Archive for the ‘عادات إجتماعية لبنانية’ Category

هستيريا الرئاسات في بلاد الركام

يونيو 23, 2014

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار 14-06-2014

عمل لألين كايتاجيان اوهانيان

تعطّل الحوادثُ السياسيةُ السياسةَ في لبنان، تغتصبها وتغتصبنا، تغتصب الزمن، تلتهمه، تفتّته، وتجعله ركاماً في ركام، فنعيش أيامنا، حياتنا، في فوضى الركام المهمل وبلادته. كل حادثة في يومياتنا تطوي سابقاتها، تمحوها، كأنها لم تكن. مشتّتة متنافرة متلاطمة تنهال علينا الحوادث فجأة، فتغرقنا في دوار شبيه بغيبوبة حلقات الذكر أو الزار أو الموالد.

الآن، فيما أبدأ بكتابة هذه الكلمات، تشتعل المفرقعات النارية، طلقات الرصاص، في سماء بعض من أحياء بيروت. أقدّر أن المفرقعين ومطلقي النار من أسلحتهم الحربية، واقفون على الشرفات والسطوح، يطلقون ضغائنهم وأحقادهم الفرحة، ضد الأحياء المجاورة والبعيدة، احتفالاً بإعلان فوز بشار الأسد في الانتخابات الرئاسية التي استُقدِمَ مراقبون من كوريا الشمالية وإيران لمراقبة سلامتها ونزاهتها في أجزاء من سوريا، لم تقصفها طائرات الأسد، بعد، بالبراميل المتفجرة، ولا بالغازات السامة.

ليظل لبنان ولاية إيرانية

يحتفلون بفوز الأسد رئيساً، كي لا يخلو قصر المهاجرين الرئاسي الدمشقي من عصابة القتل اليومي والتدمير اليومي، ولكي يظل القصر الرئاسي اللبناني في بعبدا، خالياً مهجوراً. مغرمون بالرئاسة الأسدية على بحرٍ من الدم وبلادٍ من الأطلال فرَّ منها ملايين المشردين. ومغرمون برئاسة نوري المالكي على العراق للمرة الثالثة، فعلّقو صوره على طريق مطار بيروت، لستقبلتني، قبل أيامٍ، آتياً من القاهرة، وفي ذاكرتي طوفان صور عبد الفتاح السيسي في الديار المصرية. وكارهون أن يكون للبنان رئيس، ولو بصلاحيات مقيّدة منقوصة، أين منها الجبروت والطغيان اللذان لا يتوقوا لسواهما في رؤسائهم وولاتهم الأقربين والأبعدين، في دمشق وبغداد وطهران وكوريا وروسيا. لا أعلم لماذا لا يغرمون بالسيسي ولا يحتفلون بتنصيبه، في هذه المعمعة العربية من الانتخابات في خضم ثورات شبابية وشعبية يتيمةٍ من أجسامٍ وأدوات اجتماعية وسياسية تمكّنها من أن تتصدى لإنجاز مسارات وآفاقٍ جديدة في بلاد ومجتمعات راكدة محطمة منذ عقود.

أرعبهم أن يتحرر لبنان من الاحتلال السوري الأسدي المديد، ففعلوا ويفعلون المستحيل كي لا يكون دولة عادية وبلداً عادياً. افتعلوا حرباً مع اسرائيل ليعيشوا على أمجادها المدمرة، وليكملوا تفكيك الدولة اللبنانية للسيطرة عليها وإلحاقها بجهازهم الحربي المغلق إلا على طهران الحرسية – الخامنئية. تلاعبوا ويتلاعبون بالعماد النائب الذي لا تكتمل نرجسيته إلا بالجلوس على كرسي الرئاسة في قصر بعبدا، التي ما أن جلس عليها في نهايات ثمانينات القرن الماضي، حتى أغرق لبنان في حربين أشد تدميراً من ما غرق فيه من حروب سابقة، كي يبقى العماد في القصر الرئاسي… فلم يخرج منه إلا قبل أن يقصفه حافظ الأسد من طائراته الحربية. وها هو جيشهم اليوم ينقذ نظام بشار الأسد من الانهيار، كي يظل كل من سوريا ولبنان ولاية إيرانية.

في هذا الليل الحزيراني الحار، أفكر بفرحة المحتفلين بالفوز الانتخابي المزعوم لبشار الأسد، وأتساءل: منذ متى صار كل فرح “سياسي” في لبنان، لا ينبعث إلا من صميم الهويات الخرافية للجماعات المرصوصة، ولم يعد ينطوي إلا على شحنات حامية من الكيد والضغائن والأحقاد، حتى الرغبة في الاغتصاب؟ كأنما في هذه الطاقة الغرائزية المدمرة، باتت تكمن جبلة السياسة، نظفتها، في الديرات الجماهيرية القبائلية في لبنان.

على حافة الكارثة

في مصر، على خلاف لبنان، يتراءى الزمن دهرياً، كأنه طمي ترسّب عميقاً، ويتدافع سيّالاً في فوضى العمران والأشياء والمشاهد، في التدفق الكثيف للبشر، وفي الأداء السريع لخفة كلامهم. دهرياً كذاك الجندي النحيل، الوحيد المستوحش، الجامد في مكانه صباح مساء أمام كشك خشبي، خلف درع معدني أسود، أو على كرسي مهترئة قرب بوابة قصر كولونيالي قديم تحول مكتبة عامة يتكاثر فيها موظفون مزمنون، ومنذ زمن بعيد وضبوا كتبها ومطبوعاتها المنسية، ويندر أن يدخلها أحد من سكان حي الزمالك الراقي في القاهرة.

زمن كجريان النيل في واديه الضيقة الطويلة، المختنقة بالسكان، من أسوان جنوباً الى القاهرة، رأس مثلث الدلتا الممتدة منفرجةً حتى شاطئ المتوسط، شمالاً، وسط القفر الصحراوي الشاسع. لكنه أيضاً زمن يكافح مستميتاً ضد ذاك القفر القاحل، الخالي والمخيف. وفي الحالتين هو زمن صنعته أقدار الجغرافيا الطبيعية الأزلية شبه الثابتة، ليحاول أن يكون ضداً لأقدار الطبيعة: هرباً من الصحراء المقفرة القاسية المعادية للكائنات والعمران؛ ولجوءاً الى النيل وما تبعثه مياهه من حياة نهرية تلطّف قسوة الصحراء، وتبعث الأنس في عمران البشر.

هل من زواج عنصري الطبيعة المتناقضين هذين، الصحراء والماء، ولدت مصر، وولد زمنها الدهري، شعبها المنكفئ المتجانس، تاريخها الثقيل، البطيء والمديد، ودولتها المركزية الثقيلة كالتاريخ؟ ألهذا سرعان ما يغمرك سيلان البشر والتاريخ في مصر، يبتلعانك من دون أن تقوى على التفلّت من قوتهما الدهرية الفوضوية، فتستسلم لتلك القوة، كأنك مخدّرٌ، أو في حال من اختناق بطيء؟

تسير في الأماكن، بين البشر، في مصر، تتنقل بين الأحياء وبعض المدن، تصل الى الغيوم وبحيرتها الصحراوية وقراها الريفية والسياحية وغيطانها، تزور الإسكندرية في قطار، تمر وسط الصعيد في مركب -فندق عائم بطيئاً بطيئاً في النيل، تتنوع المشاهد وأشكال العمران وأنماط العيش وفئات المجتمع والطبقات، لكنك تشعر دائماً وأبداً بأن قوة تجانس دهرية تسري عميقاً في دبيب الفوضى والركام والزحام والمساحات الخالية، ثم ينتظم كل شيء في أشكال مختلّة، ويتوقف فجأة على حافة الكارثة.

القوة تلك صنيعة التاريخ والبشر، وهي التي صنعت التاريخ والعمران والشعب على ضفتي النيل الضيقتين، وفي الانفراج المنبسط حقولاً فسيحة، قصيرة النبت والأشجار في الدلتا. أما الغيوم وبحيرتها المالحة، قراها وغيطانها، فتبدو جزيرة منعزلة تائهة في القفر الصحراوي المديد.

فيقوة تفوّلها الفوضوي المتلاطم، تبدو الحياة اليومية المصرية، قديمة وآنية، دهرية وزائلة، وشبيهة بفوران بركاني متواصل، يبتلعك في ما يتدفق منه من بشر وأشياء وركام مواد بلا أسماء، أو فقدت أسماءها. حتى الكلمات وما تقوله الكلمات، من صلب هذا الفوران الذي تختلط فيه الأزمنة اختلاطاً متنافراً. فما يَبلى ويَتْلَفُ في مصر، يُهْمَلُ ويُترك على حاله، كأن الاشياء تولد وتُستهلك وتموت في مكانها، حتى تتلاشى وتتحلّل تلقائياً وتختفي، فتترك في الأماكن لُطَخاً هي المادة الخام للزمن.

هذه القوة الفوضوية الدهرية للحياة اليومية ومشاهدها، تحول دون أن تصير الاشياء المهملة المتحللة أثراً مشهدياً متجمداً في الزمن والأماكن، ما دام كل شيء قديماً وآنياً في الوقت نفسه. حتى النيل والأهرامات، وهي من أوابد مصر الخالدة، تتراءى في عمر واحد موحد مع ما يحوطها من عمران. كأن لا فرق في مصر بين الخلود والموت، بين الماضي والحاضر، الأبدي والزائل، وبين الاشياء والبشر.

عمل لإدي الخوري

لبنان هاني درويش

ربما من سأم وضجر من قوة التجانس الدهري للتاريخ والشعب والدولة المركزية الثقيلة، ومن الجغرافيا الطبيعية المنبسطة أفقياً في بلاده، وقف الصديق المصري الشاب الراحل مختنقاً ووحيداً في منزله بحي حدائق الأهرام شبه الصحراوي في القاهرة، بعد عودته من رحلة طويلة في ألمانيا – وقف مرة على مرتفع شاهق في جبل الكنيسة، مسحوراً بمشهد الثلج قربه، بنتفٍ غيوم بيضاء صافية قريبة فوقه، بالأفق البحري المرئي بعيداً من بين المرتفعات الجبلية وانحناءاتها المتدرجة المتداخلة، وأوديتها المخاتلة السكرى بالضباب، ثم قال: من قال إن لبنان بلد صغير؟! هذا خطأ فادح مصدره ضعف المخيلة الجغرافية الطبيعية والبشرية. فلو أمسكنا لبنان من أطرافه وجذبناه، لا نبسط كما تنسبطُ قطعة قماش ملمومة “مجعلكة” ولصارت مساحته الفعلية أرحبَ أو أوسع من مصر. لكن الصديق المتدفق نشاطاً وحيوية وكلاما ، سرعان ما استدرك قائلاً: لا، فليبق لبنان على حاله، لئلا يصير كمصر التي تستطيع دبابة واحدة تقف وسط الدلتا أو في الصعيد، أن تقطع طرقها وتسيطر عليها، ما دامت ممتدة منبسطة أفقاً بلا نتوءات ولا مرتفعات ومنخفضات وتعرجات وسط الصحراء الشاسعة.

استمر الصديق الراحل، هاني درويش، في تأملاته الجغرافية والطبيعية  والبشرية، فقال: الآن فهمت فهماً حسياً ملموساً حقيقة ضعف الدولة المركزية، شكليتها وافتراضيتها، وهشاشة الهوية الوطنية الجامعة الموحدة، خفّتها المتناهية حتى الامحاء، في لبنان. لبنان المتنوع جغرافياً بجباله وقممه وأوديته، بسهوله الساحلية والداخلية المنفصلة، بمساحاته المتعرجة الملتفة المتداخلة، بمسافاته وطرقه الصاعدة الهابطة الملتوية المخاتلة، تماماً كهويات جماعاته المتناثرة المتوارية. هذا على خلاف مصر، المنبسطة الضيقة المأهولة بكثافة مرعبة على ضفتي النيل، وعلى خلاف هويتها الوطنية المتجانسة الثقيلة كدولتها المركزية وقوة سلطانها القاهرة، فلا يقوى شخص ولا جماعة على التفلّت أو الخروج من جاذبية تلك القوى المتظافرة.

أما في لبنان – قال هاني – فيستطيع كل شخص وجماعة أن يتواريا ويختفيا في واد أو خلف ربوة أو قمة جبلية، وفي شعاب صخورها، فينقطعان وينعزلان عن الغير والسوى، ويقيمان ما يشبه إمارة مستقلة حصينة، يمكنها ان تغزو إمارة أخرى مجاورة مماثلة.

الخرافات التأسيسية

هذه الترجمة أو المقاربة المصرية شبه الكاريكاتورية للجغرافيا الطبيعية والبشرية اللبنانية – من صديق صرف حياته الكتابية كلها وهو يمشي متوتراً لاهثاً وسط الركام، ليصف مآسي الركام في القاهرة، ولفظ أنفاسه الاخيرة وسط الركام – ليست بغريبة عن أدبيات الفكرة اللبنانية المؤسِّسة لـ”الكيان” اللبناني. ولا هي بغريبة أيضاً عن مقولة حزب “قومية الأرض”، وفقاً لعبارة أحمد بيضون عن الفكرة – الخرافة القومية المؤسِّسة لـ”الحزب القومي السوري الاجتماعي”. فالأولى استلهمت من الجغرافيا الطبيعية ومن بعض معطياتها البشرية والتاريخية القديمة المتناثرة، مقولة “لبنان الجبل – الحصن المنيع، والملجأ، وملاذ الاقليات المضطهدة في الشرق”، لايجاد عمق “تاريخي” للدولة والهوية اللبنانيتين المعاصرتين. أما الثانية، أي العقيدة “القومية السورية” فاستنبتتْ من الجغرافيا الطبيعية للحضارات القديمة، قومية عرقية خرافية، مدادها ومدارها الأرض والأمة والزعيم الملهم.

المشرق في خضم الكارثة

لكن، ألا تبدو اليوم صيغة هاني درويش المصرية أقرب الى الحال الكارثية التي تغرق فيها الدول والمجتمعات المشرقية المتداعية الممزقة في العراق وسوريا ولبنان؟ دول ومجتمعات تحولت جماعتها أجهزة أهلية وعسكرية، واسترسلت في حروب داخلية واقليمية متناسلة.

فها هي المنظمة العسكرية الشيعية الخمينية في لبنان، ترث النظام الأمني للاحتلال السوري للبنان، وترسل جيشها لقتال شعب سوريا الثائر على نظامه الأمني الذي انكشف شبهه بالاستعمار الاستيطاني- بل تجاوزه بأشواط- لكي تبقى سوريا مستعمرة أسدية من الأنقاض والمقابر. هذا فيما المنظمة العسكرية الحرسيّة الإيرانية في لبنان، تدفن “شهداءها” في ديارها اللبنانية، وسط حشود تردد شعاراً خرافياً معينة أعراض النساء المقدس في مخيلة الرجال، كما في الغزوات الجاهلية: “لن تُسبى زينب مرتين”.

تحت الشعار نفسه تجاهد في سوريا أيضا “عصائب أهل الحق” وسواها من المنظمات العسكرية العراقية المنشقة عن “جيش المهدي” المنحل في عراق نوري المالكي المتحلّل جماعات وأقاليم متناحرة بهمة إيران الخامنئية – الحرسية، وثاراتها القومية والدينية المذهبية. فضباط الحرس الثوري الايارني وكتائب خاصة من مقاتليه، هم الذين يقودون كتائب المنظمة الشيعية في لبنان و”عصائب أهل الحق” العراقية، في حروبهما السورية، وينظمون حروب بشار الأسد لإبادة شعبه الثائر على استعماره الاستيطاني التدميري.

وأثمرت الحروب الأسدية الثمار التي تبتغيها وتريدها: تجمعت في الديار السورية الممزقة المدمرة، كتائب “المجاهدين” السنّة من شتى أرجاء الأرض، تحت أسماء كثيرة. الأشهر بينها “الدولة الاسلامية في العراق والشام – داعش” و”جبهة النصرة”. فأقامت هذه الكتائب إمارات إسلامية جهادية وتكفيرية على أنقاض المجتمع السوري، بعد غرقه عقوداً في الصمت والمهانة والرعب، قبل أن يتصدر شبانه ثورة شعبية، مدنية سلمية ملحمية، بدأت في آذار 2011، واستمرت تسعة شهور، مستلهمة ثورة شبان مصر المفاجئة الخاطفة. لكن النظام الأسدي الفاشي استطاع قتل جيل كامل من شبان سوريا الملهمين، أو تشريدهم، أو تغييبهم في أقبية فروعه الأمنية للتعذيب حتى الموت. فقتل الأسد الإبن، مستلهماً عبقرية والده في حماة 1982، نحو ستة آلاف شاب من المتظاهرين في أنحاء سوريا، بينهم – وفقاً لإحصاء عضو “الهيئة السياسية في الائتلاف السوري” محمد يحيى مكتبي، (“الحياة”، 2 حزيران الجاري) – 354 طفلاً و288 امرأة. ذلك تحت شعار “الأسد أو حرق البلد”. وكتب مكتبي أيضاً: “لقد أصبحت سوريا اليوم بلدا محتلاً من الحرس الثوري الإيراني والميليشيات العراقية و”حزب الله” و”داعش” وعدد لا يحصى من المرتزقة الذين جلبتهم إيران من كل حدب وصوب، بذريعة الدفاع عن مقامات آل البيت الأطهار! وبعد كل هذه الانجازات المروعة التي قلّ نظيرها في تاريخ البشرية، تأتي المسرحية الهزيلة للانتخابات الرئاسية، وشعارها: “سيبقى الأسد وسنحرق البلد”.

هستيريا العبودية المختارة

بدأ الفصل الاول من هذه المسرحية في لبنان، حيث قامت الأجهزة الإيرانية – الأسدية العاملة فيه، بحملة ترغيب وترهيب وابتزاز لمجموعات من اللاجئين السوريين، فنظمتهم ودفعتهم في حشود سيارة وراجلة نحو السفارة السورية الاسدية في بعبدا، على مدخل بيروت، في الطريق الدولية الآتية اليها من دمشق. عطّلت الحشود حركة السير نهاراً كاملاً على تلك الطريق، أثناء تقديمها آيات الشكر والامتنان والولاء الأبدي الممهور بالدم، لبشار الأسد، مكافأة له على إمعانه في قتل السوريين وتدمير بلادهم وتشريدهم، ومنهم المشاركون في عراضة الزحف الى السفارة. أما الأجهزة المنظِّمة لعراضة الذل هذه، فعبّرت بذلك عن توقها وحنينها للاحتلال السوري الأسدي للبنان، والذي تستميت في القتال في سوريا الأسد من أجله. وهي دفعت أولئك اللاجئين السوريين الى السفارة، عودا الى بدء تظاهرة 8 آذار 2005 التي تصدرها وكان خطيب حشودها في ساحة رياض الصلح،  السيد حسن نصرالله، غداة اغتيال رفيق الحريري، وعشية إرغام الجيش السوري الأسدي ومخابراته على الانسحاب من لبنان.

لكن مشهد حشود اللاجئين السوريين في زحفهم الى سفارة جلاّدهم، يبعث على غثيان مضاعف مضاعف، حيال تجريد أولئك اللاجئين، وتجرّدهم هم أنفسهم، من أبسط المشاعر الانسانية، ليظهروا في مشهد ينطوي على مثال غير مسبوق في تجديده ذاك المركب الشهير الذي يدفع البشر الى العبودية الإرادية أو المختارة. إنه مشهد يحمل الكثير من الدلالات الغرائبية الشديدة التعارض التي تُظهر الهستيريا العصابية الجمعية في أشد صورها اختلاطاً وتعقيداً، بمزجها الخوف والذل والمهانة والبؤس والشقاء، بلكذب والوقاحة والكيد والضغينة والصفاقة والاستقواء والمروق والإملاق.

الحق أن هذا المزيج المركب ليس سوى صناعة أسدية مديدة وعميقة الجذور في سوريا ولبنان. وكان لبنان الاحتلال السوري الأسدي، ولا يزال لبنان “حزب الله”، الساحة الأرحب لاختيار ذلك المركب الذي أدمن الخيال الكلبي المريض لمبتكره ومجدّده، تحويل البشر آلات للقتل والانتحار والتدمير الذاتي.

الخيال هذا سوري أسدي، قدر ما هو صدامي عراقي. فتوأما البعث هما إحدى تجلياته العروبية الكارثية الطويلة الأمد في المشرق. وبعد أكثر من عقد على انهيار البعث الصدامي في العراق، لا يزال إرثه يُغرق العراق في الكارثة، فتجري الانتخابات التشريعية فيه على وقع الحروب الأهلية والسيارات الانتحارية المفخخة بالموت. وها هو نوري المالكي يتهيأ لرئاسة الحكومة العراقية للمرة الثالثة على التوالي، فيعلّق الحزب الشيعي الخميني – الخامنئي صوره على طريق مطار بيروت، مشاركاً في حملته الانتخابية، أو في حمله تنصيبه والياً على ولاية لبنان. وفي العراق، حين “رفع الشركاء والخصوم السياسيون، سنّة وشيعة وكرداً، رؤوسهم عن كشوفات نتائج الانتخابات، توجهوا بأنظارهم فوراً إلى إيران والولايات المتحدة الأميركية، في انتظار موقف، إشارة، أو تلميح حول الولاية الثالثة” للمالكي، على ما كتب مشرق عباس، مراسل صحيفة “الحياة” من بغداد، في صبيحة النهار الأول من حزيران الجاري.

مصر الثورة بلا جسم سياسي

مقارنة بأحوال المشرق الموصوفة، كشفت الثورة السلمية المدنية لشبان مصر وشعبها، بدءاً من 25 كانون الثاني 2011، عن تماسك الهوية الوطنية للشعب والدولة المصريين، على الرغم من سقوط ألوف القتلى والجرحى، جراء تصدّي جهاز الدولة البوليسي المتعفّن، للمتظاهرين. وكشفت الثورة المصرية أيضاً عن مقدرة البيروقراطية العسكرية – الاقتصادية الطفيلية، على التحصُّن الكلبي المراوغ بالهوية الوطنية التاريخية للدولة والجيش والمصريين الحديثين، منذ تأسيسهما على يد محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الانقلاب العسكري الناصري في العام 1952. مذذاك سيطرت النخبة العسكرية على مقاليد السلطة والحكم ومؤسسات الدولة كافة، سيطرة ديكتاتورية أخمدت كل حياة سياسية في المجتمع، حتى بدايات الثورة الشبابية في 2011، ومقدماتها الاحتجاجية الموضعية على نظام حسني مبارك، منذ 2005: “حركة كفاية” المناهضة لتوريث رئاسة الجمهورية المصرية لسلالة مبارك، على الطريقة الأسدية في سوريا. “حركة 6 أبريل” المناصرة للإضرابات العمالية المطلبية في المحلة، حملة “كلنا خالد سعيد” الشبابية الاحتجاجية على عنف جهاز الشرطة الوحشي. منظمات “الألتراس” الشبابية المشجعة لأندية كرة القدم في الملاعب، تعبيراً احتجاجياً صاخباً لاهياً وحيوياً ضد الكبت والخواء الاجتماعيين والثقافيين وضد التبلّد المرهق في الحياة المصرية العامة المستكينة، وصولاً إلى مقارعة العنف الدموي لرجال الشرطة، باحتفالات الألعاب النارية في الشوارع.

هذه الحركات وروافدها الشبابية الكثيرة، ومن خلفها أجيال وقطاعات واسعة من الشعب المصري، استطاعت، وسط ذهول العالم، أن تنجز معجزة ارتجالية كحلم يقظة: إسقاط رأس النظام الديكتاتوري في مصر، وفرض مرحلة انتقالية لإطلاق حياة سياسية ديموقراطية في المجتمع، ولإصلاح أجهزة الدولة وإعادة هيكلتها. لكن قوى الثورة المصرية المليونية في الشوارع والميادين، كان التصحر السياسي المديد، من أسباب حرمانها مقدرتها على صوغ أجسام سياسية تمكّنها من تصدّر المرحلة الانتقالية. لذا تصدّر “المجلس العسكري” المشهد الانتقالي، مستغلاً الشعار الشعبي الآني العابر: “الشعب والجيش يد واحدة”، في نهاية سكرة الموجة الأولى العارمة من الثورة وسحرها. غير أن الموجات اللاحقة من الثورة الشبابية، قوّضت محاولة “المجلس العسكري” إعادة تجديد سلطة الجيش، كأن شيئاً لم يكن. وإذ جرى حشر شبان الثورة والشعب في أول انتخابات رئاسية للمرحلة الانتقالية، بين انتخاب مرشح الجيش و”فلول” النظام السابق، وبين انتخاب مرشح “الاخوان المسلمين” فاز المرشح “الاخواني” على الفريق أحمد شفيق بفارق ضئيل في أصوات الناخبين.

نزع براقع التديّن

آنذاك ذهبت التوقعات إلى أن مصر وقعت في القبضة “الاخوانية” لحقبة مقبلة مديدة، اعتماداً على مقولة تعتبر أن الشعب المصري أسلس قياده لتدين اجتماعي- سياسي، أخرج الدين وشعائره وفرائضه من حيز الحياة الخاصة الى فضاء العلانية العامة، تماشياً مع الحقبة الرئاسية لأنور السادات الذي سمى نفسه “الرئيس المؤمن”. كان ذلك الإخراج للتدين، ينطوي على هروب الشعب المصري من الخواء الروحي والثقافي والسياسي المديد، وعلى الاعتماد على الله في جبه إفقار غالبيته العظمى، وتركها في العراء، بعد تفكيك دولة الرعاية الناصرية، وتقديم قطاعاتها مجاناً لمافيا اقتصادية من رجال المقاولات والأعمال الجدد المتواطئين مع كبار ضباط الجيش والأمن. هذا ما جعل التديّن برقعاً للخواء والاستنقاع المديديين اللذين ملأهما “الاخوان المسلمون” بإعالة المقفرين وتسكين آلامهم.

لكن من زار القاهرة في مناسبة الذكرى السنوية الثانية لـ”ثورة 25 يناير” (كانون الثاني 2011)، ووجد الشارع والإعلام المصريين في حال غليان ضد “الإسلام الاخواني” بعد شهور على تنصيب محمد مرسي رئيساً للجمهورية، وغداة إعلانه الدستوري الذي جمع مقاليد السلطات كلها في يده، لم يصدّق أن مصر تخلع عنها بتلك السرعة والسهولة براقع ذلك التديّن الذي جعله “الاخوان المسلمون” حجّة سياسية لتسويغ “اخونة” الدولة والمجتمع. فالغالبية العظمى من الشعب المصري المسلم إسلاماً تقليدياً عادياً وغير سياسي، لم تستسغ أن يحمكها رئيس – دمية في يد مرشد “جماعة” مغلقة شبه سرية في تنظيم دولي سرّي. ثم لم تلبث كلمات ذلك الرئيس – الدمية، لغته ولهجته، في مخاطبته رهطة بـ”أهلي وعشيرتي”، أن وقعت وقعاً غريباً، مستهجناً وممجوجاً، في أسماع المصريين. وقد يكون هذا كله ذكّرهم بما أمسى منافياً للتقليد الوطني المصري في التخاطب والحكم، منذ “ثورة الضباط الأحرار” في تموز 1953، وانقلابهم العسكري الوطني الناصري على بقايا الاستعمار الانكليزي والسلالة الملكية لمحمد علي باشا، الوالي العثماني الألباني الأصل، وريث سلاطين الدولة المملوكية.

إرهاق شبابي وشعبي

عوداً إلى بدء الثورة الشبابية والشعبية في 25 كانون الثاني 2011، ونسجاً على منوالها، ولدت “حركة تمرد” الشبابية وتواقيعها المليونية، قبل خروج حوالى 30 مليون مصري إلى الشوارع في 30 حزيران 2013، ضد حكم “العشيرة الاخوانية”. لكن النخبة العسكرية والأمنية – في خضم غياب جسم سياسي مدني يتصدر المشهد المليوني غير المسبوق في تاريخ الثورات، وبعد الإرهاق الشبابي والشعبي طوال ما يزيد عن سنتين من الاحتجاجات المتواصلة – استغلت بقايا الرصيد الوطني للجيش وتوق الشعب المصري إلى الاستقرار والأمن ولقمة العيش، وحوّلت التمرّد على “الاخوان” انقلاباً عسكرياً بقيادة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، وريث عمر سليمان في رئاسة جهاز المخابرات العسكرية. ثم سارعت المؤسسة العسكرية إلى تحويل الغضب الشعبي السلمي على “الاخوان” وانصارهم، مذبحة “في ميدان رابعة العدوية، مما أعاد الجماعة “الاخوانية” وأنصارها إلى العنف الإرهابي. وباسم “الحرب على الارهاب” وتخليص المصريين منه، أصدر الجيش قانون منع الاحتجاج والتظاهر، وتصدّر المشهد السياسي والأمني والإعلامي. وها هوذا المشير السيسي يُنصّب رئيساً للجمهورية، بعد انتخاب أقرب إلى استفتاءات الـ99 في المئة المعهودة.

الخروج من الأقدار

هل الجيش قدر مصر؟

هل تبقى الدولة المصرية المتآكلة كجثة، وتبقى الوطنية المصرية الثقيلة المختنقة، أسيرتي الجيش الذي تحوّل مؤسسة للمقاولات والنهب، بعد تحريمه وتجريمه كل حراك سياسي واجتماعي ومصادرته أجهزة  الدولة ومؤسساتها ومقدراتها كافة، منذ خمسينات القرن العشرين؟

والمشرق من العراق إلى لبنان، مروراً بسوريا، هل قدره التمزّق والحروب الأهلية؟

هل تتحرر الجماعات المشرقية من خرافات هويات الضغائن والأحقاد، ليتكون في بلدانها داخلاً وطنياً وشعبياً متماسكاً ومتحرراً من الولاءات الخارجية؟

المالكي رئيساً لإقليم لبنان؟

مايو 26, 2014

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 23-5-2014

image_2_735801_large

ما الهدف من تعليق صور رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على جنبات أوتوستراد مطار رفيق الحريري في بيروت؟

صور المالكي هذه ليست فوضوية، ولا من النوع الذي تعلّقه جهات أهلية خاصة أو محلية في أماكن سكنها الداخلية. إنها صور نظامية أو رسمية، ومن نوع البوستر الإعلاني المصنوع وفق مواصفات فنية وطباعية نموذجية. كما أنها معلقة على اللوحات الإعلانية النظامية المزجّجة التي يشعّ منها الضوء في الليل. وهي منصوبة في أماكن عامة، بل شديدة العمومية، وفق معايير ثابتة ومحددة، تتولى إعدادها وتعليقها شركات الإعلان “الرسمية” أو المرخص لها تعليق الصور بالتعاقد مع السلطات البلدية المحلية.
هذه الأمور كلها، أي معطيات الطابع النظامي والرسمي للصور وأماكن تعليقها، توحي بأن رئيس الوزراء العراقي شخصية سياسية لبنانية، أو بأننا نقيم في “إقليم لبنان” من جمهورية أو مملكة اتحادية تمتد من طهران الى بيروت، مروراً ببغداد ودمشق. لذا لا عجب من أن نرى غداً صوراً مماثلة لبشار الأسد، رئيس “إقليم الساحل السوري”، معلقة في المواضع نفسها على جنبات أوتوستراد مطار بيروت. أما صور رئيس “إقليم لبنان” في الجمهورية أو المملكة الإتحادية هذه، فلا لزوم لها. لبنان كعادته دائماً، “شقيق” هامشي صغير، يتقرر مصيره لاحقاً في مثل هذه الجمهوريات أو الممالك، التي تتنقل عاصمتها “السياسية”، بحسب الحقب والمراحل، ما بين القاهرة الناصرية ودمشق الأسدية وبغداد الصدّامية، وأخيراً طهران الخمينية – الخامنئية. لكن، قبل مدة، كانت قد نُصبت على اللوحات الإعلانية صور للملك السعودي، في شوارع بيروت، تشكره على تقديمه هبة مالية لشراء أسلحة للجيش اللبناني.
هذه الوقائع وسواها المماثلة، صنيعة مركّب مرضي مزمن في الديار العربية المبتلية بتحويل السياسة “عبادةً للأوثان”، حتى القتل والتدمير. أما في الديار اللبنانية المتشظية كانتونات أهلية متنابذة، فتتخذ عبادة الأوثان شكل النكايات والتكايد بين الجماعات: نوري المالكي على أوتوستراد المطار اليوم، في مقابل العاهل السعودي في شوارع بيروت قبل مدة.
لعائد الى بيروت بعد أيام في القاهرة، تبدو صور المالكي “رافداً” صغيراً غير مرئي، في مقابل طوفان صور “وثن” مصر الجديد الموعود، المشير عبد الفتاح السيسي، الذي ترهق صوره وأناشيد عبادته، البصر والسمع في الديار المصرية.
إننا في صحارى عبادة الأوثان، من طهران الى الرياض الى بغداد وبيروت والقاهرة، مروراً بسوريا الدم والدمار، وصولاً الى ليبيا القبائل والإنقلابات العسكرية الكاريكاتورية!
أليس من أملٍ ما يلوح في أفق هذه الصحارى؟

image_366599_large

كلاب اللبنانيين

مايو 26, 2014

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 13-05-2014

8dfda40490954b9e2c885313557da80d_997490_large

منذ مدة يتزايد إقبال لبنانيين ولبنانيات على اقتناء الكلاب وتربيتها في البيوت. يشهد على هذه الظاهرة الجديدة كثرة المتنزهين الذين يقتادون كلابهم لتنزيهها نهارات الأحد المشمسة على رصيف كورنيش بيروت البحري. فنهار الاحد الماضي، 11 أيار الجاري، كان لافتاً ازدحام الشرفة البحرية بمرتادين يجرّون كلابهم من أنواع وأحجام مختلفة، تغلب عليها الكبيرة التي توحي بالشراسة.

المراقب اليومي العابر، لتزايد الاقبال على هذه الظاهرة منذ أكثر من سنة أو اثنتين، يلاحظ أن المقبلين عليها من فئات اجتماعية وعمرية وبيئتات متنوعة، يصعب حصرها، على الرغم من غلبة الشبان الذكور على منزّهي الكلاب الضخمة الشبيهة بالذئاب. الشبان هؤلاء هم غالباً من مفتولي العضلات من أثر رياضة كمال الأجسام، والمكسوة جلود كثرة منهم بالأوشام. كأن تربيتهم هذا النوع من الكلاب وإخراجها معهم في نزهاتهم الأحديّة خصوصاً، من الاكسسوارات المكمّلة لاستعراض أجسامهم على رصيف الكورنيش البحري. مشاهدُهم مع كلابهم هذه، يحار أين يربّونها ويسكنونها. يتخيّل أنهم قد يستأجرونها من “مزارع” متخصصة في تربيتها، ويعيدونهم إليها في المساء. تنسحب الحيرة أيضا على غايتهم، إما من تربيتها واقتنائها، وإما من استئجارها: أهي للحماية والأمن، أم للتسلية والاستعراض، استجابة لموضة مستجدة؟

العمران الجماهيري وعبادة الصور

أبريل 27, 2014

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 26-5-2014

p27-01-25369-640_686496_large

هل من تاريخ للسديم العمراني المتوحش الذي يغرق فيه لبنان اليوم منذ مطالع الألفية الثالثة، وهل يمكن تقصي محطاته ومنعطفاته السابقة؟ العمران السديمي هذا – أكان عشوائياً بائساً، ملاصقاً للأرض كقفائر النحل أو جحور النمل، أم فخماً صلفاً يتباهى سكان أبراجه بمناطحة السحاب – ليس ابن ساعته ولا وليد مصادفات وغياب لقوانين وخطط ناظمة للعمران، قدر ما هو مرآة راهنة لتاريخ طويل الأمد يُظهر ذهنية اللبنانيين، قيمهم الأخلاقية والاجتماعية، نمط عيشهم واستهلاكهم، وذوقهم الجمالي. أما غياب قوانين البناء والتنظيم المدني، بدائيتها، تقادمها، سوء تطبيقها، والاحتيال عليها، فهي صنيعة تلك الذهنية وذلك التاريخ الطويل.

تنطلق هذه المقالة التجريبية – التحقيق، من انطباعات حدسية مفادها أن ما هُم عليه اللبنانيون اليوم وما كانوا عليه في أمسهم القريب والبعيد، في ممارساتهم العمرانية والسياسية والثقافية، هو وليد خيارات آنية عشوائية، متعاقبة ومتراكمة، ارتُكبت على مدىً تاريخي طويل. لكن كل خيار من هذه الخيارات ارتُكب فجأةً كمحاولة يائسة للهرب الى الأمام، أو لدفن الرؤوس في الرمال، ولذرّ الرماد في العيون، تأجيلاً مستديماً ومستميتاً لمعالجة المعضلات، صغيرة وكبيرة. فالتأجيل والهرب قاعدة ذهبية لبنانية تفضي الى الكوارث منذ عشرات السنين.
الفاعلون في ما نحن فيه من كارثة على صعيد العمران، هم اللبنانيون، فرداً فرداً، وجماعةً جماعة، وجيلاً بعد جيل، ويوماً بيوم؛ والأرجح أنه سيستمر حتى قيام الساعة. ينبئ عن هذا، ما فعلناه وراكمناه ويستحيل الرجوع عنه: على السواحل والجبال وفي الأودية، على جنبات الطرق المحلية والفرعية والأوتوسترادات الرئيسية، في القرى والبلدات والمدن. من أقصى لبنان الى أقصاه، من جرود جبل الشيخ في أقصى الجنوب الشرقي، الى السهل الساحلي في أقصى الشمال الغربي عند مصب النهر الكبير على الحدود. هنا وهناك وهنالك، لا شيء مثل العمران ينبئ عن أننا نبني ونعمل ونسكن ونعيش، كأننا في حروب وثنية، دائمة ومسعورة، على الطبيعة والفضاء، وفي ما بيننا. يرينا العمران أننا طُفَّار هائمون، وقطّاع طرق شرسون. نطحن البر ونردم البحر، كأننا نستعمر أرض الأعداء. نرفع لصلفنا المحموم أبراجاً على الشواطئ والتلال. ولبؤسنا الساخط المكابر، نقيم مخيمات من الإسمنت على الجبال العارية المبقورة.

بين الثقافي والعمراني
قبل خمسينات القرن العشرين، أحدسُ متخيلاً أننا كنا لا نزال بلديّين بعدُ. اجتماعنا، عمراننا، وحياتنا السياسية، تنتظم وفق ديناميات بلدية شبه تلقائية متباطئة، في المدن والأرياف، على الساحل والجبل. لبنان النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نهايات الزمن العثماني المحدث، كانت ملامحه لا تزال ماثلة خلف الزمن الكولونيالي الفرنسي، بل حاضرة فيه وتُلابسه ملابسةً واضحة. فبين حرب 1840 – 1860، الأهلية- الاجتماعية، ومطالع خمسينات القرن العشرين، عاش لبنان حقبة طويلة من تحولات عمرانية واجتماعية وديموغرافية وسياسية، هادئة نسبياً. من هذه الحقبة استوحى ميشال شيحا فكرته اللبنانية التي تمزج بين البحر والجبل، مشتقاً للتدبير السياسي نظاماً مستلهماً من نمط العيش والعمران المتوسطيين. لقد كانت الحقبة تلك، حقبة موجات متلاحقة من هجرات لبنانية إلى المغتربات البعيدة، وحقبة هجرات داخلية من الجبال إلى السواحل. على الرغم من مداها المتوسطي، كانت فكرة شيحا للبنان بلدية ومحلية، ومستوحاة من امتزاج الريفي بالمديني. كانت المدينة في تأملاته مزيجاً من الحداثة الثقافية النخبوية غير الاستهلاكية، ومن البلدية المتمدنة، بطيئاً هادئاً، على إيقاع ما يسمّيه ناصر الرباط “تسلل الحداثة الأوروبية الى العالم العربي من طريق البحر” (مجلة “كلمن” العدد الثامن، خريف 2013). هذا ما أذن بظهور ثقافة “جديدة هجينة وكوزموبوليتية، مزجت المستورد الأوروبي بالمحلي على السواحل الشرقية للبحر المتوسط (منذ) بدايات القرن التاسع عشر” في إزمير واسطنبول والاسكندرية وبيروت. الكوزموبوليتية هذه، سقطت “بزوال الاستعمار وصعود” الدول الوطنية القوموية العروبية في خمسينات القرن العشرين. أما في لبنان وفي بيروت تحديداً، فتأخر سقوطها حتى بداية الحروب الأهلية العروبية الملبننة في العام 1975.
بين مطلع الخمسينات وبدايات الحروب فيه، عاش لبنان ومدنه الساحلية، وخصوصاً بيروت، مفارقة تجلّت في تعارض – غير مرئي أو غير مدرك آنذاك – بين ما سُمّي نهضة ثقافية نخبوية حديثة، ناشطة ومزدهرة، وبين تحديث عمراني مديني فوضوي وجماهيري في وجهه الغالب، وبدأ يصدّع العمران ونظامه البلدي الذي أرساه بطيئاً بطيئاً نمطٌ في العيش المحلي منذ مطالع القرن العشرين ونشوء دولة لبنان الكبير. لكن هذا التعارض غير المرئي في حينه، قد يكون وليد فكرة أو نظرة جزئية إلى الثقافة بوصفها الإنتاج الثقافي والفني للمثقفين والكتّاب والفنانين، بمعزل عن ثقافة الحياة المادية العامة، ومنها العمران بنظامه وأشكاله الفوضوية الجماهيرية، في حقبة سمِّيت العصر الذهبي للثقافة اللبنانية في بيروت. أما اليوم فقد انطوى ذلك التعارض وزال، بعد ما آلت إليه أحوال لبنان في المجالات كافة، العمرانية والثقافية والسياسية. فأين هو ذلك العصر الذهبي الثقافي اللبناني والبيروتي؟ وماذا بقي منه سوى هذه الفوضى السديمية في العمران والعمارة وفي نمط العيش والاستهلاك شبه الموحد، ساحلاً وجبلاً وفي السهل الداخلي، ناهيك بالاهتراء الاجتماعي والسياسي ودبيبه المتمادي؟

p26-03-25369-640_251713_large

العمران البلدي
حتى مطالع الخمسينات، كان تدفق موجات الهجرة الريفية الى الساحل اللبناني ومدنه وقراه الساحلية لا يزال بطيئاً، وفي مستطاع العمران البلدي على هذا الساحل، استقبال الوافدين وإدراجهم في نظامه، ولو بصعوبة. لكن تضخم موجات المهاجرين، تسارعها وتدفقها، نحو الساحل وجوار مدنه، شكّل ظاهرة ومنعطفاً في تاريخ لبنان العمراني، الاجتماعي والسياسي منذ الخمسينات. كان من الصعب التعويل على مؤسسات العمل البلدي المحلية لمواجهة تلك الموجات الضخمة السريعة، وتنظيمها. فاستيعاب مثل هذه الظاهرة، كان يحتاج الى مؤسسات تخطيط وتنظيم مدني قوية، فاعلة ونشيطة، على صعيد لبنان كله. وهذا ما افتقرت إليه الدولة اللبنانية منذ نشوئها حتى اليوم. لذا تُرك أمرُ تنظيم العمران واستعمالات الأراضي وترتيبها وتعيين وظائفها، لأهواء الأفراد والجماعات ومصالح هؤلاء وهذه الفوضوية، وفي أحسن الأحوال تُرك الأمر للمجتمعات المحلية وأعرافها وعلاقاتها الأهلية ومؤسساتها البلدية، مع تدخل شكلي طفيف لمؤسسات التنظيم المدني المركزية الضعيفة العاملة على صعيد لبنان.
قبل الخمسينات، كان البنيان السياسي والاجتماعي والعمراني للبنان في المدن والأرياف، لا يزال قادراً على استيعاب الحراك الديموغرافي، تنظيمه وإدارته، على نحوٍ شبه تلقائي تقريباً، ووفقاً لمنظومة علاقات وأعراف وإواليات بلدية ومحلية. كانت تلك المنظومة العمرانية قد نشأت وتوسعت انطلاقاً من بؤر تسود فيها أشكال من الاجتماع والبناء والسكن والعمل، قوامها علاقات الجوار الأهلي والعائلي البلدي، وتنطوي على شيء من التعارف والوئام والبطء والتماسك التقليدي، ترعاه العلاقات والأعراف وأنماط العيش المحلية. هذا ما صدّعه زحف ظاهرة العمران الجماهيري ودبيبها المتمادي.
لكن التصدع الذي كشفه وأبرزه وجلاه زحف الظاهرة- المنعطف الجديدين، لم يكن في حقيقته طارئاً، بل كان كامناً في طبيعة العمران البلدي المحلي السابق. فكمون الاضطراب والتصدع مسألة بنيوية لازمت نشوء الدول والمجتمعات العربية الحديثة، ومنها لبنان طبعاً، أقلّه منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى. ذلك لأن هذه الدول ومجتمعاتها لم تنشأ بفعل إرادات وديناميات اجتماعية وسياسية داخلية، حرة ومتماسكة، ولا امتلكت مشروعية مركّبة وجامعة. هذا ما أدى الى عدم امتلاكها سياسات وخططاً كفيلة تنظيم الحراك الديموغرافي والاجتماعي والعمراني الكبير، والمندفع بقوة في الخمسينات. في هذا المعنى تبدو مسألة تصدع العمران البلدي ظاهرة سياسية – اجتماعية بنيوية متمادية، تجلّت على صعيد التنظيم العمراني الذي بيّنت قوة الظاهرة الجديدة ضعفه وشلله. لذا ليس من المبالغة القول إن الدول والمجتمعات العربية، تركت نفسها في مهبّ التحولات، فنشأت ونمت عشوائياً وكيفما اتفق، مسكونة بعوامل تصدعها البنيوية المتفاقمة من مرحلة الى أخرى.
في لبنان ظل البنيان السياسي- الاجتماعي لما قبل الخمسينات قادراً على إدارة العمران في أطار دولة ومجتمع نشأا على وئام أهلي صاغته عائلات سياسية محلية، فاتخذ ذلك الوئام تسميات شتى: الصيغة اللبنانية، الميثاق الوطني، الدستور، العائلات الروحية. العائلات السياسية التقليدية النافذة في الدولة والجماعات الأهلية. ظلت هذه، قادرة على تأطير منازعات الجماعات وتصريفها داخل النصاب السياسي التقليدي للدولة، حتى بروز الكتل الجماهيرية المنفكّة من الأطر الاجتماعية ولحماتها البلدية والعائلية، والمتذررة في تجمعات سكانية خارج نطاق الاجتماع والعمران البلديين، وخصوصا قرب المدن الساحلية التي كانت ضواحيها لا تزال قرى أو بلدات ريفية تنظّم شؤونها على مثال بلدي ومحلي بسيط، فاجتاحتها الكتل السكانية الجماهيرية الفوضوية. هكذا ظهر ما سمّي في الستينات والسبعينات “أحزمة البؤس” حول مدينة بيروت. أي في القرى والبلدات الريفية المتجاورة التي سرعان ما تحولت ضواحي للعاصمة.

p26-02-25369-640_513932_large

عمران مديني مجهض
لو أخذنا ساحل المتن الجنوبي كمثال للعمران البلدي، يمكن أن نلخص بعض العوامل التي أرهصت بتصدعه وأدت الى بدايات تفشي العمران الجماهيري. من هذه المحطات والعوامل:
– إقامة ما سمّي مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين على تخوم حارة حريك الجنوبية في نهاية أربعينات القرن العشرين، ما أدى الى بدايات اضطراب العلاقات الأهلية بين السكان “الأصليين” المختلطين طائفياً، على الرغم من أن أهالي البلدتين الريفيتين، برج البراجنة وحارة حريك، استخدموا فئات من اللاجئين الفلسطينيين كقوة عمل رخيصة في الزراعة والبناء.
– قبل إقامة المخيم الفلسطيني، نشأ على طرفَي حارة حريك الشمالي والشرقي حيّان عشائريان لآل المقداد، القادمة جماعات منهم من بلاد جبيل، فكان لهذين الحيين دور في إثارة شقاقٍ أهلي بين سكان الحارة “الأصليين”.
– سبق هاتين المحطتين بروز ظاهرة عمرانية جديدة في مجتمع حارة حريك، وخصوصاً المسيحي: شيّد بعض سكان الحارة منازل واسعة ومستقلة، أسرية وعائلية، على أطراف أملاكهم الزراعية، خارج نطاق السكن البلدي ونسيجه. تزامن تشييد هذه المنازل مع نشوء دولة لبنان الكبير، واستمر حتى مطلع الخمسينات، وكان مرآة لظهور نازع جديد لدى بعض السكان “الأصليين”: الاستقلال السكني ككناية عن حيازة مرتبة اجتماعية جديدة وانسجاماً معها. المرتبة هذه، هي حصيلة عوائد مالية من تجارة الحرير، وانخراط في تعليم جامعي محدث مكّن أصحابه من العمل في مهن حرة (كالطب والمحاماة) توسّع نطاقها الى جانب التجارة والوظائف الادارية الحكومية وفي القطاع الخاص.
– بعد حوادث 1958 عرفت حارة حريك وبرج البراجنة والشياح ظاهرتين عمرانيتين متعارضتين: تجلت الأولى بتوسع العمران الجماهيري نتيجة “هبّة عقارية” رفعت أسعار الأملاك الزراعية في ساحل المتن الجنوبي، فظهر تجار البناء الجاهز الذين أخذوا يشيّدون بنايات من طبقات وشقق سكنية كثيرة، أقام فيها بدايةً وافدون من أحياء مدينية مختلفة، قبل أن تصير الكتلة الكبرى من سكان هذه الشقق من المهاجرين الشيعة الجنوبيين والبقاعيين.
الظاهرة العمرانية الأخرى الجديدة اقتصرت على حارة حريك وحدها، وتجلت في تشييد “فيلات” من طبقة أو طبقتين، تحوطها حدائق صغيرة. شُيّدت “الفيلات” خارج دائرة السكن البلدي، وعلى أطراف البساتين التي بدأت تتقلص مساحاتها. أما سكانها فمن خارج الاجتماع البلدي، وينتمون الى فئة متوسطة أو بورجوازية جديدة، رغبت في الإقامة خارج بيروت وعلى حدودها. وكانت رغبة هذه الفئة من مشيّدي “الفيلات” وساكنيها، تنطوي على نازع الانفصال عن البيئات والهويات الأهلية التي تصدر عنها، أو الابتعاد منها. وفي حين كان الطراز المعماري للمنازل الأسرية والعائلية المستقلة الناشئة ما بعد قيام دولة لبنان الكبير، ينتمي الى العمارة التقليدية اللبنانية المسقوفة بالقرميد، فإن “الفيلات” اقتصر السكن فيها على أسر نواتية محدثة، وشُيّدت على الطراز المعماري المحدث لعقد الستينات.
تتصل هذه الظاهرة بظاهرة سبقتهما: تشييد المنازل المستقلة على الطراز المعماري التقليدي، وهما تشيران معاً الى احتمال عمراني مجهض: نشوء عمران مديني في قرى الساحل، على شاكلة ضاحية مدينية، منظمة ومتماسكة، ومتصلة بالتراث العمراني والمعماري الريفي البلدي. لكن هذا النوع من عمران الضواحي المدينية في لبنان و”مدنه الموقوفة” أصلاً، ولد موقوفاً شأن المدينة، وشهد نهاياته وهو في المهد قبل أن ينمو ويتسع. مثله في ذلك كمثل مسيرة المجتمع اللبناني نحو إنجاز فئاته الوسطى “هوية” اجتماعية مركبة، متدامجة ومتماسكة، ومنفصلة عن عصبيات الجماعات الأهلية. فالمسيرة هذه، ما إن ارتسمت بداياتها، حتى أخذت تتصدع وتنهار في وتيرة متسارعة.
كان للهبّات العقارية ولتجارة البناء الجاهز الجماهيري وللعمران العشوائي، دور بارز في إجهاض احتمال عمران الضواحي المدينية في ساحل المتن الجنوبي الذي تسارعت وتيرة اندثار عمرانه الريفي البلدي في الربع الثالث من القرن العشرين.

p26-01-25369-640_655810_large

غابات الإسمنت الوحشية
في نهار من أيار 2005 سجلتُ شهادة المحامي والكاتب والصحافي المتقاعد ميخائيل عون وزوجته، عن حياتهما في حارة حريك. جرى اللقاء في بيتهما بمنصورية المتن، حيث بدا عون، قانطاً غير متكتّم على غضب سوداوي متهكم في روايته ذكرياته. كان في الثالثة والسبعين من عمره، ومضت عشر سنين على إقامته مع زوجته، منفردين، في المنصورية، واثنتان وثلاثون سنة على استقالته من الحزب الشيوعي اللبناني العام 1973، بعد انتسابه اليه في شبابه، على “مذهب” والده الشيوعي منذ ثلاثينات القرن العشرين في حارة حريك.
زوجان وحيدان في خريف العمر، بعدما تفرّق شمل أسرتهما النواتية وعائلتيهما، ونزحا عن بلدتهما وعادا اليها مرات تخللتها إقامة موقتة في رأس بيروت في زمن الحرب (1975 – 1989)، قبل أن يستقرا في المنصورية، حيث تنطوي حياتهما على وحشة مقيمة في بيت اشترياه وتملّكاه في بناية من أربع طبقات، وأقاما فيه منذ عشر سنين، من دون أن يبدو أن هذه الإقامة أنشأت بينهما وبين محيطهما السكني ما يدفع عنهما شعوراً مترسّباً بالفراغ والعزلة، باعثة فقر صلتهما بذلك المحيط، واقتصارها على الوظيفة السكنية العارية من الإلفة والسيولة اللتين كانت تنطوي عليهما حياتهما وإقامتهما قبل الحرب في حارة حريك.
فالمنصورية التي كانت قبل الحرب بلدة محلية على رابية من روابي جبل صنين المنحدرة نحو ساحل المتن الشمالي، سرعان ما التهمت أراضيها الزراعية طفرات العمران السريعة المتلاحقة على إيقاع الحرب والتهجير الحربي، تلبية لحاجات سكنية طارئة وملحّة لسكن المسيحيين المهجرين من مناطق السكن المختلط طائفياً في بيروت وضواحيها على ساحل المتن الجنوبي، وامتداداً الى بلدات الدامور والناعمة والجية والرميلة على السهل الساحلي ما بين بيروت وصيدا جنوباً. ففي المنصورية وسواها من مثيلاتها، كأنطلياس وجل الديب والدكوانة والزلقا والفنار على ساحل المتن الشمالي، وامتداداً الى الكسليك وجونية والمعاملتين، وصولا الى ساحل جبيل، سرّعت الحرب والتهجير استنبات غابات فوضوية من بنايات الإسمنت الحديثة العالية المتراصّة، على التلال والمنحدرات الجبلية الحادة الخضراء المشرفة على الساحل، فحاصرت الغابات الاسمنتية هذه نوى (جمع نواة) البلدات الريفية والمدن المحلية، واجتاحتها، وجعلت كثرةً منها أثراً وصوراً بعد عين. في هذه البنايات المبعثرة المعلقة عشوائياً على السفوح والمنحدرات الجبلية ككتل من الفطر الإسمنتي الوحشي، التقى ساكنون مسيحيون اقتلعتهم الحروب من مناطق وبيئات محلية وقرىً ومدن شتى، فشتتهم التهجير بعيداً من تلك البيئات ونسيجها العمراني والاجتماعي الناشئ بطيئاً بطيئاً طوال قرنين من سنوات الإقامة والتجاور والتخالط الطائفي. لكن الأمن والأمان المنشودين من التجانس والصفاء الطائفيين على ساحل المتن الشمالي وساحل كسروان وصولاً الى ساحل جبيل، كان من الصعب أن يُنشئا في تلك الكتل الإسمنتية الوحشية نسيجاً عمرانياً واجتماعياً جديداً يتعدى الوظيفة السكنية العارية الباردة في ذلك العراء الإسمنتي.

كانتونات طائفية
هذه الظاهرة العمرانية الفوضوية المتوحشة الناشئة بفعل الحرب والتهجير الحربي، من أبرز العلامات على تقطع أوصال لبنان الديموغرافي والاجتماعي والسياسي، وعلى عزلة جماعاته في كتل سكانية ضخمة، منسجمة ومتماسكة وصلبة على قاعدة عصبيات أهلية سياسية داخل كانتونات طائفية صافية، تنطوي على تكلس واستنقاع في ثقافاتها الاجتماعية والسياسية. أما في ما يخص نتائج هذه الظاهرة على المجتمع المسيحي وثقافته السياسية اللذين كانا يشكلان عصب لحمة لبنان في كيان سياسي ودولة متماسكة، فإن انكفاء المسيحيين ما بعد الحرب، وعزلتهم في كتل سكانية ومدن محلية صغيرة متجانسة خارج العاصمة بيروت، أفقداهم وأفقدا لبنان أيضاً ما يمكن تسميته الثقافة المدينية، أو ثقافة الاختلاط المديني المحلي التي كانت عصب الثقافة اللبنانية الحديثة الهجينة، وعصب الحياة السياسية اللبنانية.
عزلة الزوجين عون ووحشتهما الصامتة المترسبة، وهما في خريف العمر، من إمارات ذلك الفقدان، بعد اقتلاعهما كمئات الألوف من أمثالهما، من دوائر سكنهم القديمة، الأليفة المختلطة، وهذا ما يضخم حنينهما الى إلفة الإختلاط المغدورة الضائعة، ويضاعف غربتهما في مناطق السكن الجديدة المتجانسة. لكن الأجيال المسيحية الجديدة، المولودة والناشئة في مناطق السكن المتجانس طائفياً، فالأرجح أنها “بريئة” من مشاعر الزوجين عون، ما دامت قد نشأت وشبّت في دوائر السكن الجديدة. غير أن “براءتها” هذه، تشير، من وجه آخر، الى أنها تعيش في حال من الانكفاء على ثقافةٍ تجمعية محلية تفتقر إلى نبض الحياة والعلاقات المدينية، الموقوفة أصلاً في لبنان كله، والمقتصرة على ما يشبه “الهجرة” اليومية بالسيارات الخاصة الى مراكز التسوق والمطاعم ومرابع السهر والترفيه والاستعراض في بعض الشوارع والأحياء الأثرية في المدن المحلية (جونية، المعاملتين، جبيل، والبترون)، وبعض شوارع العاصمة، كمونو والجميزة ومار مخايل والحمراء ووسط بيروت الجديد. “الهجرة” اليومية هذه، وهي شبابية ترفيهية واستهلاكية في وجهها الغالب، تكني عن تحوّل المدينة وثقافتها صوراً استعراضية، جامدة أو نصبية، تنطوي على شبق مطاردة الصور، والإقامة في الصور.

السكن في الصور
لكن أليست الإقامة في الصور، والتخاطب بالصور، والحرب بالصور، وعبادة الصور والمظاهر، وجهاً من وجوه الاجتماع والثقافة اللبنانيتين منذ ما قبل الحرب، بل منذ خمسينات القرن العشرين؟ العصر الذهبي للثقافة اللبنانية في بيروت الستينات والنصف الاول من السبعينات، أليس بدوره إقامة في الصور وتخاطباً بالصور في وجه من وجوهه؟
في مطلع الستينات اللبنانية، بدأت مقاهي الرصيف الجديدة المحدثة في شارع الحمراء، تلعب الدور الأبرز في تكوين مسرح أو فضاء للعلانية العامة المدينية والثقافية في بيروت. الحياة الثقافية والصحافية والفنية البيروتية بدأت تتخذ تلك المقاهي مسرحاً يومياً زاهياً لانعقاد شبكاتها حول كوكبة جديدة ناشئة من كتّاب وصحافيين وشعراء ورسّامين وممثلين، مع كوكبة من مريدين، استجابة لنداء متجدد للمدينة والثقافة والأدب والفنون. بل لنداء شارع الحمراء ببريق حداثته المنبعثة من مقاهيه وصالاته السينمائية المتكاثرة، ومن متاجره للثياب والأزياء خلف لمعان الواجهات، ومن بعض مطاعم الأكل السريع وسواها من المرابع المحدثة للترفيه والحياة الليلية في محلتي الزيتونة والروشة على الشاطئ.
الجامعة الأميركية على طول شارع بلس الموازي للحمراء، لعبت دوراً بارزاً في نشأة الشارع الجديد، وساهمت نخبويتها “المعولمة” في تحديث البريق الكوزموبوليتي لرأس بيروت. لكن جاذبية شارع الحمراء لا تكتمل إلاّ بإضافة عوامل أخرى متضافرة: انتقال مكاتب أعرق الصحف اللبنانية- “النهار”- من قلب أسواق بيروت القديمة اليه، قرب مصرف لبنان، وقبالة وزارة السياحة وصالتها الزجاجية للعروض، وخلفها الإذاعة اللبنانية، إضافة الى كلية الحقوق في بنائها العثماني. لكن النداء الخفي الأقوى في بريق الحمراء، كان ذلك الطور الجديد من سفور أجيال وفئات جديدة من النساء اللبنانيات ومن الجاليات الأجنبية المقيمة في بيروت، وخروجهن رافلات بأزيائهن وحركتهن المتحررة، المثيرة الباهرة، في ارتيادهن أرصفة الشارع ومقاهيه وصالاته السينمائية.
هذه الوجوه من ثقافة بيروت الستينية الحديثة، كان للاستعراض، للإقامة في الصور، ولتبادل الصور بوصفها توليداً للذات الثقافية واحتفاءً بها، قسط وافر من صناعة الثقافة وبريقها في شارع الحمراء، وفي سواه من الفضاءات الثقافية البيروتية. هذا فيما كانت الهبّة العقارية في بيروت، وخصوصاً في رأس بيروت، تجعل كل مالك قطعة أرض صغيرة يستيقظ صباحاً ليصير فجأةً من أصحاب الثروات بفعل الارتفاع الجنوني لأسعار الأراضي وللطلب عليها في عمليات المضاربة العقارية التي أخذت تُصدّع العمران البلدي المديني السابق. أما في ضواحي بيروت التي سُميت مذذاك “أحزمة البؤس” العمراني والاجتماعي، فبدأ العمران الجماهيري البائس والعشوائي يصدع العمران البلدي الريفي السائد في القرى والبلدات الساحلية حتى الخمسينات. لكن توسع تلك الأحزمة لم يكن يخلو من الإقامة في الصور والتخاطب والتراشق بها. هذا ما شكّل خيطاً من خيوط روايتي “سكان الصور” (“دار النهار”، بيروت، 2003). المرجع الاجتماعي لتلك الرواية وشخصياتها، بناية حديثة وحيّ في الشياح في الستينات اللبنانية، وصولاً الى الحرب، حيث تتبادل الشخصيات الروائية التعارف والتثاقف والعنف بالصور. أما مسرح الحداثة المدينية في وسط بيروت القديم وفي شارع الحمراء، فكان لتلك الشخصيات نفسها مسرحاً للفرجة والبصبصة الخائفة من زهو الصور الاستعراضية، والشغوفة بها شغفاً ينطوي على عبادتها والرغبة في حيازتها من خارجها حيازة تدميرية.
الشغف المزدوج هذا، وليد العمران الجماهيري وموجاته المتسارعة التي صدّعت المدينة والدولة والمجتمع في لبنان طوال الحرب، وصولاً الى سديم العمران الوحشي الذي نعيش اليوم في متاهاته: من مخيمات البؤس العشوائي في الضواحي، الى وحشيّة العمران النابت كبقع من الجدري على التلال والروابي المطلة على البحر، الى الأبراج الصنمية وفخامتها الوقحة المنتصبة كأنها تتدلى من السماء الى أرقى أحياء بيروت.
تشييد هذه الأبراج الشاهقة في شوارع ضيقة، وفي زواريب أحياناً، ماذا يكون مع السكن فيها، غير عبادة المظاهر والاستعراض الصلف والإقامة في الصور؟

فتيات للزواج والتحجّب والاغتصاب

ديسمبر 8, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 7-12-2013

لوحة لسارة الحساني

والدتي من عائلة عشائرية في بلاد جبيل. قبل سنوات من بداية الحرب العام 1975، شيّد أهلها بيتاً على شاطئ الاوزاعي وأقاموا فيه. كان والدي متزوجاً امرأة من بلدته البقاعية السنية، وأنجب منها ثلاث بنات، قبل أن تدفعه موجات الهجرة الى بيروت للعمل والإقامة، فاستأجر لإقامته مع أسرته بيتاً شيّده حديثاً أهل من ستصير أمي، قرب بيتهم الأول في الأوزاعي.

آنذاك كانت أمي لا تزال تلميذة عذراء جميلة في بداية المرحلة الثانوية، فأعجب بها ووقع في هواها الرجل المتزوج، جارها المستأجر من أهلها بيتاً، وأخذ يلاحقها. كان يكبرها بسنين كثيرة، ولا يزيد عمرها على عمر ابنته الكبرى بأكثر من سنوات خمس. حسنُها وتميّزها ونظافتها وترتيبها­- في مقابل دمامة زوجته وطبعها المشاكس القاسي وقلة تدبيرها- ضاعفت افتتانه بالصبيّة الصغيرة، تلميذة المدرسة، ورقتها، على الرغم من كونها مخطوبة لشاب، لم تكن- بحسب أمها- تحبّه ولا تريده، ولا مالت الى الرجل المتزوج الذي أُغرِم بها ووقع في هواها. لكنها استجابت أخيراً هواه وتتيّمه بها، فرضيت به زوجاً وافق عليه والداها، بعد فسخ خطوبتها للشاب، حينما كانت في السنة الدراسية الأخيرة من المرحلة الثانوية، وفي السادسة عشرة من عمرها. لكن رضاها وموافقة والديها لم يحولا دون ممانعة رجال عائلتها العشائرية الموسعة إتمام ذلك الزواج، فاعترضوا موكب عرسها، وحاولوا إخراجها بالقوة من السيارة التي تقدمت الموكب، أثناء مروره في قريتهم وديارهم ببلاد جبيل، متوجهاً من الأوزاعي الى بلدة العريس البقاعية.

* * *

لم يطلّق العريس زوجته الأولى، بل أسكن معها ومع بناته الثلاث، زوجته الجديدة الشابة الجميلة، في بيته المستأجر من أهلها في الأوزاعي. في هذا البيت دارت مشاجرات عنيفة بين الزوجتين طوال ثلاث سنوات. أثناء غياب الزوج في عمله اليومي كانت زوجته الأولى وبناتها يتعاونَّ على ضرب زوجته الثانية التي أسقطت حملها جنينين اثنين، جرّاء ما تعرضت له من نكد وعنف. فالزوجة الأولى كانت غضوبة شرسة الطبع، عنيفة، إلى حدّ أن زوجها كان يتهيّب مواجهتها، حتى إنه أخذ يعيش حياته مع زوجته الشابة وعلاقته بها، كأنه عشيقها السرّي، فيخرجان معاً من البيت، أو يتواعدان على اللقاء، كعشيقين، خفية عن الزوجة الأولى التي، تلافياً لنقمتها، كان كلٌّ من الزوجين – العشيقين يعود بمفرده الى البيت، كأنهما لم يكونا معاً. هذه العلاقة الغريبة الخائفة قد تكون أخرجت العلاقة الزوجية من إطارها، وجعلتها علاقة غرامية متأججة. فالزوجة الثانية، أمي، تقول إنها بعد الزواج أحبّت والدي قبل أن يسافر للعمل في قطر، تاركاً زوجتيه الضرّتين وبناته الثلاث من الأولى وطفله البكر من الثانية، في بيت الأوزاعي.
لكن ذلك الحب الزوجي – الغرامي لم يكن يخلو من التعاسة والألم. وهو ما كان ليكون على هذه الحال لولا غيرة الزوجة الأولى الحرون ورقابتها اللتين جعلتاه مشوباً بشيء من قلق وخوف حوّلاه غراماً أو عشقاً مكتوماً مطارداً، ما بين رجل وصبية جميلة متعلمة تكاد تكون في عمر ابنته. ثم إن هذا النوع من العشق أو الغرام الزوجي لم تعشهُ الصبية (أمي) إلا كسحابة صيف رمادية عبرت حياتها سريعاً، وتركتها شديدة التحسر والندم على قدرها الذي قادها إلى ذلك الزواج المؤلم التاعس، فأنجبت منه عشرة أولاد أحبّتهم وبذلت جهداً مضنياً في تربيتهم وتعليمهم، من دون أن يصرفها ذلك عن مثابرتها وإصرارها على طموحها، فأقدمت على البدء بدراسة علوم الصحة والتمريض في الجامعة، لكن مشاغلها البيتية المضنية منعتها من متابعة هذه الدراسة.
انتماء والدي اليساري وصحبته أشخاصاً من ميول وثقافة يسارية، ربما أثّرا في شخصيته وأبعداه قليلا من القيم الأهلية والعائلية التقليدية الريفية الخشنة، فاكتسب شيئاً من الرقة واللطف. وقد يكون هذا عوّضه ضآلة تعليمه، وأدى الى أن تقدّره زوجته الصبية المتعلمة، وتحبه، وتتحمل آلام حياتها الزوجية معه.

* * *

قبل ولادتي في العام 1983، كانت أمي قد أنجبت ستة أولاد، ثم أنجبت ثلاثة بعدي. كانت تسافر إلى قطر، فتمضي هناك شهوراً، ثم تعود إلى لبنان حاملا، فتلد أطفالها وتنصرف الى تربيتهم في بيت الأوزاعي المشترك، من دون أن تتوقف زوجة والدي الأولى وبناتها عن تنكيد حياتها وضربها والإعتداء على أولادها في البيت المشترك الذي اشتراه والدي بما حصّله من عمله في قطر، وأعادت أمي إعماره وتحسينه وتأثيثه، وانشأت حوله حديقة جميلة، كانت مربع طفولتي. لذا صار البيت مضرب مثل بين جيراننا في الأوزاعي، فأخذوا يقولون: “نيّالو أبو علي شو بيته حلو”، لأنه كان نظيفاً ومرتباً ومن أعلى البيوت، وجعلته الحديقة مستقلاً وبعيداً من سواه من بيوت الحي.
في العام 1987، قرّر والدي ترك عمله في قطر والعودة الى لبنان. قبل عودته أرسل الى أمي تعويضه المالي والكثير من الهدايا، فسُرقت من بيتنا بعد ليلة واحدة من وصولها، واتهم أهل والدي وأهالي بلدته أمي بسرقتها. على رغم عنف المشاجرات في بيتنا المشترك، لم يكن والدي راغباً في طلاق زوجته الأولى بعد عودته من قطر، لكنها أرغمته على ذلك، إذ أقدمت مرةً على ضربه طلباً للطلاق، فاشترى لإقامتها مع بناتها، بعدما طلّقها، بيتاً صغيراً غير بعيد من بيتنا في الأوزاعي. لكنها سرعان ما طردت بناتها الثلاث من بيتها ذاك، قائلة لهن: “روحو لحقوا بيّكن”، فعدن للإقامة معنا.
ظل والدي عاطلا عن العمل طوال سنوات خمس بعد عودته من قطر. وعلى رغم أنه كان يسارياً في شبابه، انقلب إلى التدين الإسلامي، وأخذ يصلّي ويصوم ويفكر ويتحدث في أمور الدين وشؤونه. أما أمي المتعلمة، فراحت تعمل مدرّسة في مدرسة خاصة، وتدرّس أولاداً في الحي دروساً خصوصية، مصرّة على تعليمنا، نحن أبناءها العشرة الذين أخذ الفتيان منهم يعملون ليلاً في أفران الأوزاعي، فيجلبون الى البيت كميات وافرة من الخبز، ويذهبون نهاراً لمتابعة تحصيلهم الدراسي في مدارس خاصة حرصت أمي على تسجيلهم فيها. غير أن والدي حظي أخيراً بعمل في مهنته القديمة، معلّما للطهاة في مطبخ إحدى الشركات الكبرى في بيروت.

* * *

في بيتنا في الاوزاعي أخذت أختي الثانية غير الشقيقة من زوجة والدي الأولى، تتحرّش بي جنسياً وتعتدي عليّ، مذ كنت طفلة في السادسة أو السابعة من عمري. كانت تنام قربي على السرير، فراحت تستيقظ في الليل وتشرع في مداعبتي. لم أكن أدرك ماذا تفعل، لكنني بحدس غامض خفت من مداعباتها، فلم أستجب لها. لكنها استمرت على افعالها، غير مكترثة بخوفي وعدم استجابتي. غضبها مني وحقدها عليَّ دفعاها مرةً، فيما كانت تدرّسني نهاراً في البيت، الى أن تطعنني في رقبتي بقلم الرصاص المروّس، فانغرزت بروته وانكسرت في لحمي. لا أدري اليوم إن كانت تحرشاتها الجنسية هذه واعتداءاتها العنيفة قد تركت ندوباً في نفسي. أحيانا أقول إنها لم تؤثر فيَّ، وكانت عابرة في طفولتي. لكنني حتى الساعة لا أزال أحقد على أختي غير الشقيقة هذه، وأنفر منها وأكرهها، فلا أسلّم عليها إلا في جفاء، ولا أستطيع الاقتراب منها وتقبيلها. لقد كبرنا على كراهية ونفور متبادلين، ليس لأنها حاولت الاعتداء جنسياً عليَّ فحسب، بل لما أنزلته مع أمّها من عذاب وعنف بنا وبأمي.
أخيراً، بعد سنوات كثيرة، غادرتْ أختي غير الشقيقة هذه بيتنا في الأوزاعي وذهبت للإقامة والعمل مدرّسة في بلدة والدنا البقاعية. هناك أحبّت رجلا وأقامت معه علاقة. لكن هذا الرجل الذي رآني ثلاث مرات في البلدة أخذ يلاطفني، ثم زارنا في بيتنا في الاوزاعي طالباً أن يخطبني من أهلي، فرفضوا طلبه.
بلغت أختي غير الشقيقة الخامسة والثلاثين من عمرها من دون أن تتزوج، وأظن أنها ستظل عانساً طوال حياتها، على الرغم من أنها أجرت تقويماً لأسنانها الشديدة البروز في فمها. لأكثر من مرات خمس ارتدت الحجاب الشرعي في أوقات متباعدة، ثم خلعته لترتدي تنانير قصيرة. أرجّح أنها كانت تتحجب لظنّها أن شبّاناً ورجالاً رغبت في الزواج منهم، يريدونها محجّبة في تلك البيئة البلدية البقاعية التي، إضافة إلى تقاليدها وعاداتها المحافظة، شاعت فيها موجة التديّن الجديد وتحجُّب النساء والفتيات اللواتي يعتقد بعضهن أن الحجاب أفضل من السفور، لأنه يستر عيوبهنّ. لكن أختي غير الشقيقة استقرت أخيراً على التحجب الذي ستر عيوبها الخلقية والأخلاقية. وهي لن تعود الى السفور، ما دام الحجاب أمسى زيّاً طاغياً مع موجات التديّن الجديد في بلدتنا البقاعية التي يتفشى في بيئتها التقليدية الجهل والتخلف والبطالة المقنّعة والعصبية العائلية والعشائرية.
موجات التديّن الجديد تفشّت بقوة كبيرة في الأوزاعي، بيئة العمران والاجتماع العشوائيين والاكتظاظ والعنف والعصبيات والتهجير والتذرر وتمزق القيم والعلاقات العائلية والاسرية. حتى أمي المتعلمة لم تصمد أمام تلك الموجات من التدين، فتحجبت بعد تديّن والدي، حينما كانت في الخامسة والثلاثين من عمرها.

* * *

خالتي الأكبر عمراً من أمي متزوجة من ابن خالة والدي، وبيتها قريب من بيتنا. أولادها الذكور نشأوا وشبّوا غير متديّنين. لكنهم ككثيرين من الفتيان والشبان في بيئة العمران العشوائي في الأوزاعي، ميّالون إلى قيم الفتوّات وسلوكهم الذكوري المشاكس والعنيف، ويمارسون سطوتهم على قريباتهم البنات والفتيات، ذوداً عن شرفهم وشرفهنّ العائلي. لحمايتهنّ من تحرشات الفتيان الغرباء يفرضون عليهنّ الوصاية التي لا تخلو، غالباً، من دوافع أو ميول جنسية، تحت ستار القرابة والحماية العائلية.
بكر أولاد خالتي سافر الى دبي، فعمل هناك مدة قصيرة، لكن السلطات الإماراتية سرعان ما رحّلته، بعدما اعتدى على أمير، فضربه وكسر رجله. أخوه الأصغر عاش في بيتنا تقريباً، فدرس سنوات في المعهد الموسيقي الوطني، وعمل في مصنع للحلويات. كان حضوره ثقيلاً علينا، نحن بنات خالته. لم يكن يوفر فرصة تتيح له فرض رقابته وسلطته علينا، كأنه وصيّ على عفّتنا وشرفنا. ابن خالتي الأوسط مال إلى الرياضة البدنية، ونشأ معتدّاً بقوته العضلية، وكثيراً ما تورّط في مشاجرات عنيفة في الحي، حيث افتتح صالوناً للحلاقة الرجّالية، وعُرف كفتوّة مشاكس.
كنت ربما في العاشرة من عمري، عندما رآني مرةً أقف قرب حنفية ماء أملأ منها وعاء في الحديقة، فجنّ جنونه فجأة لأنني كنت أرتدي شورتاً قصيراً. لا أدري إن كان عري فخذيَّ قد أثاره جنسياً أم أثار غيرته وشرفه الذكوري، فحمل زجاجة فارغة وقذفها بقوة الى الأرض الصلبة قربي. أحدث تحطم الزجاجة دويّاً أرعبني، وتطايرات شظاياها حولي. الرعب حملني على الركض حافية، فانغرزت شظايا الزجاج في باطن قدمي وغارت عميقاً، ثم تدفق الدم غزيراً، فأخذتُ أصرخ حتى حملوني الى المستشفى، حيث مكثت يومين لمداواة جراحي.
اندملت جراح قدمي، لكن أثرها في قدمي منعني من المشي الطويل والركض. أما ابن خالتي فترك في جسمي وروحي جرحاً آخر خفياً ومكتوماً، أعمق وأشدّ أذية من جرح قدمي. غيرته عليَّ وإرادته أن أكون محتشمة في ملبسي حفاظاً على شرفه العائلي الذكوري، كانا يقنّعان غريزته وإثارته وشهوته التي دفعته، قبل الحادية عشرة وبعدها، الى الاعتداء عليّ جنسياً. في بعض ليالي الصيف القائظة أخذ يترصدني حين أنام منفردةً في غرفة بيتنا الأرضي، فيدخل من شبّاك الغرفة المشرع، ويتمدد قربي على السرير، قائلاً إنه يفعل ذلك حرصاً منه عليَّ ولحمايتي، لئلا يدخل الى غرفتي فتيان السوء في الحي، فيتحرشون بي. بعد قليل من الوقت يروح يداعبني وينزع عني ثياب النوم ويقبّلني في نواح مختلفة من جسمي. كنت أبعده عني في صمت، خائفةً من أن أرفع صوتي، فيوقظ أهلي النائمين في الغرف الاخرى. تكررت فعلته هذه مرات كثيرة في صيفين أو ثلاثة. حين حاول مرةً اغتصابي، دفعته دفعة قوية أوقعته عن السرير، من دون أن اجرؤ على الصراخ. كنت أخاف من أن أخبر أمي بما يفعله ابن أختها، خشية الفضيحة والمشاكل بين عائلتينا.
لا أعلم إن كان أقلع عن تحرشاته الليلية هذه بي، بعدما انجذب الى أختي الأكبر منّي سناً. كانت أختي هذه شقراء جميلة الجسم، رقيقة شفّافة البشرة، وتوقفت عن الدراسة بعد انهائها مرحلة التعليم المتوسط. عرسان كثيرون من بلدتنا البقاعية أخذوا يطلبون يدها للزواج، بعد مكوثها هناك لشهرين في الصيف. لكنها رفضتهم لأنهم في معظمهم كانوا في سلك الجيش أو قوى الأمن الداخلي. بعض طالبي يدها، أخذوا يشيّعون أقوالاً بأنهم سوف يأخذونها خطيفة، إذا استمرت على رفضها. قد تكون كثرة العرسان والشائعات هذه هي التي حرّكت رغبة ابن خالتي المتحرش بي، ودفعته الى التفكير في الزواج من أختي، فأخذت أمه تحدث أمي في الأمر.
كانت أختي في الخامسة عشرة، فرفض والدايَ الفكرة التي أصرّت عليها خالتي وابنها الذي كانت أمي تعتبره أزعر، ولا يمكن أن تزوّجه ابنتها. لكن أبي وأمي رضخا أخيراً تحت إلحاح خالتي وإصرارها، فسألا أختي رأيها في الأمر، فقالت: “مثل ما بتريدوا”، فتمّ الزواج الذي كان وبالاً على أختي. فما إن تحسّنت أحوال ابن خالتي المادية من عمله في صالون الحلاقة، حتى افتتح قرب الصالون متجراً لبيع أجهزة الهاتف الخليوي، فاشترى سيارة فخمة، وأخذ يصاحب فتيات كثيرات، ثم لم يلبث أن تزوج إحداهن زواجاً سرّياً في البداية، قبل أن يصير علنياً، ويسكن زوجته الثانية في بيت استأجره لها، بعد سنتين من زواجه من أختي التي تركت منزلها الزوجي وعادت مع طفلها للسكن في بيتنا.

سائقو الجحيم ومضافات الأحياء في بلاد الفوضى والتسيّب

أكتوبر 27, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق النهار في 26-10-2013

P1040851-640_167086_large

وسط ما يعيشه لبنان اليوم من تخبط في معضلات وحوادث وفوضى ويأس من عدم القدرة على التصدي لها ومعالجتها، فينضاف جديدها المفاجئ الى قديمها المزمن، هل يبدو ترفاً وصف ما يبعثه سائقو الدراجات النارية من سُعار وفوضى ورعب في الشوارع، وكيف يمكن وصف “المضافات” الشبابية، الأهلية والأمنية، المتكاثرة في الأحياء الشعبية؟

بدايةً، أين الترف في مشهد شاب أو فتى مراهق ينطرح فجأةً على الاسفلت، وحيداً، مجهولاً، وبلا حراك، بعدما كان قبل هنيهات طائراً يسابق الهواء والزمن بدرّاجته النارية، يطوّح بها منتشياً وسط الشارع، لتصدمه سيارة مسرعة، وتقذفه مع درّاجته ونشوته امتاراً في الهواء، ليهوي ويرتطم رأسه بالأرض الصلبة، او بحافة الرصيف؟!
إذذاك، ألا تتحطم حياة بكاملها وسط جمهرة من العابرين الذين ربما تروّعهم الحادثة المفاجئة، وتروّع سائق السيارة الذي قد يحاول الهرب خائفاً مذعوراً، أو يترجل من سيارته مصعوقاً هلعاً مسرعاً نحو الشاب أو الفتى المجهول المنطرح ارضاً، يُحتضر مرتعشاً، أو بلا حراك؟
نعم، إن سُعار استعمال الدرّاجات النارية وفوضاها في الشوارع، هو واحدة من كوارثنا المتناسلة وسط دبيب الفوضى الوطنية والسياسية والأهلية والأخلاقية والقانونية الكبرى التي تتخبط فيها البلاد كل يوم، بل إنها من نتائجها المشهدية أو المشهودة. فسائقو هذه الدرّاجات المتكاثرة كالفطر في الشوارع والأزقة وعلى الأوتوسترادات كلها، يمتطونها ويقودونها مسعورين، كأنهم يخوضون حرباً أو يذهبون الى الحرب، أو يفرّون من الحرب. المقصود بالحرب هنا، ليس كناية ولا تشبيهاً ولا استعارة، بل الحرب الحقيقية والفعلية. فالذاهبون الى الحرب، أو الفارّون منها، تكاد تنطبق عليهم حال سائقي الدرّاجات النارية في شوارع لبنان: الذعر، الفوضى، تعليق الزمن العادي والحياة العادية، والقوانين والمسؤولية، تضخيم الفردية والأنانية وانفجارهما على غير هدىً في الأماكن العامة والحياة العامة. كأنما العالم مشرف على هاوية أو كارثة.

نشوات قاتلة
الحق أن اللبنانيين حين يخرجون صباحاً من بيوتهم، يراودهم شعور بأنهم ينخرطون في متاهة من المفاجآت وغياب الأمن والأمان في الشوارع المشرّعة على فوضى السير وازدحاماته، وإغلاق الكثير من الطرق بحواجز الإسمنت والأمن الذاتي، فتضيق مساحات المدن وضواحيها وأحياؤها وشوارعها، ويشعر كثيرون بأن عليهم ألاّ يسلكوا طرقاً وشوارع خارج مناطقهم الأليفة. أما سائقو الدرّاجات النارية، وهم في معظمهم من الشبان والفتيان، فينفلتون كالجراد في الاتجاهات كلها على الشوارع والطرق، بعدما يئست إدارة السير في قوى الأمن الداخلي من حملاتها الكثيرة المتعاقبة لتنظيم انفلاتهم الفوضوي العارم، وتقنينه والحدّ منه، لتنصرف تلك القوى الى الغرق في مستنقع المعضلات المستجدة في كل يوم وساعة.
ما إن يمتطي شبّان الدرّاجات النارية وفتيانها ورجالها أحياناً، درّاجاتهم هذه، حتى يصيروا في حلٍّ من أي وازع قانوني وأخلاقي عام أو خاص وذاتي: لا يتقيّدون باتجاهات السير، ولا بالإشارات الضوئية القليلة أصلاً. يطلقون أبواق درّاجاتهم على نحو متصلٍ وسط السيارات المسرعة أو المتوقفة بفعل الإشارات أو الإزدحام. يزاحمون السيارات، يعبرون مسرعين كأسهمٍ نارية مفرقعة في الفسحات الضيقة بين أرتالها، يسيرون حذوها، ملتصقين بها، ينعطفون فجأةً أمامها وفي كلّ اتجاه، كأنما الأرض تنشطر ويخرجون منها مندفعين. بعضهم يحلو له أن يرفع عن الأرض عجلة درّاجته الأمامية، منتشياً بانطلاقة عكس اتجاه السير، متكلاً على أن يتفاداه سائقو السيارات ويفسحوا له للإيغال في نشوته، فينعطفون بسياراتهم جانباً خائفين هلعين من تلك النشوة الرعناء التي تحمل بعض الدرّاجين على مدّ ألسنتهم خارج أفواههم معلنين انتصارهم البذيء على سائقي السيارات، أو يشتمونهم متوارين في الزحام. كثيرون ينطلقون بدرّاجاتهم على الأرصفة فيروّعون المارة من المشاة الذين ينصاعون عنوة، هاربين خائفين على أنفسهم من أن تعاجلهم صدمة الدرّاجين، فتوقعهم أرضاً. هناك بعض من مستعملي الدرّاجات يُركِبُ خلفه امرأة أو فتاة، زوجته أو أخته أو خطيبته أو صديقته، ويضع أمامه بين جسمه ومقود الدرّاجة طفله الصغير، واقفاً أو قاعداً بين فخذيه. وأحياناً ترى طفلين اثنين على هذه الحال. أما سائقو درّاجات الديليفري، فإن عملهم نفسه يتطلب السرعة في توصيل طلبات الزبائن المنتظرين. لكن بعضهم قد يتفادى السرعة، لئلا يتورط في حادثة تفقده عمله. وهذا ما لا يفعله من يحملون على درّاجاتهم شعَّالات الجمر المشرقط وسط الشوارع، لتوصيلها الى مدخّني النراجيل في البيوت أو المتاجر أو على مضافات الأرصفة.

ثارات الماضي والحاضر
هذه الحمّى اليومية الراهنة على صلة وثيقة بمهرجان فتيان الشوارع والأحياء المرتبطة بالمنازعات الأهلية والحزبية منذ العام 2005 وحتى اليوم. فزمر فتيان الدرّاجات النارية وشبّانها، غالباً ما استعملتهم القوى والأحزاب الأهلية في احتقاناتها وعراضاتها وعداواتها، فأخذوا ينطلقون زمراً زمراً، زاعقين في الشوارع والأزقة، بوصفهم مجموعات حماية واتصال وهجوم. قبل ذلك، في أيام الاحتلال السوري، ظهر فتيان الدرّاجات وشبّانها ظهوراً قوياً في الشوارع بعد مباريات كرة القدم وعراضات مشجّعيها المتصلة بالاحتقان الأهلي والطائفي الناجم عن النعرات المحلية ضد ممارسات رجال المخابرات السورية في الأحياء.
اليوم تجمعت هذه الأسباب والبواعث كلها في خلفية السلوك الذي يسلكه مستعملو الدرّاجات النارية، ثم أضيفت اليها الفوضى العارمة التي تستنقع فيها البلاد بفعل الحروب في سوريا التي دفعت الى لبنان بأكثر من مليون ونصف المليون من اللاجئين السوريين. على هذا النحو تظهر حمّى استعمال الدرّاجات النارية كمرآة لما تتخبط فيه البلاد. وكما كان مسلّحو الميليشيات في أيام حروبنا، أعلى مرتبة وشأناً من المدنيين غير المسلحين، فإن مستعملي الدرّاجات النارية اليوم يتمتعون بدالّةٍ استثنائية على سائقي السيارات والمشاة. مصدر هذه الدالة التي تجعل هؤلاء أشبه بـ”سائقي الجحيم” في ألعاب السيرك القديمة، هو شعورهم بأنهم متواضعو المرتبة الاجتماعية، وبأنهم في حلٍّ من المراتب والأخلاقيات العامة المنحسرة أصلاً، ما إن يمتطون درّاجاتهم التي بها يثأرون من تواضعهم الاجتماعي، خارج أيّ وازع عام وذاتي في بلاد الفوضى والتسيّب.

طغيان الذكورة
هناك فئة لا يستهان بعددها من سائقي الدراجات النارية، يغلب عليها كونها من فتيان الأحياء والشوارع البطَّالين، أو العاملين أعمالاً يومية متقطعة متواضعة. يتخلل هذه الفئة شبان وفتيان يشكلون نوىً (جمع نواة) وعُصباً وشبكات من الجمهور الذكوري الطاغي على محازبي الجماعات الأهلية في الأحياء والشوارع. هؤلاء هم غالباً المادة البشرية لـ”المضافات” الأهلية الناشئة والمزدهرة والمنعقدة حلقاتها اليومية في أماكن ثابتة على نواصي الشوارع والأرصفة في الأحياء الداخلية وعلى تخومها وأطرافها. يتغذى انعقاد هذه “المضافات” من مواسم الاحتقانات الأهلية، ويزدهر في خضم حوادث سياسية وأمنية، وكلما ألقى أحد زعماء الجماعات الطائفية الجماهيرية خطبة متلفزة، غالباً ما استوجبت إطلاق النار غضباً وابتهاجاً ونكايةً، وخصوصاً في الأحياء المختلطة طائفياً. كما أن الاحتقانات ومناسباتها تتغذى من انعقاد “المضافات”، لاسيما بعد نشوء ظاهرة الأمن الذاتي وشيوعها، في أعقاب التفجيرات الأخيرة في ضاحية بيروت الجنوبية وطرابلس. للدراجات النارية مساهماتها في ازدهار هذه “المضافات” التي غالباً ما تُركَن الدراجات الكثيرة على ضفافها، وتُلازم انعقادها، لإقامة جسور التواصل الأهلي والأمني بينها في أوقات من النهارات والليالي.

iden02-640_317171_large

من الرخاء الى الفوضى
نستعير هنا كلمة “مضافة” ذات الرجع والحمولة والدلالة البدوية والعشائرية. فالإجتماع العشائري لا تزال تقاليده وثقافته حيّة فاعلة في ثنايا شبكات الاجتماع الأهلي المحلي الفوضوي الراهن لكثير من الجماعات والتجمعات السكانية في الريف وضواحي المدن، وفي الأحياء العشوائية والشعبية المدينية المكتظة المختنقة. هذه غالباً ما تحاصر فوضاها المنفجرة الأحياء السكنية للفئات المتوسطة المجاورة لها، وتخنقها ايضاً. فسكان الأحياء المدينية المتوسطة ليس من عاداتهم وثقافتهم أن تستولي دورةُ حياتهم اليومية على الأماكن العامة في أحيائهم (الأرصفة، نواصي الشوارع، مداخل البنايات). بل إنهم يرتادون هذه الأماكن على نحو وظيفي عابر ومنظّم، منصرفين الى أعمالهم ومشاغلهم، من دون أن يخلّفوا أثراً واضحاً أو ناتئاً فيها. فالإنكفاء على ذات النفس، الفردية والأسرية، وعلى شبكات من العلاقات الخاصة، من سمات اجتماع الفئات المدينية المتوسطة والعليا، من حيث المبدأ، وخصوصاً في أوقات الأزمات وتفشي الاحتقانات الأهلية واستنقاعها وانفجارها بين حينٍ وآخر، على ما هي عليه حال لبنان الممعن، منذ سنوات، في تفككه وتمزقه إرباً مناطقية وأهلية وعصبية وطائفية متباعدة نفسياً على قاعدة الهويات الخاصة، على الرغم من ضيق المساحات والمسافات بينها، فيظهر الاحتقان والتمزق بين شارعين متجاورين في أحياء مختلطة طائفياً.
تتكاثر مضافات الشبان والفتيان، يخالطهم رجال وأولاد، في الأحياء الشعبية الصافية والمختلطة طائفياً. وقد تكون المضافة استعادة واستئنافاً للحلقات التي كانت تُعقد في ساحات القرى، والتي تطورت في أيام الرخاء والإصطياف اللبنانيين في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، فتحولت “كسدورة” على “الكروسة”، سيراً على الأقدام أو في السيارات. وذلك في عصارى النهارات القروية ومساءاتها الصيفية المقمرة التي كان يتخالط فيها الشبان والصبايا العائدون من بيروت “متمدّنين” وفي أزياء عصرية يتباهون بها ويستعرضونها صيفاً في قراهم، مع السيارات الجديدة التي غالباً ما يستعيرونها من آبائهم، للكسدرة بها بين قرى الاصطياف وبلداته المزدهرة. قد يكون لهذه العادات والطقوس المحدثة مصدرها أو مرجعها الأقدم زمناً في القرى، أيام كان ما يسمّى “طريق العين” في الفولكلور والغناء الفيروزي – الرحباني، علامة بارزة في الاجتماع اللبناني الريفي.

في حماية الشباب
هذا كله قوّضته الحروب في لبنان، ونقلت مجموعات كبرى من الفئات العمرية الشابة، من تلك العادات والطقوس الرخيّة، الى متاريس الحرب في المدن والبلدات. أما اليوم، بعد مضي أكثر من عقدين على حروبنا، فإن الاجتماع الريفي أو القروي والمديني في لبنان يكاد يذوب في حمى بوتقة فوضوية واحدة متصلة من العمران، الذي يختلط ماضيه المتداعي الخَرِب بحاضره العشوائي، لنقيم ونعيش في زمن اجتماعي وعمراني من سماته السُعارُ والفوضى والاحتقان والكآبة.
ليست الدراجات النارية وجحيمها في الشوارع، وكذلك المضافات الأهلية الشبابية والذكورية الناشطة على الأرصفة والنواصي في الأحياء الشعبية، إلا من ظواهر زمننا الاجتماعي والعمراني المستعر هذا.
قد تكون هذه المضافات وليدة الإستنقاع والاحتقان والسعار في حياتنا اليومية والاجتماعية. ربما هي بديل من العراضات والمهرجانات الشبابية الأهلية والحزبية التي شهدنا حوادثها الكثيرة المتنقلة وخبرناها ما بين 2005 و2008 الذي انتهت حوادثه بـ”اتفاق الدوحة” بعد الحملة التأديبية العسكرية لـ”حزب الله” وحلفائه على كثير من المناطق، لاسيما بيروت والجبل. فبعد تلك الحملة الدامية، كثر الحديث عن احتلال بيروت أمنياً، وعن الرغبة في إخلائها من السلاح. لكن تزاحم الحوادث والمستجدات السياسية والأمنية في لبنان، غالباً ما يطوي الحقبَ وشعاراتها، ويجعلها من المنسيات، فيما تتجدد الأزمات والحوادث وتتراكم الى ما لا نهاية أو مستقر.
نشأ عن الحملة العسكرية التأديبية على أحياء بيروت ما يشبه إذعاناً أهلياً محتقناً ومغلوباً على أمره، في مقابل هيمنة أهلية شبه أمنية لمحازبي الثنائي الشيعي، “أمل” و”حزب الله”، و”السوري القومي الاجتماعي”، وسواهم من الشراذم المحلية الملحقة بهم، على كثير من الأحياء البيروتية المختلطة طائفياً، الشعبية منها والمتوسطة، وصولاً الى الأحياء ذات الماضي الكوزموبوليتي في رأس بيروت. مع مرور الوقت وتراجع الاحتقان العام، شكلت المضافات الشبابية في الأحياء، الوجه الأهلي المخفف لتلك الهيمنة. هذه المضافات تخفتُ حيناً وتزدهر احياناً، وفقاً للظروف والحوادث السياسية والأمنية المتناسلة. أما وظيفتها وغاياتها فمتنوعة ومتداخلة: إشعار الأهالي أو السكان من لون طائفي معيّن بأنهم يسيطرون على الأماكن العامة، وبأنهم في “حماية الشباب” وصور الزعماء والقادة والشهداء المرفوعة مرفرفةً على المضافات، الى جانب الأعلام والشعارات الحزبية التي لا تخلو من التهديد والوعيد من أمثال: “ويلكم اذا نفد صبره”. في مقابل وظيفة السيطرة والحماية، هنالك وظيفة أخرى معاكسة للمضافات الشبابية الحزبية: إشعار الأهالي من لون طائفي آخر بأنهم مهدَّدون ومغلوبون على أمرهم ومراقَبون، بل في عراء من الحمايات الأهلية، وعليهم الاذعان والانكفاء.

غلبة ومآرب أهلية
في هذا المعنى تشكل المضافات حاميات أهلية وأمنية لفئة مسيطرة من السكان، ومهدِّدة وغالبة لفئة أخرى. أليست، اذاً، وجهاً من وجوه غلبة أهلية، وحرب أهلية خفيّة السلاح الذي غالباً ما تنطلق في الهواء رشقات رصاصه من هذه المضافات وجوارها، غاضبةً محتفلة متوعدة، في اثناء الاطلالات الخطابية المتلفزة لهذا الزعيم أو القائد المنتصر أو ذاك؟ هذا فيما هو يقول لأنصاره وجمهوره إن عليه إن يمتنع عن إطلاق النار في مثل هذه المناسبات، كأنه في قوله هذا يطلب عكسه ونقيضه! أليس هذا مركباً اساسياً ومبدئياً في سياسات الجماعات اللبنانية التي غالباً ما تضمر خلاف ما تنطق به من شعارات مستهلكة، وتسلك وترسم مآربها انطلاقاً مما تضمره، استئناساً بسياسات الرياء والمراوغة والتقيّة؟

مستنقع الإحباط والقنوط
اذا كانت المضافات قد نشأت في هذه الظروف والسياقات الاجتماعية والأهلية المحتقنة، فكيف يمكن وصف روّادها وجمهورها وصفاً تفصيلياً موضعياً وعيانياً؟ قد يحتاج مثل هذا الوصف الى استطلاعات ومشاهدات ميدانية يومية شبه إتنوغرافية.
غالباً ما تنعقد المضافات وتزدهر في أوقات ما بعد الظهر والأمسيات والسهرة، لأن ناشطيها وروّادها الشبان والفتيان والرجال، يستغرقون في نوم متأخر في الصباحات. وهم في لقاءات المضافات هذه، تشتبك في صلاتهم علاقات الجوار السكني في الحي بعلاقات القربى والنسب والانتماء الى قرية ومنطقة سابقتين على الإقامة في الأحياء المدينية. ويجمع هذه الصلات ويشدّها الى بعضها ويعضدها الانتساب الى طائفة معينة، والولاء لتنظيم أهلي طائفي معيّن. هذا النسيج الفسيفسائي المتشابك يجد مظهراً مسرحياً وظائفياً لانعقاده وتجلّيه في المضافات. فبدل أن يتفرق شبّان الأحياء كلٌّ الى غاية وشاغل وعمل، يجدون في التئام المضافة في حيّهم السكني حضناً حميماً وأليفاً يعوّضهم عن البطالة والتشتت والذوبان في أدوار حياة مهنية واجتماعية قوامها الانصراف الى سياقات ومسالك متباينة ومختلفة، يفترضها القيام بأود النفس الفردية والشخصية. غالباً ما يكون هؤلاء الشبّان والفتيان من أصحاب السير التعليمية والمدرسية المضطربة والمنقطعة وغير المكتملة. لذا ينصرفون الى أعمال ومهن صغيرة متواضعة لا تحتاج الى خبرات وتأهيل وإعداد، إلا في الحدود الدنيا. غير أنهم غالباً ما لا يستقرّون في هذه الأعمال والمهن، فيتنقلون بينها محبطين قانطين، قبل أن يتركوها الى بطالة تجد ملاذها في شبكات العلاقات والحياة على الأرصفة في الأحياء السكنية، حيث تكون شبكات المنظمات الأهلية وأجهزتها الجماهيرية في انتظارهم، فتتلقفهم وتدرجهم في أطرها الفضفاضة التي يشكل الحي والشارع مسرحها اليومي. هكذا تنتشل هذه الأطر المفتوحة الشبانَ والفتيان من إحباطهم وقنوطهم، وتمنحهم دوراً وقوة ومعنى، فينخرطون فيها انخراطاً عضوياً، يجعلونه هوية لهم ومأوى وملاذاً. في هذا السياق ينشئ هؤلاء الشبان والفتيان المضافات على الأرصفة والنواصي في الأحياء، فيداومون على ارتيادها وتكريسها مكاناً للقاءاتهم وجلساتهم اليومية: يلعبون الورق، يشربون الشاي، يأكلون المناقيش، يتنقلون من مضافة الى مضافة على صهوات درّاجاتهم النارية، يجمع بينهم الولاء الى تنظيم أهلي واحد، يمكن تسميته مستنقع الاحباط والقنوط.

العمران نموذجاً لسياسات الخراب اللبنانية

أكتوبر 5, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 28-09-2013

Vanessa-Gemayel-Rond-Point

هل وصل لبنان إلى مرحلة استحالة تدارك سقوطه في مهاوي معضلات مزمنة؟ من زاوية هذا السقوط، أين هي معضلة التكالب العشوائي على العمران والبناء؟ على الشواطئ والروابي والجبال ينصب اللبنانيون أبراج شموخهم وسط حفلة تنكرية يزدرون فيها تراثهم الحضاري المعماري، فيما هم يتزاحمون على هدمه، وعبادة كل ما هو هوية عصبوية خرافية من هذا التراث، ليظل لبنان بلداً منذوراً للحروب والدمار.

على مدخل من مداخل زقاق البلاط وأمثاله من الأحياء البيروتية التي صمدت بعض بيوتها وقصورها التراثية المهجورة المهملة والمتداعية أمام زحف الهبّات العقارية المتعاقبة وتشييد الأبراج المحدثة الشاهقة، نصبت وزارة الثقافة اللبنانية لافتات معدنية كتبت عليها: “حي ذو طابع تراثي”. نَصْبُ هذه اللافتات، وإعداد ما يسمّى “لائحة جرد” للبيوت والمباني التراثية، هو ما استطاعت الوزارة الجديدة، شبه الإسمية او الافتراضية في عملها وسلطاتها، أن تفعله (مع مديرية الآثار الملحقة بها) في مجال المحافظة على بقايا التراث المعماري الآيل الى الانقراض المتسارع في لبنان، لتبقى تلك اللافتات شاهداً على انقراضه، كمعلّقات الوقوف على الأطلال. هذه الوظيفة للافتات ليست مجازية قط. فالكثير من البيوت والقصور والمباني التراثية في الأحياء المنصوبة فيها اللافتات، سارع وارثو ملاّكها أو وكلاؤهم الى المساهمة، خفية وبإرادة صلبة، في تنشيط تداعيها وانهيارها، فسيّجوها وألصقوا على السياجات لافتات كتبوا عليها: “انتبه… هذا المبنى آيل الى الانهيار” أو “السقوط”. غاية هذا الإعلان ماكرة وخبيثة. ففي معرض إدعاء تنبيه العابرين قرب المبنى الى تلافي الخطر و”المحافظة على السلامة العامة”، لا يشاء المعلنون رفع المسؤولية عنهم فحسب، في حال انهيار المبنى على عابرين، بل يتمنّون، نكايةً بالوزارة ولافتاتها ولائحة جردها، أن ينهار المبنى في أسرع وقت، ويؤذي عابرين لتتحمل الوزارة نفسها نتائج إدعاء المحافظة الشكلية على التراث المعماري. وذلك بمنعها أصحاب البيوت التراثية، منعاً همايونياً، من التصرف بملكهم المهجور الخرب الذي لن يحرره سوى انهياره من اللائحة الهمايونية التي تجعله موقوفاً وتحرمهم من أن يجنوا ثروات من بيعهم العقار أو من تشييدهم في مكانه بناية حديثة شاهقة في واحدة من الهبّات العقارية الملتهبة في بيروت ولبنان كله.
في ما تظهره وتخفيه، لا تلخّص هذه الوقائع، السلوك الماكر لفئات واسعة من اللبنانيين، ولإجراءات مؤسساتهم الإدارية العامة، في مجال العمارة والتنظيم المدني والعمراني، بل هي نموذجية في دلالتها الى ممارساتهم الأخلاقية والسياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية. المكر في هذا السلوك، قرينه الجشع والأنانية، و”من بَعد حماري ما ينبت حشيش” أو “الطوفان”، على ما يقول المثل العامي الشائع والحبيب على قلوب معظم اللبنانيين، والذي يكاد أن يكون الابرز والأقوى في فوضى سلوكهم وعلاقاتهم وإدارتهم مؤسساتهم العامة، منذ أزمنة بعيدة.

jana-traboulsi

عشوائية مزمنة
من نافل القول إن حروب اللبنانيين (1975 – 1990) دمّرت مجتمعهم وعمران بلدهم ودولتهم التي ارتضوا بها على مضض. لكن هذا التدمير المديد، كانت له سوابقه البطيئة، وخصوصا على صعيد العمران والبيئة في المدن كما في الأرياف. ففي دراسة وضعها العام 1996 الخبير العمراني والبيئي الدكتور عادل مرتضى، نجد أن العامل الأساسي المزمن في تردي الأوضاع العمرانية والبيئية اللبنانية، هو بدائية التخطيط والتنظيم في تصنيف استخدام الأراضي والعمران عليها، من دون تطوير وتحديث يذكران، منذ نشوء الدولة اللبنانية الحديثة العام 1920 حتى اليوم. تتجلى البدائية المزمنة في وجهين اثنين لاستخدام الأراضي:
– أراضٍ مصنّفة ومنظّمة، يُسمح بالبناء عليها وفق معايير غائمة، واهية وبدائية، لا تلحظ التوسع العمراني ولا تحدده في المنطقة ومحيطها، ولا تحدد العلاقة بين المناطق وامتداداتها المحتملة، ولا بين الأبنية المتجاورة. إضافة الى هذا الإهمال البنيوي العام، هناك أيضاً غياب كلّي للاهتمام بالمعايير الفنية والمعمارية والجمالية للأبينة، وبعلاقات التجانس والتلاؤم بينها وبين الفضاء العام، من شوارع وطرق وسواها من خدمات مشتركة. تبلغ مساحة الأراضي المشمولة بهذا التصنيف عشر مساحة لبنان فقط.
– أراضٍ غير مصنّفة تشمل المساحة المتبقية من لبنان، وينطبق عليها قانون الاستثمار العام البدائي، أي اللاقانون واللاتنظيم، ومن دون أي تمييز بين الاستعمالات المختلفة للأراضي. هذا ما أدى إلى ترك المبادرة لملاّك الأراضي في استعمالها كما يشاؤون ويرغبون، بلا حسيب أو رقيب، ولا تنظيم وتخطيط.
هذا التصنيف العام البدائي للأراضي، هو العامل البنيوي الأبرز في الفوضى العمرانية القائمة منذ خمسينات القرن العشرين والمستمرة حتى اليوم على حالها، في ظل عدم وضع مخطط توجيهي شامل ومتكامل، متجانس ومركب، للعمران في لبنان. بدون هذا المخطط الذي ينسّق التوسع العمراني، يستبقه ويرشده، ويحدد استعمالات الأراضي تحديداً دقيقاً، سيبقى لبنان غارقاً في عشوائية عمرانية، صار من المستحيل تداركها على الأرجح، إلا على نحو جزئي. يشهد على ذلك ما نحن فيه اليوم من فوضى بلغت أشدّها في السنين الاخيرة. وكان بعض الاختصاصيين والمهندسين أشاروا إليه وتوقعوه منذ نهاية الخمسينات، لكن من دون جدوى، فبقيت المخططات التوجيهية عشوائية وجزئية وآنية، ومحدودة التأثير في حركة العمران وتوسعه بقفزات مضاعفة.

Vanessa-Gemayel-view-from-my-room

تجّار حروب
كان لغياب المخطط التوجيهي الشامل أثره البالغ في ما آلت إليه أحوال لبنان العمرانية والبيئية وفي نوعية الحياة. لكن هذا الغياب الذي تقع مسؤوليته على الإدارة العامة والعهود السياسية والحكومات المتعاقبة، لا يعفي اللبنانيين، مجتمعاً وجماعات ومنظمات ناشطة في المجتمع المدني وتجّار بناء وهيئات ونقابات، من هذه المسؤولية. فالمجتمع استغل غياب التخطيط والتنظيم والقوانين، بل احتال على القليل القائم منها، وترك العمران والبناء يتوسع فوضوياً وعشوائيا وفق حاجاته الملحة، وفي خدمة مصالحه الآنية والأنانية الخاصة والمدمرة. اذ يندر أن رفعت جماعة أو هيئة أو نقابة مهنية أو منظمة حقوقية صوتها محتجةً على ما تتعرض له البلاد من تشويه وتدمير عمرانيين وبيئيين، الا اذا كان الأمر يتعلق بشؤون جزئية أو فئوية خاصة. أما تلك الفئة من سماسرة العقارات وتجّار البناء الجاهز، فاستغلت غياب التخطيط والقوانين في أزمنة الحرب وقبلها بسنين طويلة، وراحت تشيّد المباني كيفما اتفق، من دون أي حساب إلا للأرباح السريعة. هذه الظواهر كلها، لها مصادرها العميقة في الذهنية والأخلاق اللبنانيتين. وهي تجلّت أبهى تجلّيها في مجال العمران والبناء، فبنى اللبنانيون مدنهم وأحياءهم وقراهم ومساكنهم كأنهم “تجّار حرب” في بلد غير بلدهم وعلى أرض غير أرضهم.
حين عصفت الحروب بلبنان وأهله، وأخذت تدمّر عمرانه وتشرّد جماعاته وتهجّرها، كان على اللبنانيين أن ينتظروا طوال عقدين من سنوات القتل والتدمير والتشرد والهجرات، كي يستفيقوا من الكابوس على بلد صار نحو نصف شعبه من المهجّرين الذين احتل قسم كبير منهم بيوت الآخرين ومنازلهم، ولاذ قسم آخر ببنايات قيد الانشاء أو متصدعة ومبقورة في الأحياء القريبة من خطوط التماس الحربية، وخصوصاً في وسط بيروت التجاري القديم وسواه من المناطق والأحياء الراقية التي هجرها ساكنوها.
في الاثناء كانت أحياء وبلدات وقرى تدمَّر ويهجَّر أهلها، ويحتلّها أهل آخرون، ينهبونها ويقيمون في خرائبها. أما الضواحي المدينية التي كان بعضها لا يزال قرى ريفية ساحلية، فتوسع فيها العمران العشوائي على مثال مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، من دون أن يتوقف هذا النوع من العمران، بل تزايد أضعافاً مضاعفة في سنوات ما بعد الحرب، فلم تبق في هذه الضواحي مساحة صغيرة تخلو من الإسمنت والجدران المتلاصقة. حتى التلال والروابي والجبال القريبة من المدن الساحلية والداخلية، انغرست فيها البنايات انغراساً فوضوياً ومتلاصقاً متشامخا، بلا تخطيط طرق وشوارع ولا بنية خدمات تحتية، إلا ما جادت به ضرورات تجّار البناء الجاهز والأهالي المستعجلين، فنشأت كتل ضخمة من العمران العشوائي غير الرخيص في التكلفة المادية، على التلال والجبال قبالة الساحل. هذا كله لم يتوقف بعد الحرب، بل استمر ولا يزال قائماً حتى اليوم. من نتائجه تقلص الأراضي الزراعية من 20 ألف هكتار عشية الحرب إلى ما يقل عن 9 آلاف هكتار. في سهل البقاع الزراعي أقيمت المباني شبه العشوائية على جانبي الطرق وسط السهل. هكذا فقد لبنان في السنوات الثلاثين المنصرمة معظم ثروته النباتية والحرجية التي تقلصت إلى 4 في المئة من مساحته الإجمالية. وفي الجبال يقضي انتشار المقالع والكسّارات على الأحراج المتبقية، ويغيّر معالم الطبيعة ويلوّث المحيط بالغبار. وبحسب نقابة المهندسين أصبحت مخططات ونظم عمران المدن والقرى اللبنانية قديمة لا تتماشى مع الظروف القائمة. فهناك مناطق كبرى كثيرة بُنيت بكاملها، وأحياء سكنية وتجارية نشأت في زمن الحرب وما بعدها، لا تزال كلها خالية تماماً من البناء في سجلات الدوائر العقارية وفي مخططات التنظيم المدني. الضاحية الجنوبية مثلاً، لا تزال نسبة 60 في المئة من مساحتها خالية من البناء في سجلات الدوائر العقارية، بينما تؤكد الوقائع اليومية والمشاهد العيانية أن المساحات القابلة للبناء فيها يكاد يندر وجودها.

Zena-Ass-_my-city

عبادة الخاص: ازدراء العام
وضعت الحرب أوزارها، واندفعت الهبّات العمرانية والعقارية بقوة فوضوية لافتة، لتعوّض ما فات من انكماش في زمن الحرب. فها هو الشريط الساحلي اللبناني الضيق والجبال المطلة عليه، يتحوّلان عقاراً واحداً موحداً تتناهبه فوضى الإسمنت وتعدياته، وفق روزنامة الجماعات المختلفة. فبعضها يندفع تحت إلحاح توسع ديموغرافي وعمراني، وفائض من القوة الأهلية المسلحة في مناطق كثيرة. وبعضها الآخر ينكفئ ديموغرافياً وعمرانياً للدفاع عن هوية وملك عقاري، مهددين في مناطق أخرى، ضعفت سطوة أهلها وما عاد ينفعهم طلب الحماية من أجهزة ومؤسسات دولة سائبة وعلى حافة الانهيار. هذا ما يجعل من لبنان العمراني والعقاري مرآة لجغرافيا بشرية وديموغرافية وسكانية لحروب اللبنانيين العلنية والخفية في أوقات سلمهم الأهلي البارد، ومرآة لنمط عيشهم و”تعايشهم” وأعمالهم المتدافعة لجعل العقار مصدراً أساسياً للإستثمار والإثراء السريع. وذلك حتى في مناطق العمران العشوائي المكتظة البائسة التي يستعمل أهلها فائض قوتهم في التنافس المحموم على الاستيلاء على أملاك خاصة وعامة. العامل الحاسم في استثمار الهبّات العقارية والعمرانية، العشوائية، المشروعة منها وغير المشروعة منها، هو الفوضى والتربص والتحاسد والتسابق على اقتناص الفرص وصولاً الى ربح وإثراء سريعين.
هذه هي حال بيروت الكبرى اليوم، الممتدة من الدامور جنوباً وجونيه والمعاملتين شمالاً وعاليه شرقاً، حيث تغلب على العمران والبناء فوضى تشمل حتى المميز والمرتفع الأسعار والنخبوي منهما. فمن مفارقات حياتنا اللبنانية أن اللبنانيين على العموم، يتشددون ويغالون في طلب الرفاه والأناقة في حياتهم الفردية والخاصة، سكناً وأثاثاً وملبساً واقتناء سيارات فخمة وسواها من سلع الرفاه والاستهلاك، في مقابل مغالاتهم في إهمال الاهتمام بأيٍّ من شؤون الحياة العامة المشتركة ومستلزماتها في العمران والبناء والخدمات وتنظيم السير وسواها من وسائل النقل، وفي استعمالات الأرصفة وأماكن الاستراحة والترفيه العمومية. الأرجح أن وجهَي المغالاة هذين، ليسا متعارضين إلا شكلياً، إذ هما يتقاطعان ويتداخلان في صدورهما عن ثقافة وسلوك لبنانيين – وإن بتفاوت بين الجماعات – يحكمهما الاستئثار والأنانية المستعجلان والمنفلتان من كل ضابط. وإلا، ما معنى الإمعان في تدمير كل ما هو مشترك وعمومي، وفي أحسن الأحوال إنعدام المسؤولية حياله، وتركه للإهمال والتأكل والانحطاط، في مقابل الإمعان المَرَضي في طلب الرفاه الفردي والشخصي والخاص؟! كأن اللبنانيين لا يستثمرون طاقاتهم وجهودهم وما يتمتعون به من حرية وحس “جمالي” تزييني، إلا في المجال الفردي الخاص، تاركين العام والمشرك إما للتسيب وإما للإستيلاء عليه والتصرف به كملك خاص. مثل هذه الثقافة تنطوي على تقديس الخاص ونصبه وثناً للعبادة، في مقابل ازدراء العام والمشترك ومناصبته العداء والحرب.
من الأمثلة الراهنة والجزئية على هذا السلوك، ما يحدث في ساحة السوديكو نزولاً إلى تقاطع شارع بشارة الخوري مع طريق الشام. فالمنطقة هذه لم تعثر على هوية ووظيفة عمرانيتين. ساحة الشيخ الرئيس الراحل بشارة الخوري، وتمثاله، متروكان للتسيّب والإهمال منذ سنين، برغم أنهما مسرح تقاطع سير وعبور كثيف ما بين “البيروتين”، وهما قريبان من وسط بيروت الجديد والفخم، وتصب فيهما تقاطعات السوديكو ورأس النبع وحوض الولاية والخندق الغميق. لذا هبّ العمران الخاص في جنبات الساحة، مختلطاً بالإنشاءات العامة (جسر ونفق كبيران)، من دون أن تنبئ هذه الهبّة بالهوية العمرانية للساحة ومحيطها القريب. لكن الأكيد والواضح أن العمران الجديد جرف عدداً من البيوت البيروتية القديمة أو التراثية التي هُدمت ولا تزال بقايا بعضها تنتظر استكمال الهدم، من دون أن يعبأ أحد بلافتات وزارة الثقافة وعبارتها “حي ذو طابع تراثي”.

Zena-Assi-DSC01714-640_547339_large

أبراج الشوارع الضيقة
من الظواهر العمرانية والمعمارية المستجدة في بيروت السنوات الخمس عشرة الأخيرة، ظاهرة تشييد أبراج سكنية شاهقة على جنبات شوارع داخلية ضيقة، وعلى واجهة العاصمة البحرية. الأبراج هذه يشيَّد كلٌّ منها على نحو مستقل عن شارعه ومحيطه، فلا يُحسب أيّ حساب لمقدرة الشارع والمحيط على استيعاب ما يحتاجه البرج من خدمات متنوعة، كأنه يتعالى ويشهق وحيداً في صحراء. لكنه يتعالى ويشهق حقيقةً وواقعاً في زحمة واختناق عمرانيين يضاعفهما البرج المتسامق في صلف وفخامة هما مرآة صورة من يشيَّد لهم عن أنفسهم وتمايزهم، غير آبهين بما يحوط بالبرج من ازدحام واختناق عمراني. أما بحر بيروت فسُدَّ بسلسلة من الأبراج لا تقيم أيّ وزن للتآلف والتجانس مع تراث المدينة العمراني، البحري والمتوسطي، ولا مع حاجات ساكنيها. هذا مع العلم بأن عدداً لا بأس به من شقق هذه الأبراج لا يزال شاغراً في انتظار زبائن من نخب تحصّل ثرواتها في الخارج على الأرجح، ولا تكلف نفسها عناء الاستثمار في غير العقار والمضاربات العقارية.

فخامة وفوضى
أما المشروع العمراني الأبرز في لبنان ما بعد الحرب، فهو مشروع إعمار وسط بيروت الذي بدأت ترتسم ملامحه ومعالمه ووظائفه الجديدة الراهنة والمستقبلية. لقد رُمّمت المباني التراثية، وشيِّدت مبانٍ جديدة، وظهرت الأنشطة المدينية للوسط، وأنشئت خدمات البنية التحتية بمواصفات رفيعة. لكن اللافت أن إدارة شؤون الوسط وخدماته التي لا تتولاها شركة “سوليدير” بل تضطلع بها المؤسسات العامة والحكومية، بدأ يظهر أنها تعاني من بعض الفوضى والتضارب اللذين ينعكسان سلباً على الوظائف والأنشطة المدينية في الوسط الجديد. فالشوارع الكثيرة المحيطة بمجلس النواب، مقفلة ولا يسمح بالمرور فيها لغير المشاة، لأسباب “أمنية” تجعلها أشبه بمنطقة مقتطعة من الوسط، وتسري عليها إجراءات استثنائية خاصة. الطرق التي تحوط مبنى الإسكوا، أقفلت أخيراً للأسباب نفسها. وكانت أُقفلت شوارع إضافية قبل إقامة الرئيس سعد الحريري في ما يسمّى “بيت الوسط”. هذا كله ضيّق مساحة الوسط المديني وقلل عدد الشوارع المفتوحة فيه. لكن هذه أيضاً تتكاثر على جنباتها، وفي وسطها أحياناً، الحواجز الإسمنتية المصطفة لمنع إيقاف السيارات، ولأداء مهام تنظيمية في إدارة السير وتبديل اتجاهاته، بديلاً من الإشارات الضوئية ومن وظائف شرطة السير. في ظهيرة كل نهار جمعة، تقفَل الشوارع المحيطة بجامع محمد الأمين، وتتحول مرأباً ضخماً لسيارات المصلّين في المسجد. وفي الشوارع التي تتكاثر فيها المحال التجارية والمطاعم، يأبى زبائنها أن يمشوا خطوات قليلة للوصول اليها، ويصرّون على الخروج من سياراتهم الفخمة أمامها. لذا غالباً ما يقوم “الفاليه الباركينغ” التابعون للمحال والمطاعم بالتواطؤ مع عناصر شرطة السير على أن يوقف الزبائن سياراتهم على جنبات الشوارع أمام المحال والمطاعم.
تؤدي هذه الظواهر مجتمعةً الى اختناقات سير في الكثير من نواحي الوسط وشوارعه. في هذا السياق تبرز ظاهرة تكشف عن حال من الفوضى التنظيمية والإدارية والأمنية في تدبير شؤون حيّز مديني عام يعتبر الأحدث والأكثر جدة في بيروت، ولا يزال الكثير من مرافقه ومبانيه قيد الانشاء والتجهيز. هذا يبشر بأن التحديث والتجديد العمرانيين في ديارنا يقتصران على الإطناب في فخامة الشكل، فيما تُترك شؤون إدارة الفخامة المظهرية والشكلية وتنظيمها لما هي عليه مؤسسات الدولة وأجهزتها الإدارية والأمنية العامة من فوضى وتخلف واهتراء موروث من زمن الحرب، ما قبلها وبعدها.

Zena-Assi-my-city

سياسات الخراب
هل وصلنا في لبنان اليوم إلى مرحلة استحالة تدارك السقوط في مهاوي معضلات مزمنة، متراكمة، متداخلة، متناسلة، لم نعد نقوى على جبهها، فيما هي تكبر وتتضخم ككرة من الثلج، فتتضاعف سرعتها في تدحرجها بنا إلى الهاوية؟
طوال العقد الأخير من القرن العشرين حتى العام 2005، كان شعاران إثنان يتعايشان عنوةً وقسراً تحت راية الإحتلال السوري الأسدي للبنان: إعادة إعمار ما دمّرته الحروب، وبناءُ جهاز مقاومة إسلامية، فئوية و”سرّية”، تديرها إيران الخمينية وسوريا الأسد، باسم تحرير الجنوب وفلسطين، ولو على جثة لبنان. ها نحن اليوم على وشك أن ننسى أن تلك الحقبة انتهت بسلسلة من الاغتيالات الإجرامية التي لم يوقفها إلا “حرب الوعد الصادق” واحتلال وسط بيروت الجديد طوال ما يزيد على السنة، من دون أن ينتهي ذلك الاحتلال إلا بحملة عسكرية تأديبية سمّاها أصحابها “عملية جراحية” صغيرة عابرة لاستئصال “المرتدّين الخونة” للمقاومة الأبدية. هي المقاومة نفسها التي استدارت شرقاً وشمالاً لمساعدة الأسد الإبن في استئصال الغالبية الساحقة، “الخائنة والعميلة والتكفيرية”، من الشعب السوري الذي أخذت شبّانه سكرة “الربيع العربي” الزاحف تحت شعار: الحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية. فأيّ مقاومة، ومقاومة مَن وماذا، هي هذه المقاومة التي تنتقل من بلد إلى بلد، لنجدة مستبد سفّاح يُغرِق سوريا بالدماء، يدمّر عمرانها، يبيد غوطة عاصمتها بالغازات السامة، يهجّر الملايين من شعبها، ليصل أكثر من مليونين بقليل الى لبنان لاجئين عراة، يبحثون عن ملاذ ومأوى في بلد منهك تمزقت أوصاله، وتوشك دولته على الانهيار، كي يظل بلد “وعد المقاومة الصادق” المنذور للحروب والدمار؟!
تقاتل المقاومة في سوريا، يزداد عدد النازحين منها الى لبنان. تدفقهم المستمر يرعب حليفَ المقاومة الأكبر، وأحد دهاقنة الحرب والسياسة في لبنان. رعبه هذا يخرجه عن طوره، وكعادته في إطلالاته الاسبوعية المتكررة، يقف غاضباً متوعداً حاقداً صلفاً، وكمن يدفن رأسه وغضبه في الرمال يقول: ألا فلتُنصب الخيمُ للاجئين السوريين في السرايا الحكومية. من قوله هذا ينضحُ مقدار من العنصرية الدفينة والحقد والشماتة الصبيانية التي تزدري رئاسة الحكومة ما بعد اتفاق الطائف باعتبارها حصناً منيعاً يخصّ إحدى الجماعات الطائفية اللبنانية المرحبة باستضافة اللاجئين السوريين.
نسوق هذه الوقائع المتدافعة بوصفها نموذجاً لسياسات دهاقنة السياسة والحرب والمعضلات التي يتخبط فيها لبنان اليوم. ومن زاوية هذه السياسة ومعضلاتها، أين هي معضلة التكالب العشوائي على العمران والبناء؟ أليست المظهر المادي الأبرز لإجماع اللبنانيين على مراكمة المعضلات وتكديسها، ومعالجتها بالهرب منها الى الأمام، كمن يدفن رأسه في الرمال؟ على الشاطئ والروابي والجبال ينصبون أبراج شموخهم وهروبهم، وسط حفلة تنكرية لإزدراء تراثهم الحضاري المعماري، متزاحمين على تقويضه وهدمه، وعلى عبادة كل ما هو هوية جزئية، عصبوية وخرافية، من هذا التراث الذي يرفعون على انقاضه صروح حداثتهم المظهرية التي تحجب البحر والسماء.
هل مصادفة ألا تبقى في بيروت مساحة تذكِّر بذلك التراث، سوى مساحة الجامعة الأميركية في بيروت؟ كأنها وحدها لم تقوَ عليها حداثة الخراب الزاحفة، فصمدت على حالها فسحة لعمارة “أميركية” من زمن التحديث العثماني.

السديم الفاشي

سبتمبر 9, 2013

 

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 04-09-2013

هل من اسم محدد لما يعيشه اللبنانيون اليوم من تخبط واهتراء وخوف وهلع؟ إنه الفساد الذي يسمّيه الروائي والفيلسوف الإيطالي أمبرتو ايكو “الفاشية الأصلية، البدائية والأبدية”، بوصفها خليطاً متنافراً من افكار ومشاعر وممارسات متنافضة، تشكل نوعاً من السديم الفاشي، او الفاشية السديمية.

لوحة لريناتو غوتوزو

في هدأة العصر من نهار السبت 31 آب المنصرم، لعلعت فجأة موجات متلاحقة من الطلقات النارية في أرجاء واسعة من أحياء بيروتية. المرأة المسترخية المستمتعة استمتاعاً حزيناً وموحشاً برشفات من شاي ما بعد القيلولة، جالسة بين أصص نباتات بيتيّة على شرفة منزلها العالية في حي من تلك الأحياء، هرعت هلعة، منحنية، مطأطئة الرأس، من الشرفة إلى صالون بيتها. سهى، سهى، أين سهى؟! اخذت تردّد في صوت مختنق، راكضةً في أرجاء الصالون، بحثاً عن هاتفها المحمول. كانت تعلم أن سهى، ابنتها الصبية، خرجت من المنزل قبل ساعة أو اثنتين. رصاص، رصاص، إنه رصاص، بدأت “الضربة”؟، ولولت وسط دويّ الطلقات المتمادي، ثم صرخت قائلة لزوجها في الصالون، أن يشغّلَ جهاز التلفزيون.

فجأةً ظهرت على شاشة التلفزيون صورة للرئيس الأبدي لمجلس النواب وحركة “أمل”. في أسفل الشاشة شريط ثابت مكتوب عليه: الاستاذ نبيه بري يلقي كلمة متلفزة، بعد إلغاء المهرجان الخطابي في الذكرى الـ35 لتغييب الإمام موسى الصدر، بسبب الظروف الأمنية في البلاد. على شريط آخر متحرك أسفل الشاشة، ظهرت عبارة أخرى: طلق ناري أصاب امرأة في بعلبك أثناء تشييع مقاتل من “حزب الله” قُتِلَ في سوريا. للحظةٍ عابرة تخيّل زوج المرأة أن إطلاق النار يشمل مناطق لبنانية كثيرة، جنوباً وبقاعاً، مروراً بالعاصمة وضاحيتها الجنوبية، ثم سمع، وسط تمادي موجات الرصاص، صوت سيارة إسعاف في الشوارع القريبة التي تخيّلها كئيبة خاوية. استعاد للمدينة صوراً تعود الى أواسط ثمانينات القرن الماضي، رسّختها في مخيلته وحواسه نصوص تهكّمية سوداء هاذية، كتبها الشاعر محمد العبدالله في عنوان “بعد ظهر نبيذ احمر/ بعد ظهر خطأ كبير”.
في النص الذي حملت المجموعة عنوانه، سجل العبدالله صوراً عن أحوال مثقفين وأحزاب وقتلة وسماسرة وجماهير رعاعية وقادة، وفساد هائل يضرب جذوره عميقاً عميقاً في نسيح الحياة اليومية اللبنانية.

* * *

حال المرأة الهلعة وسط دويّ الطلقات النارية، وحال سواها من الناس “المدنيين” القابعين في بيوتهم في سائر المناسبات المماثلة وغيرها من يومياتنا اللبنانية المسمومة بدبيب الخوف من انفجارات السيارات المفخخة، تذكِّر أيضاً بمناخات فيلم “يوم خاص” للمخرج الايطالي إيتور سكولا الذي صوَّر مشاهد من الحياة اليومية في روما أيام الفاشية.
اليوم، لا يزال الفساد الهائل نفسه يضرب عميقاً في نسيج حياتنا اللبنانية. وهو الفساد الذي يسمّيه الروائي والفيلسوف السيميولوجي الايطالي، أمبرتو إيكو، “الفاشية الأبدية” في كتابه “دروس في الأخلاق”. يرى إيكو أن “الفاشية عبارة عن كتلة توتاليتارية غامضة”، ليست لها “إيديولوجيا موحدة، بل هي خليط من أفكار” ومشاعر وممارسات “متنوعة ومليئة بالمتناقضات”. الخليط هذا، “قابل للتكيف مع الوضعيات كلها”. لذا يمكن التعرف إلى الفاشية في “لائحة من الخصائص النوعية” لما يسمّيه صاحب “إسم الوردة”، “الفاشية الأصلية، أي البدائية والأبدية” التي يستحيل أن “تجتمع” خصائصها “في نظام واحد”. ذلك لأن معظم تلك الخصائص يناقض بعضها البعض الآخر، “لكن يكفي تحقق خاصية واحدة لكي نكون (في) سديم فاشي”.
من هذه الخصائص: عبادة الإرث أو التراث. نزعة تقليدية ترفض العالم الحديث، وتعشق التكنولوجيا. نزعة لاعقلانية ترتبط بعبادة الفعل من أجل الفعل. إيمان بالإجماع يبحث عن استثمار الخوف من الاختلاف. كبت فردي واجتماعي، ونداء الى الطبقات الوسطى المكبوتة التي همّشتها الأزمات أو الإذلال السياسي، ويضاف الى ذلك الرعب من الضغوط التي تمارسها مجموعات اجتماعية دونية. كراهية الآخر المنبعثة من مركّب هوسي قوامه الخوف من المؤامرة، ومن الشعور بالمهانة حيال غنى العدو وقوته. التسليم بمبدأ الحرب الدائمة والنظر الى النزعة السلمية بوصفها تواطؤاً مع العدو. تمجيد البطولة المرتبط وثيقاً بتمجيد الموت. فالبطل الفاشي يتمنى الموت ويستعجله، ويمكن أن يقتل كثيرين في طريقه الى البطولة. الزعيم هو الصوت المعبّر عن جموع الشعب التي لا تشكل سوى وظيفة أو دور مسرحي أو تلفزيوني.
في إيراده هذه الخصائص التلفيقية للفاشية الأصلية، ينهي أمبرتو إيكو كلامه بعبارة: “لا تنسوا أن الحرية والتحرر واجب لا ينتهي أبداً”، قبل أن يختم بمقتطف شعري لفرنكو فورتيني:
“على حافة الجسر/ رؤوس المشنوقين/ في ماء العين لعاب المشنوقين/ على بلاط السوق أظفار المعدومين بالرصاص/ على حشائش المرج الجافة/ أسنان المعدومين بالرصاص/ عُضَّ الهواء/ عُضَّ الحجر/ لحمنا لم يعد لحم الإنسان/ قلبنا لم يعد قلب الإنسان/ لكننا قرأنا في عيون الموتى/ وعلى الأرض/ الحرية سنحققها/ ولكن قبضت عليها أيدي الموتى”.

بلاد العنف والجريمة

أغسطس 9, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 03-08-2013

P23-01-N25153-640_840003_large

تتكاثر حوادث العنف والقتل وتتناسل متنقلةً في المدن والمناطق اللبنانية، فتختلط فيها وتلتبس الاسباب والدوافع الناجمة عن خلافات وخصومات ونكايات وثارات “فردية” وأهلية وعائلية وأسرية وزوجية، حتى أن خلاف أقارب أو جيران على ركن سيارة، أو خلاف شخصين غريبين على أفضلية المرور، قد يؤدي الى شجارات تتشارك فيها جموع، وتُستعمل فيها بنادق حربية، فتنتهي بقتيل أو أكثر، مما ينذر بتجددها ثارات متناسلة. كأنما العنف اللفظي والمعنوي والجسماني والمسلح، صار أحد متون لغة التعبير و”التواصل” في علاقاتنا وحياتنا اليومية التي تقيم في مفاصلها وثناياها ودوائرها أطياف وظلال وركام من اجتماع قد يصحّ وصفه بالحربي المتمدن، أو اجتماع التمدن الحربي.

حوادث العنف والقتل المتصلة بالعلاقات والحياة الزوجية والأسرية والعاطفية، التي غالبا ما تكون النساء ضحاياها، تثير صيحات ساخطة ومتهكمة أحياناً في مواقع التواصل الاجتماعي الالكترونية. اما الصيحات التي يطلقها ناشطات وناشطون في جمعيات ومنظمات مدنية وحقوقية، فغالباً ما تتوسل بهذه الحوادث وتجعلها مناسبات مؤاتية لإطلاق حملات استنكار واحتجاج تطالب بإقرار تشريعات وقوانين مدنية خاصة لحماية المرأة من العنف. غالباً ما تتلقف الناشطات أخبار الحوادث من وسائل الاعلام التي تتسابق على نشرها وإذاعتها وتصويرها وإجراء تحقيقات عنها، من دون أن تغيب الإثارة عن هذا التسابق. يلي ذلك قيام الناشطات وجمعياتهن ومنظماتهن بإدراج الحوادث في توجهات وبرامج وحملات ضد ما يسمّى “العنف الزوجي” أو “الأسري” أو “المنزلي” أو “العنف ضد النساء” والتحرش بهن واغتصابهن. غالباً ما تتصدر الحملات هذه، المظالم التي تتعرض لها العاملات الأجنبيات والنساء في حياتهن البيتية والزوجية.
اللافت في هذه البرامج والحملات والمطالبات عزلها هذا النوع من العنف وجرائمه المتكاثرة في لبنان، عن السياقات والظروف والمناخات الاجتماعية والسياسية العامة السائدة في البلاد، والمتسمة بدبيب العنف المتمادي والمتناضح في شتى ميادين الحياة اليومية. العزل هذا، هدفه حمل العنف ضد النساء وقتلهن على مجريات العيش في مجتمع مدني عادي أو طبيعي، تحتاج النساء فيه لتشريعات حقوقية وقوانين مدنية خاصة، لحمايتهن مما يتعرضن له في حياتهن الزوجية (الضرب المبرح حتى القتل احياناً، الاغتصاب الزوجي، وسواها من المظالم)، وفي الشوارع (التحرش الجنسي، اللفظي والجسماني، والاغتصاب أحياناً). كأن هذه الأنواع من العنف معزولة ومستقلة عن ثقافات الحياة اليومية، الاجتماعية والسياسية، وأشكال التعبير والعلاقات، المشرعة على انتهاكات تبدو انها الأصل والمتن في المجتمع اللبناني الراهن.
غاية الناشطات والناشطين المدنيين والحقوقيين وجمعياتهم ومنظماتهم، من عزل العنف والمظالم الواقعة على النساء، وتجريدها من دبيب العنف العام، استسهال توجيه الحملات وصبّ الملامة والتبعات على غياب التشريعات والقوانين، وعلى تقاعس الأجهزة الأمنية والمؤسسات القضائية والإدارية، وصولاً إلى معزوفة “غياب الدولة” اللبنانية عن تطبيق القوانين وملاحقة مرتكبي جرائم العنف والقتل ضد النساء، والاقتصاص منهم. هذا مع العلم بأن اللبنانيين، جماعات وافراداً، لا يتفقون على حقيقة في كلامهم اليومي، اتفاقهم على حقيقة انهيار دولتهم وغيابها، الى حد قولهم الدائم انهم يعيشون في مجتمع بلا دولة وقوانين، يتمتع بحريات فوضوية قصوى، مدمرة وقاتلة. وبما أن هذه الحرية الفوضوية أمست بنيوية في معظم ميادين الحياة، أمسى الكلام اليومي عنها شبيهاً بكفّارة عامة يمارسها كل من الجماعات والافراد، للتعايش مع الفوضى والارتكابات والممارسات العنيفة، كأنها قدر لبناني محتوم لا رادّ له ولا وازع.

P22-01-N25153-640_974502_large

ناشطو المجتمع المدني
تجريد الجرائم وعزلها من السياقات والظروف الاجتماعية والسياسية العامة، ومن ثقافة الحياة اليومية العامة السائدة في الاجتماع اللبناني الراهن، ينطويان على غايات متلازمة متداخلة:
– إضفاء طابع مدني على العنف والجرائم المرتكبة ضد النساء، والتغاضي عن جذرها العميق في ثقافة الجماعات الأهلية وعلاقاتها.
– إرادة هرب مزمنة ومتعمدة من النظر الى الجذر الأهلي للعنف، الذي صار يلابس ثقافتنا الاجتماعية والسياسية الأهلية والعصبية، وكذلك أشكال العلاقات والتواصل والتعبير في كثير من دوائر حياتنا المحلية. فالعنف يكاد يكون الظاهرة الأبرز في تصريف الخلافات والمنازعات بين الجماعات والأفراد، وكذلك في التعبير عن الأفراح والأتراح، في الظروف اللبنانية الراهنة والمزمنة.
– حاجات الناشطات والناشطين في جمعيات الحقوق المدنية والانسانية ومنظماتها المحلية الوثيقة الصلات بمنظمات دولية وغير حكومية، أوروبية وغربية، إلى تصوير المجتمع والدولة و”المواطنين” في لبنان تصويراً مجرداً أو متخيلاً يناسب طموحاتهم وصورهم عن أنفسهم ونمط حياتهم وعلاقاتهم الفردية والمدنية، على هوامش الجماعات الأهلية وثقافتها العضوية العصبية التي تتوسل بالعنف والقتل في تصريف خلافاتها ومنازعاتها، أحقادها ونكاياتها.
– حاجة الجمعيات والمنظمات المدنية والحقوقية، وكذلك حاجة العاملين فيها، الى التماسك والعمل في منأى من تجاذبات العصبيات والانقسامات الأهلية التي تهدد تماسكهم وعملهم، خشية أن تتسلل إلى متن نشاطهم المدني والحقوقي.

ثقافة العنف ودهاقنته
تتكامل هذه العوامل وتبلغ غايتها بإلقاء أسباب حوادث العنف وجرائمه وتبعاتها على كيان معنوي مجرد وموحد: الدولة والقوانين والتشريعات المدنية الحقوقية. كأنما هذا الكيان متفق على وجوده وعلى آليات عمله، وعلى استقلاله المعنوي عن الجماعات وعصبياتها وثقافتها الأهلية العصبية السائدة، التي غالباً ما تتوسل بالعنف وتمجده في شعاراتها وخطب مقدّميها وزعمائها ودهاقنتها المفوّهين الصادحين على إيقاع زخّات رصاص الأحقاد والثارات والغضب والفرح والانتصارات والاحتفالات، وانفجارات ألعابها النارية في كثير من أحياء المدن والبلدات والقرى.
الحق أن تراثنا عريق في هذا المجال. ففي المرويات الزغرتاوية – الإهدنية القديمة قول شائع مأثور يكنّي عن طرب الاهالي بزخات الرصاص التي إذا ما سمعها أحدهم من بعيد، يقول مخاطباً الرصاص: “صوتك حنون”. بلغ التغني بثقافة العنف وأدواته ذورته “السياسية” في القول المأثور الأحدث زمناً ودلالةً جماهيرية: “السلاح زينة الرجال”. في اثناء كتابة هذه السطور ها هي زخّات الرصاص لا تتوقف عن الزغردة مع المفرقعات النارية من على الشرفات في كثير من أحياء بيروت، تعبيراً عن احتفال بعض الأهالي وفرحتهم بفوز أبنائهم وبناتهم في امتحانات الشهادات الرسمية. ردّاً على هذه الاحتفالات كتب أحدهم على صفحته في الـ”فايسبوك” متمنياً فشل أبناء المحتفلين في دراساتهم الجامعية. اللافت أن الاحتفالات الطروبة بدويّ الرصاص والمفرقعات، لم تقتصر على أحياء شعبية، بل تجاوزتها الى أحياء لفئات اجتماعية متوسطة، حيث اختلطت بدويّ المفرقعات الرمضانية في أمسيات ما بعد الإفطارات العامرة.
قبل أيام من هذه الاحتفالات، احتفلت عشيرتا زعيتر وحجولا في الليلكي، بتجديد ثاراتها المتناسلة فصولها منذ 14 شهراً، على ما كتب عباس الصباع في “النهار” (26 حزيران 2013)، مشيراً الى أن العشيرتين “تدينان بالولاء للثنائي الشيعي”، “امل” و”حزب الله”. ابتدأت فصول الثأر العشائري بـ”تلاسن” بين شابين من العشيرتين سببه خلافهما على أفضلية “مرور سيارة”، فأردى أحدهما الآخر بطلقات بندقية أو مسدس. أما الفصل الأخير من عمليات الثأر، فاستمرت اشتباكاته ثلاثة أيام متصلة، وتدخل مشايخ ونواب عبثاً لوقفها، فتبادلت العشيرتان حرق محطة محروقات قرب “مدرسة الامام الخميني”، ومطعم لشخص من آل زعيتر. قبل توقف الاشتباكات بعد تدخل وحدات من الجيش اللبناني، نزحت من الليلكي الى الحدت عائلات لتأمين الهدوء والسكينة لأبنائها كي يتمكنوا من التحضير لامتحانات الشهادات الرسمية التي لا بد من أن يكون الرصاص قد زغرد للناجحين فيها.
يردُ ذكر هذه الايقاعات الخلفية وغيرها من أمثالها، للقول إن العنف الرمزي والمعنوي والمادي المسلح أصيل في ثقافات الجماعات المحلية في تعبيرها عن أفراحها وأتراحها وأحقادها وغضبها وسخطها وثاراتها الهاجعة والمتجددة. فالثقافة هذه تشكل ركناً تعبيرياً أساسياً في الاجتماع والسياسة، وفي تصريف الجماعات والأفراد شؤون حياتهم اليومية، فيسود الإستقواء بالتضامن العصبي للخروج على الدولة ومؤسساتها وقوانينها وتشريعاتها التي أمست صورية أصلاً لكثرة ما تتعرض للانتهاكات في ميادين الحياة اليومية المختلفة.
اللافت في هذا السياق أن إحدى الجمعيات المدنية والحقوقية البيروتية الناشطة في مجال مكافحة العنف الاسري والزوجي ضد النساء، قامت بتحريض نساء معنّفات لجأن اليها واستنجدن بها، على توجيه رسائل (نشرتها صحف بيروتية كثيرة) تستعطف الدهاقنة من زعماء الجماعات وأمراء الحرب والطوائف في لبنان، وتستجديهم، لإقرار قانون ضد العنف الأسري والزوجي في مجلس النواب. كأن الدهاقنة هؤلاء روّاد مجتمع مدني وحقوق مدنية وانسانية. هذا مع الإشارة الى أن الجماعات التي وجهت تلك الرسائل منعها خوفها ورعبها من توجيهها الى كبير الدهاقنة اللبنانيين في الخروج على الدولة ومؤسساتها التي اجتاحها رجاله وسيطروا على مفاصلها، قبل خروج جيشه على حدودها الجغرافية الدولية الواهية أصلاً، لخوض حروب أهلية – إقليمية، يجري وصفها بالاستباقية والجهادية والمقدسة، فتختلط في هذه الصفات ومثيلاتها الحروب الدينية القديمة بالحروب الاستعمارية، وبحروب أزمنة ما بعد الحداثة.

P22-02-N25153-640_111972_large

ماضي الأيام الآتية
وسط هذا الاختلاط الذي يقدّس ثقافة العنف الأهلي السياسي، وينصّبها مثالأً يمتنع التشكيك في مقدساته، لا يبقى لناشطي المجتمع المدني وناشطاته وللإعلاميين أيضاً، الا ذلك الكيان المعنوي المغيّب والمسمّى الدولة، للاحتجاج عليه وضدّه، وتحميله المسؤولية عن حوادث العنف والقتل ذات الطابع “الفردي” و”الشخصي” في الحياة الاجتماعية ونسيجها المعتبر “مدنياً”، على الرغم من أن تلك الحوادث وثيقة الصلة بجذور ثقافة العنف الأهلي، وبطاعون الانقسامات والعداوات السياسية.
الشاعر محمد العبدالله اكتشف هذه الجذور في بدايات حروبنا الملبننة، فكتب أنه استفاق مرةً من نومه وخرج الى الشرفة، فوجدها حرباً أهلية، بعدما كان يحسبها حرباً طبقية، على ما كان يتوهم “الرفاق الشيوعيون” وسواهم من اليساريين. أما وضاح شرارة فكان كتب قبل سنين كثيرة من كتابه “دولة حزب الله”، مقولته الشهيرة في “حروب الاستتباع”، فاستهلها بالتنبه الى جذور العنف ودبيبه في نسيج الاجتماع الأهلي المغطّى بقشرة رقيقة من العلاقات الرأسمالية والمدنية المحدثة التي سرعان ما تمزقت وتكشفت عن “مئات محمد دبوسي يعيشون بيننا”. دبوسي هذا هو أحد مرتكبي جرائم الشرف الكثيرة المدوية: قتل شقيقته على شاطئ خلده، ما بين صروح الحداثة اللبنانية في ستينات القرن العشرين وسبعيناته: المسابح الناشطة المزدهرة، مطار بيروت الدولي، وكلية العلوم في الشويفات. بعد غسله بالدم شرف الرجولة والأهل، قطع دبوسي رأس ضحيته، وحمله الى دارة المير مجيد ارسلان، ليريه رأي العين الشرف المغسول، كي يكون الأمير سنده وظهره أمام القضاء. ذلك أيام كان اللبنانيون يتغنّون بازدهار بلدهم وحداثته وتقدمه، من دون أن يروا في العنف الأهلي وجرائمه الا بقايا ثقافة نافلة تتكفل العلاقات الرأسمالية الزاحفة على المجتمع اللبناني تجفيفها ومحوها، فإذا بتلك البقايا تستفيق استفاقة المكبوت، وتجعل العلاقات الرأسمالية والحداثة اللبنانية من أضغاث الأوهام أو الأحلام.

مجتمع التحلّل العاري
مقارنة سريعة بين أخبار حوادث العنف والترويع والخطف والقتل، “غير السياسية” أو غير المتصلة مباشرة بشبكات منظمات أمنية – سياسية، في يوميات صحف النصف الأول من سبعينات القرن العشرين اللبنانية، وبين أخبار الحوادث المماثلة في صحفنا اليوم، تبيّن أن حوادث عنف السبعينات في عشايا الحرب (1975) كانت وثيقة الصلة بانتشار السلاح الفلسطيني المقاوم ومنظماته الكثيرة وزبانيتها اللبنانيين. هذا إضافة إلى أن تلك الحوادث لم تكن تحظى باستنهاض علني واضح للعصبيات الأهلية والمحلية والعائلية العارية التي تلابس حوادث العنف وتستنهضه في يومياتنا الراهنة.
فما كان يبدو ضبابياً ويطلّ ضبابه من ثنايا العلاقات الاجتماعية والسياسية ونظامها، تصلّب اليوم عميقاً وطغى على النسيج الاجتماعي، فصارت التشكيلات والنعرات العصبية والعصبوية، من طائفية ومناطقية وعشائرية وعائلية، أقرب إلى تكوّن بنية تنظيمية أساسية في مجتمع متحلل. لذا أخذت تبرز حوادث القتل “الفردية” وسواها من المنازعات اليومية في الأزقة والشوارع والأحياء والقرى، وصولاً الى تراشق مقدّمي الطبقة السياسية، ودهاقنتها، في هيئة حوادث أهلية في ملابساتها وفي ما تستنهضه من ردود فعل محلية تنخرط فيها جموع من الأهالي في الأحياء والمناطق والقرى. كأن كل مجموعة من هذه الجموع المتجاورة تسعى الى ترسيخ حقها وسلطتها المكتسبين بالقوة الذاتية العارية، في غياب أي سلطة للقانون ومؤسسات الدولة والحكم. هكذا تُظهر حوادث العنف والقتل والخطف والمشاجرات الدابّة اليوم في المجتمع اللبناني، أن هذا المجتمع تحلل الى وحدات طائفية ومناطقية وجهوية وأهلية وعشائرية وعائلية، عارية ومتنابذة، لا يكاد يجمعها جامع سوى تبادل الريبة والتربص والمخاوف والأحقاد التي تطابق الحدود الجغرافية أو العقارية للجماعات ووحداتها الصغرى.
الحوادث التي تُظهر هذه الحال من التحلل الفوضوي أكثر من أن تحصى. يبرز هذا جلياً في جريمة قتل شاب مصري وسحله في مهرجان أهلي غاضب وصاخب، وتعليق جثته على عمود إنارة في ساحة كترمايا، وتصوير مشاهد هذا المهرجان بعدسات كاميرات الهواتف المحمولة، كما تصوَّر الأعراس ومواكب سياراتها في البلدات والقرى. الحال نفسها تظهر أيضاً في جريمة أخرى أحدث زمناً: بتر العضو الجنسي لشاب من الطائفة السنية من قرية عكارية، لأنه تزوج فتاة من بلدة بيصور، رغماً عن إرادة أهلها الدروز.
الحق أن هذه الحادثة الاخيرة التي لم تنته فصولها حتى كتابة هذه السطور، تكاد أن تكون مرآة للأسوار الأهلية، المعنوية والمادية والجغرافية، التي ترفعها حولها الجماعات اللبنانية الكبرى والصغرى، من دون أيّ وازع من قانون ومؤسسات دولة جامعة. ففيما قوّضت شبكات التواصل الإلكتروني الحدود بين الجماعات والأفراد، وأتاحت للشاب ربيع الأحمد العكاري أن يتواصل مع الشابة ردينة ملاعب في بلدة بيصور قرب عاليه، فتزوجا خفية عن أهل الشابة، وأقاما في منطقة بعيدة من أهلهما، تمكن أشقاء الزوجة العروس من استدراج الزوجين الى مطعم في بيصور، حيث خطفوا الزوج واعتدوا عليه وحطموا أسنانه وبتروا عضوه التناسلي، قبل رميه في ساحة البلدة، كناية عن غسلهم العار في العلانية العامة البلدية والأهلية.
إحدى المحطات التلفزيونية صدّرت الخبر عن هذه الحادثة في نشرتها الإخبارية المسائية، كأنها وقعت على صيد ثمين. وهي اعتمدت في عرضها الخبر أسلوباً فجاً في إثارته، على ما تعوّدت أن تفعل في كثير من أخبارها، لجذب المشاهدين الجائعين الى مثل هذه الإثارة، ولزيادة رصيدها الإعلامي لديهم. بدأت المحطة نشرتها الإخبارية بالعبارة الآتية: “من الحب ما قطع”، ثم نقلت عن الشاب الأحمد قوله: “شلّحوني ثيابي وقصّولي إياه”. وقد استغرق الخبر أربع دقائق في مستهل النشرة. متبادلو التعليقات على صفحات الـ”فايسبوك”، جعل كثير منهم الحادثة مداراً لمزيج من السخرية والتهكم الجنسيين والطائفيين. إحدى الناشطات في مجال الحقوق المدنية، أنشأت على الـ”فايسبوك” صفحة خاصة مستقلة أطلقت عبرها “حملة ضغط للكشف عن مصير ردينة ملاعب”، ناسيةً مأساة الشاب الأحمد الذي تبيّن بعد أيام من خروجه من المستشفى، أن مالك المنزل المتواضع الذي يستأجره في طبرجا، رفض عودته إليه وطرده منه، لأن أهل البلدة الساحلية يأبون أن يقيم بينهم شخص ساءت سمعته، جراء الحادثة التي تعرض لها، على ما قال الأحمد في تحقيق تلفزيوني رصين عن الحادثة وتداعياتها وأمثالها من حوادث العنف والقتل، بثّته محطة تلفزيونية محلية. وروى الأحمد أيضاً أن محاولاته استئجار مسكن في مناطق أخرى، باءت بالفشل، لأن المُلاّك رفضوا طلبه فور تعرفهم إليه ومعرفتهم أنه “بطل” الحادثة التي أظهرته في مشاهد كثيرة على شاشات التلفزة الجائعة والنهمة. لقد صار الأحمد إذاً، فضيحةً أو عاراً اجتماعياً وتلفزيونياً، بسبب براءته وعريه الأهلي والعصبي اللذين حملاه على الظهور المتكرر في العلانية العامة الإعلامية، راوياً مأساته التي ستطويها قريباً مآسٍ أغرب منها وأعصى على التوقع والتخيل في مجمتع سبّاق في فنون الجريمة، وفي تحلّله المتمادي، وتحويله المجاز والخيال وقائع مادية عارية.
قد يلاحظ المتتبع تفاوتاً في أعداد حوادث العنف والقتل والثأر وتبايناً في أنواعها بين المناطق. أحياناً تتكاثر هذه الحوادث في الأحياء العشوائية من ضواحي ضاحية بيروت الجنوبية. وأحياناً تتصدر عكار وقراها حوادث العنف والقتل. فبعد يومين من حادثة الأحمد – ملاعب، “تطور خلاف بين أفراد من آل المصري في بلدة ببنين العكارية، الى تبادل النار، فقُتل عبد السلام المصري، وجُرح خمسة آخرون من العائلة نفسها (“النهار” 19 تموز 2013). العنف والقتل في هذه الحادثة عائليان، حيث تتناسل العداوات والثارات في العائلة الواحدة، من دون حاجة إلى عائلة أخرى لتبادل الثأر. هذا فيما لا تزال حادثة قتل كرم البازي زوجته رولا يعقوب في حلبا، حيّة راعفة في البلدة العكارية وفي وسائل الإعلام وحملات الناشطين المدنيين.
يبدو أن أعداد مثل هذه الحوادث مرشحة الى الارتفاع في المقبل من الأيام، بعدما أظهرت إحصاءات أن امرأة تُقتل شهرياً في لبنان في السنوات الأخيرة، بسبب جرائم الشرف والخلافات العائلية والزوجية. فالتحقيقات القضائية لم تحسم بعد ما إذا كانت بثينة الزين قد انتحرت حرقاً أم أن زوجها أحرقها، بسبب زواجه من طليقة شقيقها. في 8 شباط 2013 قُتلت بغداد العيسى في قرية الوزاني، بطعنات سدّدها شقيقها الى خاصرتها لدواعي غسل الشرف. أما صونيا ياغي فقتلها شقيقها أيضاً بطلقات نارية في منطقة باب الرمل بطرابلس، بعدما شاهدها برفقة شاب في الشارع.
لكن، اذا كانت الثقافة المحرّضة على ارتكاب جرائم الشرف والثارات العشائرية، تختلف عن بواعث الجرائم الاخرى، فإن حوادث العنف والقتل تتشابه في معظمها في استسهال الأفراد والجماعات الإقدام على الاحتكام إلى القوة الذاتية العارية، العضلية والمسلّحة غالباً، في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة اليومية وشجونها.
في عراك، بين أفراد عائلتين في بلدة بلانة الحيصة في عكار، استعمِلت فيه العصي والسكاكين، قُتِل شخص بضربة عصا على رأسه (“النهار”، 22 تموز 2013). وفيما قامت عائلة في بلدة شقرا الجنوبية، محاطة برهط من مقاتلي “حزب الله” ومقدميه، بتشييع ابنها “المقاوم” الذي “سقط أثناء قيامه بواجبه الجهادي في سوريا” (“النهار”، 22 تموز 2013)، “ادعت النيابة العامة العسكرية على ستة موقوفين لبنانيين ضبطت في حوزتهم ثلاث بنادق حربية وذخائر”، فاتهِموا بـ”تأليف عصابة مسلحة للقيام بأعمال إرهابية”. لكن المتهمين “أفادوا أنهم يؤيدون المعارضة السورية”، في إشارة منهم الى تبرير حيازتهم الأسلحة (“النهار”، 20 تموز 2013). فبأيّ معايير قانونية وحقوقية ووطنية يُعتبر نصير المعارضة السورية المسلح “إرهابياً”، قبل أن يستخدم سلاحه في نصرتها، بينما يشيّع مقاتل “حزب الله” الى مثواه معزَّزاً مكرَّماً بوصفه “جهادياً”، بعد قتاله الى جانب النظام السوري؟! في هذه الحال، ما الذي يحمل أهالي الموقوفين بتهمة “الارهاب” على القبول بهذه التهمة التي تنقلب “جهاداً مقدساً” في عقيدة “حزب الله”؟! وما الذي يحول دون إقدام أهالي “الإرهابيين” وصحبهم وجماعتهم على نصرة أبنائهم الموقوفين بالسلاح، إذا استطاعوا الى ذلك سبيلاً، على ما فعل أحمد الاسير وجماعته في صيدا؟! هذا فيما حاصرت جماعة من أهالي بلدة بليدا الجنوبية دورية اسبانية تابعة لـ”اليونيفيل”، “للاشتباه في أن عناصرها تقوم بالتقاط صور في البلدة، فاستمر الحصار نحو ساعة حتى تدخل الجيش اللبناني” (“النهار”، 22 تموز 2013)، من دون أن يعتقل الجيش أيّاً من المحاصرين، فيما “نفى مصدر في “اليونيفيل” أن تكون عناصر الدورية قد التقطت أيّ صور في البلدة” التي يبدو أنها تتمتع بحكم ذاتي أهلي في حمى “الحزب المقاوم”. أما في حي آل الكيال في بعلبك، فقد أقدم “مجهولون” على حرق “جرافة تابعة لبلدية المدينة، وأقفلوا مكبّ النفايات” في الحي نفسه، بعدما قامت “دورية من مخابرات الجيش اللبناني بتوقيف مطلوب بمذكرة توقيف” في الحي الذي اتهم أهله البلدية بـ”التورط في عملية التوقيف” (“النهار”، 20 تموز 2013). في هذه الحال، كيف يكون مجهولاً من أقدم على حرق الجرافة؟! من يوميات حوادث العنف المتنقلة في الديار اللبنانية، أقدم مسلحان يمتطيان دراجة نارية على إطلاق النار على عناصر حاجز لقوى الامن الداخلي، في محلة كورنيش المزرعة، بعد احتجاز عناصر الحاجز سيارة مخالفة، زجاجها “مفيّم” (داكن)، فاضطر عناصر الأمن الى الرد على مصادر النار، مما أدى الى إصابة أحد المهاجمين، وتوقيف رفيقه (“النهار”، 20 تموز 2013).

P23-02-N25153-640_475524_large

صندوق الفرجة
هذا غيض من فيض يوميات حوادث العنف والقتل المتناسلة في مجتمع التحلّل، مجتمع التمدن البدائي والدبيب البطيء لعنف الحروب المتمدنة. مجتمع تهجم فيه وسائل الإعلام والتواصل الالكتروني هجوماً محموماً على أخبار تحلّله الذي تحسب كل جماعة أنها في منأى منه، ويحسب الجميع أنه لا يصيبهم، بل يصيب الآخرين. كأن هذه البلاد صندوق للفرجة، يهزج كثير من سكّانه فرحين: تعا تفرّج يا سلام.

المبنى ب. دولةٌ خارجة على الدولة !

مارس 10, 2013

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 28-02-2013

الباحة الداخلية لسجن رومية وبدت ثياب السجناء معلقة عبر النوافذ

منذ العام 1998 تتسارع وتائر الشغب والتمرد في سجن رومية المركزي، وكذلك حوادث الفرار ومحاولات الفرار. معظم هذه الحوادث مسرحها المبنى ب. الذي “ينزل” فيه الموقوفون الاسلاميون، وفي طليعتهم عناصر “فتح الإسلام”. وفي ظل التسيب والفساد المستشريين في إدارة السجن، يبدو حبل الشغب والتمرد والعنف والجريمة فيه مشرّع على الغارب.

قبل انتفاضة السجناء في سجن رومية المركزي في نيسان 1998، لم يكن الخبر عن السجون ونزلائها وحوادثها حاضراً في التداول اللبناني العمومي، ولا عُرِفَ لبنان بوصفه بلد مداهمات أمنية واعتقالات وسجون، خلافاً للبلدان العربية الشهيرة بأنظمتها المخابراتية ومعتقلاتها وأدب سجونها، وخصوصاً العراق البعثي الصدّامي و”سوريا الأسد”. لكن انتفاضات السجناء في رومية والاخبار المدوية عنها لم تكرّس للبنان صورة بلد اعتقالات وسجون، قدر ما كشفت عن حال الإهمال والفوضى والتخلف في نظام هذه السجون وإدارتها، وعن أن بلد “الحريات في الشرق” والحروب الأهلية الملبننة لم يكن يوماً، ولن يكون، بلد اعتقالات وسجون. بل ان ما حدث في 1998 افتتح سلسلة متتالية من الانتفاضات والفرار من سجن رومية، لا تزال تتكرر فصولها حتى اليوم، ولا يبدو أنها ستتوقف في الأيام المقبلة.
في سنوات الحرب خلت السجون اللبنانية من نزلائها تقريباً، لكنها راحت تغصُّ وتزدحم بهم في زمن الوصاية السورية على لبنان الذي ظلت سجونه على حالها، بل تدهورت أنظمتها وخدماتها وإدارتها وضاقت مساحاتها وازدادت قسوة وإهمالاً عما كانت عليه قبل الحرب، واستشرى فيها الفساد الذي أخذ يضرب معظم مؤسسات الدولة، بعدما دمرتها الحرب، من دون أن تقوى حكومات الوصاية على انتشالها من لجة الانحطاط والفوضى والفساد. وهكذا جاءت انتفاضة سجناء رومية نذيراً من ذلك القاع الاجتماعي الذي كُدِّس فيه من ساقتهم أقدارهم وأفعالهم الى بؤسه وقسوته: 30 سجيناً في زنزانة لا تستوعب أكثر من عشرة، ثلاثة آلاف سجين ينتظرون المعاينة الصحية لدى طبيب واحد. أعداد كبرى من السجناء موقوفون منذ سنوات من دون محاكمة، ومنهم مرتكبو جرائم مخدرات هي أقرب الى مآسٍ انسانية منها الى جرائم. لم يكن بين السجناء المنتفضين آنذاك سوى 23 سجيناً موقوفين بتهمة الخطف والارهاب والاعتداء على أمن الدولة. وبعدما أحرق المنتفضون الفرش والأغطية وحطموا زجاج النوافذ وخلعوا بوابات الزنازين، وشطب بعضهم جسمه بآلاتٍ حادة، أذاعوا مطالبهم، فجاوبهم وزير الداخلية، ميشال المر آنذاك، عبر مكبر للصوت قائلاً إن 80 في المئة من المطالب محقة، و95 في المئة منهم يمكن أن يكونوا بريئين. ثم وعد بعرض أوضاع السجون في جلسة مجلس الوزراء، بغية إصلاحها وتحسين خدماتها وأنظمتها، لكن الانتفاضة تلاشت بعد يومين، وذهبت الوعود أدراج الرياح، وتفاقم الاكتظاظ والبؤس والإهمال في زنانين رومية التي استضافت في مطلع العام 2001 موجات متلاحقة من المعتقلين والموقوفين الإسلاميين بتهم الإرهاب والاعتداء على أمن الدولة في حادثة الضنيّة الشهيرة التي هزّت لبنان في الليلة الأخيرة من الألفية الثانية. ومذذاك برز “المبنى ب” بوصفه مرتعاً للموقوفين الاسلاميين من دون محاكمات، وأخذ أهالي هؤلاء ينظمون وقفات احتجاجية بمساعدة هيئات دينية للإسراع في محاكمة أبنائهم السجناء على ذمة التحقيق، والذين قاموا بدورهم بحركات احتجاج داخل السجن، منها إضراب بعضهم عن الطعام في أيار 2002، عشية الاعلان عن بدء محاكماتهم. لكن فصول موقوفي الضنية الإسلاميين ظلت مفتوحة حتى عشايا الانتخابات النيابية الأولى من دون وصاية سورية في صيف 2005، والتي أدت الى عقد صفقة “سياسية” ضربت عرض الحائط بالإجراءات القضائية والقانونية، فجرى الإفراج عن عدد من الموقوفين الإسلاميين لأسباب انتخابية، في مقابل الإفراج عن قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع، في عملية تذكير بتبادل طائفي للمخطوفين في زمن الحرب.

انتفاضات وفرار

لم ينه ذلك قصة “المبنى ب.” في سجن روميه، بل هو تكرس سجنا للموقوفين الاسلاميين قبيل انفجار حرب مخيم نهر البارد  بين الجيش اللبناني ومسلحي منظمة “فتح الاسلام” في ايار 2007، فتكدس في المبنى مئات من المعتقلين بتهمة الانتماء الى تلك المنظمة وسواهم من الاسلاميين. هؤلاء جلهم من الفلسطينيين والسورييين الى اسلاميين طرابلسيين وعكاريين. وفي تقرير نُشر على مدونة “الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب”، ورد ان 50 سجيناً في روميه توفوا العام 2007 نتيجة تدهور الخدمات الصحية في سجن اختصرت ادارته سبب وفاتهم بالسكتة القلبية، من دون ان تجري تحقيقاً في الامر. ومنذ مطالع العام 2008 تتالت في السجن حوادث الشغب والتمرد في مبنيي المحكومين والموقوفين، اضافة الى حوادث فرار ومحاولات فرار من المبنى ب خصوصاً. بدأ ذلك في 24 نيسان 2008 بعملية شغب في مبنى المحكومين، تحولت تمرداً احتجاجاً على انعدام التدفئة والتبريد وسوء التغذية وغياب الاسرّة واهتراء المراحيض وعدم وجود مياه ساخنة في السجن، فأحرق السجناء الفرش والأغطية. استمر التمرد حوالى 9 ساعات، وتمكن السجناء من اسر عريف و5 مجندين من قوى الامن، فجرت مفاوضات بين ادارة السجن وقائدي التمرد، احدهما فلسطيني والآخر لبناني. وبيّنت تحقيقات صحافية ان الانقسامات والنعرات والاحتقانات القائمة في المجتمع اللبناني انتقلت الى السجناء وأخذت تحدث شجارات في ما بينهم، كما تردّد ان رجال الامن يعاملون السجناء بناء على انتماءاتهم الطائفية.
أعقبت هذا التمرد عملية فرار موقوف من “فتح الاسلام” السوري طه احمد حاجي سليمان من “المبنى ب.” فجر 18 ايلول 2009، فيما قُبض على سبعة سجناء آخرين من المنظمة عينها حاولوا الفرار بواسطة أغطية موصولة كحبال مدّوها من الطبقة الثالثة من مبنى المحكومين الى باحة السجن الرئيسة، بعد قيامهم بقطع حديد نافذة القاووش بنصلة منشار. وتبيّن ان عملية قطع قضبان الحديد والتحضير للفرار استغرقتا اسبوعين، وضع السجناء في اثنائهما معجوناً اسود في مكان القضبان المقطوعة تضليلاً للحراس. وصبيحة عيد الاضحى في 22 تشرين الثاني 2010 تمكن السجين وليد البستاني من الفرار، فيما باءت بالفشل محاولة زميله السوري منجد الفحام اللحاق به. كلا السجينين من “فتح الاسلام”، وبيّنت تحقيقات المفتشية العامة في قوى الامن الداخلي تورط مجند في قوى الامن في تسهيل عملية الهرب، بتأمينه للسجينين جهازا صامتا (صاروخا) لقطع الحديد يعمل على البطاريات، فقطعا به حديد نافذة القاووش. وبواسطة حبل أمّنه لهما المجنّد تمكن البستاني من النزول من الطبقة الخامسة الى باحة السجن الخارجية. وهذا ما لم يستطعه الفحام بسبب انقطاع الحبل، فهوى الى الباحة واصيب بكسور في عظامه ادت الى بقائه مغمياً عليه يئن حتى غروب نهار العيد، فسمعت احدى الزائرات انينه وأبلغت الحراس الذين نقلوه الى مستشفى السجن. اما البستاني فكان انتظر خروج قوافل الزوار واندس بينهم وخرج من بوابة السجن الرئيسية.
كان العام 2011 حافلا بتمرد سجناء رومية وبفرار بعضهم. ففي مطلع نيسان من ذلك العام بدأ السجناء تمرداً واسعاً ضد ما اعتبروه إجراءات انتقامية قام بها ضدهم ضابطان من قوى الأمن الداخلي في بداية احتجاجهم على سوء المعاملة. استمر التمرد ثلاثة أيام ما بين 5 نيسان  و8 منه، أشعل السجناء في أثنائها حرائق في المبنى ودمروا بعض محتوياته، فقتل السجين روي عازار في انفجار قنبلة صوتية حاول رميها على عناصر القوة الأمنية أثناء قيامها بعملية دهم السجن لإنهاء التمرد. أما السجين جميل أبو غني فقضى بأزمة قلبية حادة في نهاية عملية الدهم. لكن الجديد كان قيام أهالي السجناء بتجمعات احتجاجية أمام السجن، وإذ لم يُسمح لهم بالدخول إليه، قاموا برشق رجال الأمن بالحجار وقطعوا الطريق المجاورة للسجن، ما حمل عسكرياً من فوج المغاوير على قيادة سيارته مسرعاً محاولا تفريق المعتصمين، فصدم إمرأة هوت إلى الأرض وأصيبت برضوض في رجلها، فنقل الاهالي الاعتصام الى أمام مجلس النواب. بعد أربعة أشهر، في منتصف ليل 13 آب 2011، نشر خمسة سجناء في “المبنى ب” حديد شباك زنزانتهم، وخرجوا منها تباعاً هابطين بواسطة شراشف موصولة إلى باحة السجن الخارجية، ثم إندسوا بين الزوار وفروا. ثلاثة منهم ينتمون إلى “فتح الإسلام”، هم السوريان عبدالله سعد الدين الشكري وعبد العزيز أحمد المصري، واللبناني عبد الناصر سنجر. أما الآخران فهما موقوف سوداني وآخر كويتي من تنظيم “القاعدة” يدعى “أبو طلحة”.
العام 2012 كان حافلا بدوره بعمليات الفرار. فقبل فرار ثلاثة سجناء من “المبنى ب”، من دون أن تتمكن قوى الأمن الداخلي من تحديد دقيق لطريقة فرارهم، قامت القوى الأمنية في 19 كانون الثاني 2012 بتوقيف امرأة حاولت إدخال أجهزة هاتف خليوية في وجبة طعام تحملها لإبنها السجين. ما أن علم الإبن بتوقيف أمه، حتى عمد مع رفاقه السجناء إلى إثارة شغب في السجن، استمر حتى السابعة مساء، ولم يتوقف إلا بعدما علم الإبن بأن الأم سيطلق سراحها بسند إقامة. لكن الفضيحة تجلت في أن فرار السجناء الثلاثة جرى بالتواطئ مع عناصر من قوى الأمن، وفي أن كاميرات المراقبة في السجن معطلة منذ العام 2010. هذا إضافة إلى قدرة السجناء الدائمة على الاتصال عبر الهواتف المحمولة بالخارج وبنواب وسياسيين ومسؤولين كباراً. وفي 1 تشرين الثاني 2012 أحبط رجال الأمن محاولة فرار سجناء من “فتح الإسلام”، بعد ضبطهم شادوراً نسائياً وحبالا في إحدى قواويش السجن. بعد حوالى شهر، أي في 13 كانون الأول، أحبطت قوى الأمن محاولة فرار جماعية لعشرين موقوفاً من “فتح الإسلام”، قاموا بقطع حديد نوافد مشغل السجن، وبإحداث ثغرة في جدار يصلون عبرها إلى مكتبته التي كانوا أحرقوها في عمليات شغب سابقة. وفي 23 من الشهر عينه حدث تململ بين سجناء مبنى المحكومين، بعد تلقيهم أوامر بنقلهم إلى مبنى آخر.
في الشهر الأول من العام الحالي تزايدت وتيرة الحوادث في السجن: في 2 كانون الثاني الماضي، وقعت أعمال شغب وإحراق فرش وأغطية في “المبنى ب.” احتجاجاً على انقطاع المياه، وقام سجناء بخطف عسكريين من الحراس، ثم أطلقوا سراحهم.
لكن الحادثة الأخيرة كانت الانتحار المشبوه للسجين الفلسطيني في المبنى ب غسان قندقلي الذي قيل إنه شنق نفسه بوشاح من الصوف في المرحاض في 17 كانون الثاني الماضي. وثمة اعتقاد بأن قندقلي تم شنقه، على ما ذهبت إليه الظنون الناجمة عن إحباط قوى الأمن في 21 من الشهر نفسه، عملية فرار جماعي لإسلاميين في “المبنى ب.”، بعدما خططوا طوال ثلاثة أشهر للعملية، فقطعوا قضبان الحديد في الباب الفاصل ما بين المبنى وبرج المراقبة، ونصبوا شراشف موصولة على أربعة خطوط بطول عشرات الأمتار للتزحلق عليها من البرج إلى الخارج. وشاع أن خلية أو حلقة من السجناء الإسلاميين أجرت محاكمة لقندقلي بعدما وجهت إليه تهمة الإغتصاب والقتل، وحكمت عليه بالإعدام ونفذته شنقاً في المرحاض.

ماذا يجري خلف القضبان؟ الاسلاميون هل يعلنون إمارتهم من هناك

الإهمال والتسيّب

تجمع الأخبار والتحقيقات الصحافية، وكذلك روايات بعض الإسلاميين المفرج عنهم من سجن رومية بعد قضائهم سنوات فيه، على أن سجناء “فتح الإسلام” وسواهم من أصحاب الميول الإسلامية، يقيمون ما يشبه إمارات داخل السجن، أي خلايا دعوية وإرشادية، فيصدرون فتاوى وأحكاماً تتعلق بسلوك السجناء، كأنهم امراء ودعاة في “مجتمع” إسلامي خاص بهم. وقد ساعدهم في ذلك ما قاموا به من أعمال تمرد وعصيان متعاقبة، أرغمت إدارة السجن الأمنية على تركهم وشأنهم وتلافي التدخل في شؤونهم. حتى ان بعض الروايات والشهادات يفيد بأن السجناء الإسلاميين صارت لهم كلمتهم في اختيار ضباط الأمن الذين يشرفون على إدارة السجن. وللإنتماءات والولاءات الطائفية نصيب وافر في تعاطف عناصر القوى الأمنية مع السجناء وغض النظر عن أفعالهم وعما يصل إليهم من الخارج. ويبلغ التعاطف وغض النظر حدّ تواطىء بعض رجال الأمن مع الإسلاميين لقاء رشاوى، مما يتيح للسجناء الحصول على ما يحتاجون إليه من أجهزة اتصال، إلى آلات ووسائل يستعملونها من عمليات الفرار. وحين أقيمت في “ساحة النور” (عبد الحميد كرامي سابقاً) الطرابلسية خيمة إعتصم فيها إسلاميون قبل حوالى سنة، من أجل تسريع محاكمة الموقوفين الإسلاميين، كان التواصل الهاتفي يومياً ما بين المعتصمين وأحد مشايخ “فتح الإسلام” في السجن، فيتلقى المعتصمون منه إرشادات تتعلق بتصعيد الإحتجاج والتظاهر، ويطلعونه على ما يجري ويحدث في ساحة الإعتصام.
في حال جمع هذه الوقائع، مع التسيب والإهمال وسوء الخدمات في سجن رومية، يمكن القول إن ذلك السجن ليس أقل من قنبلة موقوتة قابلة لإنفجارات متتالية في ظروف ومواقيت، يختارها السجناء بالتنسيق مع أهلهم وجماعاتهم خارج السجن الذي تشبه الإقامة فيه الإقامة في الجحيم. فالقوانين والأنظمة المتعلقة بإدارة السجون وتصنيف السجناء غائبة تماماً في لبنان، على ما أشار عمر نشابه في كتابه “سجن روميه إن حكى”. والغياب يشمل تصنيف السجناء وفقاً لجرائمهم وسجلهم الإجتماعي والنفسي، ويشمل كذلك برامج تأهيل وعناية تضمن إنزلاق السجناء إلى العنف والشذوذ والجريمة داخل السجن. فقوى الامن الداخلي المولجة بادارة السجون في لبنان غير مؤهلة اصلاً لهذه المهمة. والضباط المشرفون على الادارة لا يتلقون تدريباً مهنياً متخصصاً للتعامل مع السجناء. فالقانون الصادر العام 1964 عهد إلى قوى الامن الداخلي ادارة السجون موقتاً، واقترح انشاء مديرية خاصة لهذه الغاية، على ان تخضع لادارة وزارة العدل. لكن هذه المديرية لا تزال حبراً على ورق حتى الساعة. ومنذ افتتاحه في مطلع السبعينات، لا تزال تجهيزات سجن رومية على حالها من دون تجديد ولا صيانة. ثم ان السلطات اللبنانية لا تولي اهتماماً للحد الادنى من حقوق الانسان والمعايير الدولية في ادارة السجون.

الحلول المؤجلة

المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء اشرف ريفي اشار بعد تمرد السجناء في مطلع نيسان 2011، إلى ان عددهم في روميه يبلغ 3700 سجين، وكاد تمردهم ان يصل إلى حد سيطرتهم على السجن. وقسم ريفي السجناء إلى “فئات ثلاث متنافرة” تقوم بينها علاقات قابلة لانفجار عنيف قد يؤدي إلى “مذابح”. الفئة الاولى هي “المجموعة الجنائية” التي تشمل الموقوفين بجرائم قتل وسرقة وتعاطي  مخدرات والإتجار بها. الفئتان الاخريان تجتمعان تحت عنوان “ذوي الخصوصية الامنية”. الاولى تضم عناصر “فتح الاسلام” وسواهم من الاسلاميين، والثانية تضم الموقوفين والمحكومين في جرائم التعامل مع العدو الاسرائيلي. وتستفحل بين هاتين الفئتين عداوات قابلة للانفجار في اي لحظة. عدم وجود سجون خاصة حتّم وضع هذه الفئات المتنافرة في سجن واحد، بعد عزل كل فئة عن الاخرى. لكن عمليات التمرد أدت إلى ازالة معظم الأبواب الفاصلة بين هذه الفئات، من دون ان يعاد اصلاح  الابواب.
في 27 آب 2010 وجه ريفي كتابا إلى مجلس الوزراء يحذر فيه من احتمال “انفجار” كبير في سجن رومية. استند الكتاب إلى تقرير اشار إلى الخطر المتفاقم الناجم عن عدم احالة 280 موقوفا اسلاميا إلى المحاكمة، وعن عدم توزيعهم وعزلهم، ما دامت التوجهات إياها تجمع بينهم وتشكل خطراً عليهم وعلى سواهم من السجناء. واعترف الامنيون، وفقاً للتقرير، بأن الفساد اصاب الجسم الامني في السجن، مما سهل حصول السجناء على الهواتف الخليوية والحبوب المخدرة، وغيرها من الادوات التي تمكّنهم من الفرار. والمراقبة الالكترونية وسواها من التجهيزات الامنية معدومة في سجن رومية، وما استقدم منها تبين أنه غير صالح للعمل. واذا اضيف إلى هذا كله ان حوالى 5 آلاف سجين محشورون في سجن لا يتسع لأكثر من الفين، نعلم بماذا تنذر حال الاهمال والتسيب القائمة في هذا السجن. ومما اقترحه تقرير ريفي لحل هذه المعضلة:
– استعجال القضاء في بت ملفات الموقوفين.
– ايجاد حل جذري لترحيل الاجانب المنتهية محكومياتهم.
– الاسراع في عملية الحاق ادارة السجون بوزارة العدل.
– العمل على ايجاد سجن خاص للموقوفين من ذوي الحالات الأمنية الخاصة.


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 1,245 other followers