٍ حادة، أذاعوا مطالبهم، فجاوبهم وزير الداخلية، ميشال المر آنذاك، عبر مكبر للصوت قائلاً إن 80 في المئة من المطالب محقة، و95 في المئة منهم يمكن أن يكونوا بريئين. ثم وعد بعرض أوضاع السجون في جلسة مجلس الوزراء، بغية إصلاحها وتحسين خدماتها وأنظمتها، لكن الانتفاضة تلاشت بعد يومين، وذهبت الوعود أدراج الرياح، وتفاقم الاكتظاظ والبؤس والإهمال في زنانين رومية التي استضافت في مطلع العام 2001 موجات متلاحقة من المعتقلين والموقوفين الإسلاميين بتهم الإرهاب والاعتداء على أمن الدولة في حادثة الضنيّة الشهيرة التي هزّت لبنان في الليلة الأخيرة من الألفية الثانية. ومذذاك برز “المبنى ب” بوصفه مرتعاً للموقوفين الاسلاميين من دون محاكمات، وأخذ أهالي هؤلاء ينظمون وقفات احتجاجية بمساعدة هيئات دينية للإسراع في محاكمة أبنائهم السجناء على ذمة التحقيق، والذين قاموا بدورهم بحركات احتجاج داخل السجن، منها إضراب بعضهم عن الطعام في أيار 2002، عشية الاعلان عن بدء محاكماتهم. لكن فصول موقوفي الضنية الإسلاميين ظلت مفتوحة حتى عشايا الانتخابات النيابية الأولى من دون وصاية سورية في صيف 2005، والتي أدت الى عقد صفقة “سياسية” ضربت عرض الحائط بالإجراءات القضائية والقانونية، فجرى الإفراج عن عدد من الموقوفين الإسلاميين لأسباب انتخابية، في مقابل الإفراج عن قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع، في عملية تذكير بتبادل طائفي للمخطوفين في زمن الحرب.

انتفاضات وفرار

لم ينه ذلك قصة “المبنى ب.” في سجن روميه، بل هو تكرس سجنا للموقوفين الاسلاميين قبيل انفجار حرب مخيم نهر البارد  بين الجيش اللبناني ومسلحي منظمة “فتح الاسلام” في ايار 2007، فتكدس في المبنى مئات من المعتقلين بتهمة الانتماء الى تلك المنظمة وسواهم من الاسلاميين. هؤلاء جلهم من الفلسطينيين والسورييين الى اسلاميين طرابلسيين وعكاريين. وفي تقرير نُشر على مدونة “الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب”، ورد ان 50 سجيناً في روميه توفوا العام 2007 نتيجة تدهور الخدمات الصحية في سجن اختصرت ادارته سبب وفاتهم بالسكتة القلبية، من دون ان تجري تحقيقاً في الامر. ومنذ مطالع العام 2008 تتالت في السجن حوادث الشغب والتمرد في مبنيي المحكومين والموقوفين، اضافة الى حوادث فرار ومحاولات فرار من المبنى ب خصوصاً. بدأ ذلك في 24 نيسان 2008 بعملية شغب في مبنى المحكومين، تحولت تمرداً احتجاجاً على انعدام التدفئة والتبريد وسوء التغذية وغياب الاسرّة واهتراء المراحيض وعدم وجود مياه ساخنة في السجن، فأحرق السجناء الفرش والأغطية. استمر التمرد حوالى 9 ساعات، وتمكن السجناء من اسر عريف و5 مجندين من قوى الامن، فجرت مفاوضات بين ادارة السجن وقائدي التمرد، احدهما فلسطيني والآخر لبناني. وبيّنت تحقيقات صحافية ان الانقسامات والنعرات والاحتقانات القائمة في المجتمع اللبناني انتقلت الى السجناء وأخذت تحدث شجارات في ما بينهم، كما تردّد ان رجال الامن يعاملون السجناء بناء على انتماءاتهم الطائفية.
أعقبت هذا التمرد عملية فرار موقوف من “فتح الاسلام” السوري طه احمد حاجي سليمان من “المبنى ب.” فجر 18 ايلول 2009، فيما قُبض على سبعة سجناء آخرين من المنظمة عينها حاولوا الفرار بواسطة أغطية موصولة كحبال مدّوها من الطبقة الثالثة من مبنى المحكومين الى باحة السجن الرئيسة، بعد قيامهم بقطع حديد نافذة القاووش بنصلة منشار. وتبيّن ان عملية قطع قضبان الحديد والتحضير للفرار استغرقتا اسبوعين، وضع السجناء في اثنائهما معجوناً اسود في مكان القضبان المقطوعة تضليلاً للحراس. وصبيحة عيد الاضحى في 22 تشرين الثاني 2010 تمكن السجين وليد البستاني من الفرار، فيما باءت بالفشل محاولة زميله السوري منجد الفحام اللحاق به. كلا السجينين من “فتح الاسلام”، وبيّنت تحقيقات المفتشية العامة في قوى الامن الداخلي تورط مجند في قوى الامن في تسهيل عملية الهرب، بتأمينه للسجينين جهازا صامتا (صاروخا) لقطع الحديد يعمل على البطاريات، فقطعا به حديد نافذة القاووش. وبواسطة حبل أمّنه لهما المجنّد تمكن البستاني من النزول من الطبقة الخامسة الى باحة السجن الخارجية. وهذا ما لم يستطعه الفحام بسبب انقطاع الحبل، فهوى الى الباحة واصيب بكسور في عظامه ادت الى بقائه مغمياً عليه يئن حتى غروب نهار العيد، فسمعت احدى الزائرات انينه وأبلغت الحراس الذين نقلوه الى مستشفى السجن. اما البستاني فكان انتظر خروج قوافل الزوار واندس بينهم وخرج من بوابة السجن الرئيسية.
كان العام 2011 حافلا بتمرد سجناء رومية وبفرار بعضهم. ففي مطلع نيسان من ذلك العام بدأ السجناء تمرداً واسعاً ضد ما اعتبروه إجراءات انتقامية قام بها ضدهم ضابطان من قوى الأمن الداخلي في بداية احتجاجهم على سوء المعاملة. استمر التمرد ثلاثة أيام ما بين 5 نيسان  و8 منه، أشعل السجناء في أثنائها حرائق في المبنى ودمروا بعض محتوياته، فقتل السجين روي عازار في انفجار قنبلة صوتية حاول رميها على عناصر القوة الأمنية أثناء قيامها بعملية دهم السجن لإنهاء التمرد. أما السجين جميل أبو غني فقضى بأزمة قلبية حادة في نهاية عملية الدهم. لكن الجديد كان قيام أهالي السجناء بتجمعات احتجاجية أمام السجن، وإذ لم يُسمح لهم بالدخول إليه، قاموا برشق رجال الأمن بالحجار وقطعوا الطريق المجاورة للسجن، ما حمل عسكرياً من فوج المغاوير على قيادة سيارته مسرعاً محاولا تفريق المعتصمين، فصدم إمرأة هوت إلى الأرض وأصيبت برضوض في رجلها، فنقل الاهالي الاعتصام الى أمام مجلس النواب. بعد أربعة أشهر، في منتصف ليل 13 آب 2011، نشر خمسة سجناء في “المبنى ب” حديد شباك زنزانتهم، وخرجوا منها تباعاً هابطين بواسطة شراشف موصولة إلى باحة السجن الخارجية، ثم إندسوا بين الزوار وفروا. ثلاثة منهم ينتمون إلى “فتح الإسلام”، هم السوريان عبدالله سعد الدين الشكري وعبد العزيز أحمد المصري، واللبناني عبد الناصر سنجر. أما الآخران فهما موقوف سوداني وآخر كويتي من تنظيم “القاعدة” يدعى “أبو طلحة”.
العام 2012 كان حافلا بدوره بعمليات الفرار. فقبل فرار ثلاثة سجناء من “المبنى ب”، من دون أن تتمكن قوى الأمن الداخلي من تحديد دقيق لطريقة فرارهم، قامت القوى الأمنية في 19 كانون الثاني 2012 بتوقيف امرأة حاولت إدخال أجهزة هاتف خليوية في وجبة طعام تحملها لإبنها السجين. ما أن علم الإبن بتوقيف أمه، حتى عمد مع رفاقه السجناء إلى إثارة شغب في السجن، استمر حتى السابعة مساء، ولم يتوقف إلا بعدما علم الإبن بأن الأم سيطلق سراحها بسند إقامة. لكن الفضيحة تجلت في أن فرار السجناء الثلاثة جرى بالتواطئ مع عناصر من قوى الأمن، وفي أن كاميرات المراقبة في السجن معطلة منذ العام 2010. هذا إضافة إلى قدرة السجناء الدائمة على الاتصال عبر الهواتف المحمولة بالخارج وبنواب وسياسيين ومسؤولين كباراً. وفي 1 تشرين الثاني 2012 أحبط رجال الأمن محاولة فرار سجناء من “فتح الإسلام”، بعد ضبطهم شادوراً نسائياً وحبالا في إحدى قواويش السجن. بعد حوالى شهر، أي في 13 كانون الأول، أحبطت قوى الأمن محاولة فرار جماعية لعشرين موقوفاً من “فتح الإسلام”، قاموا بقطع حديد نوافد مشغل السجن، وبإحداث ثغرة في جدار يصلون عبرها إلى مكتبته التي كانوا أحرقوها في عمليات شغب سابقة. وفي 23 من الشهر عينه حدث تململ بين سجناء مبنى المحكومين، بعد تلقيهم أوامر بنقلهم إلى مبنى آخر.
في الشهر الأول من العام الحالي تزايدت وتيرة الحوادث في السجن: في 2 كانون الثاني الماضي، وقعت أعمال شغب وإحراق فرش وأغطية في “المبنى ب.” احتجاجاً على انقطاع المياه، وقام سجناء بخطف عسكريين من الحراس، ثم أطلقوا سراحهم.
لكن الحادثة الأخيرة كانت الانتحار المشبوه للسجين الفلسطيني في المبنى ب غسان قندقلي الذي قيل إنه شنق نفسه بوشاح من الصوف في المرحاض في 17 كانون الثاني الماضي. وثمة اعتقاد بأن قندقلي تم شنقه، على ما ذهبت إليه الظنون الناجمة عن إحباط قوى الأمن في 21 من الشهر نفسه، عملية فرار جماعي لإسلاميين في “المبنى ب.”، بعدما خططوا طوال ثلاثة أشهر للعملية، فقطعوا قضبان الحديد في الباب الفاصل ما بين المبنى وبرج المراقبة، ونصبوا شراشف موصولة على أربعة خطوط بطول عشرات الأمتار للتزحلق عليها من البرج إلى الخارج. وشاع أن خلية أو حلقة من السجناء الإسلاميين أجرت محاكمة لقندقلي بعدما وجهت إليه تهمة الإغتصاب والقتل، وحكمت عليه بالإعدام ونفذته شنقاً في المرحاض.

ماذا يجري خلف القضبان؟ الاسلاميون هل يعلنون إمارتهم من هناك

الإهمال والتسيّب

تجمع الأخبار والتحقيقات الصحافية، وكذلك روايات بعض الإسلاميين المفرج عنهم من سجن رومية بعد قضائهم سنوات فيه، على أن سجناء “فتح الإسلام” وسواهم من أصحاب الميول الإسلامية، يقيمون ما يشبه إمارات داخل السجن، أي خلايا دعوية وإرشادية، فيصدرون فتاوى وأحكاماً تتعلق بسلوك السجناء، كأنهم امراء ودعاة في “مجتمع” إسلامي خاص بهم. وقد ساعدهم في ذلك ما قاموا به من أعمال تمرد وعصيان متعاقبة، أرغمت إدارة السجن الأمنية على تركهم وشأنهم وتلافي التدخل في شؤونهم. حتى ان بعض الروايات والشهادات يفيد بأن السجناء الإسلاميين صارت لهم كلمتهم في اختيار ضباط الأمن الذين يشرفون على إدارة السجن. وللإنتماءات والولاءات الطائفية نصيب وافر في تعاطف عناصر القوى الأمنية مع السجناء وغض النظر عن أفعالهم وعما يصل إليهم من الخارج. ويبلغ التعاطف وغض النظر حدّ تواطىء بعض رجال الأمن مع الإسلاميين لقاء رشاوى، مما يتيح للسجناء الحصول على ما يحتاجون إليه من أجهزة اتصال، إلى آلات ووسائل يستعملونها من عمليات الفرار. وحين أقيمت في “ساحة النور” (عبد الحميد كرامي سابقاً) الطرابلسية خيمة إعتصم فيها إسلاميون قبل حوالى سنة، من أجل تسريع محاكمة الموقوفين الإسلاميين، كان التواصل الهاتفي يومياً ما بين المعتصمين وأحد مشايخ “فتح الإسلام” في السجن، فيتلقى المعتصمون منه إرشادات تتعلق بتصعيد الإحتجاج والتظاهر، ويطلعونه على ما يجري ويحدث في ساحة الإعتصام.
في حال جمع هذه الوقائع، مع التسيب والإهمال وسوء الخدمات في سجن رومية، يمكن القول إن ذلك السجن ليس أقل من قنبلة موقوتة قابلة لإنفجارات متتالية في ظروف ومواقيت، يختارها السجناء بالتنسيق مع أهلهم وجماعاتهم خارج السجن الذي تشبه الإقامة فيه الإقامة في الجحيم. فالقوانين والأنظمة المتعلقة بإدارة السجون وتصنيف السجناء غائبة تماماً في لبنان، على ما أشار عمر نشابه في كتابه “سجن روميه إن حكى”. والغياب يشمل تصنيف السجناء وفقاً لجرائمهم وسجلهم الإجتماعي والنفسي، ويشمل كذلك برامج تأهيل وعناية تضمن إنزلاق السجناء إلى العنف والشذوذ والجريمة داخل السجن. فقوى الامن الداخلي المولجة بادارة السجون في لبنان غير مؤهلة اصلاً لهذه المهمة. والضباط المشرفون على الادارة لا يتلقون تدريباً مهنياً متخصصاً للتعامل مع السجناء. فالقانون الصادر العام 1964 عهد إلى قوى الامن الداخلي ادارة السجون موقتاً، واقترح انشاء مديرية خاصة لهذه الغاية، على ان تخضع لادارة وزارة العدل. لكن هذه المديرية لا تزال حبراً على ورق حتى الساعة. ومنذ افتتاحه في مطلع السبعينات، لا تزال تجهيزات سجن رومية على حالها من دون تجديد ولا صيانة. ثم ان السلطات اللبنانية لا تولي اهتماماً للحد الادنى من حقوق الانسان والمعايير الدولية في ادارة السجون.

الحلول المؤجلة

المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء اشرف ريفي اشار بعد تمرد السجناء في مطلع نيسان 2011، إلى ان عددهم في روميه يبلغ 3700 سجين، وكاد تمردهم ان يصل إلى حد سيطرتهم على السجن. وقسم ريفي السجناء إلى “فئات ثلاث متنافرة” تقوم بينها علاقات قابلة لانفجار عنيف قد يؤدي إلى “مذابح”. الفئة الاولى هي “المجموعة الجنائية” التي تشمل الموقوفين بجرائم قتل وسرقة وتعاطي  مخدرات والإتجار بها. الفئتان الاخريان تجتمعان تحت عنوان “ذوي الخصوصية الامنية”. الاولى تضم عناصر “فتح الاسلام” وسواهم من الاسلاميين، والثانية تضم الموقوفين والمحكومين في جرائم التعامل مع العدو الاسرائيلي. وتستفحل بين هاتين الفئتين عداوات قابلة للانفجار في اي لحظة. عدم وجود سجون خاصة حتّم وضع هذه الفئات المتنافرة في سجن واحد، بعد عزل كل فئة عن الاخرى. لكن عمليات التمرد أدت إلى ازالة معظم الأبواب الفاصلة بين هذه الفئات، من دون ان يعاد اصلاح  الابواب.
في 27 آب 2010 وجه ريفي كتابا إلى مجلس الوزراء يحذر فيه من احتمال “انفجار” كبير في سجن رومية. استند الكتاب إلى تقرير اشار إلى الخطر المتفاقم الناجم عن عدم احالة 280 موقوفا اسلاميا إلى المحاكمة، وعن عدم توزيعهم وعزلهم، ما دامت التوجهات إياها تجمع بينهم وتشكل خطراً عليهم وعلى سواهم من السجناء. واعترف الامنيون، وفقاً للتقرير، بأن الفساد اصاب الجسم الامني في السجن، مما سهل حصول السجناء على الهواتف الخليوية والحبوب المخدرة، وغيرها من الادوات التي تمكّنهم من الفرار. والمراقبة الالكترونية وسواها من التجهيزات الامنية معدومة في سجن رومية، وما استقدم منها تبين أنه غير صالح للعمل. واذا اضيف إلى هذا كله ان حوالى 5 آلاف سجين محشورون في سجن لا يتسع لأكثر من الفين، نعلم بماذا تنذر حال الاهمال والتسيب القائمة في هذا السجن. ومما اقترحه تقرير ريفي لحل هذه المعضلة:
- استعجال القضاء في بت ملفات الموقوفين.
- ايجاد حل جذري لترحيل الاجانب المنتهية محكومياتهم.
- الاسراع في عملية الحاق ادارة السجون بوزارة العدل.
- العمل على ايجاد سجن خاص للموقوفين من ذوي الحالات الأمنية الخاصة.

الفولكلور اللبناني والتأريخ الغائب

يناير 16, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 12-01-2013

بيروت 1926

الناطور من أشخاص الحنين في الأغاني اللبنانية وفي لوحات المسرح الغنائي الاستعراضي اللبناني في الربع الثالث من القرن العشرين. هو في صور الحنين الفولكلوري تلك، شخص مرسوم بألوان مائية رقيقة زاهية، وجوّاب دروب وبساتين وحقول ومزارع و”حفافي” أقنية ري. في خيمة “المنطرة” يُمضي ناطور الأغاني واللوحات الفولكلورية أوقاتاً من نهاراته ولياليه وحيداً أو مع رجل “برّي” مثله من الرعاة أو المكّارين العابرين. ضوء فانوس شحيح أو ظلال من ضوء القمر والنجوم البعيدة، تنير الخيمة في عتمة الأوقات الليلية.

لكن الناطور في المرويات العامّية غيره في هذه الصور واللوحات. من هذه المرويات في قرى الساحل يطلع النواطير رجالاً اشدّاء، غالباً ما يبدأون عملهم وافدين أو طارئين على دوائر الاجتماع القروي، فيؤهلهم دورهم وعملهم “البرّيان” وإقامتهم على تخوم تلك الدوائر، للانتقال الى  أعمال وأدوار اخرى في خضمّ تغير نمط العيش والعلاقات الاجتماعية.

حماة السقي والنواطير

في مرويات خليل الفغالي وميشال الابيض يستمد النواطير حضورهم من الوظيفة الحيوية التي يوكّلهم بها الأهالي في نمط حياتهم القروية الزراعية: حماية البساتين، الاشراف على توزيع مياه الري من الاقنية، ومراقبة تدفقها وجريانها فيها، ووصولها، في مواقيت معينة الى اراضي السقي، من سفوح الجبل (الحازمية، الحدت، وكفرشيما). كان عمل النواطير يتطلب نوعاً من الرجال الاشدّاء في مجتمع كانت القوة العضلية او البدنية من اعمدة اعماله ومهنه وقيمه وعلاقاته العاميّة.
لا يخفى تأثير شخصية الناطور ودوره وحضوره في مجتمعه الزراعي وقيمه، على نشأة الفغالي وميوله منذ طفولته التي ارتسم فيها الناطور مثالاً له ولسواه من امثاله. فإبن عم والده، المدعو مسعود، والمولود عام 1888 في المريجة، كان من فتّوات مرفأ بيروت منذ عشايا الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، قبل تعيينه ناطوراً على بساتين السقي في المريجة وتحويطة الغدير، وصولاً إلى كروم الزيتون في صحراء الشويفات، فانجذب الفغالي الفتى الى شخصية قريبه ودروه، وحكاياته ورحلاته: شاربان مفتولان، على خصره مسدس وخنجر وجناد من الخرطوش، وبندقية صيد معلقة بكتفه. اثناء رحلاتهما معاً في الحقول والبساتين، افتتن الفتى بحكايات الناطور القديمة، ايام كان يهرّب في قاربه الصغير مهاجري جبل لبنان من المرفأ الى البواخر في عتمات الليل، كما يهرّب اسلحة المهاجرين العائدين من أميركا الى لبنان. تبدو هذه الصور كأنها مستلة من فيلمي الأخوين رحباني “سفر برلك” و”نجمة بنت الحارس”. لكن اللافت فيها هو خبر الفغالي عن اكتساب قريبه مسعود دور الفتّوة خارج ضيعته المنقطع عنها طوال عمله في المرفأ. هذه الواقعة تتكرر ايضاً في مرويات ميشال الأبيض: بنية النواطير البدنية القوية التي تمكّنهم من القيام بعملهم “البرّي”، تصدر عن ميل فطري وعن عامل آخر اجتماعي: نشأة هؤلاء الرجال وإقامتهم خارج دوائر الاجتماع، وعلى تخومه، كأنهم من الطفّار أو الطيّاح التائهين في المرويات الشعبية اللبنانية في عشايا الحرب العالمية الأولى وغداتها. هنا ايضاً يحضر ما رواه منصور الرحباني من سيرة والده العائد من مصر وتيهه طيّاحاً، قبل إنشائه مقهى على فوار انطلياس، واستقراره في الضيعة الساحلية.
في وجه من وجوهها، تشير هذه المرويات والصور المتكررة في الفنون الفولكلورية، الى أن النواطير وأصحاب المقاهي والخمّارات فيها، غالباً ما يشرعون في أعمالهم هذه بعد عودتهم من رحلات تشرد وفرار، للاقامة والاستقرار والتوطن، أو بعد هجرتهم للاقامة في موطن جديد، لكن على تخوم دوائر السكن في مجتمع محلي اخذ ينحو نحو الاستقرار، وتنشأ فيه أعمال وأدوار جديدة ومتجددة، بعيد الحرب العالمية الاولى. هذا ما تنقل صورةً عنه ومثالاً  له السيرة العائلية لآل الأبيض التي توطنت في السقي على تخوم دوائر السكن في حارة حريك.
روى ميشال الأبيض ان والده الياس، المولود مطلع القرن العشرين في فالوغا بأعالي المتن، اصطحبه من موطنه الأول هذا، رجل من آل الدكاش (كبرى عائلات حارة كريك وأقدمها توطناً فيها) كان يصطاف وعائلته في فالوغا، وشغّله في كرخانة للحرير في الحارة بعيد الحرب الأولى. بعد مدة قصيرة اشترى عامل الكرخانة الشاب “عودة” (قطعة ارض صغيرة، يكني اسمها عن عودة من مهجر للاستقرار في موطن) على طرف بساتين سقي الحارة الشرقي الخالي من السكن، فأنشأ فيها كوخاً، واخذ يزرع العودة، ثم سرعان ما استقدم زوجته وبكر اطفاله من فالوغا لإقامة زراعية دائمة في السقي، حيث أنجب سبعة اولاد، منهم الراوي المولود عام 1930. في الاثناء كان الياس الأبيض قد استقدم ايضاً الى موطنه الجديد إخوته الثلاثة مع ابنائهم الذين تزايد عددهم، فصار لكل من الاخوة الثلاثة ما بين خمسة أولاد وسبعة. هكذا نشأت “ديرة” زراعية عائلية مع توسيع أملاك آل الأبيض، بعيداً من دوائر السكن في الحارة: “على باب البوغاز (الخلاء الذي تعبره الرياح قوية باردة في الشتاء) حيث ساعدتنا كثرتنا – قال الراوي – على التصدي للغرباء، برغم كوننا أصغر عائلة في الحارة”. الغرباء هؤلاء، هم طلائع عشيرة آل المقداد النازلين من جرود جبيل، الى الطرفين الشماليين لكل من برج البراجنة (الشيعية) وحارة حريك (المسيحية)، في مطالع العشرينات من القرن العشرين، وفقاً لرواية رستم المقداد المولود في حي آل المقداد العشائري لجهة الحارة في العام 1944. ميشال الأبيض الذي أبى ان يذكر من هم “الغرباء”، اكتفى بالقول انهم من “خارج” الحارة، وكانت تحصل “بيننا وبينهم مناوشات”، مشدداً على موقع اقامة عائلته الموسعة في “الخلاء على الحدود ما بين الحارة والرويس وبرج البراجنة. وهذا ما نشَّأنا – أضاف – على أدوار التصدي والمنازلة التي تتطلب الشدة والسطوة والبأس”. راوي آل المقداد شدّد على ذلك ايضاً: “كان رجال آل الأبيض بطّاشين لا يرحمون”، قال رستم، من دون ان يتكتّم عن انه كان من المعدن نفسه: “شيخ شباب” عشائري في الحي العشائري على طرف حارة حريك، غير بعيد من “ديرة” آل الأبيض العائلية التي سميت حي الأبيض في مواجهة حي المقداد.
لم يقل راوي آل الأبيض ان الدور الذي تصدّت له عائلته ونشأت عليه، ذوداً عن حارة حريك المسيحية، ولحيازة الانتساب اليها والتأصل فيها، شبيه بأدوار الحاميات العسكرية في الثغور التي يتكرر حضورها في التراث العربي الاسلامي، ومنها التراث العثماني المتأخر زمناً، والذي كانت ظلاله لا تزال ماثلة في الاجتماع اللبناني.
الدور هذا جعل آل الأبيض أصحاب “صولات وجولات” في موطنهم الجديد، أو “ديرتهم” – الحامية التي استمدت إسمها من كنيتهم العائلية. الدور العائلي نفسه هو الذي أهّل عمّ الراوي، حليم، بكر إخوته الوافد من فالوغا، ليعيّن ناطوراً على بساتين الحارة وأقنية مياه الري فيها، لأنه كان “صاحب أدوار ومراجل وقبضنة”، تعضدها شكيمة رجال العائلة الموسعة وشبّانها في السقي، على تخوم المجتمع الذي وفدوا اليه، وأقاموا نواة سكنية خارج مركزه السكني الأقدم عهداً، ودافعوا عنه، وعملوا في مهن تتطلب جهداً عضلياً أكسبهم قوة وبأساً أقرب الى فطرة الطبيعة.
والد الراوي، بعد انهيار الاعمال الزراعية والصناعية المتصلة بالحرير، عمل “مورّق بناء”: تطيين جدران البيوت والمباني وسقوفها بالاسمنت. هذه مهنة، الى سواها من أعمال البناء، كالطرش والدهان، راجت وانتشرت بين أبناء الفئات العامية في حارة حريك والمريجة، وعمل فيها اثنان من إخوة الياس الأبيض وأولادهما، فصاروا من ملتزمي أعمال “التوريق” في المباني الجديدة، الى جانب الزراعة وتربية الأبقار وبيع حليبها. بعدما كانت والدة الراوي تنقل على رأسها الخضر في مواسمها لبيعها في سوق بيروت للخضر – مروراً بقصقص على حدود المدينة، حيث كان يدفع الباعة “دخولية” ليُسمح لهم باجتياز الحدود – صار والده صاحب مزرعة أبقار (40 – 50 رأساً) من كبريات مزارع الحارة.

قبضاي أيام زمان

قبضايات مافيا محلية

في مطلع الأربعينات كان الراوي ميشال الأبيض لا يزال في العاشرة من عمره، عندما أخذ عمّه الناطور يتعاطى تجارة السلاح في بطانة رجل يدعى إميل الخوري، وحمايته. في مخيلة الراوي تبدو صورة الخوري أقرب الى نوع من رجال مافيا محليين، يكثر حضورهم في مرويات الفغالي المشغوف برواية أخبارهم. وهي أخبار تكشف عن نشوء هذا النوع الجديد من الرجال في أدوارهم وشبكات علاقاتهم على مسرح الحياة العامة المحلية وفي كواليسه في قرى الساحل وأحياء بيروت. تحوي هذه الشبكات رجالاً – وسطاء متنوّعي الأدوار، أبرزهم من يسمّيهم الكلام اللبناني الدارج: “المفاتيح الانتخابية” و”قبضايات الأحياء”. ظهر هؤلاء الوسطاء في سياق تحوّل هجين في بنية العلاقات الاجتماعية – السياسية مع قيام دولة لبنان الكبير، وبلغ ذروته في العشايا والبدايات لاستقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي الذي ترك إدارة الحياة السياسية وتسيير دفة الحكم والادارة العامة في الدولة الناشئة، لأقطاب الجماعات اللبنانية وزعمائها السياسيين. بعد تفلتهم من قبضة المندوب السامي والادارة الفرنسيين، أخذ هؤلاء الأقطاب والزعماء من دهاقنة السياسة الأهلية يتنافسون ويختصمون على بناء عصبيات وشبكات أهلية وشعبية في النسيج الاجتماعي للجماعات والمناطق، لتكون – وفقاً لسيرة الفغالي الاجتماعية ومروياته – ركيزة زعاماتهم ومعاركهم وأحلافهم في الانتخابات النيابية. لعب الأدوار الأبرز في هذه الشبكات والعصبيات: أقطاب العائلات ووجهاؤها وأعيانها المحليون، المخاتير وأعضاء المجالس البلدية، الموظفون الإداريون، الفتوَّات و”مشايخ الشباب” والقبضايات في القرى والبلدات وأحياء المدن، العاملون في مهن النقل ومواقف السيارات. وفي ظل ضعف المنظمات والهيئات الحزبية المستقلة عن النسيج الأهلي العصبي، استعمل دهاقنة السياسة تلك الشبكات المتنوعة جسوراً لتجييش الأهالي، وفي إثارة هياجهم في الأحياء والشوارع، وتهدئتهم خدمةً لحاجاتهم ونفوذهم. كان هنري فرعون وحبيب أبو شهلا ورياض الصلح وسواهم، من أقطاب هذه المنافسات والمعارك، فيما كانت قرى الساحل منقسمة معسكرين في ولائها الانتخابي: كتلوي ودستوري. الأغلب أن فرعون كان صاحب النفوذ الأوسع في تكوّن تلك الشبكات، بسبب شبكة مصالحه وأعماله الواسعة، ولاسيما قوة نفوذه في أعمال ميدان سباق الخيل وبين مُلاَّك الخيول، ناهيك بقدرته المالية الكبيرة وتمويله المعارك الانتخابية للكتلة الدستورية.
آل الأبيض وإميل الخوري في حارة حريك من محازبي هذه الكتلة. روى ميشال الأبيض أن الخوري كان يستيقظ من نومه في الحادية عشرة ظهراً، فيجد في صالون بيته جمعاً من الناس ينتظرون خروجه من غرفة النوم “مطقّماً”: يرتدي بذلة إفرنجية وربطة عنق، ويعتمر طربوشه المائل. طلباً لأنواع شتى من الخدمات، يأتي هؤلاء المنتظرون الى بيته، تقودهم اعتبارات وعوامل متنوعة متداخلة: عضويته أو عضوية أخيه في مجلس حارة حريك البلدي، نفوذه وسطوته وصيته بين أهاليها، حظوته لدى أقطاب وزعماء سياسيين في الحكم يؤمّنون له شبكة علاقات بكبار الموظفين في الادارة العامة ومتوسطي مراتبها، وبالجهاز القضائي وبضباط في قوى الأمن والجيش. رجال من هذا النوع غالباً ما لا تُعرف لهم مهنة وعمل علنيان محددان، سوى الظهور المتدرج على مسرح الحياة العامة المحلية الذي تختفي دائماً في كواليسه شبكة علاقات رمادية ومتشعبة، بدونها لا قيامة لذلك المسرح وأدواره العلنية، ولا قيامة لما يسمّى في لبنان علاقات وحياة سياسية قوامها الخطوة والولاء والاستزلام والمحسوبية والشقاق والأحلاف العائلية والأهلية.
رجل مثل إميل الخوري الذي لا تغيب أخباره عن مرويات قدامى الحكّائين العاميين في قرى الساحل، كان صاحب دور فاعل على ذلك المسرح الرمادي وفي كواليسه، وصولاً الى بيروت وبلدات الاصطياف كعاليه وبحمدون، ما بين الاربعينات والخمسينات. دوره ذاك هو نسخة جديدة ومتطورة لدور آل الأبيض وناطورهم كـ”حامية” محلية على تخوم حارة حريك أيام كانت ظلال الزمن العثماني وتقسيماته السلطانية الادارية (متصرفية جبل لبنان، ولاية بيروت) لا تزال ماثلة في العلاقة ما بين الجماعات اللبنانية، وفي علاقاتها الداخلية. وما انضمام الناطور الأبيض الى حاشية الخوري وبطانته، الا مرآة لسطوع نجم الأخير كشخصية شبه مافيوية يشير اليها مشهد حضوره في صالون بيته. هذا ما يؤكده الراوية الفغالي بقوله: اميل الخوري “فرخ قبضاي” ظهر في حارة حريك في بدايات عهد الاستقلال، وكان هنري فرعون وليّه وحاميه، وراعي شبكة علاقاته ونفوذه في الادارة العامة لقاء تجيير الخوري حظوته وسطوته المحليتين لصالح القطب النيابي الكاثوليكي الابرز، والذي به كان “شيخ الشباب” المافيوي الطابع في الحارة، يستقوي ويتجرأ على اطلاق النار من مسدسه في الهواء ترويعاً، أو مصيباً خصومه عندما تدعوه الحاجة والظروف. في المقابل كان وليّ أمر الرجل المافيوي، يتكفل تخليصه من تبعات افعاله، ويمده بأسباب الحظوة التي تمكّنه من تلبية طالبي خدماته في صالون بيته: تصريف معاملاتهم في الادارة العامة، تخليصهم من احكام قضائية، مساعدتهم في ارتكاب مخالفات والتملص من القوانين، السعي في حيازة ابنائهم وظائف حكومية… الى آخر قائمة هذه الأعمال والادوار الرمادية التي غالباً ما تسيّر شؤون الادارة العامة اللبنانية ومعاملاتها الصغيرة منها والكبيرة.

رحلة في منسيات “المكشوف”

ديسمبر 8, 2012

أعد الملف وكتبه محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 01-12-12

لم أعثر على نسخ ورقية من أعداد “المكشوف” الاسبوعية اللبنانية التي كانت تصدر في بيروت ما بين 1935 و1949، واشتهرت كجريدة أدبية رائدة لمؤسسها وصاحبها فؤاد حبيش (1904 – 1973) بصفته “رئيس التحرير المسؤول”، الى جانب التعريف بها “جريدة أدب وفن وسياسة”، على ما يتصدر غلف أعدادها كلها التي أمضيت بضعة نهارات أتصفح الكثير منها على شاشة “ميكروفيلم” في مكتبة الجامعة الاميركية في بيروت.
من دون خطة مسبقة وبلا نظام، دوّنت أثناء تصفحي وقراءتي المتقطعة، طائفة مشتتة من عناوين أبواب ومقالات ومقتطفات منها، وأسماء كتاب وشعراء وصحافيين، وملاحظات وتعليقات وخواطر. هي رغبة تقصي تراث الصحافة والحركة الأدبية، لغةً وموضوعاتٍ وأعلاماً، ما قادني الى “المكشوف” التي لم أكن أعلم عنها سوى أنها كانت رائدة في صناعة الصحافة الأدبية في لبنان طوال 15 سنة. ألوف من الصفحات والمقالات، مئات من الاسماء والعناوين، تواترت تباعاً وسريعاً أمام ناظريّ على شاشة جهاز “الميكروفيلم”، فأصابني ما يشبه الدوار والضياع. بعض الصفحات والموضوعات والاسماء مرّ بصري سريعاً عليها، وبعضها الآخر استوقفني مطوّلاً، فقرأت هذا المقال أو ذاك، ودوّنت ملاحظاتي آملاً في استعمالها للتعريف بالمجلة القديمة. لكنني في الحالتين، غرقت هائماً مأخوذاً بتلك اللذة الغريبة أثناء رحلتي على بساط ريح، نسيجه الكلمات والاسماء المنبثقة من فجوة في الزمن، والمنداحة سريعاً أو بطيئاً أمام عينيّ، مبعثرة كقطع بازل طالعة من ذلك الماضي البعيد الآفل والمنقطع، الذي تبعث محاولة تأليف صوره وعناوينه واتجاهاته، وتأويلها، ضرباً من المتعة المعذّبة تشبه اختبار توليد زمن وحوادث وشخصيات وسياقات روائية. هذه الحال لازمت قراءتي مدوّنات الرحلة بعد الفراغ منها، للعثور على خيوط تمكنني من تنظيم قطع البازل المتناثرة التي جمعتها من المتاهة، علّها تفضي الى رواية استقصائية وصفية لملامح جزئية من تاريخ حقبة من الحياة الصحافية والأدبية المنصرمة في لبنان.

89700-640

التاريخ المجهض

في البداية لا بد من ملاحظة أولى يخلص اليها متصفح الدوريات القديمة كـ”المكشوف” وسواها: تقنيات التوثيق والأرشفة، وجمع المطبوعات والكتب وتنظيمها وتبويبها واستعمالها في مكتبات الجامعات غير الحكومية، متقدمة بأشواط على برامج التدريس والبحث وأساليبهما في مجالات العلوم الانسانية في هذه الجامعات. أما استبعاد الجامعة اللبنانية من هذه المقارنة، فهو من تحصيل الحاصل، ولا يبعث على غير التذكير بالحال الزرية التي انحدرت اليها هذه الجامعة منذ بدايات الحرب (1975 – 1990). والحال هذه تطاول أساليب التدريس والبحث والادارة واختيار المدرّسين، وتبلغ ذروتها في مجالات التوثيق والأرشفة وجمع الكتب والمطبوعات وتنظيم المكتبات التي أُهملت محتوياتها وبليت وغزاها التلف والغبار من دون أن تُستعمل في حال توافرها في كليات الجامعة اللبنانية وفروعها المتناسلة.
“المكشوف” التي صانتها تقنيات “الميكروفيلم” في مكتبة الجامعة الاميركية، بليت صفحاتها الورقية واهترأت، من دون أن تحظى بدراسة تعرّف بها وتضعها في سياق لا يزال مفقوداً للحياة الصحافية والثقافية التي لم يؤرخ بعد لأشكالها الكتابية وموضوعاتها وأعلامها. أما مشروع إعادة طباعة منتخبات من أعداد “المكشوف”، فقد أجهض قبل حوالى 10 سنين من دون أن يبصر النور، فذهب سدىً، جهد الاختيار والتبويب والطباعة الأولية الذي أنجزه الشاعر أنسي الحاج، ومات المشروع جنيناً من دون أن يرثيه أحد، في وقت درج صحافيون وكتّاب وشعراء على رثاء مظاهر الحياة الثقافية وأماكنها الراحلة، ولاسيما المقاهي التي أُقفلت في شارع الحمراء. جاءت تلك المراثي شبيهة بالبكاء على الاطلال في إطار ما يعتبره كثيرون أفول حقبة ثقافية بيروتية ولبنانية زاهية، هي ستينات القرن العشرين والنصف الاول من سبعيناته التي رُفعت أعلامها ورفعت نشاطاتها وأماكنها أنصاباً للحنين والتبجيل، بدل التأريخ لها ولهم ولأدوارهم. لذا ظلت الصحافة والحركات الأدبية وتياراتها وأنواع الفنون المختلفة، بلا تأريخ كُتبت منه شذرات ضئيلة مشتتة.
هذا ما يجعل تصفح “المكشوف” وتدوين ملاحظات وانطباعات وخواطر حول مادتها، محاولة لا تتجاوز وضع إشارات وعلامات متباعدة مختنقة الضوء في ضباب تاريخ غائب وفي محاق عتمته. فالحساسية التاريخية ضعيفة في ثقافتنا العربية التي غالباً ما تعوّض عن ذلك الضعف بالإنشاء الخطابي واللفظي الممتلئ بفراغ اللغة من مادتها الحيّة ومن الوقائع المتدافعة، بدل أن تنجبل الكتابة ولغاتها بمادة العيش والعالم المولّدة للروايات التاريخية.

84759-640

المنشّط الثقافي: فاعلية الحضور الخفي

لم تُكتب لمؤسس “المكشوف”، فؤاد حبيش، ولا لسواه من المؤسسين في الحياة الثقافية اللبنانية المعاصرة، من أمثال ميشال أسمر (1914 – 1985)، مؤسس “الندوة اللبنانية” (1946 – 1975)، سير تأريخية. فالرجلان يتميزان ويتشابهان في أن حضورهما الفاعل في الحركة الصحافية والأدبية والفكرية، اختفى خلف نشاط المؤسسة التي أنشأها كلٌّ منهما، والتصق بها اسمه وحضوره حتى الذوبان والامحاء. والحق أن هذا النوع من الحضور – الاختفاء، أو الحضور الخفي، يختلف عن حضور الاعلام – النجوم في أن كلاً منهما لم تصدر شهرته عن إنتاجه الشخصي في مجال الصحافة والأدب والثقافة، بل عن فاعلية مؤسسته، وجدَّتها وريادتها، بعد مبادرته الشخصية الى إنشائها وإدارتها بنفسه. قوة حضور مؤسستيهما وتأثيرهما في المجال العام، أديا في حالة حبيش وأسمر الى صناعة اسم وشهرة لكلٍّ منهما، مستمَدَّين من جهدهما ونشاطهما في استقطاب طاقات وأسماء أدبية وثقافية بارزة، وفي إنشاء جسور للتفاعل بين هذه الطاقات، وبينها وبين جمهور واسع في الحياة العامة. لقد ذاب الرجلان واختفيا في عمل توليفي وتأطيري مركّب، وحضرا في نسيجه ومفاصله كمحفّزين ومنشّطين، كأنهما جنديان مجهولان ومعلومان في وقت واحد.
مثل كل فكرة جديدة ومبادرة الى تجريبها وتحقيقها، لم يكن مشروع كلٌّ منهما واضح المعالم والأفق في بداياته. تجربتهما في العمل الصحافي والثقافي المزدهر والناشط في ثلاثينات القرن العشرين، كانت دليلهما الى توافر قابليات يمكن جذبها الى مشروع جديد، ما كان له أن يقوم وينطلق إلا بمشاركة وجهود جماعية، شغل الرجلان دورين محوريين فيها، وكان استقطابها في أصل مشروعيهما وفصليهما. وما إن نجح المشروعان وارتسم لهما أفق في الحياة الصحافية والأدبية والثقافية، حتى انعطفت حياة كلٍّ منهما ونشاطه ومساره ومصيره انعطافاً جديداً حاسماً، أخرجه من الظل والإغفال الى الضوء والعلن في زمنه، وبعد رحيله الى عالم الغيب.
حين يقال “المكشوف” يحضر فوراً اسم فؤاد حبيش قبل كل اسم آخر من المساهمين في صناعة شهرتها بعد استقطابها نخبة واسعة من الكتاب والشعراء والصحافيين أمثال الياس أبو شبكة ورئيف خوري وعمر فاخوري ومارون عبود وسعيد عقل وتوفيق يوسف عواد وخليل تقي الدين وفؤاد أفرام البستاني وسواه من البساتنة، وكامل مروة ولويس الحاج وفؤاد حداد (أبو الحن). هؤلاء وغيرهم كثر، كان لهم حضورهم الدائم والمتقطع في “المكشوف”، وساهموا في نهضتها كما ساهمت هي في شهرتهم طوال 15 سنة. ولا يمكن أن يقال “الندوة اللبنانية” من دون الحضور الفوري لإسم ميشال أسمر، قبل غابة من أسماء المثقفين والمفكرين والسياسيين الذين وقفوا على منبر “الندوة” محاضرين.
دور كلٍّ من حبيش وأسمر ونشاطه التأطيري، وليدا خبرة وممارسة وعلاقات وميول ثقافية سابقة في حياة الرجلين على إنشاء كلٍّ منهما إطاراً منظماً لنشاطات يشارك فيها سواه من أمثاله. إنهما دور وإطار يشيران الى ما يسمّى “المنشّط/ المنسّق الثقافي” الذي ينصبُّ عمله على توظيف رؤيته وجهده وعلاقاته في إقامة جسور وفضاءات للتعارف والتبادل والتفاعل والتثاقف ما بين ناشطين وفاعلين في ميادين الثقافة والافكار والأدب والسياسة والصحافة. هذه الأطر والجسور، أكانت مؤسسة أم منبراً أم صحيفة أم مجلة أم حلقة في مقهى، هي ما يسمّيها المفكر الالماني يورغين هابرماس “دوائر العلانية العامة” في كتاب له بهذا الاسم، معتبراً أن لا قيامة للمجتمع المديني، المدني الديموقراطي، من دون وجود هذه الدوائر وتوسعها، وتكاثر روادها وسجالاتهم، وتعدّد آرائهم وتفاعلها. في قلب هذه الدوائر المتناسلة، المتقاطعة وغير الثابتة والزئبقية، يولد المؤطّر أو المنسّق أو المنشّط، ودوره كقطب يعمل على تشبيك مبادرات وعلاقات ومراكمتها وإطلاقها.
هذا ما باشره وبادر اليه فؤاد حبيش بعد سنة واحدة على إصداره “المكشوف” في العام 1935. وهذه حال ميشال أسمر حين تأسيسه “الندوة اللبنانية” بعد حوالى 10 سنين. لكن الدور الذي تصدى له كلٌّ منهما لم يولد فجأة ولا من فراغ، بل سبقته خبرات وتجارب مهّدت له في حياة الرجلين الشخصية والمهنية والثقافية، وفي التجربة التاريخية العامة التي تتجاوز حياتهما الى البيئة الاجتماعية التي صدرا عنها ونشأا فيها وتفاعلا في إطارها الزمني (حقبة ما بين الحربين العالميتين) والاجتماعي (جبل لبنان وبيروت) والمهني (الصحافة ومنتدياتها وحلقاتها الأدبية). في هاتين الحقبة والبيئة، تكونت العوامل والخبرات والتجارب التي أدت، على نحو بطيء، الى نشوء دوائر العلانية العامة اللبنانية، الثقافية والسياسية، فنمت في هذه الدوائر أشكال تعبير ومهن وأنماط تفكير وتذوق وتواصل وشبكات علاقات جديدة، نجمت كلها عن تحولات مديدة في جبل لبنان وبيروت، اللذين قامت بينهما، منذ أواسط القرن التاسع عشر، جسور تواصل وتفاعل مهّدت لتكوّن النواة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية لدولة لبنان الكبير الوليدة في العام 1920.
بدأت تلك الجسور والدوائر تنشأ وتنمو في إطار ما سمِّي التحديث أو الاصلاح العثماني، وتزامن نموّها مع منح السلطان العثماني امتيازات واسعة لقناصل الدول الأوروبية وتجّارها وبعثاتها التبشيرية والتعليمية وجالياتها في ولايات الأمبراطورية طوال تفككها المديد. وهذا ما أدى الى ولادة نوع جديد وغير مسبوق من الحراك الاجتماعي والحريات العامة. ولعل توسع قاعدة التعليم الارسالي الأوروبي والاميركي، ونشوء الصحف وتكاثرها الى جانب المنتديات والجمعيات على اختلافها، هي العلامات الأبرز على ذلك الحراك وتلك الحريات في كلٍّ من مجتمع جبل لبنان وبيروت التي توسعت عمرانياً وخرجت من أسوارها القديمة، وتكاثرت مدارسها الارسالية، ونشأت فيها جامعتان سرعان ما صارتا، بعد قيام دولة لبنان الكبير، الأهم في الشرق الاوسط.

 

 

الضابط اليتيم في حمّى الصحافة والأدب

p23-01-24923-640

يحتاج انشاء سيرة تأريخية لفؤاد حبيش بوصفه منشّطاً صحافياً وأدبياً، ولدوره واثره في الحركة الصحافية والأدبية، الى عمل تراكمي واسع، بطيء ومتنوع المصادر، يفوق ما يحتاج اليه انشاء سير لأعلام الأدب والصحافة ونجومهما المكرسين مع إنتاجهم انصاباً في الذاكرة الجماعية العامة.
يقوم هذا العمل على تقصي المعلومات والأخبار، جمعها وتنسيقها، تأويلها واستدخال عناصرها وخيوطها في نسيج متنوع الالوان والسياقات. وهذا لا توفره الا مخيلة تأريخية تعتمد التأليف والتوليف والتركيب اسلوباً يقترب من الفن الروائي الذي يخالف اسلوب السرد الميكانيكي الحدثي المتسلسل والشائع تكراراً في المصادر المدرسية والاكاديمية. فهذه غالباً ما تحوّل التأريخ سلسلة من الاخبار الجامدة عن الحوادث والوقائع، تبدأ بولادة الاشخاص، وتتوقف في محطات من حياتهم، معروفة وشائعة كالمحفوظات، وتنتهي بموتهم. اما السيرة التأريخية للأشخاص وأدوارهم، فدأبها الاقتراب بهم ليكونوا شخصيات روائية، وهذا ما لا تدّعيه هذه المحاولة عن فؤاد حبيش الذي ولد العام 1904 في بلدة غزير الكسروانية صادراً عن عائلة من العائلات الاقطاعية، مضى اكثر من 50 سنة على بدايات تصدع عالمها مع تصدع نظام الاقطاع والامارة، بعد انطلاق الحركات العامية الفلاحية في جبل لبنان اواسط القرن التاسع عشر. سبق هذا الانطلاق بروز السلك الديني الكنسي والرهباني ودوره في التنظيم والتأطير الاجتماعيين في مجتمع الجبل، فتوسعت قاعدة التعليم المحدث المتصل بذلك السلك وبالبعثات التبشيرية والتعليمية الاوروبية والأميركية، وتراجع دور ملكية الارض والعلاقات والعائلات الاقطاعية في مراكمة القوة والثروة والنفوذ، وجرى توظيف ذلك الدور وتلك العلاقات في سياقات جديدة مدارها الارتقاء الاجتماعي والثقافي والمهني عبر التعليم والتجارة.
الشذرات القليلة المتداولة من سيرة فؤاد حبيش الحدثية، تشكل مرآة لهذين الحراك والتحول. تروي سهام ايليا ابو جودة في بحثها الجامعي حول “الحركة الادبية في لبنان 1935 – 1845 من خلال جريدة “المكشوف”، الذي أعدّته العام 1997 في الجامعة الاميركية في بيروت، ان “الشيخ اسد حبيش (والد فؤاد) كان مدير القلم التركي في متصرفية جبل لبنان. وأتقن العربية والتركية والايطالية”، لكنه توفى حينما لم يكن ابنه فؤاد قد تجاوز الطفولة. بعد تعلمه الاولي في مدرسة “المزار” بغزير، أُدخل في العام 1913 الى مدرسة الحكمة التي أسسها في بيروت المطران يوسف الدبس (1833 – 1907). لكن سنوات الحرب العالمية الاولى سرعان ما أعادت الفتى الى مسقطه واهله، حيث تابع تعليماً بدائياً في “مدرسة تحت السنديانة”. ويبدو انه عاش فتوة، بل طفولة، شقية في تلك السنوات، متنقلا بين غزير وجونيه مع رفاق له يلعبون القمار والبليار وطاولة الزهر. ما ان انتهت الحرب حتى استدعاه ابناء عمومته الى القاهرة، فسافر اليها وامضى فيها سنتين دراسيتين في “المدرسة العلمانية الفرنسية” قبل عودته الى لبنان العام 1922، فلم يستطع الدخول الى كلية الحقوق في جامعة القديس يوسف. كان الجيش اللبناني في بداية تأسيسه غداة قيام دولة لبنان الكبير تحت سلطة الانتداب الفرنسي، فالتحق فؤاد حبيش بالمدرسة الحربية التي انشأها الفرنسيون في دمشق، وتخرج منها برتبة ضابط مترجم العام 1924، فأمضى 10 اشهر على رأس قسم الترجمة العسكري في حماة، قبل عودته الى بيروت.
شبكة علاقات القربى لعبت دوراً في زواجه من يمنى لحود ابنة خالته زاهدة حبيش التي يعود نسب امها الى عائلة الدحداح. للقربى حضورها في صلة فؤاد حبيش بفؤاد شهاب (قائد الجيش اللبناني لاحقاً) الذي تنتسب امه الى آل حبيش. العائلات هذه، الى كسروانيتها، كانت من عائلات المقاطعجية التي تعلوها مرتبة آل شهاب الاميرية، وأدى انهيار النظام الاقطاعي ومراتبه الى تشتتها في المهاجر والاعمال المحدثة، ومنها الصحافة التي استهوت فؤاد حبيش في وقت نشاطها وازدهارها القوي اللافت في العاصمة اللبنانية الجديدة آنذاك. ففي بيروت العشرينات كانت تصدر عشرات الجرائد التي اجتمعت معظم مكاتبها في الوسط المديني حول ساحة الشهداء وفي الاسواق. تحلّق في تلك المكاتب مئات من الشبّان المتعلمين، مأخوذين بسحر الكلمة والادب، وبعهد جديد للحرية في التعبير والحراك الاجتماعي والسياسي، وفي تداول الرأي في العلانية العامة. وفي تلك المكاتب وعلى صفحات الجرائد، تجاور وتخالط ابناء العائلات من اصحاب النسب والمراتب القديمة وابناء العامة العصاميين المتعلمين الذين كانت غالبيتهم من المسيحيين.

73648000-640

عصبة العشرة

لم يبق فؤاد حبيش هاوياً للصحافة، بل ترك عمله ضابطاً مترجماً في المؤسسة العسكرية، وانخرط في المهنة الجديدة الواعدة، فحرر في ما لا يقل عن اربع جرائد، قبل ان يلتحق بـ”المعرض” الجريدة الاسبوعية الادبية، لمؤسسيها وصاحبيها ميشال ابو شهلا (1898 – 1965) وميشال زكور (1893 – 1937). كانت “المعرض” من اهم الجرائد في بيروت النصف الثاني من العشرينات والنصف الاول من الثلاثينات، وتحلق على صفحاتها وفي مكتبها كتّاب بارزون، انشأوا في العام 1930 شلة ادبية – صحافية ناشطة عُرفت وذاعت صيتها باسم “عصبة العشرة” التي تألفت نواتها من أربعة: ميشال ابو شهلا، الياس ابو شبكة، خليل تقي الدين، ولولبهم الصحافي فؤاد حبيش. احياناً يقال ان واحدهم كان يكتب ويوقّع بعدد من اسماء مستعارة، فصاروا عشرة على صفحات “المعرض”، بينما هم اربعة في مكاتبها يتحلق حولهم: كرم ملحم كرم، يوسف ابرهيم يزبك، توفيق يوسف عواد، عبدالله لحود، ميشال اسمر (اسس لاحقاً عصبة ادبية هي “ندوة الاثني عشر، قبل انفراده بتأسيس “الندوة اللبنانية” العام 1946). اما سادس الستة المتحلقين حول نواة “عصبة العشرة” فكان تقي الدين الصلح. واللافت ان الصلح كان يهوى التمثيل المسرحي قبل الصحافة والى جانبها، وفقاً لما كتبه جان داية في “ملحق النهار” في 23 ايار 2010. ففي العام 1924 لعب تقي الدين الصلح، ايام كان طالباً في الجامعة الاميركية في بيروت، الدور الرئيسي في مسرحية “قضي الامر” لكاتبها سعيد تقي الدين، رئيس جمعية “العروة الوثقى” في الجامعة.
هذه الادوار والتجارب المتدافعة والمتقاطعة في مسارات ذلك الجيل الشاب: المسرح، الصحافة، الجمعيات او “العصب” الادبية والصحافية، من علامات ولادة اطر ودوائر وشبكات متنامية في حياة مدينة جديدة مسرحها وسط بيروت القديم، حيث توسع انتشار المسارح والمقاهي ودور السينما والملاهي ومكاتب الصحف التي كانت محطات في مسيرة كثيرين من شبّان العائلات القديمة والجديدة الى النيابة والوزارة والسلك الديبلوماسي الناشئ.
خاضت “عصبة العشرة” على صفحات “المعرض” معارك ادبية حامية ضد التقليد في الادب والشعر “المخضرم” الذي كان يمثله بشارة الخوري (الأخطل الصغير) صاحب جريدة “البرق”، فشكلت تلك المعارك محوراً اساسياً في الحياة الأدبية والصحافية آنذاك.
مما كتبه الياس ابو شبكة عن لقاءات “عصبة العشرة” في مكتب ادارة تحرير “المعرض” حيث كانوا يتناولون طعام الغداء ويتناقشون في شؤون الادب والسياسة، يستشف القارئ أن النراجيل وكركراتها، وربما الطرابيش على بعض الرؤوس، كانت حاضرة في تلك الجلسات التي يسمّي شاعر “غلواء” و”أفاعي الفردوس” جلاّسها الاعضاء “الجنود الروحيين (الذين) لن تقف عينك على مشهد ألطف وأكمل من مشهدهم”. وهم كانوا يكتبون مقالاتهم النقدية اللاذعة بأسماء مستعارة: “جوّابة”، “منخل” لفؤاد حبيش. “غضبضب”، “رسام” لالياس ابو شبكة. كانت هذه المقالات تتصدى لـ”شيوخ الادب التقليدي” ولرجالات السياسة الذين “هجاهم” ابو شبكة في مقالاته ورسومه الكاريكاتورية لـ”هتك ستورهم واقنعتهم المستعارة”. لذا عطّل رئيس الجمهورية شارل دباس “المعرض”، فظلت صامتة حوالى سنتين اواسط الثلاثينات. وحين عادت الى الصدور كان “فرسانها قد تفرقوا، فالتزمت جانب الاعتدال والاتزان”، قبيل الوفاة المفاجئة العام 1937 لأحد مؤسسيها، ميشال زكور، وهو في منصب وزير في الحكومة، فانتقل نشاط “عصبة العشرة” الى “المكشوف” التي اسسها فؤاد حبيش.

شبكات عائلية ومؤسسات

اللافت أن هذه الشذرات من سيرة مؤسس “المكشوف” كتبها عيسى فتوح في حزيران 2005 في العدد 240 من “مجلة الجيش” اللبنانية، ضمن تحقيق في 4 حلقات عن “الصالونات الادبية في لبنان”. فما الذي يحمل مجلة عسكرية على كتابة مثل هذه التحقيقات؟! الجواب: الى تخرجه ضابطاً مترجماً من المدرسة الحربية في دوراتها الأولى، كانت تربط فؤاد حبيش صلة مصاهرة باللواء فؤاد شهاب. وهذه واقعة جزئية من سلسلة من امثالها تشير الى ان المدرسة الحربية في المؤسسة العسكرية اللبنانية منذ بدايات نشوئها، استقطبت شباناً من شبكات عائلية محددة تجمعها علاقات القربى والمصاهرات. من هذه الشبكات: آل البستاني، آل لحود، آل شهاب، آل نجيم، وسواهم من العائلات التي تكاثر ابناؤها بين كبار الضباط والمراتب العسكرية القيادية العليا. والشبكات العائلية لها دورها المماثل تقريباً في سلك الرهبانيات الذي شكّل رافعة اساسية لأبناء هذه الشبكات وسواهم من العامة في التعليم الرهباني والارسالي في المجتمع المسيحي، قبل أن تلتحق به (التعليم) وتستفيد منه فئات اجتماعية من المسلمين. لكن في حالة فؤاد حبيش، هنالك عامل اضافي مهني وثّق صلته بالمؤسسة العسكرية. فبعد تأسيسه “دار المكشوف” للنشر، تعهد اصدار مجلات كثيرة: “المدرسة”، الاذاعة”، “الراديو”، “الجندي اللبناني”، “الشرف العسكري”، “الحرب”، و”قرأت لك”. وهذا ما حمل “مجلة الجيش” على استذكاره في العام 2005.
يبقى أن نشير في هذا السياق الى أن “دار المكشوف” كانت “امبراطورية نشر” أدبي ولقطاعات مهنية وتربوية ما بين الثلاثينات والخمسينات من القرن العشرين، ايام كانت الكلمة المكتوبة في الصحف والمجلات، والكلمة المسموعة عبر الاذاعات، الفضاء الاساسي الأرحب للتواصل والتعبير والترفيه وتناقل المعلومات لدى الفئات الاجتماعية والعمرية والمهنية المختلفة في تلك الحقبة التي شهدت طفرة في اصدار مجلات ومطبوعات ترفيهية واعلانية ومعرفية خاصة بقطاعات جديدة ناشئة ومتوسعة. لكن اللافت ان هذه القطاعات المهنية والتربوية، استنكفت عن انتاج ما تحتاجه من مطبوعات وعن اختبار طاقاتها في نقل تجاربها الى مجال الكتابة، بتلزيم تحرير واصدار ما تتطلبه من المطبوعات الى هيئات تحرير ومؤسسات نشر محترفة وغريبة عنها وعن حاجاتها وتجاربها وخبراتها المهنية. هذا فيما كانت “دار المكشوف” اول دار لبنانية ارست تقاليد مؤسسية للنشر، بفصلها هذه المهنة عن مهنتي الطباعة وبيع الكتب، بعدما كان الناشرون أصحاب مطابع ومكتبات تجارية.

 

أخبار الشهوة المدبلجة

لا نملك معطيات وافية تمكننا من تقديم شبكة العوامل التي حملت الشيخ فؤاد حبيش حينما كان في مطلع الثلاثين من عمره، على الخروج على التقاليد السائرة في العمل الصحافي الناشط والمزدهر، وعلى أنواع المادة التي كانت تقدمها الجرائد إلى القراء في بيروت ثلاثينات القرن العشرين.
يتطلب تقديم تصور ما عن هذه العوامل، العودة الى ما كان يكتبه حبش وسواه في “المعرض” وسواها، كما يتطلب أيضاً توافر سيرة اجتماعية – ثقافية ما، حقيقية للرجل، لم تُكتب بعد، شأن غيرها من سير روّاد الصحافة وكتّابها في تلك الحقبة، وشأن التأريخ الفعلي للصحافة والعمل الصحافي وموضوعاته. وفي ظل غياب مثل هذه السير وذلك التأريخ، يصعب اجلاء دواعي فؤاد حبيش الى اصدار جريدة اسبوعية تبدو اليوم اقرب الى جريدة الأمس لـ”الاثارة الجنسية” ولما يحفّ بها من صور وأهواء ومن حوادث وأصداء اجتماعية. ويظل ضرباً من الحدس التقريبي التعرف إلى ما دار في وعي الرجل ومخيلته كي ينشئ تلك الجريدة التي لا ندري إن كان أحد ما في ثلاثينات بيروت والقاهرة، قد سبقه في انشاء مثيل له، فاستلهمه حبيش ونسج على منواله: جريدة توقف مادتها كلها تقريباً على إثارة مدارها ومحورها النساء والجنس، كما تحضر أخبارهن وأخباره في بعض الحصف والمطبوعات الغربية، الشعبية والرائجة آنذاك، على الأرجح. إثارة يجري استلهامها، ترجمتها ودبلجتها (على نحو ما تجري اليوم دبلجة المسلسلات التلفزيونية المكسيكية والتركية)، لتقديمها في مطبوعة عربية اللغة والتهويم والتخييل الاجتماعيين والثقافيين، ليخالف حبيش في هذا سربه الصحافي والكتابي في “عصبة العشرة”. يتبادر هنا حدس ما، بعيد، بأن حبيش رغب في ان يقدم مادة صحافية تكسر الجدية والرصانة السائدتين في الكتابة آنذاك. كما يتبادر حدس آخر بأن ما دار في وعيه ومخيلته، استلهم على نحو معكوس أشعار صديقه في “العصبة” إلياس ابو شبكة. ففي مقابل حمّى الشهوات وفحيحها الأسود الآثم والملتاع، وفي مقابل آلام حُرَقِها الناجمة عن عدم تلبيتها جرّاء تمنّع المرأة وامتناعها وشبقها المستتر مع “خيانتها” واختبائها خلف حجب التقاليد والحشمة والفضيلة، كما في قصائد “أفاعي الفردوس” – التي يقال ان ابو شبكة كتبها متأثراً بـ”أزهار الشر” البودليرية وبالرومنطيقية أو “الواقعية الرمزية” – في مقابل هذا كله، عمل فؤاد حبيش على دبلجة مادة صحافية عن فحيح الشهوات والأهواء وأصدائها في أخبار الحوادث والوقائع الاجتماعية والقصص الاوروبية في حقبة ما بين الحربين العالميتين. لكنه نزع عن ذلك الفحيح مشاعر الإثم واللوعة وآلام حرقها، وقدّمه في أسلوب نثري، قصصي وإخباري، يجمع الإثارة والتشويق واللهو إلى واقعية حسية مفترضة.

رسول العري والبصبصة

استهل فؤاد حبيش تسمية جريدته الاسبوعية الجديدة “المكشوف” من فكرته وتصوّره عنها وعن مادتها ومتطلبات جمهورها المفترض: الرغبة في هتك الأسرار والحجب عن المرأة وجسمها. وذلك بتعريضها في الإخبار والقص المفترض انهما حدثيان وواقعيان، إلى حساسية جديدة هي وليدة السفور والتعرية، وفقاً لمبدأ الواقع الإباحي، على خلاف مبدأ الإعلاء الطهراني والروحاني للرغبات والشهوات، ولإستتار النساء وأجسامهن خلف حجب التقاليد المحافظة والفضائل الاخلاقية والاجتماعية البالية. غداة تأسيسه “المكشوف” وإصدارها، نشر حبيش “بيانه التأسيسي” وبيان جريدته، في كتابين هما “السجينات – بحث في حب النساء الشاذ”، و”رسول العري” الذي صار لقباً له، وإسماً آخر لجريدته التي جرى تداول اسمها في صيغة المذكّر، فقيل وكُتب “هذا المكشوف”، بعدما صدرت اسبوعياً ابتداءً من أول أيار 1935. اللافت ان أعدادها الأولى خلت من اسماء كتّاب أو محرّري مادتها ومدبلجيها، سوى اسم “محررها المسؤول” فؤاد حبيش فقط. على صفتحها الأولى في عددها الأول “قصة لم يسبق نشرها” هي “قصة غرام النبيلات” إلى جانب صورة امرأة تنكشف أجزاء مثيرة من جسمها. وتكرُّ سبحة أشباه هذا العنوان على صفحات العدد الأول كلها: “العري في الحب – أتفضل أن تكون عارياً أم لابساً؟”، “الحب في الكتب”، تحته عنوان فرعي: “زوجة متطرّفة في تقواها”، ثم “القضايا القذرة والمحاكمات السرية”، “مدرّسة لا تكره الشهوات”. طوال السنة الأولى من صدورها تتعزّز مثل هذه العناوين والأبواب وتتناسل متزايدة، كأنها قصص وحكايات متسلسلة: “قصة زواج حكيم” (طبيب)، “المطارحات الغرامية التي تفضلها المرأة”، “كيف تحب رجلاً متزوجاً”، “العاشق الحقيقي: واجبه قبل الحب وفيه وبعده”، “جسد ملتهب”، “مخدر جديد يستعبد النساء ويوقظ شهواتهن”، “ما هي اللذة التي تفضلها في الحب: فوق الصخور، القبلة الجارحة، العضة في الأذن؟”، “الغرام في اسبانيا يشمل الكبار والصغار”، “المغازلة في السينما: بغاء القاصرات، أسعار الحب”، “كيف سحر هتلر الفاتنة بريجيت”، “اللهو والحب في لندن”، “الجرائم في بولونيا”، “ريق امرأة يشفي من سم الأفاعي”، “مومس تتحدث إلى ابنها”، “السحاقيات عند اليونان”، “الفحش المقدس في بلاد المهاتما غاندي”… إلخ.
على صفحات 33 عدداً صدر الأخير منها في 7 كانون الثاني 1936، ظل “مكشوف” فؤاد حبيش بوصفه “وان مان شو” تقريباً، رسولاً لهذا النوع من العناوين والكتابة الاسبوعية المترجمة والمدبلجة والمعدّة والمنقولة عن صحف ومطبوعات أوروبية معظمها فرنسية. إلى جانب هذه العناوين وموضوعاتها، صور اباحية لنساء ومضاجعات شديدة الإثارة، يقوم بحفرها على معدن الزنك حرفيّ أو فنّان “الزنكوغراف”، فتشير “المكشوف” إليه في بعض أعدادها باسم “بغدادي” الذي يبدو ان رقابة المطبوعات آنذاك أخذت تحذف بعض صوره الشديدة الإباحية. لذا أصدرت الجريدة بعض أعدادها بمساحات بيضاء على عدد من صفحاتها، بسبب حذف الرقابة تلك الصور.

المرأة محور الإعلانات

تتخلل هذه العناوين والموضوعات المثيرة إعلانات محلية تشير الى ظهور مهن وخدمات وسلع جديدة متناسبة مع “ثقافة السفور الإباحية” التي تشيعها “المكشوف”: “الدكتور جرجي ربيز الاختصاصي بالأمراض التناسلية”، “عيادة طبيب الأسنان” لطبيب في محطة الناصرة، “كريم هالينا المزيل للنمش”. بعض الاعلانات تحظى بمقدمات مثيرة مطولة: “ماذا يحب الرجل في المرأة؟”، والجواب: “جمالها الطبيعي الخلاب، صفاء الوجه، نقاء البشرة”. عليك إذاً بـ”كريم سندس”. ثم دعاية لـ”الشوكولا الوطنية، صنع معامل الجميل الشهيرة: تجدها خصوصاً في صيدلية الجميل بساحة الشهداء”. للاصطياف والفنادق والمطاعم والخمور حصتها من الدعاية: “نزل قاصوف في ضهور الشوير”، “فندق الهنود في دير القمر”، “عرق الزوق الفاخر”، “مطعم عارف الجديد المشرف على سينما روكسي”، “الويسكي اللذيذة الخالية من الضرر: أمباسادور”، “حتي إخوان لأوراق السفر إلى جميع أنحاء العالم”، وإعلان عن شركة جديدة لنقل المصطافين، وعن “دليل الاصطياف لمؤلفه اسكندر يارد”، وللاعلانات على صفحات “المكشوف” عليك ان “تخابر في شأنها الادارة في سوق اياس – قرب البركة”. إلى جانب حلقات “رواية” متسلسلة عنوانها “الإغواء” لأنيس دية، مقالة عن “بائعات اللذة في فرنسا ولبنان”، يرد فيها ان “حملات الصحف والأحاديث الخاصة أثمرت اخيراً عن ضرورة التساهل بالسماح لبائعات اللذة ممارسة حرفتهن في أماكن الاصطياف”، حيث تنقل الجريدة أخبار انتخاب ملكات للجمال في حمّانا وضهور الشوير. لذا نشرت “المكشوف” مقابلة مع المنتخبة الآنسة كيتا كفوري التي قالت: “تغريني المكشوف وأقرأها بلذة لأنها جريدة الجمال الحقيقي والفضيلة الحقيقية”.

استعارة أوروبا “السنوات المجنونة”

هذا غيض من فيض عناوين “عالم المكشوف” للسفور والعري في أعداد السنة الاولى من صدورها. يتخيل متصفح هذه الأعداد أن مادة الجريدة الاسبوعية أثارت عاصفة في مجتمع ثلاثينات المجتمع اللبناني والبيروتي. من الصعب التحقق من هذا الأمر من دون استطلاعات واسعة تبيّن وقع تلك المادة الصحافية على جمهور قرّاء تلك الحقبة التي عمل فؤاد حبيش فيها على إعداد مواد صحافية وكتابات أوروبية مثيرة، ترجمتها وتلخيصها ونشرها في “المكشوف”. كان العالم آنذاك يعيش في حقبة ما سُمّي في أوروبا “السنوات المجنونة”، أي العشرينات التي أعقبت الحرب العالمية الاولى (1914 – 1918). وهي سنوات مضطربة ومضطرمة بأنماط عيش وتفكير جديدة، منها رسوخ خروج المرأة الى العمل والحياة العامة واتساعه على نطاق جماهيري في البلدان الأوروبية، حيث شاع تحرر النساء من الأزياء القديمة التي كانت تلافيفها الكثيرة تغطي أجسامهن وتعوق حركتها. ويبدو أن فؤاد حبيش زار ألمانيا في مطلع تلك السنوات الأوروبية “المجنونة”، فتردد هناك على “نوادي العراة” حيث “أفراد من طبقات اجتماعية مختلفة، يمضون عطلهم، رجالاً ونساء، في الهواء الطلق، عراة، لتنقية أجسامهم من الأمراض”، على ما كتب حبيش نفسه في مقدمة كتابه “رسول العري” واصفاً رحلته الألمانية تلك التي كان قد نشر بعض فصولها مقالات في جريدة “الأحرار المصورة” في عنوان “العري في ألمانيا”. أما ذلك الكتاب فكان حصيلة ترجمة وتلخيص لكتاب “بلاد العري” للفرنسي شارل رواييه. كان دافع حبيش الى ذلك العمل “إيمان بأهمية الثقافة الجنسية القائمة على قواعد طبية وصحية يتوجب تلقينها للطلبة منذ نعومة أظفارهم”، فاتّهم، بعد نشره الكتاب بـ”الانحراف الخلقي”.
صديقه ادوار حنين قال في رثائه العام 1974 إنه كان “على ظاهر من التفلت منقطع النظير”، لكنني “ما رأيته يوماً إلا في جانب الخلق النبيل (…) مشدوداً الى الجبل بشروش لا أمتن: منها لآل حبيش ومنها لآل لحود ومنها للصخرة التي أدمت قدميه صبياً في غزير”. أما عديله أنطون غطاس كرم فقال عنه في السياق الرثائي نفسه: “إذا لقيته نضح بالبشر ثم زفّك العبث، كأنما الدعابة (عنده) جسر الى الحميم، وانزلاق اللسان أسلوب من المودة”. كثيرة هي الاشارات التي تؤكد أن حبيش كان سليط اللسان حتى “البذاءة” الساخرة، أو “الشتيمة بلهجته الكسروانية الشهيرة”، على ما ذكر أنسي الحاج، متذكراً “أناقته الأريستوقراطية”. هذه الصفات قد نجد مصدرها في محطات سيرة حبيش الاجتماعية والشخصية. فإبن عائلة المشايخ التي تفكّك عالمها القديم، والمقامر الصغير في فتوّته أيام الحرب العالمية الاولى، والمتخرج من المدرسة الحربية ضابطاً مترجماً، قال عنه أنطون غطاس كرم إنه كان “في انضباط الجندي، مؤرقاً (من الورق)  يفلي صحف العالم، يخط بالأحمر، يترصد ثمار المطابع في كل فن، يجمع مختار الطرائف من المد العالمي، يطوّعه وفق قرائه، يلطّفه، يضغطه مادة لصفحة” في جريدة، أيام كانت الصحافة تنطلق ناشطة مزدهرة في بيروت ولبنان العشرينات والثلاثينات. فهل استشفّ فؤاد حبيش أن سوق الصحافة وجمهورها المحليين متعطشان توقاً  الى مطبوعة جديدة تتفرد في المجتمع المحلي بالتعبير عن شبق محموم، مكبوب أو مكتوم، يريد أن يسفر عن نفسه في العلانية العامة؟ لكن لا حبيش ولا ذلك المجتمع كانا يمتلكان ثقافة وتجربة وخبرات ولغة تمكنهما، بغير الترجمة والتلخيص والدوبلاج، من التعبير عن ذلك التوق الشبق الى السفور. لذا أقدم الصحافي، “رسول العري”، وكذلك مجتمعه، على استعارة مادة توقهما من أوروبا “السنوات المجنونة”. مذذاك، قبله وبعده، تعمل ثقافتنا ولغتنا العربيتان على استعارة عالم الحداثة الأوروبية وترجمته على نحو سيئ غالباً، ونشره في شتى ميادين حياتنا المحلية.

الخيال الصحافي السبّاق

في العدد 33 من “المكشوف”، ذاك الذي سبق انقلابها جريدة للأدب والأدباء في مطلع العام 1936، حاول توفيق يوسف عواد إدخال استعارة فعل أوروبا في نسيج الاجتماع البيروتي، فكتب في أسلوب قصصي تحقيقاً عن “بنات المدينة” اللواتي يعملن في المؤسسات والمخازن والمكاتب، كما يعمل الرجال. طائفة البنات العاملات “لم يكن لنا بها عهد قبل الحرب الكونية الاولى – كتب عواد – ويجب أن نحسب لها حساباً اليوم”، بعدما بلغ عددها “المئات” في بيروت. وينقل الكاتب مقتطفات من محادثته بعض بنات هذه الطائفة الجديدة. إحداهن تقول إنها تعمل للحصول على مبلغ من المال لتشتري به “كل ما تشتهيه نفسي: فساتين، برانيط، عطور، كلسات، وبطاقات سينما”. وهي “تحب الجمال أكثر من التحصن في المنزل”. أخرى تقول إنها “تحب الحرية، الخروج وركوب الترامواي، وأن يمشي ورائي شاب يسارقني النظر، فأضحك عليه في سرّي، وأتمتع بتلك الرعشات تنزل من قلبي الى أخمص قدمي”. ثالثة تقول: “أحب العودة الى البيت، ليسألني والدي أين كنتُ، فأجاوبه: كنت في الشغل”. رابعة تعمل في مخزن وتتقاضى 10 ليرات سورية في الشهر، وتقول إنها تُعيل بها أمها الأرملة وإخوتها اليتامى.
أخيراً يخلص عواد متسائلاً: “أنستطيع القول إن 50 في المئة من العاملات يحافظن على عفافهن؟”. جازماً يجاوب “السالمات لا تتجاوز نسبتهن 5 في المئة. العذراء منهن نصف عذراء، وهي تعطي كل شيء سوى خيط عنكبوت. التي تعطي بسخاء إنما تعطي مدير المكتب أو المخزن أو المؤسسة، من دون أن تبخل في الشارع”. ويختتم الكاتب في أسلوبه القصصي: “في الصباح والمساء، عندما تتزاحم الأقدام العالية والفساتين القصيرة على الأرصفة، تجد كثيرات يقفن في محطة ترامواي أو على ملتقى طرق، ينتظرن العشاق. إنها ظاهرة فرحة لذيذة، لكنها لا تخلو من خطر. ومتى كانت الحرية خالية من الأخطار؟!”.

 

رسول العري يستعيد صواب الأدب

في عددها الأربعين مطالع أيار 1936 صدّرت "المكشوف" صفحتها الأولى ببيان أعلنت فيه "مفاجأة كبرى سارة لم يحلم بها القراء": سوف تصير "جريدة جديدة بشكلها وروحها ومادتها وكتّابها" لتصبح لسان حال النهضة الأدبية في هذه الربوع بما تنشره من مقالات تدبّجها أقلام نخبة من أدباء هذا الجيل.  تطرق "المكشوف" "مواضيع السياسة بإخلاص لخدمة البلاد، وتعالج مواضيع الأدب (لـ) تحرير الأدب العربي من عبودية التقليد وعبودية التجارة". ويضيف البيان: "ستبحث المكشوف في الفن والعلوم والسينما، وقد تمكّنا من الاتفاق مع عدد من كتّابنا الممتازين (الذين) نفاجئ بهم قراءنا". أما ما سينجم عن هذا التغير، بل الإنقلاب، بعد أكثر من سنة على صدور الجريدة، فيقصره البيان على أن "المكشوف ستصبح الجريدة التي تقرأها العذراء في خدرها دون أن تلاقي في قراءتها ما درجت عليه حتى اليوم، (وهو) ما عزمنا على اهماله تماماً".   التدبيج والعذارى الى النبرة الإعلانية الدعائية البارزة في مطلعه، ينطوي القاموس اللغوي للبيان على عبارات وكلمات قد يكون جامعها ما سمّي "النهضة الأدبية" بوصفها حركة عامة صِيغ مفهومها منذ نهايات القرن التاسع عشر ما بين مصر ولبنان، مستلهِماً حركة التنوير الأوروبي، وصار دارجاً بين المثقفين والكتّاب والأدباء العرب واللبنانيين، ومدار سجالاتهم وانقساماتهم وحامل رغباتهم في التجديد والتقدم والتحرر، طوال النصف الأول من القرن العشرين. مثل معظم البيانات النهضوية الأدبية العربية واللغة التي تعتمدها، تظهر في بيان "المكشوف" عبارات وكلمات وصياغات إنشائية تعود الى "لاوعي لغوي" وتعبيري يُفترض أنه سابق على النهضة الأدبية، ويخالف مضمونها الذي قد تكون العبارة الإعلانية في مطلع البيان هي الأقرب إليه. أما العبارات والكلمات الصادرة عن "لاوعي لغوي" مرسل ويخالف المضمون المفترض للنهضة، فهي من أمثال: "هذه الربوع"، "تدبجها أقلام"، "العذراء في خدرها". ذلك أن هذه الكلمات تنتمي الى لغة عربية فائتة فقدت صلتها بوقائع الحياة اليومية ومخيلتها وأفعالها وعلاقاتها السائرة، وفقاً لما رغبت "المكشوف" نفسها ان تحمل رايته في حلّتها السابقة على البيان بوصفها "رسول العري" و"كشف الستر" عن الرغبة والوقائع والحوادث والأفعال والعلاقات الناجمة عنهما في الحياة الاجتماعية والخاصة. لكن مراجعة عناوين ومقتطفات من مادة "المكشوف" الصحافية في سنة صدورها الأولى، بيّنت أن تلك الرغبة – الرسالة جاءت مترجمة ومدبلجة عن مواد صحافية أوروبية (فرنسية غالباً)، ومنقطعة الصلة بأحوال المجتمع المحلي ووقائعه وحوادثه في معظم الحالات، ما خلا الإصرار على طلب الإثارة في ما يتصل بشؤون النساء وأجسامهن وملبسهن وشهواتهن وشهوات الرجال، تلك التي دأبت الجريدة على نشر أخبارها وحكاياتها المترجمة في علانية عامة، صحافية ناشطة ومزدهرة في بيروت ثلاثينات القرن العشرين. إذ كيف يمكن الحديث عن إرادة العري والسفور والرغبات والعلاقات والحوادث الناجمة عنهما، في لغة تستعيد كلمات مثل العذارى والخدور والتدبيج والربوع؟ والحق أن فعل التدبيج ينطبق تماماً على معظم مقالات "المكشوف" الصحافية المغفلة التوقيع في طورها الأول "رسولاً للعري". الفعل نفسه حاضر في بيانها الأدبي الجديد الذي يزفّ الى قرائها بشارة صيرورتها جريدة أدبية، استقطبت قولا وفعلا نخبة واسعة من كتّاب لبنان أولاً، وسوريا تالياً، في الأدب والصحافة في عقدَي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، على ما تبيّن مراجعة أعدادها ما بين العدد 33 و500 تقريباً، قبل توقفها عن الصدور مطلع الخمسينات.  "لايف ستايل" الثلاثينات لا ريب في أن كاتب البيان الأدبي، أو المشارك في كتابته، هو مؤسس "المكشوف" الشيخ فؤاد حبيش الذي روى في صفحة داخلية من العدد المنشور فيه البيان، أن "عائلة هاي لايف"، أي مرموقة اجتماعياً و"مثقفة" وتتألف من "أم وأب و7 أولاد بينهم فتيات"، كان "كل منهم يشترك سراً" في "المكشوف" التي تُرسل اليه أعدادها "على عنوان خاص" به وحده منفرداً. تغيب في هذا الخبر كلمتا العذارى والخدور، وتحضر كلمة فتيات وعبارة "هاي لايف" الأجنبية، كما يقال اليوم "لايف ستايل" في لغة الاعلاميات التلفزيونيات اللواتي غزا حضورهن وغزت لغتهن الصحافة المكتوبة. الأرجح أن حبيش في "مكشوفه" في طورها الأول ما قبل الأدبي، قدّم في منتصف ثلاثينات القرن العشرين مادة صحافية سبّاقة ورائدة من نمط "اللايف ستايل"، مشوباً بالإثارة. هذه الثقافة في نموذجها اللبناني والعربي الراهن، هي شكل من أشكال ثقافة العولمة الما بعد حديثة (البوست مودرن) التي تختلط فيها انماط تفكير وتعبير ونظر وسلوك غير متجانسة، بل عشوائية، صادرة عن "لاوعي" مرسل، كما كانت تختلط في الثلاثينات في لغة فؤاد حبيش كلمات وعبارات "هاي لايف" وفتيات وعذارى وخدور، الصادر كل منها عن فضاء لغوي مختلف عن الآخر، ومتعارض معه. كان يمكن ان نضرب صفحاً عن هذا التعارض العشوائي، ونقدّره تقديراً مختلفاً، لو أننا في معرض من فنون التجهيز الرائجة منذ سنوات في الفنون البصرية الما بعد حديثة. عطفاً على بيان "المكشوف" الأدبي الجديد، تفصح إشارة حبيش الى عائلة المشتركين السريين في جريدته حينما كانت "رسولاً للعري"، عن أن العذارى كنَّ من قرائها، لكن خارج خدورهنّ البيتية والعائلية التي صار يمكنهن أن يقرأنها فيها مطمئنات بعد تحولها جريدة أدبية. هذا يشير الى أن "المكشوف" في حلتها السابقة كانت علنية وسرية في وقت واحد: مطروحة علناً في سوق المطبوعات الناشطة، وللمشتركين الذين يلتهمون مادتها الصحافية كل بمفرده وفي السر أو الخفاء عن الآخرين. وهذا يجعل القارئ بصَّاصاً على ما يقرأ، على رغم أن ما يقرأه مطروح علناً في السوق، من دون أن تلغي هذه العلنية والغفلية حذره من تداول الجريدة وقراءتها. أما بعد تحولها جريدة للأدب والأدباء فسيزول الخوف والتسري والقلق واللاطمأنينة أثناء قراءتها. وبسخريته اللاذعة يؤكد حبيش أن "عائلة الهاي لايف" التي يصفها بـ"المباركة" متهكماً، "ستشترك" علناً في "المكشوف" الجديدة "بعدد واحد فقط"، ليصير عددها الأسبوعي مطروحاً في البيت لجميع أفراد العائلة، يتناوله كل منهم بدعة مطمئنة، لا أثر فيها لذلك القلق المشوّق المثير الذي كان يجعل الجريدة واسعة الانتشار كنار في الهشيم، أو كسلعة ممنوعة – مرغوبة يجري تداولها فردياً في سوق سوداء. وقد يكون هذا مصدر قوة حضور "المكشوف" وانتشارها السريع في سنتها الأولى، قبل توسلها بهذين الحضور والانتشار وتوظيفهما في تحويلها جريدة للأدباء والأدب في علانية عامة "بيضاء" لا أثر فيها للسر والتسري والبصبصة على انفراد وفي الخفاء. والحق أن هذا ما يتحسر عليه فؤاد حبيس "رسول العري والإثارة"، تحسراً موارباً، ربما لم تشفِه منه القوة المعنوية الموعودة لجريدته التي قد يكون علَّل نفسه وواساها بقوله في البيان الجديد إن العذارى سوف يواصلن قراءتها، لكن مطمئنات في خدورهن. لكن هذا ليس أمراً مؤكداً، إذ متى كان الأدب وصحافته قبلة قلوب العذارى ورغباتهن؟ فحبيش يؤكد أن "المكشوف الأدبية" ستتدنى مبيعاتها وأعداد مشتركيها. لكن المؤكد أيضاً أنها في الحالتين، برغم قصر مدة حالتها الأولى، جعلت من فؤاد حبيش رائد صحافة ونشر طوال ما لا يقل عن 15 سنة في حقبة سميت حقبة "المكشوف" في صناعة الصحافة والنشر الأدبيين.  الانقلاب الأدبي صدر العدد الأول من "المكشوف" في حلتها الأدبية الجديدة في 5 نيسان 1936، حاملا الرقم 43. على صفحته الأولى قائمة بأسماء الأدباء والشعراء المشاركين في تحريره، وفق الترتيب الأبجدي. تلي القائمة افتتاحية غير موقّعة، عنوانها لافت: "دستور 1926 للأحوال الشخصية: تشريع الطوائف والاعتراف بها". موضوعات العدد تنبئ بأن معدِّيه أصحاب خبرة ثقافية وأدبية، وبذلوا جهداً في مناقشة مواده وموضوعاته واختيارها واختيار كتّاب محددين لكتابتها، كي تطل الجريدة إطلالة مثقفة بالغة الرصانة والشمول والتنوع، لكن المتجانسة في أسلوبها ووجهتها في ميادين الأدب والفلسفة والاجتماعيات والشعر والقصة: فؤاد أفرام البستاني كتب في "نظرية جديدة في الأدب الجاهلي" مناقشاً طه حسين. قسطنطين زريق طرح على نفسه سؤالا: "هل في العالم العربي اليوم فيلسوف؟" وجاوب عن السؤال هذا في مقالة. "الطبيعة والعمران في الشعر الأندلسي" عنوان يقترب من اجتماعيات الأدب لبطرس البستاني. في الميدان نفسه كتب الشاعر إلياس أبو شبكة "بين الأدب والشعر والصحافة"، وكذلك ابرهيم سليم النجار الذي بحث في "أثر الأدباء اللبنانيين والسوريين في السينما والمسرح العربيين"، فيما كتب جبرائيل جبور عن "خدمات المستشرقين للأدب العربي". عبدالله لحود كتب مقالة تعريف بمارسيل بروست وأدبه. قيصر الجميل الذي لن يغيب اسمه عن "المكشوف" طوال عهدها إلا نادراً، كاتباً وراسم بورتريهات للأدباء، خصَّ العدد بمقالة عنوانها "هل يرى المصور في الطبيعة غير ما يراه عامة الناس؟". في مجال الفن السابع، درة حداثة القرن العشرين، كتب كرم البستاني عن "أسرار الجمال عند غادات السينما" اللواتي وضع الفيلسوف الفرنسي إدغار موران كتاباً رائداً عنهن في الستينات عنوانه "نجوم السينما" بوصفهن صنيعة ظاهرة – "نظام" جديد يجعلهم "أنصاف آلهة" تعبدها الجماهير المعاصرة. في مقالة حنا غصن "آفة المسايرة في حياتنا الاجتماعية العامة"، تحضر إرهاصات المعالجة الأنثربولوجية في تناول العادات والتقاليد المحلية. ويشمل هذا التناول مقالة مغفلة التوقيع عن الأزياء عنوانها "بين القبعة والفستان" بوصفهما عنوان انقلاب الزي النسائي وعصريته تعبيراً عن شيوع سفور المرأة وخروجها الى الفضاء العام. هذا فيما كتب فؤاد حبيش "14 وصية منقولة عن الأديب الفرنسي موريس دير كويره، لكي تكون المرأة محبوبة". يقول صاحب "المكشوف" إنه يعرضها "تفكهة للقراء"، كأنه انتبه الى الرصانة والثقل الثقافيين في مواد جريدته في حلتها الجديدة، فأراد التخفيف من جدِّيتها الثقيلة معتذراً لقراءها من النساء. للمواد الصحافية حضورها الطفيف في عدد الجريدة هذا، لكنه في المقابل حضور نوعي في جدّته ودلالته وتناوله السياسة الدولية في باب مستقل عنوانه "أخبار العالم في أسبوع"، يعدّه ويحرره كامل مروة، قبل أن يصير في الأعداد التالية من نصيب لويس الحاج. الباب الصحافي الأسبوعي الآخر هو أخبار الرياضة التي يستهلها العدد بموضوع عنوانه "النهضة الرياضية في لبنان". وهو عنوان ينبه الى أهمية العامل الاجتماعي – السياسي في نهضة الرياضة المتزامنة في المجتمع المحلي مع نهضة رياضية عارمة في أوروبا، حقبة ما بين الحربين العالميتين، التي شهدت ظهور الأحزاب الفاشية ومنظماتها الشبابية العصبوية الفائضة التنظيم والعنف، والمرتبطة بالتربية الرياضية.    ضد امارة الشعر لا يغيب الشعر عن "المكشوف" في عددها الأدبي الاول وأعدادها اللاحقة. سعيد عقل نشر قصيدته "عشتروت" في الاول، وكذلك ميخائيل نعيمه له قصيدة عنوانها "قبور". يتكرر حضور سعيد عقل الشعري المتقطع في الجريدة طوال سنتين او ثلاث. اما الياس ابو شبكة فهو شاعر "المكشوف" في حضور قصائده على صفحاتها، اضافة الى مساهماته النثرية والنقدية المتكررة حتى وفاته المفاجئة العام 1947. فشاعر "غلواء" و"افاعي الفردوس" كان أحد اقطاب "عصبة العشرة" منذ نشأتها في مكاتب جريدة "المعرض"، وخوضها مناظرات ومعارك ادبية على صفحاتها، قبل انتقال العصبة الى مكاتب "المكشوف" ومتابعتها المناظرات والمعارك على صفحات هذا المنبر الجديد الذي سرعان ما تصدَّر نشاط الصحافة الادبية. كانت العصبة قد وقَّعت باسمها، من دون ذكر اسماء اعضائها، المقال النقدي الادبي الافتتاحي في عدد "المكشوف" في حلتها الجديدة، وكان عنوانه "الادب العربي بين عبوديتين: عبودية التقليد القديمة وعبودية التجارة الحديثة". المقال يشبه بياناً يستأنف سجالات العصبة حول شعر المناسبات او "التشريفات" المنبرية، على ما يسمّيه نقَّاد "المكشوف" التي سخرت، ربما بقلم ابو شبكة، بهذا النوع من الشعر الذي كان يتصدره احمد شوقي ثم بشارة الخوري (الاخطل الصغير). لم تلبث الجريدة ان لخّصت على صفحاتها "الحديث المشوِّق الذي تحدثه خليل تقي الدين في صالون شارل قرم (الشاعر الملهم) عن احمد شوقي وشاعريته العجيبة: "من نظّام الى موظف الى شاعر الى امير الشعراء". في مناسبة وفاة شوقي كتبت "المكشوف": "امير الشعراء يبكيه شاعران: بشارة الخوري وامين نخلة"، كأنها تومئ الى تسابق الشاعرين على حيازة اللقب او المنصب الذي شغر بوفاة متصدر "امارة الشعر العربي". في منتصف الاربعينات خصصت "المكشوف" جائزة سنوية كبرى مقدارها الف ليرة لبنانية لأفضل مجموعة شعرية. لكن الجائزة شملت، الى الشعر، انواعاً ادبية اخرى: رواية، قصص، ودراسة عن شخصية ادبية او سياسية من لبنان، على أن ينال الجائزة في كل سنة كتاب في نوع من هذه الانواع، لتتولى "دار المكشوف" طباعة 3 آلاف نسخة من المخطوط الفائز.  خلق الله الانسان في قصة على ان "المكشوف" كانت قد بادرت الى الاحتفال بالادب القصصي وتشجيعه وتخصيص جائزة له منذ عددها 59 في تموز 1936، وكان مقدار الجائزة 25 ليرة سورية آنذاك. لم تغب القصة عن عدد الجريدة الادبي الاول الذي نشر فيه توفيق يوسف عواد قصة عنوانها "شهوة الدم". فعواد الى جانب خليل تقي الدين، وهما قصّاصان، من اركان محرري "المكشوف" و"عصبة العشرة"، لذا دعت الجريدة الكتّاب الى نشر قصصهم على صفحاتها للمشاركة في المباراة. تحفيزاً لهذا الفن الكتابي كتبت الجريدة في افتتاحية عددها 68 انها ترغب في أن "تفتح افقاً جديداً للأدب". في تحدّ لنجومية الشعر والشعراء على الارجح، وخصوصاً شعراء المناسبات والمراثي و"التشريفات"، أشارت الى ذلك الأفق في اسلوب فني اعلاني باهر: "خلق الله الانسان في (من) قصة منذ الادب المكتوب في التوراة الى يومنا هذا"، وذلك في استعارة لأسطورة آدم وحواء الإلهية. مع تأسيسها دار نشر حملت اسمها، أعلنت "المكشوف" توزيعها هدية مجانية للمشتركين فيها: نسخة من رواية "الصبي الاعرج" التي نشرتها الدار لتوفيق يوسف عواد، ثم شرعت في نشر مقالات على صفحاتها تتناول "الصبي الاعرج" والأدب القصصي. من موقّعي هذه المقالات: امين الريحاني، ميخائيل نعيمة، وميشال اسمر الذي ذيّل مقالته بإشارة الى أنه من "ندوة الاثني عشر" الناشئة بعد "عصبة العشرة"، وكان بعض من اعضائها يدورون في فلكها. جاءت مقالة اسمر لافتة في عنوانها: "اين نحن من القصة؟ كيف تولد شخصياتها في نفس (وعي) المؤلف؟". في اطار متابعته النشاط القصصي كتب فؤاد حداد (ابو الحن) عن عدد مجلة "العروة الوثقى" (كانت تصدرها جمعية بهذا الاسم في الجامعة الاميركية في بيروت) الخاص بـ"القصة ونهضتها في البلدان العربية". وسرعان ما اثمر تحفيز "المكشوف" نشر القصص على صفحاتها وتخصيصها جائزة سنوية لها، فبرزت اسماء قصصية سورية، منها جورج سالم، خلدون ساطع الحصري الذي فازت قصة له منشورة باسم مستعار في "المكشوف" بالجائزة للعام 1939. وقد تألفت لجنة التحكيم من: عمر فاخوري، يوسف غصوب، الياس ابو شبكة، خليل تقي الدين، رئيف خوري، فؤاد افرام البستاني، توفيق يوسف عواد، شفيق جحا، وفؤاد حبيش. هؤلاء جميعاً وسواهم عشرات كانوا من المداومين على الكتابة في "المكشوف". حتى مطالع الاربعينات حظي الفن القصصي بوقفات نقدية متلاحقة اكثر من كتابتها مارون عبود الذي كانت له زاوية اسبوعية ثابتة في الجريدة عنوانها "ادباؤنا". اما الترجمات والاقتباسات القصصية عن القصة الاوروبية، وخصوصاً الفرنسية، فكان لها حضور متصل على صفحات "المكشوف".  منعطف سوري على عتبة الاربعينات يستوقف منعطف جديد لـ"المكشوف" على صعيد الكتابة الادبية والصحافية: تكاثر اسماء الكتّاب العرب على صفحاتها، وخصوصاً السوريين، من دون ان يغيب العراقيون والفلسطينيون. من الاسماء المتكررة: نجاتي صدقي، انور البرازي، وصفي قرنفل، نزيه الحكيم، قدري قلعجي، حيدر البرازي، انطون المقدسي، سليم الجندي، احمد عبد الجبار، سعيد الجزائري، انطوان موصلي، ميشال الصراف، اديب الداودي، زهير الحمزاوي، وفايز صايغ. بعض هؤلاء كتب – الى جانب متابعاته النشاط الادبي في المدن السورية، والعراقية احياناً - في باب شرّعته "المكشوف" واسعاً ودائماً عنوانه "السرقات الادبية" الذي أرادته مثيراً وجاذباً لمناظرات ومعارك ادبية، لتوسيع دوائر قرائها في لبنان والعواصم العربية، وخصوصاً في المدن السورية، دمشق وحمص وحلب. يبرز في هذا الاطار شقاق ادبي ما بين الكتاب اللبنانيين والسوريين من جهة، والكتاب المصريين من جهة اخرى. في هذا السياق كان الياس ابو شبكة قد كتب في العام 1939 مقالة طويلة عنوانها "ابطال الحركة الاوروبية في لبنان وسوريا". ثم لم تلبث "المكشوف" ان اصدرت في 27 آذار من العام نفسه، "عدداً خاصاً ممتازاً عن مظاهر الثقافة في سوريا" شاركت فيه كوكبة من الكتاب السوريين. لكن الجريدة سرعان ما بادرت في 10 تموز 1939 ايضاً، الى اصدار عدد مماثل "عن مظاهر الثقافة في مصر" شارك فيه كتاب مصريون.

في عددها الأربعين مطالع أيار 1936 صدّرت “المكشوف” صفحتها الأولى ببيان أعلنت فيه “مفاجأة كبرى سارة لم يحلم بها القراء”: سوف تصير “جريدة جديدة بشكلها وروحها ومادتها وكتّابها” لتصبح لسان حال النهضة الأدبية في هذه الربوع بما تنشره من مقالات تدبّجها أقلام نخبة من أدباء هذا الجيل.
تطرق “المكشوف” “مواضيع السياسة بإخلاص لخدمة البلاد، وتعالج مواضيع الأدب (لـ) تحرير الأدب العربي من عبودية التقليد وعبودية التجارة”. ويضيف البيان: “ستبحث المكشوف في الفن والعلوم والسينما، وقد تمكّنا من الاتفاق مع عدد من كتّابنا الممتازين (الذين) نفاجئ بهم قراءنا”. أما ما سينجم عن هذا التغير، بل الإنقلاب، بعد أكثر من سنة على صدور الجريدة، فيقصره البيان على أن “المكشوف ستصبح الجريدة التي تقرأها العذراء في خدرها دون أن تلاقي في قراءتها ما درجت عليه حتى اليوم، (وهو) ما عزمنا على اهماله تماماً”.

التدبيج والعذارى

الى النبرة الإعلانية الدعائية البارزة في مطلعه، ينطوي القاموس اللغوي للبيان على عبارات وكلمات قد يكون جامعها ما سمّي “النهضة الأدبية” بوصفها حركة عامة صِيغ مفهومها منذ نهايات القرن التاسع عشر ما بين مصر ولبنان، مستلهِماً حركة التنوير الأوروبي، وصار دارجاً بين المثقفين والكتّاب والأدباء العرب واللبنانيين، ومدار سجالاتهم وانقساماتهم وحامل رغباتهم في التجديد والتقدم والتحرر، طوال النصف الأول من القرن العشرين. مثل معظم البيانات النهضوية الأدبية العربية واللغة التي تعتمدها، تظهر في بيان “المكشوف” عبارات وكلمات وصياغات إنشائية تعود الى “لاوعي لغوي” وتعبيري يُفترض أنه سابق على النهضة الأدبية، ويخالف مضمونها الذي قد تكون العبارة الإعلانية في مطلع البيان هي الأقرب إليه. أما العبارات والكلمات الصادرة عن “لاوعي لغوي” مرسل ويخالف المضمون المفترض للنهضة، فهي من أمثال: “هذه الربوع”، “تدبجها أقلام”، “العذراء في خدرها”. ذلك أن هذه الكلمات تنتمي الى لغة عربية فائتة فقدت صلتها بوقائع الحياة اليومية ومخيلتها وأفعالها وعلاقاتها السائرة، وفقاً لما رغبت “المكشوف” نفسها ان تحمل رايته في حلّتها السابقة على البيان بوصفها “رسول العري” و”كشف الستر” عن الرغبة والوقائع والحوادث والأفعال والعلاقات الناجمة عنهما في الحياة الاجتماعية والخاصة. لكن مراجعة عناوين ومقتطفات من مادة “المكشوف” الصحافية في سنة صدورها الأولى، بيّنت أن تلك الرغبة – الرسالة جاءت مترجمة ومدبلجة عن مواد صحافية أوروبية (فرنسية غالباً)، ومنقطعة الصلة بأحوال المجتمع المحلي ووقائعه وحوادثه في معظم الحالات، ما خلا الإصرار على طلب الإثارة في ما يتصل بشؤون النساء وأجسامهن وملبسهن وشهواتهن وشهوات الرجال، تلك التي دأبت الجريدة على نشر أخبارها وحكاياتها المترجمة في علانية عامة، صحافية ناشطة ومزدهرة في بيروت ثلاثينات القرن العشرين. إذ كيف يمكن الحديث عن إرادة العري والسفور والرغبات والعلاقات والحوادث الناجمة عنهما، في لغة تستعيد كلمات مثل العذارى والخدور والتدبيج والربوع؟ والحق أن فعل التدبيج ينطبق تماماً على معظم مقالات “المكشوف” الصحافية المغفلة التوقيع في طورها الأول “رسولاً للعري”. الفعل نفسه حاضر في بيانها الأدبي الجديد الذي يزفّ الى قرائها بشارة صيرورتها جريدة أدبية، استقطبت قولا وفعلا نخبة واسعة من كتّاب لبنان أولاً، وسوريا تالياً، في الأدب والصحافة في عقدَي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، على ما تبيّن مراجعة أعدادها ما بين العدد 33 و500 تقريباً، قبل توقفها عن الصدور مطلع الخمسينات.

93589-640

“لايف ستايل” الثلاثينات

لا ريب في أن كاتب البيان الأدبي، أو المشارك في كتابته، هو مؤسس “المكشوف” الشيخ فؤاد حبيش الذي روى في صفحة داخلية من العدد المنشور فيه البيان، أن “عائلة هاي لايف”، أي مرموقة اجتماعياً و”مثقفة” وتتألف من “أم وأب و7 أولاد بينهم فتيات”، كان “كل منهم يشترك سراً” في “المكشوف” التي تُرسل اليه أعدادها “على عنوان خاص” به وحده منفرداً. تغيب في هذا الخبر كلمتا العذارى والخدور، وتحضر كلمة فتيات وعبارة “هاي لايف” الأجنبية، كما يقال اليوم “لايف ستايل” في لغة الاعلاميات التلفزيونيات اللواتي غزا حضورهن وغزت لغتهن الصحافة المكتوبة. الأرجح أن حبيش في “مكشوفه” في طورها الأول ما قبل الأدبي، قدّم في منتصف ثلاثينات القرن العشرين مادة صحافية سبّاقة ورائدة من نمط “اللايف ستايل”، مشوباً بالإثارة. هذه الثقافة في نموذجها اللبناني والعربي الراهن، هي شكل من أشكال ثقافة العولمة الما بعد حديثة (البوست مودرن) التي تختلط فيها انماط تفكير وتعبير ونظر وسلوك غير متجانسة، بل عشوائية، صادرة عن “لاوعي” مرسل، كما كانت تختلط في الثلاثينات في لغة فؤاد حبيش كلمات وعبارات “هاي لايف” وفتيات وعذارى وخدور، الصادر كل منها عن فضاء لغوي مختلف عن الآخر، ومتعارض معه. كان يمكن ان نضرب صفحاً عن هذا التعارض العشوائي، ونقدّره تقديراً مختلفاً، لو أننا في معرض من فنون التجهيز الرائجة منذ سنوات في الفنون البصرية الما بعد حديثة.
عطفاً على بيان “المكشوف” الأدبي الجديد، تفصح إشارة حبيش الى عائلة المشتركين السريين في جريدته حينما كانت “رسولاً للعري”، عن أن العذارى كنَّ من قرائها، لكن خارج خدورهنّ البيتية والعائلية التي صار يمكنهن أن يقرأنها فيها مطمئنات بعد تحولها جريدة أدبية. هذا يشير الى أن “المكشوف” في حلتها السابقة كانت علنية وسرية في وقت واحد: مطروحة علناً في سوق المطبوعات الناشطة، وللمشتركين الذين يلتهمون مادتها الصحافية كل بمفرده وفي السر أو الخفاء عن الآخرين. وهذا يجعل القارئ بصَّاصاً على ما يقرأ، على رغم أن ما يقرأه مطروح علناً في السوق، من دون أن تلغي هذه العلنية والغفلية حذره من تداول الجريدة وقراءتها. أما بعد تحولها جريدة للأدب والأدباء فسيزول الخوف والتسري والقلق واللاطمأنينة أثناء قراءتها. وبسخريته اللاذعة يؤكد حبيش أن “عائلة الهاي لايف” التي يصفها بـ”المباركة” متهكماً، “ستشترك” علناً في “المكشوف” الجديدة “بعدد واحد فقط”، ليصير عددها الأسبوعي مطروحاً في البيت لجميع أفراد العائلة، يتناوله كل منهم بدعة مطمئنة، لا أثر فيها لذلك القلق المشوّق المثير الذي كان يجعل الجريدة واسعة الانتشار كنار في الهشيم، أو كسلعة ممنوعة – مرغوبة يجري تداولها فردياً في سوق سوداء. وقد يكون هذا مصدر قوة حضور “المكشوف” وانتشارها السريع في سنتها الأولى، قبل توسلها بهذين الحضور والانتشار وتوظيفهما في تحويلها جريدة للأدباء والأدب في علانية عامة “بيضاء” لا أثر فيها للسر والتسري والبصبصة على انفراد وفي الخفاء. والحق أن هذا ما يتحسر عليه فؤاد حبيس “رسول العري والإثارة”، تحسراً موارباً، ربما لم تشفِه منه القوة المعنوية الموعودة لجريدته التي قد يكون علَّل نفسه وواساها بقوله في البيان الجديد إن العذارى سوف يواصلن قراءتها، لكن مطمئنات في خدورهن. لكن هذا ليس أمراً مؤكداً، إذ متى كان الأدب وصحافته قبلة قلوب العذارى ورغباتهن؟ فحبيش يؤكد أن “المكشوف الأدبية” ستتدنى مبيعاتها وأعداد مشتركيها. لكن المؤكد أيضاً أنها في الحالتين، برغم قصر مدة حالتها الأولى، جعلت من فؤاد حبيش رائد صحافة ونشر طوال ما لا يقل عن 15 سنة في حقبة سميت حقبة “المكشوف” في صناعة الصحافة والنشر الأدبيين.

الانقلاب الأدبي

صدر العدد الأول من “المكشوف” في حلتها الأدبية الجديدة في 5 نيسان 1936، حاملا الرقم 43. على صفحته الأولى قائمة بأسماء الأدباء والشعراء المشاركين في تحريره، وفق الترتيب الأبجدي. تلي القائمة افتتاحية غير موقّعة، عنوانها لافت: “دستور 1926 للأحوال الشخصية: تشريع الطوائف والاعتراف بها”. موضوعات العدد تنبئ بأن معدِّيه أصحاب خبرة ثقافية وأدبية، وبذلوا جهداً في مناقشة مواده وموضوعاته واختيارها واختيار كتّاب محددين لكتابتها، كي تطل الجريدة إطلالة مثقفة بالغة الرصانة والشمول والتنوع، لكن المتجانسة في أسلوبها ووجهتها في ميادين الأدب والفلسفة والاجتماعيات والشعر والقصة: فؤاد أفرام البستاني كتب في “نظرية جديدة في الأدب الجاهلي” مناقشاً طه حسين. قسطنطين زريق طرح على نفسه سؤالا: “هل في العالم العربي اليوم فيلسوف؟” وجاوب عن السؤال هذا في مقالة. “الطبيعة والعمران في الشعر الأندلسي” عنوان يقترب من اجتماعيات الأدب لبطرس البستاني. في الميدان نفسه كتب الشاعر إلياس أبو شبكة “بين الأدب والشعر والصحافة”، وكذلك ابرهيم سليم النجار الذي بحث في “أثر الأدباء اللبنانيين والسوريين في السينما والمسرح العربيين”، فيما كتب جبرائيل جبور عن “خدمات المستشرقين للأدب العربي”. عبدالله لحود كتب مقالة تعريف بمارسيل بروست وأدبه. قيصر الجميل الذي لن يغيب اسمه عن “المكشوف” طوال عهدها إلا نادراً، كاتباً وراسم بورتريهات للأدباء، خصَّ العدد بمقالة عنوانها “هل يرى المصور في الطبيعة غير ما يراه عامة الناس؟”. في مجال الفن السابع، درة حداثة القرن العشرين، كتب كرم البستاني عن “أسرار الجمال عند غادات السينما” اللواتي وضع الفيلسوف الفرنسي إدغار موران كتاباً رائداً عنهن في الستينات عنوانه “نجوم السينما” بوصفهن صنيعة ظاهرة – “نظام” جديد يجعلهم “أنصاف آلهة” تعبدها الجماهير المعاصرة. في مقالة حنا غصن “آفة المسايرة في حياتنا الاجتماعية العامة”، تحضر إرهاصات المعالجة الأنثربولوجية في تناول العادات والتقاليد المحلية. ويشمل هذا التناول مقالة مغفلة التوقيع عن الأزياء عنوانها “بين القبعة والفستان” بوصفهما عنوان انقلاب الزي النسائي وعصريته تعبيراً عن شيوع سفور المرأة وخروجها الى الفضاء العام. هذا فيما كتب فؤاد حبيش “14 وصية منقولة عن الأديب الفرنسي موريس دير كويره، لكي تكون المرأة محبوبة”. يقول صاحب “المكشوف” إنه يعرضها “تفكهة للقراء”، كأنه انتبه الى الرصانة والثقل الثقافيين في مواد جريدته في حلتها الجديدة، فأراد التخفيف من جدِّيتها الثقيلة معتذراً لقراءها من النساء.

للمواد الصحافية حضورها الطفيف في عدد الجريدة هذا، لكنه في المقابل حضور نوعي في جدّته ودلالته وتناوله السياسة الدولية في باب مستقل عنوانه “أخبار العالم في أسبوع”، يعدّه ويحرره كامل مروة، قبل أن يصير في الأعداد التالية من نصيب لويس الحاج. الباب الصحافي الأسبوعي الآخر هو أخبار الرياضة التي يستهلها العدد بموضوع عنوانه “النهضة الرياضية في لبنان”. وهو عنوان ينبه الى أهمية العامل الاجتماعي – السياسي في نهضة الرياضة المتزامنة في المجتمع المحلي مع نهضة رياضية عارمة في أوروبا، حقبة ما بين الحربين العالميتين، التي شهدت ظهور الأحزاب الفاشية ومنظماتها الشبابية العصبوية الفائضة التنظيم والعنف، والمرتبطة بالتربية الرياضية.
894759-640
ضد امارة الشعر

لا يغيب الشعر عن “المكشوف” في عددها الأدبي الاول وأعدادها اللاحقة. سعيد عقل نشر قصيدته “عشتروت” في الاول، وكذلك ميخائيل نعيمه له قصيدة عنوانها “قبور”. يتكرر حضور سعيد عقل الشعري المتقطع في الجريدة طوال سنتين او ثلاث. اما الياس ابو شبكة فهو شاعر “المكشوف” في حضور قصائده على صفحاتها، اضافة الى مساهماته النثرية والنقدية المتكررة حتى وفاته المفاجئة العام 1947. فشاعر “غلواء” و”افاعي الفردوس” كان أحد اقطاب “عصبة العشرة” منذ نشأتها في مكاتب جريدة “المعرض”، وخوضها مناظرات ومعارك ادبية على صفحاتها، قبل انتقال العصبة الى مكاتب “المكشوف” ومتابعتها المناظرات والمعارك على صفحات هذا المنبر الجديد الذي سرعان ما تصدَّر نشاط الصحافة الادبية. كانت العصبة قد وقَّعت باسمها، من دون ذكر اسماء اعضائها، المقال النقدي الادبي الافتتاحي في عدد “المكشوف” في حلتها الجديدة، وكان عنوانه “الادب العربي بين عبوديتين: عبودية التقليد القديمة وعبودية التجارة الحديثة”. المقال يشبه بياناً يستأنف سجالات العصبة حول شعر المناسبات او “التشريفات” المنبرية، على ما يسمّيه نقَّاد “المكشوف” التي سخرت، ربما بقلم ابو شبكة، بهذا النوع من الشعر الذي كان يتصدره احمد شوقي ثم بشارة الخوري (الاخطل الصغير). لم تلبث الجريدة ان لخّصت على صفحاتها “الحديث المشوِّق الذي تحدثه خليل تقي الدين في صالون شارل قرم (الشاعر الملهم) عن احمد شوقي وشاعريته العجيبة: “من نظّام الى موظف الى شاعر الى امير الشعراء”. في مناسبة وفاة شوقي كتبت “المكشوف”: “امير الشعراء يبكيه شاعران: بشارة الخوري وامين نخلة”، كأنها تومئ الى تسابق الشاعرين على حيازة اللقب او المنصب الذي شغر بوفاة متصدر “امارة الشعر العربي”. في منتصف الاربعينات خصصت “المكشوف” جائزة سنوية كبرى مقدارها الف ليرة لبنانية لأفضل مجموعة شعرية. لكن الجائزة شملت، الى الشعر، انواعاً ادبية اخرى: رواية، قصص، ودراسة عن شخصية ادبية او سياسية من لبنان، على أن ينال الجائزة في كل سنة كتاب في نوع من هذه الانواع، لتتولى “دار المكشوف” طباعة 3 آلاف نسخة من المخطوط الفائز.

خلق الله الانسان في قصة

على ان “المكشوف” كانت قد بادرت الى الاحتفال بالادب القصصي وتشجيعه وتخصيص جائزة له منذ عددها 59 في تموز 1936، وكان مقدار الجائزة 25 ليرة سورية آنذاك. لم تغب القصة عن عدد الجريدة الادبي الاول الذي نشر فيه توفيق يوسف عواد قصة عنوانها “شهوة الدم”. فعواد الى جانب خليل تقي الدين، وهما قصّاصان، من اركان محرري “المكشوف” و”عصبة العشرة”، لذا دعت الجريدة الكتّاب الى نشر قصصهم على صفحاتها للمشاركة في المباراة. تحفيزاً لهذا الفن الكتابي كتبت الجريدة في افتتاحية عددها 68 انها ترغب في أن “تفتح افقاً جديداً للأدب”.
في تحدّ لنجومية الشعر والشعراء على الارجح، وخصوصاً شعراء المناسبات والمراثي و”التشريفات”، أشارت الى ذلك الأفق في اسلوب فني اعلاني باهر: “خلق الله الانسان في (من) قصة منذ الادب المكتوب في التوراة الى يومنا هذا”، وذلك في استعارة لأسطورة آدم وحواء الإلهية. مع تأسيسها دار نشر حملت اسمها، أعلنت “المكشوف” توزيعها هدية مجانية للمشتركين فيها: نسخة من رواية “الصبي الاعرج” التي نشرتها الدار لتوفيق يوسف عواد، ثم شرعت في نشر مقالات على صفحاتها تتناول “الصبي الاعرج” والأدب القصصي. من موقّعي هذه المقالات: امين الريحاني، ميخائيل نعيمة، وميشال اسمر الذي ذيّل مقالته بإشارة الى أنه من “ندوة الاثني عشر” الناشئة بعد “عصبة العشرة”، وكان بعض من اعضائها يدورون في فلكها.
جاءت مقالة اسمر لافتة في عنوانها: “اين نحن من القصة؟ كيف تولد شخصياتها في نفس (وعي) المؤلف؟”. في اطار متابعته النشاط القصصي كتب فؤاد حداد (ابو الحن) عن عدد مجلة “العروة الوثقى” (كانت تصدرها جمعية بهذا الاسم في الجامعة الاميركية في بيروت) الخاص بـ”القصة ونهضتها في البلدان العربية”. وسرعان ما اثمر تحفيز “المكشوف” نشر القصص على صفحاتها وتخصيصها جائزة سنوية لها، فبرزت اسماء قصصية سورية، منها جورج سالم، خلدون ساطع الحصري الذي فازت قصة له منشورة باسم مستعار في “المكشوف” بالجائزة للعام 1939. وقد تألفت لجنة التحكيم من: عمر فاخوري، يوسف غصوب، الياس ابو شبكة، خليل تقي الدين، رئيف خوري، فؤاد افرام البستاني، توفيق يوسف عواد، شفيق جحا، وفؤاد حبيش. هؤلاء جميعاً وسواهم عشرات كانوا من المداومين على الكتابة في “المكشوف”. حتى مطالع الاربعينات حظي الفن القصصي بوقفات نقدية متلاحقة اكثر من كتابتها مارون عبود الذي كانت له زاوية اسبوعية ثابتة في الجريدة عنوانها “ادباؤنا”. اما الترجمات والاقتباسات القصصية عن القصة الاوروبية، وخصوصاً الفرنسية، فكان لها حضور متصل على صفحات “المكشوف”.

مذ نشرت بيان تحولها جريدة اسبوعية للأدب والادباء وصحافيّي الهوى الأدبي في ايار 1936، حتى توقفها عن الصدور مطلع الخمسينات، ظلت “المكشوف” جريدة ودار نشر، محوراً للحركة الادبية وصحافتها النشيطة والفاعلة في لبنان.
“المكشوف” مع “الندوة اللبنانية” – بدأت نشاطها في 1946، وصدر مؤسسها، مديرها ومنشّطها، ميشال اسمر، عن حلقات الحركة الادبية نفسها وصحافتها اللتين صدر عنهما كل من “المكشوف” ومؤسسها المنشّط، واستقطبت جريدته وداره للنشر معظم اعلام تلك الحركة، ادباء وكتاباً وصحافيين، واضطلعت الدار بنشر الكثير من المطبوعات الصحافية القطاعية والمهنية – شكلت محاور ثلاثة اساسية وفاعلة في الحياة الثقافية اللبنانية. فـ”المؤسسات” الثلاث تقاطعت ادوارها زمنياً وفي التعبير عن وجهة لبنانية في دوائر النشاط الادبي والصحافة الادبية والنشر، وفي دوائر انتاج ثقافة سياسية لبنانية، مستقلة ودستورية وديموقراطية في كثير من وجوهها، وتصدرتها النخب المسيحية.
تزامن نشاط “المكشوف” و”الندوة” في سنوات خمس، انتهت في مطلع الخمسينات حين توقفت “المكشوف” عن الصدور بعد رحيل او انكفاء معظم أعلامها الادبيين، وانتقال صحافييها الى العمل في صحف يومية بيروتية. أما “الندوة” فتابعت نشاطها حتى بدايات الحرب في 1975. لكن “المؤسستين” شكلتا حلقتين اساسيتين في تاريخ الحياة الثقافية والثقافة السياسية في لبنان: شغلت “المكشوف”، طوال 15 سنة، موقعاً رائداً في التأريخ غير المكتوب بعدُ للحركة الادبية اللبنانية وصحافتها. وشغلت “الندوة” دوراً اساسياً في انتاج ثقافة سياسية وادارية محورها الدولة اللبنانية المستقلة، وتمتين ركائزها وحضورها في ثقافة جماعات لبنان المتباينة، قبل ان تقوّض هذه الجماعات بحروبها الاهلية الملبننة تلك الدولة. واذا قدّر لذلك التأريخ ان يُكتب يوماً ما، فإن هاتين “المؤسستين” ستكونان من مصادره المحورية.
أعداد “المكشوف” وصفحاتها هي السجل المرجعي الوثائقي الاوسع لحلقة من تاريخ الحركة الأدبية اللبنانية غير المكتوب، لأنها المطبوعة الادبية الأطول عمراً والأكثر استقطاباً لأقلام اجيال متباينة في أعمارها، متقاربة ومتفاعلة في نشاطها وذائقتها وتجاربها، في الحقبة الأخيرة مما سمّي “عصر النهضة الادبية” البادئة في لبنان ومصر والمهجر الاميركي منذ أواسط القرن التاسع عشر. واستلهاماً لطريقة المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل في التأريخ للحقب المتصلة والمنقطعة على الأمد الطويل، شغلت “المكشوف” حلقة انتقالية وسيطة ما بين بدايات تلك النهضة ونهاياتها، ممهدة لما سُمّي “الحداثة الثقافية” التي تصدّرها الشعر الحديث و”نجومه الرواد” في الخمسينات والستينات، وشكلت بيروت، في مجلاتها الادبية وصحافتها الثقافية ونمط حياتها الحر والمفتوح، مساحة حرة وقطباً رحباً لتلك الحداثة ونجوم شعرها حتى مطلع الثمانينات.

التعليم، المدينة، الصحافة

جمعت “المكشوف” على صفحاتها وفي منشورات دارها حشداً كبيراً من اسماء الادباء والكتّاب والصحافيين المنتمين الى اجيال متباينة. صدرت هذه الأجيال وتلك الأسماء عن نهضة التعليم الارسالي المحدث واتساع قاعدته الاجتماعية ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر. فشمل التعليم، الى ابناء عائلات قدامى الاقطاعيين والوجهاء والتجار والمهنيين الجدد، ابناء فئات عاميّة واسعة في جبل لبنان وبيروت، ومن المسيحيين خصوصاً، وسواهم من الوافدين الى بيروت من بلدان المشرق ما بعد الحرب العالمية الاولى.
النهضة التعليمية هذه كانت رافعتها الاساسية مدارس الارساليات وجامعتاها المتنافستان في بيروت: القديس يوسف للمرسلين اليسوعيين الكاثوليك، والجامعة الاميركية للمرسلين الانجيليين البروتستانت. وقد تزامنت نهضة التعليم وشمولها اجيالاً متعاقبة، مع نشوء الصحافة وازدهارها في بيروت وحواضر جبل لبنان منذ عشايا الحرب العالمية الاولى، قبل ان تشهد توسعاً نوعياً في بيروت غداة تلك الحرب. فبيروت عاشت منذ ما قبل منتصف القرن التاسع عشر، اكثر من نهضة مدينية وسّعت رقعة عمرانها وأخرجته من انكفائه داخل اسوارها القديمة. وفي كتيب عنوانه “الخروج من البوابات الثماني الى عمران المدينة” – نُشر مرفقاً بالعدد الأول من مجلة جديدة صدرت في مطلع تشرين الثاني 2012، عن “شركة اعمار وسط بيروت” (سوليدير) باسم “البوابة التاسعة” – وصف وضاح شرارة حلقات ذلك الخروج المتدرج:
“كان عدد سكان بيروت “يناهز المئة الف نسمة في اوائل القرن العشرين، بعدما كان 60 الفا في 1836″. قفزات تزايد سكان المدينة كانت سريعة ومضاعفة ايضاً منذ مطالع القرن التاسع عشر. ويشدد الكاتب في هذه الزيادة السكانية الكبيرة على “ثقل الروافد الجبلية”، اي المسيحية، و”الخارجية”، اي الهجرات المشرقية وتوافد الجاليات الاجنبية. من الأدلة على ذلك “حادثة طائفية أوقعت في بيروت سنة 1903 نحو 15(؟) قتيلاً في اشتباك اشقياء برأس النبع، معظمهم (؟) (أي القتلى) مسيحيون، فترك بيروت لائذا بالجبل نحو 30 الف مسيحي بيروتي”. السكن المسيحي في بيروت تزايد ايضاً بعد الحرب العالمية الاولى وقيام دولة لبنان بعاصمته الجديدة التي خالطت سكانها “روافد كثيرة، غلب عليها المصدر الجبلي”. هذا كله ادخل “في صلب الاسواق (البيروتية) تجاراً واصحاب مهن جديدة، اطباء ومعالجين ووكلاء ومقاولين وبيّاعي مفرق وموظفين اداريين ومترجمين وخبراء عمارة ورصف طرق”. كان قبل ذلك الميسورون في نواة السكن البيروتي القديم والمنكفئ، يخرجون الى “الظواهر والمزارع والضواحي والروابي” القريبة من المدينة، ويخالطون “المهاجرين من جبل لبنان ومن مدن الولايات العثمانية ومن المرافئ والحواضر الاوروبية والغربية”. تأسيساً على هجرات سابقة “التقت بشرق طريق الشام، بين الصيفي والناصرة، وبزقاق البلاط والقنطاري”، نشأت مدينة بيروت المتجددة والمختلطة، و”اقامت محل سورها وخندقها وهوية اهلها مستودعات بضاعة، ومسارح ومراقص ومقاه وشاشات (ودور سينما) ومحطات سفر”، وكذلك مطاعم ووكالات تجارية ومكاتب صحف.
كان التعليم ركنا اساسيا في نهضة بيروت الحديثة هذه وازدهارها، كما كانت نهضتها وازدهارها من عوامل تنامي التعليم وتوسعه وشموله النساء وخروجهن من كنف الحياة البيتية والعائلية الى الفضاء المديني العام. وكان صدور “المكشوف” جريدة لـ”العري” في سنتها الأولى عام 1935، علامة فاقعة ومثيرة لذلك الخروج وللتحريض عليه تحريضاً استيهامياً مترجماً ومدبلجاً عن الصحافة الأجنبية، قبل أن تصير الجريدة جريدة للأدب والادباء والكتّاب، شأن عشرات الصحف الناشئة والمتخذة مكاتب لها في وسط بيروت المديني المتجدد منذ مطلع القرن العشرين. اجتمع والتقى وتعارف في مكاتب هذه الصحف وعلى صفحاتها عشرات، وربما مئات من الكتّاب المتفاوتي الأجيال والتجارب والخبرات. في “المكشوف” وحدها التقى بعض من أدباء وأعلام النهضة الادبية في لبنان والمهجر: أمين الريحاني، ميخائيل نعيمة، عمر فاخوري، الياس ابو شبكة ومارون عبود. هؤلاء، على تفاوت أعمارهم، كانت كتاباتهم تجتمع على صفحات “المكشوف” الى جانب كتابات أجيال اصغر منهم عمراً، وتختلف عنهم في التجربة والتكوّن الثقافي: فؤاد حبيش، ميشال أسمر، لويس الحاج، فؤاد حداد، خليل تقي الدين، توفيق يوسف عواد، فؤاد أفرام البستاني وسواه من البساتنة الكتّاب. معظم هؤلاء اختلطت ميولهم الأدبية بامتهان الصحافة والتعليم والترجمة، وخالطهم في “المكشوف” كتّاب من الشبان الجدد وأصحاب الميل الأدبي.

زمن اجتماعي صاعد

كان الأدب والتأدب والترجمة في أصل الرابطة العامة لمجموعات هذه الاجيال المتباينة وشللها الأدبية والصحافية التي انضوى بعضها في “عصبة العشرة” و”ندوة الإثني عشر” و”الثريا” و”أهل القلم” وسواها. وجاء تحول “المكشوف” جريدة ادبية، إمارة على توسع هذه الدوائر والروابط، وعلى تفاعل الادباء والكتّاب والصحافيين وأجيالهم المختلفة طوال 15 سنة على صفحاتها. في هذا المعنى قيل ويُقال “زمن المكشوف”، وكذلك “زمن الندوة اللبنانية” لاحقاً.
دائرة أعلام الأدب المتكونين في لبنان او المهجر، البارزين على صفحات “المكشوف” (نعيمة، الريحاني، فاخوري، أبو شبكة، عبود، ورئيف خوري)، أخذ الموت يفاجىء بعضهم واحداً تلو آخر، ابتداء من مطلع اربعينات القرن العشرين: في 22 تشرين الأول 1940 خصصت “المكشوف” عددها الـ271 لرثاء أمين الريحاني. وفي 18 آذار 1940 خصت رشيد نخلة بعدد كامل ايضاً. قبل ذلك، في 23 كانون الثاني 1936، وقفت عددها كله للكتابة عن مدرسة “الحكمة” التي تخرج منها ودرّس فيها كثيرون من كتّابها وكتّاب سواها من الصحف، فاستعاد المشاركون في كتابه العدد الخاص، أهمية “الحكمة” وأفضالها وريادتها في حركة التعليم اللبناني. في 3 آب 1946 ودّعت “المكشوف” عمر فاخوري بعدد خاص كامل تصدّرته قصيدة رثائية لالياس ابو شبكة الذي لم تلبث الجريدة نفسها ان ودعته بعدد خاص في 3 شباط 1947. ميخائيل نعيمة، وهو من جيل النهضة الأدبية الأقدم، عمَّر وتنسَّك في “شخروبه” ببسكنتا حتى مطالع الثمانينات، مستمراً على نفور من المدينة اخترق الكثير من إنتاج الأدب اللباني حتى عهد قريب. أما مارون عبود الكاتب والقاص الريفي الساخر والناقد الأدبي و”معلم الأجيال” في نهضة التعليم، فاستمر اسمه حاضراً في “المكشوف” حتى عشايا توقفها عن الصدور. رئيف خوري الناقد وصاحب “أديب في السوق” والمدرّس وواضع كتب مناهج التعليم في آداب اللغة العربية، ظل شأن عبود، حاضر القلم في الخمسينات والستينات، بعد مساهمته الدائمة في “المكشوف”.
كانت الاربعينات، إذاً، خصوصاً في نصفها الأول عهد إزهار “المكشوف”، لكنها كانت كلها وفي بعض سنواتها، محطات لرحيل أعمدة الجريدة وبدايات انصرام عهد نوع من الأدب والتأدب والأساتذة الذين كان صار كثيرون منهم مدرّسين في الجامعة اللبنانية وكلياتها الناشئة وفي دار المعلمين والمعلمات، حيث ضلعوا في تربية أجيال جديدة من المتعلمين والمثقفين بثقافة أدبية جديدة عمادها الشعر الحديث غالباً. فرفدت ثقافة هؤلاء الشبان الجدد صحافة الخمسينات والستينات والسبعينات الأدبية وغير الأدبية بطاقات جديدة. غلب على أولئك الشبان تعلمهم في الجامعة اللبنانية وتخرّجهم منها (خصوصاً كليتي التربية والآداب)، وعملهم سنوات قليلة أو كثيرة في التعليم الرسمي في بدايات انهياره في عشايا الحروب الملبننة (1975) وأثنائها. وغلب عليهم أيضاً تحدرهم “العصامي” من بيئات اجتماعية ريفية مهاجرة الى المدينة.
شجرة الأنساب السريعة هذه تشير الى خيط ما يخترق التكوّن الاجتماعي – الثقافي المتقطع والمتحوّل لأجيال متلاحقة من المتعلمين والمتثقفين ثقافة أدبية، والعاملين في مهن الكتابة والصحافة والتعليم في حقب مديدة صاعدة وواعدة اجتماعياً وثقافياً، ومنحت أجيالهم المتعاقبة معنى وقيمة في سلّم الارتقاء الاجتماعي، المادي والمعنوي والرمزي، منذ بدايات نهضة التعليم والنهضة الأدبية في منتصف القرن التاسع عشر، وطوال حوالى قرن ونصف القرن من زمن لبنان وبيروت الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المحدث والصاعد حتى عشايا الحرب.

منعطف سوري

على عتبة الاربعينات يستوقف منعطف جديد لـ”المكشوف” على صعيد الكتابة الادبية والصحافية: تكاثر اسماء الكتّاب العرب على صفحاتها، وخصوصاً السوريين، من دون ان يغيب العراقيون والفلسطينيون. من الاسماء المتكررة: نجاتي صدقي، انور البرازي، وصفي قرنفل، نزيه الحكيم، قدري قلعجي، حيدر البرازي، انطون المقدسي، سليم الجندي، احمد عبد الجبار، سعيد الجزائري، انطوان موصلي، ميشال الصراف، اديب الداودي، زهير الحمزاوي، وفايز صايغ. بعض هؤلاء كتب – الى جانب متابعاته النشاط الادبي في المدن السورية، والعراقية احياناً – في باب شرّعته “المكشوف” واسعاً ودائماً عنوانه “السرقات الادبية” الذي أرادته مثيراً وجاذباً لمناظرات ومعارك ادبية، لتوسيع دوائر قرائها في لبنان والعواصم العربية، وخصوصاً في المدن السورية، دمشق وحمص وحلب. يبرز في هذا الاطار شقاق ادبي ما بين الكتاب اللبنانيين والسوريين من جهة، والكتاب المصريين من جهة اخرى. في هذا السياق كان الياس ابو شبكة قد كتب في العام 1939 مقالة طويلة عنوانها “ابطال الحركة الاوروبية في لبنان وسوريا”. ثم لم تلبث “المكشوف” ان اصدرت في 27 آذار من العام نفسه، “عدداً خاصاً ممتازاً عن مظاهر الثقافة في سوريا” شاركت فيه كوكبة من الكتاب السوريين. لكن الجريدة سرعان ما بادرت في 10 تموز 1939 ايضاً، الى اصدار عدد مماثل “عن مظاهر الثقافة في مصر” شارك فيه كتاب مصريون.

 

التأريخ الغائب لبيروت

مذ نشرت بيان تحولها جريدة اسبوعية للأدب والادباء وصحافيّي الهوى الأدبي في ايار 1936، حتى توقفها عن الصدور مطلع الخمسينات، ظلت “المكشوف” جريدة ودار نشر، محوراً للحركة الادبية وصحافتها النشيطة والفاعلة في لبنان.
“المكشوف” مع “الندوة اللبنانية” – بدأت نشاطها في 1946، وصدر مؤسسها، مديرها ومنشّطها، ميشال اسمر، عن حلقات الحركة الادبية نفسها وصحافتها اللتين صدر عنهما كل من “المكشوف” ومؤسسها المنشّط، واستقطبت جريدته وداره للنشر معظم اعلام تلك الحركة، ادباء وكتاباً وصحافيين، واضطلعت الدار بنشر الكثير من المطبوعات الصحافية القطاعية والمهنية – شكلت محاور ثلاثة اساسية وفاعلة في الحياة الثقافية اللبنانية. فـ”المؤسسات” الثلاث تقاطعت ادوارها زمنياً وفي التعبير عن وجهة لبنانية في دوائر النشاط الادبي والصحافة الادبية والنشر، وفي دوائر انتاج ثقافة سياسية لبنانية، مستقلة ودستورية وديموقراطية في كثير من وجوهها، وتصدرتها النخب المسيحية.
تزامن نشاط “المكشوف” و”الندوة” في سنوات خمس، انتهت في مطلع الخمسينات حين توقفت “المكشوف” عن الصدور بعد رحيل او انكفاء معظم أعلامها الادبيين، وانتقال صحافييها الى العمل في صحف يومية بيروتية. أما “الندوة” فتابعت نشاطها حتى بدايات الحرب في 1975. لكن “المؤسستين” شكلتا حلقتين اساسيتين في تاريخ الحياة الثقافية والثقافة السياسية في لبنان: شغلت “المكشوف”، طوال 15 سنة، موقعاً رائداً في التأريخ غير المكتوب بعدُ للحركة الادبية اللبنانية وصحافتها. وشغلت “الندوة” دوراً اساسياً في انتاج ثقافة سياسية وادارية محورها الدولة اللبنانية المستقلة، وتمتين ركائزها وحضورها في ثقافة جماعات لبنان المتباينة، قبل ان تقوّض هذه الجماعات بحروبها الاهلية الملبننة تلك الدولة. واذا قدّر لذلك التأريخ ان يُكتب يوماً ما، فإن هاتين “المؤسستين” ستكونان من مصادره المحورية.
أعداد “المكشوف” وصفحاتها هي السجل المرجعي الوثائقي الاوسع لحلقة من تاريخ الحركة الأدبية اللبنانية غير المكتوب، لأنها المطبوعة الادبية الأطول عمراً والأكثر استقطاباً لأقلام اجيال متباينة في أعمارها، متقاربة ومتفاعلة في نشاطها وذائقتها وتجاربها، في الحقبة الأخيرة مما سمّي “عصر النهضة الادبية” البادئة في لبنان ومصر والمهجر الاميركي منذ أواسط القرن التاسع عشر. واستلهاماً لطريقة المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل في التأريخ للحقب المتصلة والمنقطعة على الأمد الطويل، شغلت “المكشوف” حلقة انتقالية وسيطة ما بين بدايات تلك النهضة ونهاياتها، ممهدة لما سُمّي “الحداثة الثقافية” التي تصدّرها الشعر الحديث و”نجومه الرواد” في الخمسينات والستينات، وشكلت بيروت، في مجلاتها الادبية وصحافتها الثقافية ونمط حياتها الحر والمفتوح، مساحة حرة وقطباً رحباً لتلك الحداثة ونجوم شعرها حتى مطلع الثمانينات.

التعليم، المدينة، الصحافة

جمعت “المكشوف” على صفحاتها وفي منشورات دارها حشداً كبيراً من اسماء الادباء والكتّاب والصحافيين المنتمين الى اجيال متباينة. صدرت هذه الأجيال وتلك الأسماء عن نهضة التعليم الارسالي المحدث واتساع قاعدته الاجتماعية ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر. فشمل التعليم، الى ابناء عائلات قدامى الاقطاعيين والوجهاء والتجار والمهنيين الجدد، ابناء فئات عاميّة واسعة في جبل لبنان وبيروت، ومن المسيحيين خصوصاً، وسواهم من الوافدين الى بيروت من بلدان المشرق ما بعد الحرب العالمية الاولى.
النهضة التعليمية هذه كانت رافعتها الاساسية مدارس الارساليات وجامعتاها المتنافستان في بيروت: القديس يوسف للمرسلين اليسوعيين الكاثوليك، والجامعة الاميركية للمرسلين الانجيليين البروتستانت. وقد تزامنت نهضة التعليم وشمولها اجيالاً متعاقبة، مع نشوء الصحافة وازدهارها في بيروت وحواضر جبل لبنان منذ عشايا الحرب العالمية الاولى، قبل ان تشهد توسعاً نوعياً في بيروت غداة تلك الحرب. فبيروت عاشت منذ ما قبل منتصف القرن التاسع عشر، اكثر من نهضة مدينية وسّعت رقعة عمرانها وأخرجته من انكفائه داخل اسوارها القديمة. وفي كتيب عنوانه “الخروج من البوابات الثماني الى عمران المدينة” – نُشر مرفقاً بالعدد الأول من مجلة جديدة صدرت في مطلع تشرين الثاني 2012، عن “شركة اعمار وسط بيروت” (سوليدير) باسم “البوابة التاسعة” – وصف وضاح شرارة حلقات ذلك الخروج المتدرج:
“كان عدد سكان بيروت “يناهز المئة الف نسمة في اوائل القرن العشرين، بعدما كان 60 الفا في 1836″. قفزات تزايد سكان المدينة كانت سريعة ومضاعفة ايضاً منذ مطالع القرن التاسع عشر. ويشدد الكاتب في هذه الزيادة السكانية الكبيرة على “ثقل الروافد الجبلية”، اي المسيحية، و”الخارجية”، اي الهجرات المشرقية وتوافد الجاليات الاجنبية. من الأدلة على ذلك “حادثة طائفية أوقعت في بيروت سنة 1903 نحو 15(؟) قتيلاً في اشتباك اشقياء برأس النبع، معظمهم (؟) (أي القتلى) مسيحيون، فترك بيروت لائذا بالجبل نحو 30 الف مسيحي بيروتي”. السكن المسيحي في بيروت تزايد ايضاً بعد الحرب العالمية الاولى وقيام دولة لبنان بعاصمته الجديدة التي خالطت سكانها “روافد كثيرة، غلب عليها المصدر الجبلي”. هذا كله ادخل “في صلب الاسواق (البيروتية) تجاراً واصحاب مهن جديدة، اطباء ومعالجين ووكلاء ومقاولين وبيّاعي مفرق وموظفين اداريين ومترجمين وخبراء عمارة ورصف طرق”. كان قبل ذلك الميسورون في نواة السكن البيروتي القديم والمنكفئ، يخرجون الى “الظواهر والمزارع والضواحي والروابي” القريبة من المدينة، ويخالطون “المهاجرين من جبل لبنان ومن مدن الولايات العثمانية ومن المرافئ والحواضر الاوروبية والغربية”. تأسيساً على هجرات سابقة “التقت بشرق طريق الشام، بين الصيفي والناصرة، وبزقاق البلاط والقنطاري”، نشأت مدينة بيروت المتجددة والمختلطة، و”اقامت محل سورها وخندقها وهوية اهلها مستودعات بضاعة، ومسارح ومراقص ومقاه وشاشات (ودور سينما) ومحطات سفر”، وكذلك مطاعم ووكالات تجارية ومكاتب صحف.
كان التعليم ركنا اساسيا في نهضة بيروت الحديثة هذه وازدهارها، كما كانت نهضتها وازدهارها من عوامل تنامي التعليم وتوسعه وشموله النساء وخروجهن من كنف الحياة البيتية والعائلية الى الفضاء المديني العام. وكان صدور “المكشوف” جريدة لـ”العري” في سنتها الأولى عام 1935، علامة فاقعة ومثيرة لذلك الخروج وللتحريض عليه تحريضاً استيهامياً مترجماً ومدبلجاً عن الصحافة الأجنبية، قبل أن تصير الجريدة جريدة للأدب والادباء والكتّاب، شأن عشرات الصحف الناشئة والمتخذة مكاتب لها في وسط بيروت المديني المتجدد منذ مطلع القرن العشرين. اجتمع والتقى وتعارف في مكاتب هذه الصحف وعلى صفحاتها عشرات، وربما مئات من الكتّاب المتفاوتي الأجيال والتجارب والخبرات. في “المكشوف” وحدها التقى بعض من أدباء وأعلام النهضة الادبية في لبنان والمهجر: أمين الريحاني، ميخائيل نعيمة، عمر فاخوري، الياس ابو شبكة ومارون عبود. هؤلاء، على تفاوت أعمارهم، كانت كتاباتهم تجتمع على صفحات “المكشوف” الى جانب كتابات أجيال اصغر منهم عمراً، وتختلف عنهم في التجربة والتكوّن الثقافي: فؤاد حبيش، ميشال أسمر، لويس الحاج، فؤاد حداد، خليل تقي الدين، توفيق يوسف عواد، فؤاد أفرام البستاني وسواه من البساتنة الكتّاب. معظم هؤلاء اختلطت ميولهم الأدبية بامتهان الصحافة والتعليم والترجمة، وخالطهم في “المكشوف” كتّاب من الشبان الجدد وأصحاب الميل الأدبي.

زمن اجتماعي صاعد

كان الأدب والتأدب والترجمة في أصل الرابطة العامة لمجموعات هذه الاجيال المتباينة وشللها الأدبية والصحافية التي انضوى بعضها في “عصبة العشرة” و”ندوة الإثني عشر” و”الثريا” و”أهل القلم” وسواها. وجاء تحول “المكشوف” جريدة ادبية، إمارة على توسع هذه الدوائر والروابط، وعلى تفاعل الادباء والكتّاب والصحافيين وأجيالهم المختلفة طوال 15 سنة على صفحاتها. في هذا المعنى قيل ويُقال “زمن المكشوف”، وكذلك “زمن الندوة اللبنانية” لاحقاً.
دائرة أعلام الأدب المتكونين في لبنان او المهجر، البارزين على صفحات “المكشوف” (نعيمة، الريحاني، فاخوري، أبو شبكة، عبود، ورئيف خوري)، أخذ الموت يفاجىء بعضهم واحداً تلو آخر، ابتداء من مطلع اربعينات القرن العشرين: في 22 تشرين الأول 1940 خصصت “المكشوف” عددها الـ271 لرثاء أمين الريحاني. وفي 18 آذار 1940 خصت رشيد نخلة بعدد كامل ايضاً. قبل ذلك، في 23 كانون الثاني 1936، وقفت عددها كله للكتابة عن مدرسة “الحكمة” التي تخرج منها ودرّس فيها كثيرون من كتّابها وكتّاب سواها من الصحف، فاستعاد المشاركون في كتابه العدد الخاص، أهمية “الحكمة” وأفضالها وريادتها في حركة التعليم اللبناني. في 3 آب 1946 ودّعت “المكشوف” عمر فاخوري بعدد خاص كامل تصدّرته قصيدة رثائية لالياس ابو شبكة الذي لم تلبث الجريدة نفسها ان ودعته بعدد خاص في 3 شباط 1947. ميخائيل نعيمة، وهو من جيل النهضة الأدبية الأقدم، عمَّر وتنسَّك في “شخروبه” ببسكنتا حتى مطالع الثمانينات، مستمراً على نفور من المدينة اخترق الكثير من إنتاج الأدب اللباني حتى عهد قريب. أما مارون عبود الكاتب والقاص الريفي الساخر والناقد الأدبي و”معلم الأجيال” في نهضة التعليم، فاستمر اسمه حاضراً في “المكشوف” حتى عشايا توقفها عن الصدور. رئيف خوري الناقد وصاحب “أديب في السوق” والمدرّس وواضع كتب مناهج التعليم في آداب اللغة العربية، ظل شأن عبود، حاضر القلم في الخمسينات والستينات، بعد مساهمته الدائمة في “المكشوف”.
كانت الاربعينات، إذاً، خصوصاً في نصفها الأول عهد إزهار “المكشوف”، لكنها كانت كلها وفي بعض سنواتها، محطات لرحيل أعمدة الجريدة وبدايات انصرام عهد نوع من الأدب والتأدب والأساتذة الذين كان صار كثيرون منهم مدرّسين في الجامعة اللبنانية وكلياتها الناشئة وفي دار المعلمين والمعلمات، حيث ضلعوا في تربية أجيال جديدة من المتعلمين والمثقفين بثقافة أدبية جديدة عمادها الشعر الحديث غالباً. فرفدت ثقافة هؤلاء الشبان الجدد صحافة الخمسينات والستينات والسبعينات الأدبية وغير الأدبية بطاقات جديدة. غلب على أولئك الشبان تعلمهم في الجامعة اللبنانية وتخرّجهم منها (خصوصاً كليتي التربية والآداب)، وعملهم سنوات قليلة أو كثيرة في التعليم الرسمي في بدايات انهياره في عشايا الحروب الملبننة (1975) وأثنائها. وغلب عليهم أيضاً تحدرهم “العصامي” من بيئات اجتماعية ريفية مهاجرة الى المدينة.
شجرة الأنساب السريعة هذه تشير الى خيط ما يخترق التكوّن الاجتماعي – الثقافي المتقطع والمتحوّل لأجيال متلاحقة من المتعلمين والمتثقفين ثقافة أدبية، والعاملين في مهن الكتابة والصحافة والتعليم في حقب مديدة صاعدة وواعدة اجتماعياً وثقافياً، ومنحت أجيالهم المتعاقبة معنى وقيمة في سلّم الارتقاء الاجتماعي، المادي والمعنوي والرمزي، منذ بدايات نهضة التعليم والنهضة الأدبية في منتصف القرن التاسع عشر، وطوال حوالى قرن ونصف القرن من زمن لبنان وبيروت الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المحدث والصاعد حتى عشايا الحرب.

 

جذر النهضة: لغوي – أدبي؟

في سياق التأريخ السريع لمحطات من الحياة الأدبية وصحافتها وأعلامها على المدى الطويل، يستوقف عدد خاص نشرته “المكشوف” في 15 شباط 1946، لمناسبة مرور 75 سنة على وفاة الشيخ ناصيف اليازجي، وإحياء لذكراه بصفته أحد الأعلام الثلاثة المؤسسين للنهضة الأدبية واللغوية في لبنان. هل النهضة هذه أدبية ولغوية في جذرها؟ أعلامها في جيلها الأول هم: الشيخ ناصيف اليازجي، نقولا الترك، وبطرس كرامة. ويلحق بهم ويزامنهم لبعض الوقت في سياق آخر المعلم بطرس البستاني.
ساهم في الكتابة عن اليازجي في عدد “المكشوف” الخاص به: مارون عبود، بطرس البستاني (هو غير المعلم بطرس طبعاً)، إلياس ابو شبكة، فؤاد افرام البستاني، يوسف اسعد داغر وصلاح الدين علام. هؤلاء جميعاً وسواهم برغم تفاوت أعمارهم هم من الأجيال الأخيرة للنهضة الأدبية، وساهموا في إطلاق “المكشوف” في 1936 (لكن صلاح الدين علام قد يكون أحد اسمين مستعارين – الآخر زهير زهير – استعملتهما “المكشوف” استعمالاً دائماً وكثيفاً لكتابة مقالات سجالية متعلقة بالفكرة اللبنانية وبالانقسامات الساخنة الدائرة حولها. والاستعارة هذه تطرح سؤالاً حول معنى هذا التخفّي ودلالته حين تصدي الجريدة لسجالات اساسية لا يخفى بعدها السياسي والطائفي).
مقدمة العدد المغفلة التوقيع، تشير الى ان دور اليازجي في النهضة كان “التبحّر في أسرار اللغة العربية، تبسيطها وتطويعها للأفهام وتحبيبها الى القلوب، ونشرها بين الجماهير” (غريب استعمال كلمة “الجماهير” في هذا السياق، قبل ولادة الزمن الجماهيري وطغيانه بدءاً من الخمسينات). أما “أبناء اليازجي وبناته (فانصرفوا) إلى مثل عمله انصراف العشرات من العيال (العائلات) اللبنانية: التحقيق والدرس والنشر والتعليم”. لكن مارون عبود في مقالته عن اليازجي، يخالف هذه الوجهة النهضوية وينقضها: “كان شيخنا يستوحي الكتب القديمة، لا يستلهم غيرها في كل ما نظم وكتب. فكأني به ذات مجردة من المكان والزمان، فما علق بشعره شيء منهما”. إنه ذات لغوية محضة أو خالصة إذاً. وهذا يؤكد الجذر اللغوي للنهضة. وبأسلوبه النقدي الثاقب والساخر، يتابع عبود: “من لا يعرف انه (اليازجي) نشأ في كفرشيما وشبّ واكتهل في بتدين (بيت الدين، بديوان قصر الأمير بشير الثاني) وشاخ في بيروت، خاله من مواليد نجد واليمن”، حيث المصدر البعيد للغة العرب. وتبلغ سخرية عبود ذروتها، فيكتب أن اليازجي وضع “مقامة في مجمع البحرين سمّاها “المقامة اللبنانية” (لكن) ليس فيها شيء من ريحة (رائحة) لبنان. فالمتنبي الذي مرَّ عَرَضاً من وراء لبنان وشاهد قفاه أو قممه من حمص، تأثر به أكثر من شيخنا” المساهم في تأسيس النهضة.
بطرس البستاني (غير المعلم) يشير في مقالته عن اليازجي إلى “خدمته الفصحى وأبناءها” (اللغة أيضاً وأيضا)، ثم إلى عمله في ديوان الأمير بشير: “قاعة العمود (حيث كانت تنعقد) حلقات (أميرية) للسياسة والتدبير وللكتّاب والشعراء يرتفع فيها صوت نقولا الترك وبطرس كرامة. أما رئيف خوري فكتب عن “يقظة الوعي العربي في مقامات اليازجي”: اليقظة والوعي هذان ماذا يكونان في المقامات سوى لغويين؟ هذا ما يؤكده الياس أبو شبكة حين يذكر، في سياق مقالته عن اليازجي، أن المعلم بطرس البستاني المولود سنة 1844، مجدّدٌ لغوي بامتياز. فهو “صاحب قاموس “محيط المحيط” و”دائرة المعارف”، وأول من أنشأ جريدة عربية  حرة في هذه الديار”. الجريدة هي “الجنان” التي أصدرها البستاني سنة وفاة اليازجي (1871)، و”عهد تحريرها لابنه سليم البستاني، فنشرت ترجمة لليازجي بقلم الأديب سليم أفندي دياب”. “المكشوف”، بدورها نقلت هذه الترجمة عن “الجنان” وأثبتتها في عددها الخاص عن عَلَم النهضة ناصيف اليازجي. وهي، بعد مرور حوالى مئة سنة على بدايات النهضة، وعودتها من سنة ضلالها “رسولاً (صحافياً مترجماً) للعري”، لم تكن نهضتها شيئاً آخر غير نهضة أدبية – لغوية، تشهد على ذلك عودتها الى “جادة الصواب الأدبي”، مجدّدة في تناول الموضوعات الأدبية وفي لغة الصحافة، ومساجلة في شؤون الأدب والأدباء والشعراء وفي ما يتصل بذلك من قضايا واهتمامات.
طوّرت طوال عهدها وجوهاً كثيرة من العمل الصحافي، فتابعت قضايا وقطاعات ونشاطات في الحياة الاجتماعية والفنية (السينما خصوصاً)، وخصصت زوايا لموضوعات إدارية ومعيشية، ولشؤون السياسة الدولية، لكن هذا لا يقاس بمادتها الأدبية الطاغية. الأدب هنا هو الكتابة الأدبية التي تتناول موضوعات أدبية وتطلق سجالات مدارها الأدب وحرفة الأدب التي تبحر غالباً وتتبحر في ما يسمّى “العصور الأدبية الكلاسيكية” أو الأقرب عهداً. التبحر في تلك العصور، ما هي مادته؟ اللغة طبعاً (ألهذا شاعت في أدبيات الحداثة الشعرية المتأخرة زمناً عبارات مثل: تفجير اللغة؟).
الى هذا التبحر في مدارات الأدب واللغة الأدبية، هنالك الترحال في بعض لإنتاجات الأدب العالمي، قصة وشعراً ومقالات صحافية، اقتباساً وترجمة وتلخيصاً. أما الغائب الأكبر عن مدارات الأدب هذه، فهو العالم المادي الحسي، هنا والآن، وهناك في الأمس البعيد والقريب. وحين يجري تناول هذا العالم الدنيوي، غالباً ما تنتصب دونه غشاوات الإنشاء الأدبي. تغيب عن “المكشوف” (وغالباً عن صحافتنا اليوم) الكتابة الميدانية الحيّة التي تصف وقائع الحياة المادية والاجتماعية الزائلة، ظواهرها، حوادثها، تحولاتها، سياقاتها. أي الكتابة التي تؤرخ وتطلق الوعي والمخيلة في النظر الى الوقائع، بعيداً من الانشاء الأدبي اللغوي. الأرجح أن العوامل المؤسسة لهذا الغياب والباعثة عليه كثيرة متدافعة، ومتعلقة بطبيعة الثقافة واللغة العربيتين النهضويتين، وبطبيعة تكوّن الكتّاب والصحافيين تكوّناً أدبياً ومتأدباً، كأن النهضة إحياء لغوي في جذرها الأساس. والحق أن معظم كتاب “المكشوف” يمتلك لغة أدبية متميزة في الكتابة التي تنأى من حيوية الوقائع الحسية وسيولتها. كانت الحياة في “زمن المكشوف” قوية النبض والحوادث والتحولات طوال 15 سنة في المدينة وفي أرجاء لبنان، لكن هذا لم يحضر على صفحات الجريدة إلا أدبياً وفي لغة أدبية. ولعل أمين الريحاني وعمر فاخوري ومارون عبود يخالفون هذا المذهب في الكتابة. فـ”فيلسوف الفريكة” ليس فيلسوفاً في الحقيقة، بل أقرب الى رحالة يشاهد ويشهد ويؤرخ مشاهداته. أما فاخوري وعبود، وكذلك رئيف خوري وتوفيق يوسف عواد، فيتركون جانباً من أثقال لغة الأدب الانشائية وتراثها، فيما هم يكتبون متابعاتهم النقدية.

حداثة الفردية المختنقة

اعترض الروائي التشيكي والفرنسي لاحقاً، على التشوهات التي أدخلها مترجم روايته “المزحة” من التشيكية الى الفرنسية. يقول كونديرا إنه كتب في روايته: السماء التشرينية زرقاء. المترجم الفرنسي كتب: السماء التشرينية ترفع رايتها الباذخة. وكتب كونديرا: استولى عليّ الحزن، أما المترجم فكتب: عَلِقتُ في أنشطوطة حزن عظيم. وحين كتب الروائي: النساء عاريات، كتب المترجم: النساء يرتدين لباس حواء. هذه التشوهات وأمثالها الكثير حاضرة حضوراً طاغياً في أساليبنا الكتابية العربية حتى اليوم ومنذ ما قبل “المكشوف” التي تناول أحدهم فيها الجنرال ديغول، فكتب إن علينا أن “نحيّي فيه المِلح الخالدة”. آخر وصف الكاتب الاميركي مارك توين بـ”الفَكِهْ”. ثالث أكثر من استعمال كلمات “الطرفة”، “الطُرف”، فيما هو يكتب عن أشعار عزرا باوند. رابع وصف جنازة عمر فاخوري، فكتب: “كان نفر قليل يتناهد الى النعش”. خامس يخاطب اللبنانيين كاتباً – قائلاً: “الحلم الذي هدهد المهدَ لآبائكم مئات السنين”، و”الأمنية التي زغردتها فتاة زغرتا لفتى الأرز”، قاصداً الاستقلال بهذين الحلم والأمنية.
لكن عمر فاخوري كتب وهو على فراش المرض قبيل أيام من رحيله: “تُرى هل نقضي العمر في التفلسف على الحياة من دون أن نحيا؟”. وكتب ايضاً: “نحن لا تاريخ لنا لأنه لا حياة. لكننا نؤرخ. نؤرخ اليأس”.
قبل فاخوري، غداة صدور كتاب ميشال أسمر “مذكرات ميشال زكور” عن “دار المكشوف” عام 1938، علّق فؤاد حداد (أبو الحن) على الكتاب، فاعتبر أنه مذكرات جيله وجيل أسمر، المولود في الحرب العالمية الأولى. وكتب حداد أن “الأدب” الذي يكتبه ذلك الجيل الطالع في لبنان، هو “أدب الأنانية” (الأرجح أن الكاتب – المعلق كان يقصد بالأنانية الذاتية أو الفردية). وها هوذا يشرح معنى ذلك “الأدب الأناني” فيكتب أنه يعبّر عن: “الضعف المستتر بالقوة، الطهارة المغلّفة بالشهوات، الحياة الراكدة تحت هيجان المخيلة وغربة الإحساس، فيض الحب المهدور، الإيمان المبطن بالكفر، المجهول الشخصية (أي الغفل)، برغم تعدّد الشخصيات”.
خلف هذه الثنائيات التي لا يزال الأدب اللبناني الأحدث، شعراً ونثراً، يعتبرها قدس أقداس لاهوته التعبيري، يكمن الاختناق الجديد، الفردي والذاتي، بالفردية المقلقة أو الموقوفة. من الاختناق هذا يصدر معظم اللاهوت – الجهاز التعبيري والفني الذي به تجاوزت الكتابة اللبنانية الحديثة الانشاء اللغوي للنهضة. ميشال أسمر يعبّر صادقاً في مذكراته عن اختناقه بتلك الفردية الأسيرة غير القابلة للاحتمال: “آه منك يا نفسي! الى أين يقودني اهتمامي بكل نفثة من نفثاتك ونغمة من نغماتك؟ أنا مثقل بكِ، متعب بنضجك”.
لماذا مُتعِبٌ هو النضج؟! هل لا خلاص من هذه الحال إلا ببراءة الطفولة أو بالنبوة الجبرانية أو بالموت؟

 

 

الحرية والتصدع الأخلاقي

ديسمبر 8, 2012

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 30-11-2012

أتذكر من “طواحين بيروت” صوراً ومواقف وعلاقات لما يمكن تسميته “الضياع الوجودي” في المدينة (بيروت)، كما صاغته المخيلة الأدبية اللبنانية المحدثة في الستينات ومطالع السبعينات من القرن العشرين. عنوان الرواية يوحي أيضاً بذلك النوع من الضياع: المدينة تطحن البشر، أي تخلطهم، تهصرهم، تفكّكهم، وتذرّرهم. لكن كلمة “طواحين” التي تكنّي، في العنوان، كناية مادية مباشرة عما تفعله المدينة بالبشر، تحمل رجعاً وأصداء من المخيلة الأدبية القروية التي تشكل مصدراً أساسياً للأدب اللبناني، في لغته وقيمه وقاموسه التعبيري، حتى الأمس القريب. وفي تلك المخيلة الأدبية القروية ذات الجذر العامي الجبلي (المسيحي غالباً) يكثر حضور المدينة بوصفها إطاراً للفساد والرذيلة والضياع، في مقابل الطهر والنقاء والبراءة والأصالة القروية.
في ما أتذكره من صور ومواقف روائية للضياع في “طواحين بيروت” حينما قرأتها في مطالع السبعينات، أن الضياع الأخلاقي والوجداني والعاطفي والجنسي لشخصيات الرواية في بيروت، لم يكن له مقابله ونقيضه القروي، إلا على نحوٍ خفيّ أو مضمر. لكن ذلك الضياع، أو التمزق الوجودي الذي تعيشه تلك الشخصيات، تقدّمه الرواية بوصفه تصدّعاً قيمياً وأخلاقياً يلمّ بالوافدين الى المدينة، نتيجة انسلاخهم عن بيئاتهم وثقافاتهم السابقة المستقرة الآمنة والمطمئنة التي صدروا وانسلخوا عنها.
هذه النظرة إلى المدينة (بيروت) حاضرة بقوة لافتة في موضوعات الشعر اللبناني. ففي مطلع سبعينات القرن العشرين كتب أحد الشعراء اللبنانيين الجنوبيين الشبان آنذاك قصيدة عنوانها “بيروت”، فشاعت مقاطع منها على ألسنة جماعات طالبية واسعة (منهم كاتب هذه السطور): “أيّ موت شدّ يا بيروت رجليّ إلى ظهري/ رماني/ عند قدميك أبيع الضحك/ أزني بالأغاني/ لستِ أمي/ بل خياناتي لأمي/ لملمي ثدييكِ/ ثدياكِ زجاج/ وشفاهي سئمت من حلمة الكاوتشوك/ من رضع القناني”.
الغريب أن صاحب “الرغيف” و”قميص الصوف”، كان قبل أكثر من عقدين من نشره “طواحين بيروت”، قد عبّر عن نظرة مختلفة تماماً إلى المدينة، حينما كتب في جريدة “المكشوف” منتصف ثلاثينات القرن العشرين، تحقيقاً قصصي الأسلوب عن بنات بيروت اللواتي خرجن إلى العمل في المكاتب والمخازن والمتاجر، جازماً بأن المحافظات منهن على “العفاف” لا تتجاوز نسبتهن الـ 5 في المئة. فـ”العذراء منهن تعطي كل شيء ما عدا خيط عنكبوت”.
وهذا، على ما يختم عواد تحقيقه، “ظاهرة جميلة، فرحة ولذيذة. لكنها لا تخلو من خطر”. لكنه يحرّض على اقتحام هذا الخطر في سؤال ملهم: “متى كانت الحرية خالية من الأخطار؟”. أما في “طواحين بيروت” فألبس الروائي الاخطار التي تنطوي عليها الحرية في المدينة لبوس التصدّع الأخلاقي.

مجتمع العمران البري والمنافي السكنية على تلال خلدة نموذج للاقتلاع والتذرر وعنف الهويات المحتقنة

ديسمبر 5, 2012

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في  2-12-2012

خليط سكني

على تلال خلدة الساحلية – وهي كانت مقفرة يكسوها غلاف صخري تتخلله نباتات وشجيرات برية قبل عقدين  من السنين او اكثر بقليل – ارتفعت بنايات العمران العشوائي شاهقة، وتمددت تدريجاً في القفر، من دون نظام ولا تصنيف لاستعمالات الاراضي، وقبل ترتيبها وشق طرق وانشاء شبكات للخدمات فيها. والمتجول العابر اليوم في السيارة على طرق تلك التلال، بين البنايات العالية وورش البناء، يصعب عليه تصنيف نوع العمران الناشئ والعثور على تسمية محددة له وفق التصنيفات العمرانية المعروفة: تلال مقفرة اجتاحتها عشوائياً بنايات سكنية عالية لا يربط بينها اي نظام سوى محاذاتها طرق شقها تجار البناء الجاهز والعقارات، كل منهم على هواه وكيفما اتفق وبأقل التكاليف الى بنايته وارضه وسط القفر. لكن تلال خلدة وجوارها في خراج عرمون لا تنفرد وحدها في لبنان اليوم بمثل هذا النوع من العمران المنتشر كثيفاً في ارجاء كثيرة من الجمهورية السائبة. فالناظر متأملاً في ما صار اليه عمران لبنان، وفي انماط الحياة ودبيبها فيه، يدرك على اي حال من التمزق والفوضى العارمة يعيش اهالي هذه البلاد ويتدبرون شؤونهم العامة ويديرونها. لذا ليس ما حدث ويحدث على تلال خلدة وعرمون الا نموذجاً لما هي عليه احوال العمران في مناطق لبنانية كثيرة، مع بعض التفاوت والاختلاف بين منطقة واخرى.

العمران البري

ادى انشاء الاوتوستراد الساحلي السريع الذي ربط بيروت بصيدا جنوباً، الى فورة كثيفة من تشييد منشآت تجارية كبرى ومتوسطة وصغيرة على جانبيه. تبع هذه الفورة تشييد بنايات سكنية خلف شريط المؤسسات التجارية، ثم تمدد انشاء البنايات تدريجاً على التلال، فوصل اليوم الى اعاليها، وتوسعت الكتل العمرانية وتضخمت. وللوصول اليها والخروج منها ما بين مثلث خلدة ودوحة الحص، تفرعت من الاوتوستراد السريع طرق صغيرة شبه عشوائية لا يراها سوى من خبرها وتعوَّد الانعطاف اليها. الطرق هذه تتعرج على التلال بين البنايات وسط القفر بلا ارصفة، وطبقة الاسفلت عليها رقيقة هشة سرعان ما تتآكل وتغزوها الحفر. الخدمات الاساسية للبنايات، من ماء وكهرباء، وصرف صحي، أُنشئت مثل الطرق، بلا تنظيم ولا تخطيط: لكل بناية بئرها الارتوازي للحصول على الماء، وبئرها او جورتها لتجميع المياه المبتذلة والصرف الصحي، ومولدها لتوليد الطاقة الكهربائية، اضافة الى الاتصال غير المنظم بالشبكة العامة.

على مثال العمران الفوضوي على الاراضي المشاع المقفرة بعدما صادرها النافذون وجماعاتهم المسلحة في ضواحي المدن والبلدات والقرى، فتقاسموها اقتساماً داميا في بعض الأحيان وشيدوا عليها متاجر وبيوتا وبنايات عشوائية في أزمنة الحرب، على هذا المثال شيد تجار الاراضي وسماسرتها وتجار البناء الجاهز بناياتهم العالية على تلال خلدة، فنشأ عن ذلك عمران بري وتجمعات سكنية لا تاريخ لها ولا نظام او نسيج عمراني يجمعها. فقط طرق بدائية وبنايات في قفر لم يجر ترتيب اراضيه وانسنتها، لا قبل وضع اساسات المباني ولا بعد انجازها وبيعها شققاً سكنية جاهزة وانتقال اصحابها ومستأجريها للاقامة فيها. بنايات مبعثرة على التلال بين الصخور، وسكان بنايات في قفر ارسخ واقوى من العمران والسكان. واذا كانت هذه حال العمران وساكنيه، فان الحياة والعلاقات الاجتماعية ما بين السكان لا تختلف عن تلك الحال: اجتماع ومجتمع برِّيان يقومان بين جدران الباطون والصخور وعلى منحدرات تشرف على بحر بعيد. والاقامة في هذا المجتمع البري لها طعم المنفى.

عرب المسلخ

تبدأ حكاية عمران تلال خلدة المقفرة بلجوء مهجري “عرب المسلخ” النازلين قرب الكرنتينا شرق بيروت، الى مسابح خلدة وشاليهاتها في حرب السنتين (1975 -1976). “الحزب التقدمي الاشتراكي” نظم آنذاك اقامة المهجرين ورعاها في تلك المسابح البحرية التي يوالي ملاكها وملاك الاراضي المجاورة العائلة الارسلانية المناوئة للعائلة الجنبلاطية التي تتصدر زعامتها الحزب الجنبلاطي “الاشتراكي”. وسّع “عرب المسلخ” المهجرون مضاربهم خارج المسابح، واقامت جماعة منهم مخيماً لها في القفر، اسفل التلال الصخرية، على مسافة قصيرة من الطريق الساحلي القديم السابق على انشاء الاوتوستراد السريع الذي أزال انشاؤه المخيم. في الاثناء، اي في سنوات الحروب المتعاقبة (1975 – 1990)، ازدهرت تجارة اراضي التلال التي يروي قدامى العارفين بأحوال المنطقة وعقاراتها، ان ملاكها كانوا في معظمهم من المسيحيين والدروز. هؤلاء الملاك ارغمتهم الحرب على بيع ارضهم المقفرة بأسعار متهاودة لمستثمرين كويتيين وتجار عقارات لبنانيين، وذلك بعد شعورهم بغموض مصير املاكهم والمشاعات القريبة منها، حيث نزل مهجرو المسلخ وأقاموا مضاربهم. النافذون من المهجرين، اولئك المستقوين بـ”الحزب التقدمي الجنبلاطي، برز دورهم كسماسرة عقارات في عمليات البيع والشراء، ثم اشتروا بعض العقارات وضموا اليها مساحات من المشاعات على التلال القريبة، فتحولوا شيئاً فشيئاً تجاراً وملاكاً للعقارات. وللبناء عليها ابتداء من مطالع التسعينات، شاركوا تجار البناء الجاهز، وحصلوا على شقق سكنوها في البنايات الجديدة.

صور ملحمية

ابو ديب – وهو الوجه الأبرز اليوم بين قدامى “عرب المسلخ” المقيمين في البنايات على تلال خلدة – اضفى صوراً ملحمية على كلامه عن عشيرته اثناء لقائنا معه في مضافته الزجاجية قرب سوبرماركت في الطبقة الارضية من احدى البنايات. “كانت المدافع تقصف وتدمر، فيما نحن ابناء العشيرة نشيّد البنايات في خلدة”، قال. هذه الصورة الملحمية كان ابو ديب قد استبقها بأخرى تعود الى ايام الحروب الصليبية. جواباً منه على سؤالنا الاول عن بداية العمران في خلدة، قال ان عمرانها عرف ثلاث مراحل: “في المرحلة الاولى كنا نحن ابناء عشيرة زريقات من عرب الثغور واهلها، الى جانب التنوخيين، في الدفاع عن السواحل ضد الغزاة الصليبيين. والمرحلة الثانية هي مرحلة انشاء المسابح  والفنادق على ساحل خلدة ابتداء من اوائل الستينات. اما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الحرب عندما اشترى اهلنا، عرب خلدة، أراض على التلال من ملاكها الارسلانيين وسواهم من الدروز، ثم شيدوا عليها البنايات، وباعوا قطعاً منها من مستثمرين وتجار عقارات”، منهم حسين طعان ومحمد نائل.

اثناء جلستنا دخل الى المضافة عدد من الاولاد والفتيان، تقدم كل منهم من ابو ديب وقبّل يده. اما الشاب الذي دخل اخيراً فوقف ابو ديب لاستقباله وتبادلا القبل على الخدين.

سألنا ابو ديب عن حوادث وصدامات تحصل بين السكان في المنطقة، ومنها الحادثة التي قتل فيها قبل أشهر شاب من آل شيخ موسى يدعى “كمال – ابو عدي”، وكان سببها المباشر شجار بين شبان نشب على خلفية تعليق صور ولافتات، فأدى الى تبادل اطلاق نار ومطاردات. كان جواب محدثنا أن خلدة فيها احزاب وتنشب خلافات ومنازعات بين احزابها، كغيرها من المناطق اللبنانية. اما “نحن عرب خلدة، فنعالج الخلافات بروح عشائرية وننبذ الأحزاب والحزبية”. ووفقاً لكلام ابو دبيب يبلغ عدد الناخبين من عشيرة الزبقات في خلدة – بعد حملة التجنيس الاخيرة في التسعينات – حوالى الف ناخب. اما ابناء العشيرة المقيمين في بنايات المنطقة فيبلغ غددهم حوالى مئة الف نسمة. وهذه ارقام مبالغ فيها كثيراً، لأن ابو ديب نفسه قال ان ابناء عشيرته لا تتجاوز نسبتهم 4 او 5 في ا لمئة من اجمالي عدد سكان خلدة الذين توافد معظمهم من مناطق بيروت وضواحيها واشتروا او استأجروا شققا في البنايات واقاموا فيها.

خليط المنفى السكني

في الروايات المختلفة التي جمعناها عن إعمار تلال خلدة من بعض سكانها المقيمين، يتوارد ذكر ابو ديب بوصفه “شيخ العرب” وأحد كبار تجار العقارات والبناء الجاهز في المنطقة، الى جانب آخرين كثيرين من آل الحسيني والخنسا والسعدي ونائل وعائلات اخرى. اما قطع الارض التي تشغلها معارض لتجارة السيارات المستعملة الى جانب الاوتوستراد، فتعود ملكية معظمها الى كويتيين اشتروها في زمن الحرب او قبلها من قدامى ملاكها المسيحيين او الدروز بأسعار بخسة عبر سماسرة من “عرب المسلخ”. وبعد انشاء الاوتوستراد صادر نافذون في الميليشيات قطعاً من الاراضي المملوكة “الداشرة” واقاموا عليها معارض تجارة السيارات. تزايدت على جانبي الاوتوستراد المؤسسات التجارية، ومنها “افران شمسين” لصاحبها ابو فادي الحلبي الذي يعمل في افرانه عمال سوريون كثيرون الى جانب غيرهم من العاملين في ورش البناء والمقيمين قربها في غرف مؤقتة مشيدة على عجل. لكن العمال السوريين اخذوا يستأجرون في البنايات شققا ويستقدمون من سوريا نساءهم واولادهم للاقامة فيها، فخالطوا “عرب المسلخ” وسواهم من سكان الشقق المباعة والمستأجرة.

قبل العام 2000 كانت غالبية سكان البنايات، اضافة الى “عرب المسلخ” السنة، من أسر سنّية من العرقوب وأخرى بيروتية من الطريق الجديدة لا يمكّنها وضعها الاقتصادي من شراء شقق او استئجارها في بيروت. وكانت تخالط هذا الخليط اقلية شيعية وافدة من الضاحية الجنوبية أو الجنوب. فأسعار الشقق في خلدة ادنى بكثير منها في العاصمة وضواحيها. لكن الوافدين البيارتة للسكن في شققهم لم يألفوا الاقامة  ونمط العيش في الطبيعة البرية، ولا في بيئتها الاجتماعية الجديدة الشبيهة بالمنفى، فقام كثيرون منهم بتأجير شققهم وعادوا للاقامة في احياء بيروت الشعبية. غير ان تجار العقارات والبناء الجاهز ثابروا على تشييد البنايات بما يفوق الطلب على الشقق التي يبيعونها بالتقسيط و”على الخريطة” في اثناء الشروع ببنائها.

الأسعار المتهاودة للشقق السكنية في خلدة حملت فئات شعبية من صغار المدّخرين على شراء شقق يستثمرون بها مدخراتهم في انتظار بيع الشقق بعد ارتفاع أسعارها، أو تأجيرها.

مشروع نائل

كان “مشروع نائل” الذي يضم مجموعة كبرى من البنايات على منحدر غير بعيد من الأوتوستراد، من أضخم المشاريع العمرانية في خلدة قبيل العام 2000 وبعده بقليل. يحوي المشروع مئات الشقق التي بيعت “على الخريطة” من صغار مدّخرين سنة في غالبيتهم الساحقة. لكن محمد نائل توفي قبل إنجاز مشروعه، فعمد مشترو الشقق في المجمع الكبير الى استكمال البناء وتجهيزه كل على هواه ووفق إمكاناته المادية. نجم عن ذلك قيام مجمعات سكنية مشوهة غير مكتملة الخدمات. والمجتمع الناشىء في بنايات المجمع يشبه في اضطرابه وتمزقه وتذرره الوضع العمراني المشوه للمشروع: مياه الصرف الصحي تسيل على اسفلت الطرق الهش وتحفر فيها أخاديد. امام البنايات وخلفها ترعى بعض من الأغنام والشاة. السكان خليط من “عرب المسلخ” وفقراء السنة الريفيين أو البيارته المهمشين. على الطريق الصاعدة الى خلدة من تحت جسر يعلو الاوتوستراد، نشأ ما يشبه سوق صغيرة غير بعيد من بنايات المجمع. روائح المياه المبتذلة السائلة على الطريق تفوح نفّاذة في الأرجاء، وصولا الى أعلى المنحدر. المصلى أو الجامع الصغير أقيم الى جانب الطريق في جهة من السوق.

هذه المشاهد الجزئية تعود الى نهار جمعة من أواسط شهر تشرين الثاني الجاري. كان دبيب الحياة قوياً في ظهيرة الجمعة تلك. رجال وشبان وفتيان ملتحون في غالبيتهم يتوافدون الى المصلى – المسجد. كثيرون منهم يرتدون دشاشيش، فيخلعون أحذيتهم ويدخلون الى باحة المصلى الداخلية، حيث يفترشون الحصر. خطيب المسجد على منبر صغير في الزاوية يتحدث عما يفعله “اليهود المجرمون” في غزة. صوت الخطيب يختلط بصوت شيخ آخر كان قد ركن سيارته المرسيدس أمام مبنى المبرّة او الحسينية ودخل اليها على مسافة أمتار من المصلى. شيخ المبرة يتلو مقتطفات من السيرة الحسينية الكربلائية في عاشوراء. خلف الأوتوستراد والمنشآت التجارية المحاذية له بنايات سكانها في غالبيتهم من الشيعة. على مدخل المبرة لافتة رخامية مكتوب عليها أنها شيدت في العام 2003.

شعور بالتوتر وعدم الأمان يراود الغريب عن هذه البيئة. لكن حركة السيارات والمشاة في المكان متسارعة ومضطربة، وتخيم عليها الأصوات العالية المنبعثة من المصلى والحسينية، وصولا الى الأرجاء المتباعدة في الأعالي. في جولة في السيارة المبتاطئة في سيرها على الطرق وسط بنايات “مجمع نائل” الكئيبة، الشاهقة، كانت أصداء خطيب المصلى والحسينية تتردد قوية من مكبرات صوت منصوبة على أعالي البنايات. مياه الشطف والغسيل والصرف الصحي مندلعة على اسفلت الطريق، وفي بورة صغيرة تحيطها صخور تسرح دجاجات وصيصان.

جولة سريعة

في جولة سابقة بالسيارة قبل شهرين أو ثلاثة من نهار الجمعة، كان الدليل المقيم في المنطقة منذ العام 2005 (علمت أخيراً أنه نزيل في سجن رومية)، قد قال: أنظر، أنظر الى تلك المرأة التي تترجل من الرانج الروفر. إنها تلبس بلوزة تنحسر عن بطنها، وهي زوجة مسؤول إحدى المنظمات الحزبية في خلدة. كانت السيارة تنطلق بنا من السوق في اتجاه مطعم “هارون الرشيد” على تلة صغيرة. تلاوة القرآن من الحسينية والمصلى كانت تتباعد خلفنا. هنا سكان البنايات خليط من العرب والسنة والشيعة، قال الدليل، وتابع: ابن بيروت يشتري شقة هنا ليؤجرها أو ليبيعها ويحصّل بعض الأرباح، فلا يسكن فيها، لأن الجو هنا ليس جوه. هنالك في الأعلى بعض الفيلات للبيع، يتشارك في انشائها مستثمرون كويتيون ومحليون، منهم “شركة عقاريا”.

تصعد السيارة على الطريق بين الروابي الصخرية والبنايات والورش المتباعدة. الأعلام واللافتات الحركية والحزبية تشير الى هوية المستثمرين والسكان، قال الدليل. على ذلك الجدار فوق كلمة “أمل” كتبت كلمة “عمر”، والعكس يحدث ايضاً. الأعلام ترفرف على كثير من أعمدة شبكة الطاقة الكهربائية. ابتعدت السيارة قليلاً من العمران. هذه المنطقة يسمنونها “قبرص” لأنها بعيدة، تابع الدليل. أصوات جرافات تصل من البعيد. ذلك البناء الكبير كان مدرسة خاصة، بعد موت صاحبها اقتسمها نجلاه مدرستين: “لا سيم” و”لا سيتيه”، يأتي في الأوتوكارات للتعلم فيهما تلامذة من إقليم الخروب وبلدات الجية والناعمة وحارة الناعمة التي تبدلت هويتها الديموغرافية تماماً، قال الدليل، وتابع: لقد  ابتعدنا من خلدة قليلاً، وهذا خراج عرمون، حيث مدرسة “البيادر” الخاصة على حدودها، وعلينا أن نعود نزولاً لنعبر في بنايات “مشروع نسيم البحر”.

مشروع نسيم البحر

روى الدليل وسواه من سكان المنطقة، أن موجة من تجارة العقارات وتشييد البنايات في خلدة، هبت قوية بعد تحرير الشريط الحدودي في العام 2000. غلب الشيعة على هذه الموجة الصاعدة تدريجاً من قرب الأوتوستراد وصولاً الى التلال العالية، حيث نشأ المشروع الأكبر المسمى “نسيم البحر” الذي قال أبو ديب إن الاراضي التي أنشئ عليها كان يملكها الأمير فيصل ارسلان، فباعها لتجار البناء الجاهز، وكان معظمهم من الطائفة الشيعية. وبعد تشييد الحسينية في أسفل السوق القريبة من الأوتوستراد، أخذت تنشأ مصلبات صغيرة في أسافل بنايات “نسيم البحر” الذي ضم عشرات البنايات المنحدرة من أعالي التلال حتى مضافة أبو ديب غير بعيد من “مشروع نائل”. (حين التقينا أبو ديب في مضافته، كانت فرس مربوطة في فسحة أرض صغيرة أمام السوبر ماركت). استمرت موجة البناء هذه متصاعدة حتى العام 2005، فتوقفت أو ضمرت قليلاً. وفي الأثناء شيدت على تلة ما بين “نسيم البحر” و”مشروع نائل”، بنايات “مجمع الطاهر” لأحد المشايخ الأقطاب في الطائفة الدرزية. لكن شقق هذا المجمع اشتراها خليط من أبناء الطائفتين السنية والشيعية، الى قلة قليلة من الدروز.

بعد أسابيع قليلة من نهاية حرب تموز 2006، هبت موجة عمرانية جديدة في مجمع “نسيم البحر”، فتزايدت بناياته. (في نهار من تلك الاسابيع سجَّلتُ في منزل مقاتل من “حزب الله” يقيم في إحدى بنايات المجمع، شهادة عن تلك الحرب التي شارك الرجل في معاركها في الجنوب، واستشهد له فيها ولدان اثنان مقاتلان معه). غداة تلك الحرب كانت الحياة في بنايات المجمع خافتة، ومجللة بالأعلام والرايات السود ولا تزال.

التوتر والاحتقان

في الزيارتين المتباعدتين لخلدة أخيراً، روى الدليل أن تجار البناء الشيعة ما بين 2006 و2008، كانوا يشترون العقارات على تلال خلدة بأسعار عالية، ويشيدون عليها البنايات، رغم تضخم عرض الشقق للبيع وزيادته عن طلب شرائها. أبو ديب نفسه أكد هذه الواقعة ونسبها الى تسابق اللبنانيين على الاستثمار في العقارات وتجارة البناء. الى جانب هذه الظاهرة، روى الدليل ايضاً أن التسابق على شراء العقارات وصل الى بلدة الشويفات. ما بين حرب تموز 2006 و7 أيار 2008، عاشت منطقة خلدة ومجمعاتها السكنية توتراً على إيقاع الخطب المتعاقبة التي كان يلقيها كل من السيد حسن نصرالله والرئيس فؤاد السنيورة أو سعد الحريري، فيطلق شبان في المنطقة النار في الهواء احتفالاً بخطيبهم ونكاية بالخطيب الآخر. حتى أن السلاح بدأ يطهر في مناسبات كثيرة، منها أثناء صلاة الجمع وخطبها في المسجد والحسينية. وفي هذه الحقبة بدأ يظهر تكاثر شبان من السلفيين الملتحين والمتطرفين جهادياً في بنايات “مجمع نائل”.

لكن شبان “حزب الله” كانوا يرصدون هؤلاء السلفيين وسلاحهم، وصولاً الى 7 أيار 2008، حينما قامت مجموعات مسلحة ومقنّعة من “حزب الله” بدخول المجمع في سيارات، طالبة من كل من لديه سلاحاً من سكانه أن يسلمه فوراً. وهذا ما حصل فعلاً، لأن المسلحين المهاجمين باغتوا سكان المجمع وكانوا أقدر تنظيماً وإعداداً عسكرياً، ويعرفون الشبان السلفيين ومن المسلح منهم، ولديهم لوائح تفصيلية باسمائهم. وروى الدليل ايضاً أن تجار سلاح على صلة بـ”حزب الله” كانوا حتى عشية 7 أيار يقومون بشراء السلاح بأسعار عالية ومغرية من المحازبين الدروز “الاشتراكيين” في الشويفات وخلدة.

بعد ذلك أخذ الاحتقان يتزاد في خلدة، معطوفاً على موجة جديدة من تزايد البناء، وعلى فرز طائفي متفاقم بين السكان. قطبا هذا الاحتقان هما “مجمع نائل” و”مجمع نسيم البحر”. أما الاحتكاكات فغالباً ما تحدث في السوق، حيث المسجد الذي يتكاثر فيه المصلون من شبان السلفية، وحيث الحسينية في طرف السوق غير بعيد من الأوتوستراد. الترصد مستمر بين شبان السلفية وشبان “حزب الله”، أما محازبوا “تيار المستقبل” فغالباً ما يلتزمون بيوتهم في أوقات الاحتقان، على ما روى الدليل، وأضاف أن للسلفية إمتداداتها في الناعمة وحارة الناعمة، فيما تشكل مناطق الأوزاعي وحي السلم ومدينتي “الحسين” و”العباس” في صحراء الشويفات امتدادات لشبان “حزب الله” و”حركة أمل” في نسيم البحر وسواه من البنايات في خلدة.

هذا المجتمع البري أقرب الى منفى سكني. لذا يفتقد سكانه شروط إقامة “حضرية” تؤمن دورة حياة وفضاءات ووسائل وأطراً تتعدى السكن العاري في بنايات يحوطها قفر طبيعي. في هذا المنفى ينغلق العالم وتنغلق مخيلة الساكنين وعلاقاتهم، وخصوصاً الشبان والفتيان منهم، على احتقان وعنف مقيمين، هما مرآة تلك الاقامة العارية في قفر الجدران والطرق والصخور، ومرآة مكبرة لفراغ نفسي وروحي يعيشه سكان مقتلعون ومنفيون الى مكان لا تاريخ عمرانياً واجتماعياً له سوى تاريخ الهويات المحتقنة.

الاستهلاك “المتقشف” للنخبة الطالبية في شارع بلس

نوفمبر 11, 2012

بشار حيدر ومحمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 10-11-2012

يبدو طلبة الجامعة الاميركية على خلاف الصورة الشائعة عنهم من أنهم مسرفون مبذّرون في مصاريفهم، منظوراً اليهم من زاوية نمط الاستهلاك اليومي السريع، ومن طبيعة السلع والخدمات التي يقدمها إليهم شارع بلس. هذا ما تؤكده طبيعة المتاجر والمطاعم والخدمات في الشارع الجامعي الذي يتحكم السلوك الاستهلاكي “المتقشف” والنخبوي غير الباذخ للجمهرة الطالبية التي ترتاده طوال النهار. اما المكتبات وسواها من مستلزمات الحياة الثقافية، فيشير تضاؤلها في بلس الى انصراف الطلبة عن الاهتمام بالثقافة، الا في دوائر طالبية ضيقة.

في معالمه البارزة الراهنة وفي ما يقدمه من خدمات، لا يشبه شارع بلس، الشوارع المماثلة له في كثير من مدن العالم. فالمكتبات القليلة واقتصار بعضها على تقديم خدمة الاستنساخ، وكذلك ندرة المؤسسات والمنتديات الثقافية في الشارع الجامعي، تعكس ضعف اهتمام الطلبة اليوم بالثقافة العامة، المكتوبة أو الكتابية منها على وجه الخصوص، الا في دوائر ضيقة وغير بارزة في الحياة الطالبية. اما ثقافة الاداء والصور والعروض البصرية والمشهدية المحدثة والما بعد حداثية، الشائعة والمزدهرة نسبياً في دوائر شبابية متفرقة من بيروت، فتكاد نشاطاتها تستقل وتنفصل عن اطر الحياة اليومية العامة للطلبة، ولا حضور لمنتدياتها في شارع بلس.

الاقتصاد الطالبي

تزدهر في الشارع مطاعم الوجبات السريعة التي تناسب كثافة الحياة اليومية السريعة العابرة على رصيف شارع يعجّ بمئات الطلبة طوال ساعات النهار.
على خلاف الفكرة الشائعة عن طلبة الجامعة الاميركية من انهم يتمتعون بقدرة شرائية عالية، ويُقبلون على استهلاك خدمات باذخة مرتفعة الاسعار، هم في الحقيقة والواقع “مقتصدون” في مصاريفهم اليومية، بما يتناسب مع ما يحصلون عليه من “خرجية” من اهلهم، ومداخيل من اعمالهم الموقتة في الجامعة والعطل. لكن تدني “مداخيلهم” الشخصية لا يعني ان اهلهم من ذوي العسر  المادي. فطلبة الجامعة الاميركية هم من فئات اجتماعية متوسطة على وجه الاجمال وفي غالبيتهم العددية، من دون ان تخلو هذه الغالبية من طلبة ينتمي اهلهم الى فئات ميسورة وعالية المداخيل، او الى فئات اخرى ما دون المتوسطة. اما ما يحدد السلوك الاستهلاكي الشخصي الشائع للطلبة على وجه العموم، فهو سلوك طالب الفئات المتوسطة المحدثة التي تتحمَّل اسرها نفقات الاقساط الجامعية المرتفعة لأبنائها، اضافة الى مصاريفهم الشخصية التي يحرص الأبناء الطلبة على اتباع سلوك مقتصد فيها، قوامه عدم التبذير في حياتهم الجامعية اليومية.
يفرض “الاقتصاد الطالبي” طابعه على اصحاب المتاجر ومطاعم الوجبات السريعة المتنافسة تنافساً قوياً ودقيقاً في ابتكاراتها المتجددة وفي اسعار وجباتها وسلعها وخدماتها في بلس، كي تناسب اذواق الطلبة المحدثة والمتغيرة ومقدرتهم الشرائية المحدودة. هذا بدوره يفرض نوع المنشآت والاستثمارات المربحة في شارع جامعي ترتفع اسعار عقاراته واستثمارها على نحو قد يكون الاعلى في بيروت، بعد وسطها الجديد.
غالباً ما يقوم طلبة هذه الجامعة بتدارس اسعار ما يحتاجونه من سلع يومية، وبمقارنة جودتها واسعارها بمثيلاتها المتوافرة في متاجر الشارع ومطاعمه، كي يقبلوا على شراء المناسب منها مع ضبط لمصاريفهم اليومية. هذه حال الأكثرية من الطلبة، أما الاقلية التي تبذر من غير حساب، فليست هي من يحدد السلوك الاستهلاكي الطالبي الكثيف والمقتصد في الشارع، مما يحمل المستثمرين على عدم التعويل على القدرة الشرائية العالية لهذه الاقلية. وبالرغم من ان الجمهور الطالبي العام في بلس، نخبوي وحديث ثقافياً وفي نمط العيش والقيم، فإن المستثمرين في هذا الشارع يحرصون على عدم تقديم سلع وخدمات نخبوية باذخة او فخمة في متاجرهم ومطاعمهم. وهم فوق هذا شديدو التنافس في تقديم حاجات ووجبات تناسب جودتها أذواق الطلبة النخبويين ثقافياً وفي نمط العيش. ذلك أن من الصعب على طالب يقيم في المسكن الجامعي او في منزل اهله او في شقة طالبية مشتركة، ويتحمل اهله كلفة اقساطه الجامعية المرتفعة، ويحصل منهم على مصاريفه اليومية، ان يرتاد مطاعم فخمة تقدم وجبات مرتفعة الاسعار. فسرعة الحياة اليومية الطالبية ومتطلباتها وخفتها – من فطور عابر الى غداء في مطعم للوجبات السريعة، الى سهرة مع صديقة او صديق في مقهى او مربع ليلي، الى اختيار ثياب وازياء شبابية محدثة ونخبوية لكن غير باهظة الاسعار – تحتِّم على الطلبة موازنة مصاريفهم واختيار السلع والخدمات المنخفضة الاسعار.
اذا اضفنا الى هذا كله ان الطلبة غالباً ما يوفرون من مصاريفهم اليومية كي يتمكنوا من شراء هدية مميزة لصديقة حميمة او صديق حميم، وان اهل الطلبة يحاولون عدم تزويد ابنائهم مداخيل (خارجية) وفيرة، لتعويدهم، تربوياً، على الاستقلال المادي وضبط المصاريف، نعلم لماذا تتحكم الدقة في الحسابات بسلوك المستثمرين في شارع بلس. المستثمرون عليهم مراعاة كل هذه العوامل المتشابكة والمعقدة في سلوك الطلبة وأمزجتهم ومقدرتهم الاستهلاكية. أما أسعار العقارات والاستثمارات الباهظة في الشارع والمنطقة كلها، فتحتم على المستثمرين ابتكار معادلة صعبة ودقيقة تمكّنهم من تقديم سلع وخدمات يقبل الطلبة عليها إقبالاً كثيفاً وضخماً يعوّضان تدنّي اسعار مبيعها، مع المحافظة على جودتها النسبية، وتكفل أرباحاً مدروسة ناجمة عن كثافة الطلب وضخامته عليها. هذه المعادلة هي التي تفضي الى تكاثر مطاعم الأكل السريع وبيع المناقيش ومتاجر بيع المرطبات وزجاجات المياه، وسواها من سلع مماثلة، كالشوكولا والعلكة والبوظة، في شارع بلس.

طفرة الفاست فود

الفرن القديم الذي كان اسمه “الأفران الوطنية” في وسط بلس (وهو فرن رواية “سنة الأتوماتيك” لحسن داوود)، بدّل اسمه وديكوره ونوع سلعه اخيراً، كي يتناسب مع الطابع الاستهلاكي الطالبي الجديد في الشارع، فتُرجم اسمه العربي القديم الى الانكليزية، وصار “ناشيونال بيكري”. ثم إنه قلّص من انتاجه الخبز وتوزيعه على متاجر المنطقة ومطاعمها، وحدّث نوع المناقيش التي يبيعها واضاف اليها مناقيش الصاج، إلى جانب بيعه القهوة وزجاجات المياه وسواها من سلع سريعة مشابهة. مكان سينما “أورلي” الراحلة في بداية الشارع، افتُتح مطعم من سلسلة “زعتر وزيت” الذي اطلق موجة حديثة، متطورة وشديدة التنوع من المناقيش التي أصبحت في لبنان كله من أقوى سلع الأكل السريع انتشاراً واستهلاكاً. دخلت الى بلس الدكاكين والزوايا الصغيرة التي تقدم مناقيش الصاج المتنوعة، والـ”هوت دوغ” والبوظة. أما مربّع الـ”أنكل سام” قبالة مدخل الجامعة الرئيسي، فلم يستقر على حال، منذ توقفه عن كونه مربعاً ليلياً شهيراً. فمستثمروه الجدد المتلاحقون لم يهتدوا الى معادلة تمكّنهم من تقديم سلع وخدمات مناسبة لأذواق الطلبة ومداخيلهم، فيما حافظ مطعم الهامبرغر القديم “يونيفرسل” قبالة “انكل سام” على استمراره برغم أن مقدرة المتاجر والمطاعم على الاستمرار في بلس ليست سهلة في سوق يشتد فيها التنافس القاسي، وتنتشر المعلومات عن نوعية سلعها واسعارها انتشاراً سريعاً بين الطلبة المستهلكين الذين غالباً ما تحدّد متطلباتهم انواع السلع الرائجة، ويفرضون أذواقهم على المستثمرين. خبرة بعض الطلبة في أشكال الاستهلاك الرائجة والناجحة في الشارع، حملت اخيراً طالب هندسة على فتح محل صغير للمناقيش سمّاه اسماً خفيفاً لاهياً “Come ci come sage”، متبعاً اسلوباً حديثاً في العرض والديكور وبيع السلعة. هذا ما مكّنه من إنشاء فرع ثان لمحله قرب الجامعة اللبنانية الاميركية، وثالث في شارع الجميزة. اما المقهى – المطعم الأحدث، فاستوحى اسمه “فود وان أو وان” من أحد المقررات الجامعية (وان أو وان)، وقدّم الى القهوة، اصنافاً من السلطات والمآكل السريعة المدروسة الأسعار، مما مكّنه من النجاح، عاكساً في ديكوره طابع الحياة الطالبية.

شارع الليل الشعبي

لكن شارع بلس الطالبي، طابعاً وجمهوراً واستهلاكاً في النهار، غيره تماماً في الليل الذي يخليه من الطلبة خلواً تاماً، ويحوله محطة لجمهور آخر من المرتادين العابرين الذين يأتون اليه في سياراتهم غالباً، في نهايات السهرات ومن أحياء المدينة المختلفة، لاسيما الشعبية منها، لتناول ما تقدمه مطاعمه من المآكل السريعة ومن البوظة والعصائر، مستفيدين من بقائها مفتوحة حتى ساعة متأخرة من الليل، ومن أسعارها المتدنية. يختلط في جمهور الشارع الليلي الساهرون المتأخرون القادمون وشبان الأحياء الشعبية الصادحة في سياراتهم الأغاني الرائجة، وعائلات من الضواحي تخرج ليلاً للتنزه وتناول السندويشات والمناقيش والبوظة والعصير، فتزدحم جنبات الشارع بسيارات هذه الفئات من المساء حتى ما بعد منتصف الليل، فيما تكون ازدحمت طوال النهار بسيارات الطلبة وبالمشاة العابرين الذين تغلب عليهم الجمهرة الطالبية.
الجمهرة الليلية الكثيفة وسياراتها التي تجتمع روافدها المتنوعة وتختلط في الشارع أمام مطاعم الأكل السريع ومحال البوظة، تماثل جمهرة اخرى تشبهها ويستمر حضورها طوال الليل تقريباً أمام مطاعم “بربر” قبالة البيكاديللي في شارع الحمراء، وفي نهاية شارع سبيرز في القنطاري. قد يكون جاذب الفئات الشعبية من روافد الجمهرة الليلية هو سمعة الشارع الكوزموبوليتية الراقية او النخبوية المتصلة بالجامعة الاميركية وبمنطقة رأس بيروت عموماً. هذا إضافة الى تدنّي اسعار ما تقدمه مطاعم الشارع الطالبي النهاري ومحاله، من سلع وخدمات سريعة لقاصديه وعابريه الليليين الذين يتوافدون اليه من نواحي المدينة وأحيائها المختلفة. هذه الوظيفة الليلية للشارع خلقتها وظيفته الاخرى الطالبية النهارية. فتعدد وظيفة الشارع الواحد ودوره في المدينة، وكذلك تباين فئات روّاده واختلافها بحسب مواقيت الحياة اليومية وتقطعها، هما من طبيعة الحياة المدينية التي لا تهدأ ولا تستقر على حال واحدة. وهذه حال المتنزهين والمتريضين والعابرين على كورنيش بيروت البحري.

شجرة نسب لـ”الندوة اللبنانية”

سبتمبر 30, 2012

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في  29-09-2012

تستحيل كتابة تأريخ بانورامي أو سيرة للحياة الفكرية والثقافية الحديثة في لبنان، من دون التوقف طويلاً في محطة أساسية من محطاتها، تعتبر واسطة عقدها وجامعة روافدها وأصدائها: “الندوة اللبنانية” التي أسسها ميشال أسمر في بيروت العام 1946، بعد مضي ثلاث سنوات على استقلال لبنان، واستمرت نشاطاتها حاضرة وفاعلة في أوساط النخب الثقافية والسياسية والإدارية اللبنانية طوال الربع الثالث من القرن العشرين، أي حتى عشايا الحرب عام 1975.

إلى جانب “الاكاديمية اللبنانية” للفنون و”مهرجانات بعلبك الدولية” اللتين استقطبتا خبرات وطاقات جديدة محدثة في فنون الرسم والمسرح والموسيقى والغناء والعروض الفولكلورية منذ عشايا الاستقلال، نشأت “الندوة اللبنانية” وتوسّعت نشاطاتها وأعمالها كمنبر أو مسرح أو منتدىً لتعارف النخبة اللبنانية، وتفاعلها الحر، لمتابعة صوغ “الفكرة اللبنانية” الاستقلالية والدستورية، وصونها وتطويرها.
جاء ذلك في وقت اتجهت الانظمة السياسية العربية المستقلة او المتهيئة للاستقلال عن الانتداب الفرنسي والبريطاني، نحو حال من الاضطراب الشديد، تمخضت في سوريا ومصر والعراق عن انقلابات عسكرية ديكتاتورية علّقت الحياة السياسية الدستورية والبرلمانية، جواباً ارتكاسياً عن “نكبة فلسطين” وتقسيمها عام 1948. والى جانب البرلمان اللبناني الناشئ إبان الانتداب الفرنسي ليكون إطاراً سياسياً لتعارف أقطاب السياسة والعائلات السياسية في “دولة لبنان الكبير” الانتدابية، نشأت “الندوة اللبنانية” بعيد الاستقلال لتشغل دور “برلمان فكري وثقافي” يرعى فكرة الاستقلال وصيغتها الميثاقية والدستورية، يفعّلها ويمنحها أبعاداً، ويربطها بحقب التاريخ اللبناني المفترض، وبدور لبنان في محيطه الاقليمي. فالنخب السياسية والثقافية والادارية اللبنانية ذات المنبت الاجتماعي المسيحي الغالب، والأخرى “المتلبننة” بطيئاً وعلى نحو متفاوت وذات المنبت الاجتماعي الاسلامي في المدن الساحلية – وهي في شقّيها نشأت في عهد متصرفية جبل لبنان وولاية بيروت أولاً، وعقب الحرب العالمية الأولى ثانياً، وما بعد تأسيس “دولة لبنان الكبير” ثالثاً – كانت متباينة الميول والأهواء والنزعات في ما يتعلق بهوية الدولة اللبنانية الناشئة. لذا كان لا بد من ايجاد أطر ومنتديات ومنابر، الى جانب الندوة البرلمانية، تعمل على إعطاء معنى فكري وثقافي متفاعل ومفتوح للبنان ودوره، يتجاوز الدائرة السياسية المباشرة ويتخطاها  الى الدوائر الاجتماعية والثقافية، فكانت “الندوة اللبنانية” الاطار او المنبر الأرحب في هذا المجال.

تطلّب مثقفين عصاميين

لم تولد فكرة إنشاء “الندوة اللبنانية” من تطلّب النخب السياسية في لبنان، بل من تطلّب شبان عصاميين يغلب عليهم المصدر الاجتماعي المسيحي، جذبهم واستقطبهم التعليم المحدث والثقافة والأدب والصحافة الى جانب الوظائف الادارية، لبناء ذواتهم بناءً شخصياً جديداً، في حقبة ما بين الحربين العالميتين. هذا ما تبيّنه شهادات وكتابات كثيرة لهؤلاء الشبان العصاميين عن مساراتهم السابقة على تأسيس “الندوة” التي سرعان ما بادرت شخصيات نافذة في النخبة السياسية والاقتصادية الى دعمها وتبنّيها كمنبر فاعل في المداولة والمثاقفة العامتين، فاكتسبت نشاطاتها طابعاً “شبه رسمي” متصلاً بالطبقة السياسية وتياراتها المختلفة.
نحاول هنا تتبع ملامح ومحطات من السير الاجتماعية والثقافية والمهنية لأولئك الشبان العصاميين الذين ولدت فكرة انشاء “الندوة” من تطلّبهم ومن مساراتهم المتعرجة، المتداخلة والمتقطعة، وفي  طليعتهم ميشال أسمر، واسطة العقد في ذلك التطلب وتلك المسارات. هذا مع العلم أن تتبّع سير أولئك الشبان يكشف وجهاً من ملامح الحياة الثقافية اللبنانية ما بين الحربين العالميتين، ويشكل مرآة لها، ايام كان وسط بيروت المديني التقليدي القديم وجواره السكني المتصل به وبجامعة القديس يوسف ومدرسة الحكمة، مدارات لاستقطاب الأنشطة الثقافية والفنية والصحافية، بعدما كانت حواضر جبل لبنان ومدارسها الإرسالية قد أسست لنهضة تعليمية وثقافية وصحافية، اتصل نسيجها بنهضة مماثلة في العاصمة بيروت، وأدى اتصالهما الى نشأة الفئات الوسطى اللبنانية الحديثة والمتلبننة، عبر التعليم المحدث والوظائف الادارية في مؤسسات المجتمع المدني الخاص ومؤسسات الدولة الناشئة. أما الجامعة الاميركية ومحيطها في رأس بيروت، فاستقطبت آنذاك نخباً تعليمية وثقافية اخرى مختلفة، غلبت على نزعاتها وأهوائها القومية العربية والقومية السورية، فيما غلبت الفكرة اللبنانية والقومية اللبنانية على بيئة جامعة القديس يوسف ومحيطها القريب من وسط بيروت المديني القديم، حيث مكاتب الصحف الكثيرة والمقاهي وسواها من مقار الانشطة  الترفيهية، أضافة الى مقر “الاكاديمية اللبنانية” للفنون الجميلة.
لكن ميشال أسمر في شهادة له (نشرتها “النهار” غداة وفاته في 24 كانون الاول 1984)، وتناول فيها مسبقات ولادة فكرة “الندوة اللبنانية” في خاطره، اشار الى ان “بزوغ” تلك الفكرة لديه، جاء للخروج من إطار المنابر “العكاظية المتوافرة يومذاك في جامعتي القديس يوسف والاميركية”. وذلك لإيجاد منبر جديد أرحب لـ”حشد القيم اللبنانية الأصيلة من دون تمييز واستنهاضها للعمل معاً رجاء اكتشاف وجه بلادنا من جديد (…) واشراك جميع اللبنانيين في هذا الجهد البنّاء”. غير ان شهادته نفسها وشهادة امثاله من المتعلمين والمثقفين والكتاب العصاميين، تبيّن أن المسارات التي أدت الى ولادة فكرته، فكرة “انشاء منبر ملتزم غير عكاظي، يهيئ لنا معرفة ذاتنا”، كان مدارها الغالب بيئة جامعة القديس يوسف ومدرسة الحكمة، وما يتصل بهما من نشاطات صحافية وثقافية في وسط بيروت المديني القديم، على ما تظهر شهادتان أخريان للروائيين الراحلين فؤاد كنعان ويوسف حبشي الاشقر، سجلهما كاتب هذه السطور في تسعينات القرن العشرين، اضافة الى شهادة ثالثة رواها المؤرخ اللبناني – الاميركي الراحل ايليا حريق، تناولت الصراعات الفكرية والثقافية في بكفيا وضهور الشوير وفي الجامعة الاميركية اربعينات القرن نفسه وخمسيناته.

مسارات متشابكة

تبدأ المسارات التي يروي ميشال أسمر بعض فصولها في شهادته بـ”خطاب” ألقاه من على “منبر سينما أمبير” في وسط بيروت، “ولم أكن تجاوزت العشرين من عمري” بعد. لكن ولادة أسمر في 1914، تشير الى ان خطابه ذاك يعود الى مطالع ثلاثينات القرن العشرين، حينما  كان يتبع “النهج الفكري الجبراني” (نسبة الى ادبيات جبران خليل جبران التي كانت قوية الحضور والتأثير في اوساط المتعلمين آنذاك). وما يؤكده اسمر من ان “ادعائي (الادبي والثقافي) الخالي من التواضع، كان سبب تعرفي الى بعض الادباء الشبان”، يشير الى سمة بارزة من أثر الجبرانية في نفوس أولئك الشبان: توليدهم ذواتٍ فردية مستقلة، قلقة ومضطربة يغلب عليها الطابع الثقافي الرسالي الجريح والمشاكس. وهذا ما استمر الأدب الجبراني يغفله في اجيال لاحقة من المتعلمين من اصول اجتماعية متواضعة توّاقة الى الترقي الاجتماعي من طريق التعليم والثقافة، طوال الخمسينات والستينات والسبعينات وحتى بدايات الحروب الملبننة في العام 1975.
تعرّف أسمر الى اولئك الشبان في بداية العام 1936. فـ”شئنا أولاً ان يكون عددنا 12، تيمناً بالاثني عشر رسولاً (في اشارة الى تلامذة يسوع المسيح ورسله). وكنا نريد ثانياً ان نؤلف عدداً مختلفاً عن عدد افراد عصبة العشرة للجيل السابق”. كان النشاط الكتابي لجيل “ندوة الاثني عشر” الشاب موزعاً على عدد من المجلات والصحف في وسط بيروت، منها “الحكمة” و”المعرض” لميشال زكور، والتي كان فؤاد حبيش محرراً فيها، بعدما بدأ حياته الصحافية في “النهار”، وترك “المعرض” وأسس مجلة “المكشوف” وجعل مكتبها في بناية قديمة قبالة “التياترو الكبير”، وحيث كان يلتقي، وفقاً لشهادة فؤاد كنعان، مارون عبود وسليم حيدر وعمر فاخوري وتوفيق يوسف عواد وخليل تقي الدين والياس ابو شبكة. في اثناء الحرب العالمية الثانية صدرت مجلة “الأديب” لألبر أديب، التي كان معظم كتابها من بلدان الخليج العربي. وقد لعبت “المكشوف” دوراً اساسياً في نشاط “ندوة الاثني عشر” التي ضمت الى ميشال أسمر، كريم عزقول، كمال الحاج، فؤاد حداد (ابو الحن)، يوسف رزق، جورج قزي، ادوار حنين، احمد مكي، سامي الشقيفي، رشدي المعلوف، حسيب وفيليب عبد الساتر، خليل رامز سركيس وسواهم. يروي اسمر ان الاجتماعات الثقافية لـ”الندوة” كانت تلتئم مساء كل خميس. فهو “الوحيد الذي (كان) له بيت خاص في العاصمة، أما الآخرون (فيقيمون) خارج العاصمة، وإما عند أهلهم أو في غرف مستأجرة. (ذلك أن) أغلبنا كان لا يزال على مقاعد الدراسة”. غالباً ما كانت هذه الغرف في محيط جامعة القديس يوسف، على ما يروي فؤاد كنعان الذي تكشف شهادته عن وجه أو ميل آخر لفئة من أولئك الشبان المتعلمين والكتاب. ففي مقهى “أبو نؤاس”، قرب غرفة سكنه، كان يلتقي في الاربعينات كتاب وموسيقيون ومغنون: فاضل سعيد عقل، روبير ابيلا، فؤاد حداد الذين كانوا يعملون في صحيفة “البشير”. اما فؤاد كامل فكان يأتي من عمله في مجلة “الطريق”، فيما يصل من الإذاعة اللبنانية غنطوس الرامي وأسعد سابا وفؤاد قرداحي ونقولا المني، فيجتمع الشمل على كؤوس من العرق وقصائد من الزجل وكلام في السياسة والأدب والفن.
في العام 1940 التأم شكل “ندوة الاثني عشر” في مجلة “الجمهور” التي “استطعنا – يروي أسمر – ان نقنع (صاحبها) الصديق الكبير ميشال ابو شهلا بجدية عملنا الادبي، فوضع مجلته في تصرفنا مدة ستة اشهر (…) فاستبعدنا اسماء عديدة، من دون ان نراعي ادب الضيافة”، اي المجاملات، مرض الصحافة اللبنانية الدائم منذ ذلك الوقت، على ما يبدو. وسّعت المجموعة نشاطها وشبكات تعارفها الثقافي، فاجتمع حولها “عدد كبير من الادباء، منهم صلاح لبكي وجان عزيز. وفي زحلة طلب الشاعر سعيد عقل التعرف الينا، فقرأ علينا كدسة من اوراقه الشعرية، وبقينا نستمع اليه قرابة ست ساعات. في بيروت اطلعنا الاستاذ فؤاد افرام البستاني على اننا اكتشفنا شاعرين موهوبين في زحلة”: عقل وميشال طراد”. هذا الاخير كان منذ اوساط الثلاثينات، موظفاً متواضعاً في “كوبيراتيف” (تعاونية) تابعة لثكنة رياق العسكرية، قبل تعيينه مدرّساً في مدرسة “الثلاثة أقمار”، ثم عيّنه الامير موريس شهاب في عداد العاملين في قلعة بعلبك الاثرية، منذ بدايات نشوء “مديرية الآثار” في مطالع الاربعينات، على ما روى طراد لكاتب هذه السطور (“ملحق النهار”، 21 شباط 1998). محطات سيرة ميشال طراد هذه لا تختلف كثيراً عن سير المتعلمين والمثقفين والكتاب في الثلاثينات والاربعينات. ففي “عهد ندوة الاثني عشر، كنت أمارس التدريس – يروي ميشال أسمر. وبعده، في العام 1942، انتقلت الى ادارة مكتب الوثائق والمستندات في المندوبية الفرنسية. كان مكتبي الى جوار مكتب عمر فاخوري ورئيف خوري والياس ابو شبكة الذي كثيرا ما كان يستخدم هاتفي (…) فأدخل اليه اذ استعوقه، فأجده غارقاً في دموعه وصوته لا يكاد يُسمع”. في العام 1946، ترك اسمر وظيفته الادارية هذه وتولى “ادارة جريدة “البشير” التي كان صلاح لبكي يكتب افتتاحيتها”. وهذا فؤاد كنعان يترك التدريس ويدخل سلك الوظيفة الادارية العامة التي دخلها ايضاً الروائي يوسف حبشي الاشقر. ولأن مجلة “المكشوف” تراجعت بعد الحرب العالمية الثانية، وتوقفت عن الصدور في العام 1948، صدرت مجلة “الحكمة” الشهرية، فعهدت رئاسة تحريرها الى فؤاد كنعان، فاستقطبت كتّاب “المكشوف”: بطرس البستاني، خليل فرحات، كمال يوسف الحاج، خليل رامز سركيس، جوزف باسيلا، وفؤاد حداد. هذا قبل استقطابها كتّاباً جدداً، منهم حبشي الاشقر، جميل جبر، شوقي أبي شقرا، ويوسف الخال. لذا يرى كنعان ان “جماعة مجلة شعر” بدأت تجاربها الأولى في “الحكمة”.
هذه الكوكبة من الأسماء والمجلات والصحف والوظائف الادارية والجماعات الادبية، ترسم ملامح خريطة اجتماعية – ثقافية لشبان متعلمين ومثقفين تجمعهم العصامية، وتحدرهم من بيئات وأوساط متواضعة اجتماعياً، وجعل ابناؤها التعليم والثاقف والكتابة والصحافة والوظيفة الادارية والتدريس مدارات لارتقائهم الاجتماعي في ثلاثينات القرن العشرين واربعيناته. وفي خضم المسارات المتشابكة والمتقطعة لهؤلاء العصاميين ولدت في خاطر ميشال أسمر وفي أفق تجربته، فكرة انشاء “الندوة اللبنانية” بالتزامن مع استقلال لبنان وتوسع مؤسسات دولته الادارية والثقافية المستقلة.

أثر جبران وشيحا

وقد يكون الأثر الجبراني الرسالي في شخصية أسمر في بدايات شبابه، من العوامل الكامنة الدافعة نحو تلك الفكرة العصامية الرسالية التي طبعت عمله ونشاطه في “الندوة” الوليدة التي يحضر فيها ظل اساسي لمنظّر “الفكرة اللبنانية” الأبرز، ميشال شيحا، صاحب “لبنان في شخصيته وحضوره” الذي ترجمه الى العربية فؤاد كنعان، وصدر العام 1962 عن “منشورات الندوة اللبنانية”. هذا بعدما كان شيحا قد حاضر بالفرنسية في عنوان “لبنان اليوم” عام 1942، مختتماً سلسلة محاضرات نظّمها “نادي الشبيبة الكاثوليكية” وتناولت “لبنان على مرّ التاريخ”. فإذا بلبنان شيحا “شيخ جاوزت سنّه ألوفاً” من السنين، من دون ان “يَعْجَبَ حينما يقال إنه في ريعان شبابه”. فهو كذاك “الطائر الأسطوري ، فينيق، الناري الريش، الذي ما كان ليحترق حيناً ويموت حتى ينبعث من رماده”. لا بد أن تكون هذه العبارات – الافكار قد ألهمت جماعة الشبان العصاميين في “ندوة الاثني عشر” وسواهم من أمثالهم، وألهبت مخيلاتهم التوّاقة الى ابتكار دور “رسالي” متجدد للبنان، ولأنفسهم ايضاً. لذا سرعان ما اصبح ميشال شيحا أحد أبرز الرعاة الثقافيين لـ”الندوة اللبنانية”، وكثيراً ما وقف على منبرها محاضراً في مناسبات متتالية، قبل أن تعاجله المنية العام 1954، بعدما كتب خواطره التأملية شذرات بالفرنسية في صحيفته “لوجور”، ما بين 1943 و1948، فترجمها الى العربية جميل جبر، وأصدرتها “دار النهار” و”مؤسسة شيحا” العام 1997. في هذه الشذرات لم يكف شيحا عن مديح لبنان المتوسطي “الذي يتقبل الناس مناخه من أين أتوا وتتزاور فيه الحضارات وتتبادل المعتقدات واللفات والطقوس تحيات إجلال. بلادنا متوسطية قبل كل شيء، لكنها، شأن المتوسط نفسه، تُحسُّ بشعر العالم”.

أطوار “الندوة”

مرّت “الندوة اللبنانية” في أطوار ثلاثة على الاقل لخّصها أمين الياس في “النهار”، 8 كانون الثاني 2012: بين 1946 – 1958 “كان همها تعميم فلسفة سياسية للبنان، وتوضيح هويته وترسيخ ثقافته الميثاقية”، وكان ميشال شيحا وجواد بولس وابرهيم عبد العال وشارل عمون ورينه حبشي، من أبرز المحاضرين، إضافة الى كثير من الشخصيات السياسية. في طورها الثاني (1958 – 1968)، شعرت “الندوة” بحاجة لبنان الملحّة الى الرؤية الاجتماعية، بعد احداث 1958، فعملت “لتكون رافعة ثقافية” لمشروع بناء الدولة اللبنانية وتحديث مؤسساتها في العهد الشهابي. وفي طورها الثالث (1968-1975)، بعد هزيمة العرب الحزيرانية وظهور العمل الفدائي الفلسطيني المسلح في لبنان، استشعرت “الندوة” الاخطار الكارثية للانقسام اللبناني، لذا بذل ميشال أسمر جهداً مضاعفاً لتمتين أواصر “التعايش بين العائلات الروحية”، مستنجداً بالأب يواكيم مبارك والشيخ صبحي الصالح والإمام موسى الصدر. لكن الحرب اندلعت في العام 1975، فوهنت “الندوة” وهمّة مؤسسها الذي باح بهمومه ووجعه لرفيق دربه خليل رامز سركيس، في جولة من جولات الحرب، قبل وفاته العام 1984.

انقلاب الأدوار

اللافت في مسيرة أولئك المثقفين العصاميين، وفي طليعتهم ميشال أسمر، أنهم استطاعوا بنشاطهم الثقافي القلق، جرّ الطبقة السياسية الى مشروعهم الفكري العصامي، فأنشأوا لتحاورهم منبراً صار السياسيون يرغبون ويتباهون في الوقوف على مسرحه محاضرين، أيام كان الفكر والثقافة يحظيان، اضافة الى التعليم، بقيمة معنوية كبرى في المجتمع اللبناني، ولدى أقطاب السياسة أنفسهم. هذا على خلاف ما حدث في لبنان منذ العام 1975، حينما شرعت العصبيات “السياسية” الأهلية المسلحة في الشوارع، بجرّ الكتّاب والمثقفين والصحافيين الى خنادقها. فطوال الحروب “الملبننة” وحتى اليوم، استماتت وتستميت جماعات واسعة وأجيال متلاحقة من الكتبة والصحافيين والشعراء في خدمة “السياسات” والنعرات الأهلية للمنظمات المتحاربة، وللأجهزة الأمنية والإعلامية للجماعات المتنابذة. اسطع دليل على ذلك ما حدث ويحدث في الجامعات وفي وسائل الاعلام.
كأن لم يبق شيء في لبنان اليوم يذكّر بلبنان ميشال شيحا راعي الفكرة اللبنانية و”الندوة اللبنانية” في بداياتها. فالهوية اللبنانية، وطبيعة عمرانه واجتماعه المتوسطيان في حال من الاحتقان والفوضى العارمة. فكم محزن لشيحا لو عرف ان لا الجبل ولا البحر – وهما مدار تأملاته في خريف عمره – منعا لبنان من الوقوع فريسة القسوة… هل نقول الآسيوية؟!

الإعلام البديل وثقافته التهكمية الساخرة ضد التهويل والاستلاب والتهديد بالحرب الأهلية

اغسطس 26, 2012

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 26-8-2012

حيال تناسل الحوادث اليومية في الديار اللبنانية، يسترسل الضخ الإعلامي في التخويف من انزلاق لبنان الى هاوية الحرب الاهلية. في موازاة هذا الضخ يبرز في مواقع التواصل الاجتماعي الالكتروني وسواها من دوائر الاعلام البديل، استرسال في السخرية من هذه الحوادث. فهل تكون ثقافة التهكم الساخر أساسية وأصيلة في التعبير عن مزاج شعبي وشبابي مناهض للدوغمائيات الراسخة في التقاليد الثقافية والسياسية والاعلامية في مجتمع مكبل ومأزوم؟

مع بروز الاعلام التلفزيوني الفضائي ونقله سيلاً مباشراً من المعلومات وأخبار الحوادث وصورها المتدفقة على مدار الساعة من أصقاع العالم كافة، وبثها متزامنةً الى كل بيت في هذه الاصقاع، وبعد هيمنة الفضائيات التلفزيونية على الثقافة الاعلامية الجماهيرية المحلية والمعولمة، بدأ يظهر نعي الصحافة الورقية المكتوبة التي أخذت تبحث عن أساليب ووسائل مبتكرة لتجديد شبابها وحيويتها، لتتمكن من معالجة ازمة انخفاض مبيعاتها ومردود الاعلانات على صفحاتها.
في سياق آخر كانت المنظمات المحلية والدولية الناشطة في الدفاع عن حقوق الانسان والحريات المدنية، تعمل على تنمية ما يسمّى الاعلام البديل، وخصوصاً في الاوساط والبيئات الشبابية، رداً على تعطّشها وسواها من فئات المجتمع المدني الى اساليب جديدة وحيوية في التعبير عن قضاياها المحددة والقضايا العامة في المجتمع.
والحق ان الاعلام البديل عرف في جمعياته ومنشوراته ونشاطاته، ازدهاراً ملحوظاً في لبنان ومصر منذ العام 2005. وهو يواصل اليوم ازدهاره، مستفيداً من الانفجار الكبير لشبكات التواصل الاجتماعي الالكتروني في البلدان العربية، عشية الثورات وفي خضمها الراهن والمستمر. وربما لم يعد سابقاً لأوانه، بعد هذا الانفجار الإعلامي والتواصلي البديل، أن تجدد الصحافة الورقية المكتوبة بحثها عن ابتكار أساليب ووسائل تمكّنها من مضاعفة حيويتها وتنمية قدراتها لمواكبة المستجدات الإعلامية، وتقديم مادة صحافية جذابة، يندر وجودها في الإعلام التلفزيوني وفي مواقع التواصل الألكتروني. في هذا السياق يمكن الصحافة المكتوبة أن توظف لصالحها المسافة أو الهوة الزمنية التي تفصلها عن مواقيت وقوع الحوادث وعن الانية المباشرة والمتشظية للإعلام التلفزيوني والالكتروني، عبر استعمالها مادة هذا الإعلام السريعة والجزئية والمشتتة، في صناعة مادة صحافية مركّبة وأوسع تناولاً للحوادث والقضايا والموضوعات الساخنة، تتجاوز الخبر الآني والمباشر عنها.

السخرية الصادقة

في هذا الإطار أشار الزميل نبيل أبو منصف، إشارة لافتة في مقالة يومية له عنوانها “ساخرون ضد الحرب” (“النهار”، 22 آب الجاري)، إلى أن “مواقع الإتصال الاجتماعية الألكترونية في القضايا الأكثر إثارة لحمّى الاهتمامات الشعبية، تشكل مراصد استفتاءات واستطلاعات فورية، لعلها الأكثر صدقاً وتعبيراً عن العموم”، وعن “الانفعالات اللبنانية”، وعن “مزاج شعبي” يتميز بـ”العفوية الخالصة” و”الصدق الذي يصنع حقيقة سياسية أكثر بكثير من التهذيب اللفظي الذي يُبقي باب الثورية مضيّعاً للحقائق”. قد تكون “التورية” و”التهذيب” المشار إليهما، من التقاليد التي تكبّل حيوية الصحافة المكتوبة وحرارتها. الملاحظة الثقافية والسياسية الأبرز التي أوردها الزميل في مقالته، تتجلى في تنبيهه إلى أن المتحادثين والمتراسلين عبر مواقع التواصل الألكتروني، حول “موجة الخطف التي اخترقت المشهد اللبناني” أخيراً، تعاملوا “بسخرية هازئة لاذعة”، مع هذه الموجة، فقلّلوا وزن الخوف “من إنزلاق البلد الى حرب أهلية”، لا يكف الانشاء اللفظي الشائع في الكثير من مؤسسات الإعلام الصحافي والتلفزيوني عن التحذير والرعب منها، إلى حد الاستلاب والتهويل، كأنها قدر لبناني لا رادّ له ولا مفرّ منه. وذلك نسجاً على منوال ما تعوّدت المخابرات السورية وإعلامها وموالوها المحليون أن يفعلوا، كلما أرادوا تكميمَ أفواه لبنانيي “الحرية والسيادة والاستقلال”، عبر تهديدهم الدائم بشبح الحرب الأهلية في حال خروجهم عن الممارسة “السورية الأسدية” للسياسة، بوصفها عملاً أمنياً خالصاً عماده الاغتيال والإرهاب، إن لم ينفع التهديد والوعيد.
وإذا كانت “الشريحة الكبرى من مستخدمي مواقع الاتصال والمندفعين بلا أي تحفظ (وخوف) الى التعبير (الساخر) عبرها، (هم) من فئات اليافعين والشباب (…)، يبدو مفرحاً (…) أن فكرة الحرب لا تقيم في خلفية (وعي) هذه الشريحة وأذهانها”. لكن بو منصف يرى أن “الفرح” الذي يشير إليه غير “مطمئن”، لأنه لا يكفي دليلاً الى أن “الأجيال الشابة (تمتلك) حصانة ضد أي انزلاق” الى الحرب الأهلية، قد “تصنعه دولة فاشلة وقوى سياسية مأزومة أو محشورة أو متآمرة أو قاصرة”. هذا من دون إنعدام التعويل أو “الرهان على الفرد اللبناني” وأجيال لبنانية شابة، و”غالبيات نائمة وثقيلة لدى مختلف الفئات الاجتماعية والطوائفية، لمنع الإنزلاق الى فكرة الحرب نفسها”.

الروح التهكمي والاحتفالي

السخرية الصادقة التي تتجاوز خوف أجيال شابة من الانزلاق الى حرب أهلية، وتبتعد من الاستلاب اللفظي بدوغما الإنشاء الإعلامي المروّج لهذه الحرب، هي صنيعة الإعلام البديل في أنواعه وأساليبه المختلفة، والشبابي المدني منه على وجه الخصوص. وكان الروائي التشيكي – الفرنسي ميلان كونديرا قد أقام عمارته الروائية وفكره الروائي والفني المناهض للتوتاليتارية السوفياتية الراحلة، على ركيزة أساسية هي السخرية والتهكم من أشكال الضبط الثقافي والإجتماعي والسياسي الذي تمارسه الشيوعية وأحزابها المتجهمة حتى الإختناق وقتل الحس السليم والروح الإنساني المشرق والساخر حيال العبوس الثقيل الوطأة. فروايات كونديرا كلها، ولاسيما “كتاب الضحك والنسيان”، تضج بذلك الروح التهكمي الذي يُعتبر المادة الأساسية في روايات التشيكيين بوهاميل هارابال وايفان كليما وسواهما من روائيي اوروبا الوسطى في العهد السوفياتي. الروح التهكمي نفسه، الضاجّ بالفرح الاحتفالي والمشهدي ضد التدجين السلطوي الخانق، هو ما حمل شبيبة “الألتراس” من مشجعي أندية كرة القدم ولاعبيها في مصر، على المشاركة الاحتفالية في الثورة على نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك. في موجة الخطف العشائري الأخيرة في لبنان، برزت على صفحات الـ”فايسبوك” سخرية لاذعة، من مظاهرها صورة للعلم اللبناني في وسطه، بدل الأرزة، نبتة حشيشة كُتبت تحتها عبارة “جمهورية مقدادستان – لبنان سابقاً”. وهذا بديل من الرعب الذي أشاعه الإعلام التلفزيوني مجارياً الخاطفين ومن يقف وراءهم في ما أرادوه نتيجة لفعلهم المسرحي البائس. كما أن السخرية “الفايسبوكية” نفسها خرجت على الإنشاء اللفظي الذي ينزلق إليه الإعلام الصحافي في تهويله من شبح الفتنة والحرب الأهلية، حيال هذا النوع من الحوادث المدبرة مسرحياً، وتبرع الإعلام المرئي بإخراجها وعرضها على نطاق واسع، لتحقيق غاياتها المرجوة. وذلك على خلاف ما فعلت غالبية ساحقة من اللبنانيين ما بعد 14 شباط 2005، حينما ردّت على الإرهاب المروع رداً احتفالياً مشهدياً يضج بفرح حزين، استطاع إخراج جيش الاحتلال السوري من لبنان.

هوامش لوعي بديل

لا تقتصر فاعلية الإعلام البديل على التهكم الساخر الذي يحرر النظر الى الحوادث وردود الفعل عليها من ربقة الاستلاب والتهويل الوغمائي، الجاهز. فالنشاطات التي يطلقها إعلام بديل، تسمح للمخيلة الفردية بحرية ابتكار منظورات جديدة، بل هي تتعدى هذه الفاعلية الفنية الى الفعل البطيء، الموضعي والتراكمي، في ثنايا البنى والفئات والثقافة الاجتماعية والرأي العام. فالقضايا والمسائل الفئوية الكثيرة التي تثيرها مجموعات وجمعيات وهيئات ناشطة في مجالات الحقوق المدنية، مستعملةً الإعلام البديل في نشاطاتها الموضعية المتشظية، غالباً ما تؤدي الى نشر وعي جديد، يبدأ هامشياً ثم ينتقل بطيئاً الى التأثير في متون الرأي العام الاجتماعي والثقافي والسياسي.
هذا ما تظهره اليوم في كثير من الــــــدوائر الاجتماعية اللبنانية، نشاطات وحملات ومنشورات تستهدف الحريات المدنية في ما يتعلق بقضايا العنف ضد النساء، والرقابة المتخلفة على الإبداع الفني، والتمييز العنصري ضد العاملات والعمال الأجانب والمثليين والمثليات جنسياً، وضد التحرش الجنسي والاغتصاب، وحرمان المرأة من حقها في منهج جنسيتها لأطفالها، وسوى ذلك من القضايا المجتمعية والثقافية.
مثل هذه النشاطات والحملات تؤسس لوعي ثقافي وإجتماعي وسياسي مدني بديل، وخصوصاً في الأوساط الشبابية التواقة إلى الخروج من أثقال الثقافة التقليدية الخانقة في مجتمعات انفجر قلقها المكبوت ثورات عاصفة.

شارع الجمر والرماد

اغسطس 19, 2012

بشار حيدر ومحمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 18-08-2012

تؤرخ هذه السطور لملامح ومعالم من أنماط الحياة اليومية وثقافتها وتحولاتها في شارع بلس المحاذي للجامعة الأميركية في بيروت ما قبل الحرب وفي خضمها. فشارع بلس، الى كونه مسرحاً للحياة الطالبية واحتياجاتها، شكّل معلماً بارزاً لظواهر ثقافية، إيديولوجية وسياسية عربية، عرفتها بيروت في الربع الثالث من القرن العشرين، عندما كانت العاصمة اللبنانية ملجأ لحرية المثقفين والكتّاب العرب الهاربين من سلطات بلدانهم الديكتاتورية.
من عاصر تغيُّر نمط العيش ومشهد الحضور والعبور اليومي، وتبدُّل ما تقدّمه المقاهي والمطاعم والمكتبات وأماكن الترفيه من خدمات في شارع بلس، ومن عايش هذين التغيّر والتبدل، طالباً ثم أستاذاً مقيماً في الجامعة الاميركية، في بيروت العقود الثلاثة الاخيرة، لا ينفك يلاحظ أن الحياة الطالبية في احتياجاتها وميولها وأهوائها وقيمها المتحولة، هي ما يتحكم بالطابع العام للشارع الممتد محاذياً سور الجامعة الحديدي والاسمنتي مما كان يُعرف بـ”نزلة الأورلي” وصولاً الى مخفر حبيش ومدرسة انترناشيونال كوليدج. وإذا كان الطابع الكوزموبوليتي لمنطقة رأس بيروت منذ بداياته، وكذلك الطابع الترفيهي المديني المحدث لشارع الحمراء منذ ستينات القرن العشرين، يدينان للجامعة الاميركية بنشأتهما، فإن شارع بلس هو الشارع الأشد التحاماً عضوياً بالحياة الطالبية وبما عرفته من تحولات.

تحوّل وامحاء

كثيرة هي المعالم التي أصابها التحول والامحاء في شارع بلس خلال الحرب (1975-1989). فصالة سينما أورلي في بداية الشارع، وصالة سينما إديسون في نهايته تقريباً، تدهورت أحوالهما وانحطّت قبل صالات شارع الحمراء الكثيرة. بعد استضافتها عروض المسرحيتين الأوليين لزياد الرحباني، “سهرية” و”بالنسبة لبكرا شو؟”، ثم عروض مسرحيتي “حكايات 1936” و”أيام الخيام” لـ”فرقة الحكواتي” التي أسسها روجيه عساف مع طلابه وطالباته في معهد الفنون – الجامعة اللبنانية، في سنوات الحرب الاولى ما قبل منعطف 1982 أخذت سينما أورلي تعرض أفلاماً هندية وأفلام كاراتيه، قبل أن تغلق أبوابها نهائياً. أما سينما إديسون، فراحت تعرض أفلاحاً خلاعية، قبل قفلها النهائي، فيما استمرت صالات الحمراء في احتضارها وعرض بعضها أفلاماً بورنوغرافية، وصولاً الى موتها الذي سجّل محمد سويد فصلاً منه في كتابه “يا فؤادي”. هذا بينما أخذ أحد فنادق شارع بلس يقدم “خدمات جنسية” في حرب السنتين (1975 – 1977).
المعلمان الأساسيان الآخران اللذان أصابهما الإمحاء في بلس، هما مطعم “فيصل” الشهير والمقهى – النادي الليلي الأشهر “أنكل سام”، بعدما كان صيتهما قد طبق الآفاق، متجاوزاً بيروت الى العواصم العربية في الربع الثالث من القرن العشرين (1950-1975). فالجامعة الاميركية “البيروتية” كانت جامعة النخب العربية. ويندر أن تخلو سيرة مثقف أو كاتب أو شاعر أو سياسي أو ديبلوماسي عربي، ومذكراته، أكان طالباً في الجامعة الاميركية، أم فرّ من بلده وأقام في بيروت، من ذكر هذين المعلمين، اضافة الى ثالث في الروشة، هو “الدولشي فيتا”. فـ”من بلس الى جندارك/ ومن جندارك الى بلس مشيتُ آلاف الكيلومترات المستفّة فوق بعضها/ وأكلتُ أطناناً من الفلافل”، على ما كتب الشاعر السوري الشريد في بيروت، محمد الماغوط. أما مذكرات أو سيرة شباب المثقف الفلسطيني هشام شرابي في كتابه “الجمر والرماد”، فتدور معظم فصولها، قبل رحيله من بيروت الى اميركا، في بلس ومَعلميه “فيصل” و”أنكل سام”، شأن سيرة قرينه ومجايله المثقف والكاتب السوري حليم بركات في كتابه “المدينة الملونة”. روى السياسي والكاتب القومي العربي اللبناني منح الصلح ذكريات شبابه في الجامعة الاميركية وأجوائها، فأكد أنها الأصل في تطور نمط الحياة وتحضّرها في رأس بيروت. أما رئيس الحكومة اللبناني الراحل أمين الحافظ، فكان شارع بلس ومعلماه المذكوران من محطات حياته شاباً، حيث تعرّف الى زوجته ورفيقة دربه الصحافية والكاتبة ليلى عسيران، من دون أن يكونا طالبين في الجامعة الاميركية. لكن هذه الشذرات ليست سوى غيض قليل من فيض حضور بلس ومعالمه في الحياة اليومية البيروتية التي كانت تعصف فيها الميول والأهواء والقضايا السياسية والإيديولوجية والثقافية المقيمة والوافدة من سائر العواصم العربية المكتومة والمقموعة، لتنفجر حرّة وفوضوية وعلى الغارب في العاصمة اللبنانية طوال ربع القرن ذاك، قبله بسنوات وبعده بقليل، وصولا الى الحروب الأهلية العربية الملبننة. هذا فيما كانت الجامعة الاميركية وشارع بلس ومعلماه الابرز، “فيصل” و”أنكل سام”، في قلب تلك العاصفة، ومحجتها النابضة.
الحق ان تلك الحقبة ومعالمها في بلس، كانت مرآة لنمط محدد من التعارف والتثاقف الطالبي وغير الطالبي في بيروت الجامعة الاميركية، تغلب عليه سمة الثقافة الايديولوجية “النضالية” القومية، ومماحكاتها، اكثر من اليسارية، على ما يروي المؤرخ اللبناني الراحل، ايليا حريق، حينما كان طالبا سورياً قومياً اجتماعياً وافداً من ضهور الشوير الى الجامعة في رأس بيروت. وبما ان ذلك النمط من التعارف والتثاقف الايديولوجي، كان يحتاج الى اطالة الجلسات والمناقشات والمماحكات، فقد تحول “فيصل” و”أنكل سام” موطنا لها ومحجة يومية قرب الجامعة، اضافة الى مطعم “زينة” لمازات العرق والمشاوي. في نهايات تلك الحقبة التي استطالت الى ما بعد حرب السنتين (1975 – 1977)، وشهدت تدفق المهجرين الى منطقة رأس بيروت واحتلالهم الكثير من بناياتها المهجورة من خليط سكانها الكوزموبوليتيين، وتحول الحمراء شارعاً شبه شعبي تكاثرت على أرصفته بسطات بيع السلع الرخيصة، نشأ مطعم كبير مماثل لـ”زينة” الصغير، هو مطعم “أمين”، قريبا من نزلة جريدة “السفير” الناشئة في بداية الحرب. وقد شكل مطعم “امين” معلماً بارزاً يؤمّه ويلتقي فيه يومياً تقريباً، صحافيون وكتّاب وشعراء جدد و”مناضلون” وطلبة جامعيون وموظفون يساريو الميل والهوى.
لكن هذه المعالم لم تعمّر طويلا، اذ عاجلها منعطف الثمانينات الحربي الكبير ما بعد الحملة الاسرائيلية على لبنان صيف 1982. فالحملة تلك التي أخرجت من بيروت، المنظمات الفلسطينية وأجهزتها وإعلامها وصحافتها والملتحقين بها من المنفيين والفارّين العرب، وبعدها حروب الثمانينات القاسية والمدمرة، غيّرتا عميقاً وجه بيروت وزادته بؤساً وسواداً، فكتب الروائي اللبناني رشيد الضعيف روايته “تقنيات البؤس” واصفاً فيها انحطاط الحياة اليومية البيروتية الى حضيض بلا قاع. أما الجامعة الاميركية فخلت تقريباً من طلبتها العرب، وقل عدد الوافدين اليها من المناطق اللنبانية المسيحية. في تلك الايام البيروتية السوداء، أخذت تعبر في شارع الحمراء عربات تبيع أشرطة كاسيت تصدح بزجليات دموية مرعبة تمجّد الثأر والانتصارات في “حرب الجبل” المسيحية – الدرزية، فيما راحت مآذن المساجد في الأحياء البيروتية الشعبية تبثّ خطب مشايخ جدد يؤججون النعرات الطائفية بالتزامن مع توسع نفوذ حركة “امل”، وخطف الرعايا الاجانب ونشوء الخلايا الاولى لـ”حزب الله” الذي عُرف آنذاك بـ”الحركة الاسلامية في لبنان”.

حياة ليلية منكفئة

في خضم تلك التحولات الكبرى في الاجتماع المديني، بدأت تحتضر معالم شارع بلس السابقة وتختفي شيئاً فشيئاً كمؤشر إلى نهاية حقبة من نمط العيش والافكار والعلاقات والاهتمامات والادوار في الشارع وفي الحمراء ورأس بيروت. لكن ما لبثت ان خرجت من رحم هذا الانطفاء ظاهرة جديدة في بلس وشارع المكحول الضيق والموازي له على مسافة امتار قليلة. من علامات هذه الظاهرة الجديدة قيام جورج الزعني بافتتاح صالة “أليسار” للمعارض الفنية في بلس، حيث دشّنت افتتاحها بمعرض صور فوتوغرافية قديمة حنيناً الى “بيروت أيام زمان”. كان ذلك الحنين يشير الى رغبة في استعادة صور ماض أليف للحياة البيروتية ضد زمنها الراهن البائس والاسود آنذاك في الثمانينات من القرن العشرين. هذا فيما كان السينمائي اللبناني الشاب مارون بغدادي، يصوّر مشاهد فيلم له عن الحرب في بيت قديم من بيوت شارع بلس، ناقلاً في المشاهد تلك نمطاً من سهرات فنانين ومثقفين وصحافيين لبنانيين من جيل شاب ويساري الهوى، وسط دوامة الحرب وضياعها وشعور هذا الجيل بالحصار والاختناق. في ذلك الوقت كتب احد الروائيين اللبنانيين الجدد آنذاك، على الصفحة الاولى من نسخة من روايته إهداء الى صديقه، متسائلاً: “ألا ترى اننا نشبه شلة من اليهود في أوروبا الحرب العالمية الثانية؟”، تعبيراً منه عن الضيق والاختناق في بيروت الثمانينات. على الضفة الاخرى من بيروت، ظهرت آنذاك في المناطق المسيحية مجموعة شبابية عبّرت عن توقها الى الخروج من دوامة الحرب وحصارها بإحيائها نشاطات ثقافية في “الحركة الثقافية – انطلياس”.
المصدر الحي والمعيش لمشاهد السهر التي صوّرها بغدادي في فيلمه ذاك، كان قد بدأ يظهر في شارع المكحول، مع افتتاح مرابع ليلية داخلية شديدة الانفصال عن الخارج العدائي والعنيف. فالشارع الضيق والمنكفئ ذاك، مناسب للشروع في حياة ليلية منكفئة الى داخل عميق الحميمية، خافت الاضاءة، هربا من عدوانية الخارج الغارق في الخوف والعتمة الكالحة. من أشهر تلك المرابع الليلية الناشئة “باك ستريت” (الشارع الخلفي) و”بلونوت” و”سماغلرز إن”. هذا الاخير انشأه جورج الزعني، وجرى تفجيره في احدى الليالي، فأدى التفجير الى جرح بعض الصحافيين. لكن نشوء هذه المرابع الليلية الداخلية المنكفئة، شكّل ما يشبه معلماً جديداً – جسراً انتقالياً ما بين انطفاء المعالم القديمة في بلس، أي “فيصل” و”أنكل سام” ونمط لقاءاتها، وظهور معالم أخرى في الحقبة الاخيرة من الحرب، التي شرع شارع بلس يستقبل بعد نهايتها مظاهر حياة جديدة تعبيراً عن استعادة نمط جديد من الحياة الطالبية في العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من الألفية الثالثة.
لكن شارع بلس اليوم غيره في الامس. فهو شارع للعبور، ويقدم خدمات سريعة للعابرين فيه من طلبة الجامعة نهاراً، والوافدين اليه من أحياء بيروتية للحصول على خدمات عابرة في الليل. لم تعد معالمه، مطاعمه ومقاهيه، للمكوث والتبادل والتثاقف وتسجية الوقت والسهر. فهذه صار موطنها ومدارها الشوارع الصغيرة الضيقة المتفرعة من شارع الحمراء. ذلك لأن الحياة الليلية – وهي تكاد أن تكون وحدها الرياضة الترفيهية والثقافة المفضلة لدى الفئات اللبنانية الشابة اليوم – لا تستسيغ الشوارع الرئيسية مسرحاً مفضلاً لها، بل متفرعاتها الداخلية، كما في سائر المدن في العالم. هذا ما بدأ يظهر جلياً في وسط بيروت الجديد، حيث أخذت تتكاثر مرابع السهر الليلي الشبابي خلف شوارع الوسط الرئيسية.

ردح إعلامي

اغسطس 8, 2012

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 8-8-2012

 

أثارت قضية منع رياضية سعودية من المشاركة في مباراة بطولة الجيدو في دورة الألعاب الرياضية الأولمبية الجارية في لندن، لأنها ترتدي الحجاب، “حفاظاً على سلامتها”، وفقاً لإدارة الأولمبياد الدولي، جدالات واسعة في الاعلام السعودي والعربي والدولي. ففي برنامج حواري مفتوح للجمهور العربي العام تبثه يومياً محطة “بي بي سي” العربية، التلفزيونية والاذاعية، وشارك فيه سعوديون ومصريون وتوانسة من الجنسين، برز استياء رجال سعوديين استياءً شديداً من مشاركة نساء مسلمات في الأولمبياد، حتى أن أحد المحاورين ذهب الى القول إن الثقافة الغربية ورياضاتها ومبارياتها تعرّض المسلمات والثقافة الاسلامية الى “التدنيس والعهر”. وبلغ التشدد والتزمت بمحاور سعودي آخر الى حدّ قوله إن تعرّي المسلمات، بارتدائهن المايوهات في مباراة السباحة، “عارٌ على جبين الانسانية، ومستنكر في الأديان السموية والشرائع” كلها. وهو سارع الى تحريم خروج النسوة المسلمات الى الفضاء الاجتماعي العام وأدواره، وسلّط سيف الردّة والتكفير على رقاب المشارِكات في الأولمبياد الدولي.
“ثقافة العار” استهوت، في سياق آخر ومن باب الإثارة والبلاغة والتجديد والسبق الاعلامي، محطة تلفزيونية لبنانية جعلت من عبارة “جمهورية العار” لازمة لمقدّمة إحدى نشراتها الاخبارية المسائية، كصفة للجمهورية اللبنانية. وذلك إمعاناً منها في الردح الاعلامي لإثارة المشاهدين ضد الانحطاط الذي بلغته الادارة الحكومية في تصريف شؤون البلاد الحياتية والمعيشية والمالية والمطلبية والاجتماعية والسياسية والأمنية، من معضلة الكهرباء الى مطالب موظفي القطاع العام والمعلمين، الى اعتصام الداعية السلفي أحمد الأسير ومريديه في صيدا، مروراً باعتقال القوى الأمنية مجموعة من الشبان بتهمة “المثلية الجنسية” في إحدى صالات برج حمود السينمائية.
وإذا كان لا جدال في تردّي أحوال الجمهورية اللبنانية وانحطاط إداراتها الحكومية في مجالات كثيرة، فإن التوسل بلغة الردح الخطابي والبلاغي في مستهل نشرة إخبارية تلفزيونية، لإغواء المشاهدين وجذبهم وتغذية استيائهم، لا يقل انحطاطاً عما بلغته أحوال البلاد. والحق أن الغواية والإثارة الاعلاميتين هاتين، استجاب لهما جمهور شبابي لبناني واسع من الناشطين والناشطات على موقع التواصل الاجتماعي (فايسبوك)، فوضع كثيرون وكثيرات مقدمة النشرة الاخبارية على صفحاتهم، وتبادلوها تبادلاً واسعاً، باعتبارها فتحاً في مجال التعبير والاعلام والثقافة وصوغ الاخبار التي اختتمت المذيعة التلفزيونية مقدمتها بالقول للمشاهدين: “أهلاً بكم في جمهورية العار”، كأنها تدعوهم الى مشاركتها الاحتفال بنجوميتها وببلاغة محرر النشرة الاخبارية.
فهل أمسى الردح حيال ما آلت اليه أحوال الدولة اللبنانية وإدارتها السياسية من فوضى وتفسخ، جزءاً لا يتجزأ من تقنيات الاعلام والصحافة وثقافة الحياة اليومية السائدة؟ وماذا يجدي هذا الردح في إصلاح ما أفسده الدهر والتاريخ، سوى أنه يستجدي لغة فضائحية أقرب الى أن تكون من طبيعة الانحطاط نفسه، لسدل ستار من الفصاحة اللفظية الاستعراضية على الوقائع المأسوية؟ ستار يجعل الخبر عن الحوادث وفهمها أقرب الى برنامج ما يطلبه المستمعون!


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 1,171 other followers