أرشيف ‘عادات إجتماعية لبنانية’ التصنيف

فتيات للزواج والتحجّب والاغتصاب

ديسمبر 8, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 7-12-2013

لوحة لسارة الحساني

والدتي من عائلة عشائرية في بلاد جبيل. قبل سنوات من بداية الحرب العام 1975، شيّد أهلها بيتاً على شاطئ الاوزاعي وأقاموا فيه. كان والدي متزوجاً امرأة من بلدته البقاعية السنية، وأنجب منها ثلاث بنات، قبل أن تدفعه موجات الهجرة الى بيروت للعمل والإقامة، فاستأجر لإقامته مع أسرته بيتاً شيّده حديثاً أهل من ستصير أمي، قرب بيتهم الأول في الأوزاعي.

آنذاك كانت أمي لا تزال تلميذة عذراء جميلة في بداية المرحلة الثانوية، فأعجب بها ووقع في هواها الرجل المتزوج، جارها المستأجر من أهلها بيتاً، وأخذ يلاحقها. كان يكبرها بسنين كثيرة، ولا يزيد عمرها على عمر ابنته الكبرى بأكثر من سنوات خمس. حسنُها وتميّزها ونظافتها وترتيبها­- في مقابل دمامة زوجته وطبعها المشاكس القاسي وقلة تدبيرها- ضاعفت افتتانه بالصبيّة الصغيرة، تلميذة المدرسة، ورقتها، على الرغم من كونها مخطوبة لشاب، لم تكن- بحسب أمها- تحبّه ولا تريده، ولا مالت الى الرجل المتزوج الذي أُغرِم بها ووقع في هواها. لكنها استجابت أخيراً هواه وتتيّمه بها، فرضيت به زوجاً وافق عليه والداها، بعد فسخ خطوبتها للشاب، حينما كانت في السنة الدراسية الأخيرة من المرحلة الثانوية، وفي السادسة عشرة من عمرها. لكن رضاها وموافقة والديها لم يحولا دون ممانعة رجال عائلتها العشائرية الموسعة إتمام ذلك الزواج، فاعترضوا موكب عرسها، وحاولوا إخراجها بالقوة من السيارة التي تقدمت الموكب، أثناء مروره في قريتهم وديارهم ببلاد جبيل، متوجهاً من الأوزاعي الى بلدة العريس البقاعية.

* * *

لم يطلّق العريس زوجته الأولى، بل أسكن معها ومع بناته الثلاث، زوجته الجديدة الشابة الجميلة، في بيته المستأجر من أهلها في الأوزاعي. في هذا البيت دارت مشاجرات عنيفة بين الزوجتين طوال ثلاث سنوات. أثناء غياب الزوج في عمله اليومي كانت زوجته الأولى وبناتها يتعاونَّ على ضرب زوجته الثانية التي أسقطت حملها جنينين اثنين، جرّاء ما تعرضت له من نكد وعنف. فالزوجة الأولى كانت غضوبة شرسة الطبع، عنيفة، إلى حدّ أن زوجها كان يتهيّب مواجهتها، حتى إنه أخذ يعيش حياته مع زوجته الشابة وعلاقته بها، كأنه عشيقها السرّي، فيخرجان معاً من البيت، أو يتواعدان على اللقاء، كعشيقين، خفية عن الزوجة الأولى التي، تلافياً لنقمتها، كان كلٌّ من الزوجين – العشيقين يعود بمفرده الى البيت، كأنهما لم يكونا معاً. هذه العلاقة الغريبة الخائفة قد تكون أخرجت العلاقة الزوجية من إطارها، وجعلتها علاقة غرامية متأججة. فالزوجة الثانية، أمي، تقول إنها بعد الزواج أحبّت والدي قبل أن يسافر للعمل في قطر، تاركاً زوجتيه الضرّتين وبناته الثلاث من الأولى وطفله البكر من الثانية، في بيت الأوزاعي.
لكن ذلك الحب الزوجي – الغرامي لم يكن يخلو من التعاسة والألم. وهو ما كان ليكون على هذه الحال لولا غيرة الزوجة الأولى الحرون ورقابتها اللتين جعلتاه مشوباً بشيء من قلق وخوف حوّلاه غراماً أو عشقاً مكتوماً مطارداً، ما بين رجل وصبية جميلة متعلمة تكاد تكون في عمر ابنته. ثم إن هذا النوع من العشق أو الغرام الزوجي لم تعشهُ الصبية (أمي) إلا كسحابة صيف رمادية عبرت حياتها سريعاً، وتركتها شديدة التحسر والندم على قدرها الذي قادها إلى ذلك الزواج المؤلم التاعس، فأنجبت منه عشرة أولاد أحبّتهم وبذلت جهداً مضنياً في تربيتهم وتعليمهم، من دون أن يصرفها ذلك عن مثابرتها وإصرارها على طموحها، فأقدمت على البدء بدراسة علوم الصحة والتمريض في الجامعة، لكن مشاغلها البيتية المضنية منعتها من متابعة هذه الدراسة.
انتماء والدي اليساري وصحبته أشخاصاً من ميول وثقافة يسارية، ربما أثّرا في شخصيته وأبعداه قليلا من القيم الأهلية والعائلية التقليدية الريفية الخشنة، فاكتسب شيئاً من الرقة واللطف. وقد يكون هذا عوّضه ضآلة تعليمه، وأدى الى أن تقدّره زوجته الصبية المتعلمة، وتحبه، وتتحمل آلام حياتها الزوجية معه.

* * *

قبل ولادتي في العام 1983، كانت أمي قد أنجبت ستة أولاد، ثم أنجبت ثلاثة بعدي. كانت تسافر إلى قطر، فتمضي هناك شهوراً، ثم تعود إلى لبنان حاملا، فتلد أطفالها وتنصرف الى تربيتهم في بيت الأوزاعي المشترك، من دون أن تتوقف زوجة والدي الأولى وبناتها عن تنكيد حياتها وضربها والإعتداء على أولادها في البيت المشترك الذي اشتراه والدي بما حصّله من عمله في قطر، وأعادت أمي إعماره وتحسينه وتأثيثه، وانشأت حوله حديقة جميلة، كانت مربع طفولتي. لذا صار البيت مضرب مثل بين جيراننا في الأوزاعي، فأخذوا يقولون: “نيّالو أبو علي شو بيته حلو”، لأنه كان نظيفاً ومرتباً ومن أعلى البيوت، وجعلته الحديقة مستقلاً وبعيداً من سواه من بيوت الحي.
في العام 1987، قرّر والدي ترك عمله في قطر والعودة الى لبنان. قبل عودته أرسل الى أمي تعويضه المالي والكثير من الهدايا، فسُرقت من بيتنا بعد ليلة واحدة من وصولها، واتهم أهل والدي وأهالي بلدته أمي بسرقتها. على رغم عنف المشاجرات في بيتنا المشترك، لم يكن والدي راغباً في طلاق زوجته الأولى بعد عودته من قطر، لكنها أرغمته على ذلك، إذ أقدمت مرةً على ضربه طلباً للطلاق، فاشترى لإقامتها مع بناتها، بعدما طلّقها، بيتاً صغيراً غير بعيد من بيتنا في الأوزاعي. لكنها سرعان ما طردت بناتها الثلاث من بيتها ذاك، قائلة لهن: “روحو لحقوا بيّكن”، فعدن للإقامة معنا.
ظل والدي عاطلا عن العمل طوال سنوات خمس بعد عودته من قطر. وعلى رغم أنه كان يسارياً في شبابه، انقلب إلى التدين الإسلامي، وأخذ يصلّي ويصوم ويفكر ويتحدث في أمور الدين وشؤونه. أما أمي المتعلمة، فراحت تعمل مدرّسة في مدرسة خاصة، وتدرّس أولاداً في الحي دروساً خصوصية، مصرّة على تعليمنا، نحن أبناءها العشرة الذين أخذ الفتيان منهم يعملون ليلاً في أفران الأوزاعي، فيجلبون الى البيت كميات وافرة من الخبز، ويذهبون نهاراً لمتابعة تحصيلهم الدراسي في مدارس خاصة حرصت أمي على تسجيلهم فيها. غير أن والدي حظي أخيراً بعمل في مهنته القديمة، معلّما للطهاة في مطبخ إحدى الشركات الكبرى في بيروت.

* * *

في بيتنا في الاوزاعي أخذت أختي الثانية غير الشقيقة من زوجة والدي الأولى، تتحرّش بي جنسياً وتعتدي عليّ، مذ كنت طفلة في السادسة أو السابعة من عمري. كانت تنام قربي على السرير، فراحت تستيقظ في الليل وتشرع في مداعبتي. لم أكن أدرك ماذا تفعل، لكنني بحدس غامض خفت من مداعباتها، فلم أستجب لها. لكنها استمرت على افعالها، غير مكترثة بخوفي وعدم استجابتي. غضبها مني وحقدها عليَّ دفعاها مرةً، فيما كانت تدرّسني نهاراً في البيت، الى أن تطعنني في رقبتي بقلم الرصاص المروّس، فانغرزت بروته وانكسرت في لحمي. لا أدري اليوم إن كانت تحرشاتها الجنسية هذه واعتداءاتها العنيفة قد تركت ندوباً في نفسي. أحيانا أقول إنها لم تؤثر فيَّ، وكانت عابرة في طفولتي. لكنني حتى الساعة لا أزال أحقد على أختي غير الشقيقة هذه، وأنفر منها وأكرهها، فلا أسلّم عليها إلا في جفاء، ولا أستطيع الاقتراب منها وتقبيلها. لقد كبرنا على كراهية ونفور متبادلين، ليس لأنها حاولت الاعتداء جنسياً عليَّ فحسب، بل لما أنزلته مع أمّها من عذاب وعنف بنا وبأمي.
أخيراً، بعد سنوات كثيرة، غادرتْ أختي غير الشقيقة هذه بيتنا في الأوزاعي وذهبت للإقامة والعمل مدرّسة في بلدة والدنا البقاعية. هناك أحبّت رجلا وأقامت معه علاقة. لكن هذا الرجل الذي رآني ثلاث مرات في البلدة أخذ يلاطفني، ثم زارنا في بيتنا في الاوزاعي طالباً أن يخطبني من أهلي، فرفضوا طلبه.
بلغت أختي غير الشقيقة الخامسة والثلاثين من عمرها من دون أن تتزوج، وأظن أنها ستظل عانساً طوال حياتها، على الرغم من أنها أجرت تقويماً لأسنانها الشديدة البروز في فمها. لأكثر من مرات خمس ارتدت الحجاب الشرعي في أوقات متباعدة، ثم خلعته لترتدي تنانير قصيرة. أرجّح أنها كانت تتحجب لظنّها أن شبّاناً ورجالاً رغبت في الزواج منهم، يريدونها محجّبة في تلك البيئة البلدية البقاعية التي، إضافة إلى تقاليدها وعاداتها المحافظة، شاعت فيها موجة التديّن الجديد وتحجُّب النساء والفتيات اللواتي يعتقد بعضهن أن الحجاب أفضل من السفور، لأنه يستر عيوبهنّ. لكن أختي غير الشقيقة استقرت أخيراً على التحجب الذي ستر عيوبها الخلقية والأخلاقية. وهي لن تعود الى السفور، ما دام الحجاب أمسى زيّاً طاغياً مع موجات التديّن الجديد في بلدتنا البقاعية التي يتفشى في بيئتها التقليدية الجهل والتخلف والبطالة المقنّعة والعصبية العائلية والعشائرية.
موجات التديّن الجديد تفشّت بقوة كبيرة في الأوزاعي، بيئة العمران والاجتماع العشوائيين والاكتظاظ والعنف والعصبيات والتهجير والتذرر وتمزق القيم والعلاقات العائلية والاسرية. حتى أمي المتعلمة لم تصمد أمام تلك الموجات من التدين، فتحجبت بعد تديّن والدي، حينما كانت في الخامسة والثلاثين من عمرها.

* * *

خالتي الأكبر عمراً من أمي متزوجة من ابن خالة والدي، وبيتها قريب من بيتنا. أولادها الذكور نشأوا وشبّوا غير متديّنين. لكنهم ككثيرين من الفتيان والشبان في بيئة العمران العشوائي في الأوزاعي، ميّالون إلى قيم الفتوّات وسلوكهم الذكوري المشاكس والعنيف، ويمارسون سطوتهم على قريباتهم البنات والفتيات، ذوداً عن شرفهم وشرفهنّ العائلي. لحمايتهنّ من تحرشات الفتيان الغرباء يفرضون عليهنّ الوصاية التي لا تخلو، غالباً، من دوافع أو ميول جنسية، تحت ستار القرابة والحماية العائلية.
بكر أولاد خالتي سافر الى دبي، فعمل هناك مدة قصيرة، لكن السلطات الإماراتية سرعان ما رحّلته، بعدما اعتدى على أمير، فضربه وكسر رجله. أخوه الأصغر عاش في بيتنا تقريباً، فدرس سنوات في المعهد الموسيقي الوطني، وعمل في مصنع للحلويات. كان حضوره ثقيلاً علينا، نحن بنات خالته. لم يكن يوفر فرصة تتيح له فرض رقابته وسلطته علينا، كأنه وصيّ على عفّتنا وشرفنا. ابن خالتي الأوسط مال إلى الرياضة البدنية، ونشأ معتدّاً بقوته العضلية، وكثيراً ما تورّط في مشاجرات عنيفة في الحي، حيث افتتح صالوناً للحلاقة الرجّالية، وعُرف كفتوّة مشاكس.
كنت ربما في العاشرة من عمري، عندما رآني مرةً أقف قرب حنفية ماء أملأ منها وعاء في الحديقة، فجنّ جنونه فجأة لأنني كنت أرتدي شورتاً قصيراً. لا أدري إن كان عري فخذيَّ قد أثاره جنسياً أم أثار غيرته وشرفه الذكوري، فحمل زجاجة فارغة وقذفها بقوة الى الأرض الصلبة قربي. أحدث تحطم الزجاجة دويّاً أرعبني، وتطايرات شظاياها حولي. الرعب حملني على الركض حافية، فانغرزت شظايا الزجاج في باطن قدمي وغارت عميقاً، ثم تدفق الدم غزيراً، فأخذتُ أصرخ حتى حملوني الى المستشفى، حيث مكثت يومين لمداواة جراحي.
اندملت جراح قدمي، لكن أثرها في قدمي منعني من المشي الطويل والركض. أما ابن خالتي فترك في جسمي وروحي جرحاً آخر خفياً ومكتوماً، أعمق وأشدّ أذية من جرح قدمي. غيرته عليَّ وإرادته أن أكون محتشمة في ملبسي حفاظاً على شرفه العائلي الذكوري، كانا يقنّعان غريزته وإثارته وشهوته التي دفعته، قبل الحادية عشرة وبعدها، الى الاعتداء عليّ جنسياً. في بعض ليالي الصيف القائظة أخذ يترصدني حين أنام منفردةً في غرفة بيتنا الأرضي، فيدخل من شبّاك الغرفة المشرع، ويتمدد قربي على السرير، قائلاً إنه يفعل ذلك حرصاً منه عليَّ ولحمايتي، لئلا يدخل الى غرفتي فتيان السوء في الحي، فيتحرشون بي. بعد قليل من الوقت يروح يداعبني وينزع عني ثياب النوم ويقبّلني في نواح مختلفة من جسمي. كنت أبعده عني في صمت، خائفةً من أن أرفع صوتي، فيوقظ أهلي النائمين في الغرف الاخرى. تكررت فعلته هذه مرات كثيرة في صيفين أو ثلاثة. حين حاول مرةً اغتصابي، دفعته دفعة قوية أوقعته عن السرير، من دون أن اجرؤ على الصراخ. كنت أخاف من أن أخبر أمي بما يفعله ابن أختها، خشية الفضيحة والمشاكل بين عائلتينا.
لا أعلم إن كان أقلع عن تحرشاته الليلية هذه بي، بعدما انجذب الى أختي الأكبر منّي سناً. كانت أختي هذه شقراء جميلة الجسم، رقيقة شفّافة البشرة، وتوقفت عن الدراسة بعد انهائها مرحلة التعليم المتوسط. عرسان كثيرون من بلدتنا البقاعية أخذوا يطلبون يدها للزواج، بعد مكوثها هناك لشهرين في الصيف. لكنها رفضتهم لأنهم في معظمهم كانوا في سلك الجيش أو قوى الأمن الداخلي. بعض طالبي يدها، أخذوا يشيّعون أقوالاً بأنهم سوف يأخذونها خطيفة، إذا استمرت على رفضها. قد تكون كثرة العرسان والشائعات هذه هي التي حرّكت رغبة ابن خالتي المتحرش بي، ودفعته الى التفكير في الزواج من أختي، فأخذت أمه تحدث أمي في الأمر.
كانت أختي في الخامسة عشرة، فرفض والدايَ الفكرة التي أصرّت عليها خالتي وابنها الذي كانت أمي تعتبره أزعر، ولا يمكن أن تزوّجه ابنتها. لكن أبي وأمي رضخا أخيراً تحت إلحاح خالتي وإصرارها، فسألا أختي رأيها في الأمر، فقالت: “مثل ما بتريدوا”، فتمّ الزواج الذي كان وبالاً على أختي. فما إن تحسّنت أحوال ابن خالتي المادية من عمله في صالون الحلاقة، حتى افتتح قرب الصالون متجراً لبيع أجهزة الهاتف الخليوي، فاشترى سيارة فخمة، وأخذ يصاحب فتيات كثيرات، ثم لم يلبث أن تزوج إحداهن زواجاً سرّياً في البداية، قبل أن يصير علنياً، ويسكن زوجته الثانية في بيت استأجره لها، بعد سنتين من زواجه من أختي التي تركت منزلها الزوجي وعادت مع طفلها للسكن في بيتنا.

سائقو الجحيم ومضافات الأحياء في بلاد الفوضى والتسيّب

أكتوبر 27, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق النهار في 26-10-2013

P1040851-640_167086_large

وسط ما يعيشه لبنان اليوم من تخبط في معضلات وحوادث وفوضى ويأس من عدم القدرة على التصدي لها ومعالجتها، فينضاف جديدها المفاجئ الى قديمها المزمن، هل يبدو ترفاً وصف ما يبعثه سائقو الدراجات النارية من سُعار وفوضى ورعب في الشوارع، وكيف يمكن وصف “المضافات” الشبابية، الأهلية والأمنية، المتكاثرة في الأحياء الشعبية؟

بدايةً، أين الترف في مشهد شاب أو فتى مراهق ينطرح فجأةً على الاسفلت، وحيداً، مجهولاً، وبلا حراك، بعدما كان قبل هنيهات طائراً يسابق الهواء والزمن بدرّاجته النارية، يطوّح بها منتشياً وسط الشارع، لتصدمه سيارة مسرعة، وتقذفه مع درّاجته ونشوته امتاراً في الهواء، ليهوي ويرتطم رأسه بالأرض الصلبة، او بحافة الرصيف؟!
إذذاك، ألا تتحطم حياة بكاملها وسط جمهرة من العابرين الذين ربما تروّعهم الحادثة المفاجئة، وتروّع سائق السيارة الذي قد يحاول الهرب خائفاً مذعوراً، أو يترجل من سيارته مصعوقاً هلعاً مسرعاً نحو الشاب أو الفتى المجهول المنطرح ارضاً، يُحتضر مرتعشاً، أو بلا حراك؟
نعم، إن سُعار استعمال الدرّاجات النارية وفوضاها في الشوارع، هو واحدة من كوارثنا المتناسلة وسط دبيب الفوضى الوطنية والسياسية والأهلية والأخلاقية والقانونية الكبرى التي تتخبط فيها البلاد كل يوم، بل إنها من نتائجها المشهدية أو المشهودة. فسائقو هذه الدرّاجات المتكاثرة كالفطر في الشوارع والأزقة وعلى الأوتوسترادات كلها، يمتطونها ويقودونها مسعورين، كأنهم يخوضون حرباً أو يذهبون الى الحرب، أو يفرّون من الحرب. المقصود بالحرب هنا، ليس كناية ولا تشبيهاً ولا استعارة، بل الحرب الحقيقية والفعلية. فالذاهبون الى الحرب، أو الفارّون منها، تكاد تنطبق عليهم حال سائقي الدرّاجات النارية في شوارع لبنان: الذعر، الفوضى، تعليق الزمن العادي والحياة العادية، والقوانين والمسؤولية، تضخيم الفردية والأنانية وانفجارهما على غير هدىً في الأماكن العامة والحياة العامة. كأنما العالم مشرف على هاوية أو كارثة.

نشوات قاتلة
الحق أن اللبنانيين حين يخرجون صباحاً من بيوتهم، يراودهم شعور بأنهم ينخرطون في متاهة من المفاجآت وغياب الأمن والأمان في الشوارع المشرّعة على فوضى السير وازدحاماته، وإغلاق الكثير من الطرق بحواجز الإسمنت والأمن الذاتي، فتضيق مساحات المدن وضواحيها وأحياؤها وشوارعها، ويشعر كثيرون بأن عليهم ألاّ يسلكوا طرقاً وشوارع خارج مناطقهم الأليفة. أما سائقو الدرّاجات النارية، وهم في معظمهم من الشبان والفتيان، فينفلتون كالجراد في الاتجاهات كلها على الشوارع والطرق، بعدما يئست إدارة السير في قوى الأمن الداخلي من حملاتها الكثيرة المتعاقبة لتنظيم انفلاتهم الفوضوي العارم، وتقنينه والحدّ منه، لتنصرف تلك القوى الى الغرق في مستنقع المعضلات المستجدة في كل يوم وساعة.
ما إن يمتطي شبّان الدرّاجات النارية وفتيانها ورجالها أحياناً، درّاجاتهم هذه، حتى يصيروا في حلٍّ من أي وازع قانوني وأخلاقي عام أو خاص وذاتي: لا يتقيّدون باتجاهات السير، ولا بالإشارات الضوئية القليلة أصلاً. يطلقون أبواق درّاجاتهم على نحو متصلٍ وسط السيارات المسرعة أو المتوقفة بفعل الإشارات أو الإزدحام. يزاحمون السيارات، يعبرون مسرعين كأسهمٍ نارية مفرقعة في الفسحات الضيقة بين أرتالها، يسيرون حذوها، ملتصقين بها، ينعطفون فجأةً أمامها وفي كلّ اتجاه، كأنما الأرض تنشطر ويخرجون منها مندفعين. بعضهم يحلو له أن يرفع عن الأرض عجلة درّاجته الأمامية، منتشياً بانطلاقة عكس اتجاه السير، متكلاً على أن يتفاداه سائقو السيارات ويفسحوا له للإيغال في نشوته، فينعطفون بسياراتهم جانباً خائفين هلعين من تلك النشوة الرعناء التي تحمل بعض الدرّاجين على مدّ ألسنتهم خارج أفواههم معلنين انتصارهم البذيء على سائقي السيارات، أو يشتمونهم متوارين في الزحام. كثيرون ينطلقون بدرّاجاتهم على الأرصفة فيروّعون المارة من المشاة الذين ينصاعون عنوة، هاربين خائفين على أنفسهم من أن تعاجلهم صدمة الدرّاجين، فتوقعهم أرضاً. هناك بعض من مستعملي الدرّاجات يُركِبُ خلفه امرأة أو فتاة، زوجته أو أخته أو خطيبته أو صديقته، ويضع أمامه بين جسمه ومقود الدرّاجة طفله الصغير، واقفاً أو قاعداً بين فخذيه. وأحياناً ترى طفلين اثنين على هذه الحال. أما سائقو درّاجات الديليفري، فإن عملهم نفسه يتطلب السرعة في توصيل طلبات الزبائن المنتظرين. لكن بعضهم قد يتفادى السرعة، لئلا يتورط في حادثة تفقده عمله. وهذا ما لا يفعله من يحملون على درّاجاتهم شعَّالات الجمر المشرقط وسط الشوارع، لتوصيلها الى مدخّني النراجيل في البيوت أو المتاجر أو على مضافات الأرصفة.

ثارات الماضي والحاضر
هذه الحمّى اليومية الراهنة على صلة وثيقة بمهرجان فتيان الشوارع والأحياء المرتبطة بالمنازعات الأهلية والحزبية منذ العام 2005 وحتى اليوم. فزمر فتيان الدرّاجات النارية وشبّانها، غالباً ما استعملتهم القوى والأحزاب الأهلية في احتقاناتها وعراضاتها وعداواتها، فأخذوا ينطلقون زمراً زمراً، زاعقين في الشوارع والأزقة، بوصفهم مجموعات حماية واتصال وهجوم. قبل ذلك، في أيام الاحتلال السوري، ظهر فتيان الدرّاجات وشبّانها ظهوراً قوياً في الشوارع بعد مباريات كرة القدم وعراضات مشجّعيها المتصلة بالاحتقان الأهلي والطائفي الناجم عن النعرات المحلية ضد ممارسات رجال المخابرات السورية في الأحياء.
اليوم تجمعت هذه الأسباب والبواعث كلها في خلفية السلوك الذي يسلكه مستعملو الدرّاجات النارية، ثم أضيفت اليها الفوضى العارمة التي تستنقع فيها البلاد بفعل الحروب في سوريا التي دفعت الى لبنان بأكثر من مليون ونصف المليون من اللاجئين السوريين. على هذا النحو تظهر حمّى استعمال الدرّاجات النارية كمرآة لما تتخبط فيه البلاد. وكما كان مسلّحو الميليشيات في أيام حروبنا، أعلى مرتبة وشأناً من المدنيين غير المسلحين، فإن مستعملي الدرّاجات النارية اليوم يتمتعون بدالّةٍ استثنائية على سائقي السيارات والمشاة. مصدر هذه الدالة التي تجعل هؤلاء أشبه بـ”سائقي الجحيم” في ألعاب السيرك القديمة، هو شعورهم بأنهم متواضعو المرتبة الاجتماعية، وبأنهم في حلٍّ من المراتب والأخلاقيات العامة المنحسرة أصلاً، ما إن يمتطون درّاجاتهم التي بها يثأرون من تواضعهم الاجتماعي، خارج أيّ وازع عام وذاتي في بلاد الفوضى والتسيّب.

طغيان الذكورة
هناك فئة لا يستهان بعددها من سائقي الدراجات النارية، يغلب عليها كونها من فتيان الأحياء والشوارع البطَّالين، أو العاملين أعمالاً يومية متقطعة متواضعة. يتخلل هذه الفئة شبان وفتيان يشكلون نوىً (جمع نواة) وعُصباً وشبكات من الجمهور الذكوري الطاغي على محازبي الجماعات الأهلية في الأحياء والشوارع. هؤلاء هم غالباً المادة البشرية لـ”المضافات” الأهلية الناشئة والمزدهرة والمنعقدة حلقاتها اليومية في أماكن ثابتة على نواصي الشوارع والأرصفة في الأحياء الداخلية وعلى تخومها وأطرافها. يتغذى انعقاد هذه “المضافات” من مواسم الاحتقانات الأهلية، ويزدهر في خضم حوادث سياسية وأمنية، وكلما ألقى أحد زعماء الجماعات الطائفية الجماهيرية خطبة متلفزة، غالباً ما استوجبت إطلاق النار غضباً وابتهاجاً ونكايةً، وخصوصاً في الأحياء المختلطة طائفياً. كما أن الاحتقانات ومناسباتها تتغذى من انعقاد “المضافات”، لاسيما بعد نشوء ظاهرة الأمن الذاتي وشيوعها، في أعقاب التفجيرات الأخيرة في ضاحية بيروت الجنوبية وطرابلس. للدراجات النارية مساهماتها في ازدهار هذه “المضافات” التي غالباً ما تُركَن الدراجات الكثيرة على ضفافها، وتُلازم انعقادها، لإقامة جسور التواصل الأهلي والأمني بينها في أوقات من النهارات والليالي.

iden02-640_317171_large

من الرخاء الى الفوضى
نستعير هنا كلمة “مضافة” ذات الرجع والحمولة والدلالة البدوية والعشائرية. فالإجتماع العشائري لا تزال تقاليده وثقافته حيّة فاعلة في ثنايا شبكات الاجتماع الأهلي المحلي الفوضوي الراهن لكثير من الجماعات والتجمعات السكانية في الريف وضواحي المدن، وفي الأحياء العشوائية والشعبية المدينية المكتظة المختنقة. هذه غالباً ما تحاصر فوضاها المنفجرة الأحياء السكنية للفئات المتوسطة المجاورة لها، وتخنقها ايضاً. فسكان الأحياء المدينية المتوسطة ليس من عاداتهم وثقافتهم أن تستولي دورةُ حياتهم اليومية على الأماكن العامة في أحيائهم (الأرصفة، نواصي الشوارع، مداخل البنايات). بل إنهم يرتادون هذه الأماكن على نحو وظيفي عابر ومنظّم، منصرفين الى أعمالهم ومشاغلهم، من دون أن يخلّفوا أثراً واضحاً أو ناتئاً فيها. فالإنكفاء على ذات النفس، الفردية والأسرية، وعلى شبكات من العلاقات الخاصة، من سمات اجتماع الفئات المدينية المتوسطة والعليا، من حيث المبدأ، وخصوصاً في أوقات الأزمات وتفشي الاحتقانات الأهلية واستنقاعها وانفجارها بين حينٍ وآخر، على ما هي عليه حال لبنان الممعن، منذ سنوات، في تفككه وتمزقه إرباً مناطقية وأهلية وعصبية وطائفية متباعدة نفسياً على قاعدة الهويات الخاصة، على الرغم من ضيق المساحات والمسافات بينها، فيظهر الاحتقان والتمزق بين شارعين متجاورين في أحياء مختلطة طائفياً.
تتكاثر مضافات الشبان والفتيان، يخالطهم رجال وأولاد، في الأحياء الشعبية الصافية والمختلطة طائفياً. وقد تكون المضافة استعادة واستئنافاً للحلقات التي كانت تُعقد في ساحات القرى، والتي تطورت في أيام الرخاء والإصطياف اللبنانيين في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، فتحولت “كسدورة” على “الكروسة”، سيراً على الأقدام أو في السيارات. وذلك في عصارى النهارات القروية ومساءاتها الصيفية المقمرة التي كان يتخالط فيها الشبان والصبايا العائدون من بيروت “متمدّنين” وفي أزياء عصرية يتباهون بها ويستعرضونها صيفاً في قراهم، مع السيارات الجديدة التي غالباً ما يستعيرونها من آبائهم، للكسدرة بها بين قرى الاصطياف وبلداته المزدهرة. قد يكون لهذه العادات والطقوس المحدثة مصدرها أو مرجعها الأقدم زمناً في القرى، أيام كان ما يسمّى “طريق العين” في الفولكلور والغناء الفيروزي – الرحباني، علامة بارزة في الاجتماع اللبناني الريفي.

في حماية الشباب
هذا كله قوّضته الحروب في لبنان، ونقلت مجموعات كبرى من الفئات العمرية الشابة، من تلك العادات والطقوس الرخيّة، الى متاريس الحرب في المدن والبلدات. أما اليوم، بعد مضي أكثر من عقدين على حروبنا، فإن الاجتماع الريفي أو القروي والمديني في لبنان يكاد يذوب في حمى بوتقة فوضوية واحدة متصلة من العمران، الذي يختلط ماضيه المتداعي الخَرِب بحاضره العشوائي، لنقيم ونعيش في زمن اجتماعي وعمراني من سماته السُعارُ والفوضى والاحتقان والكآبة.
ليست الدراجات النارية وجحيمها في الشوارع، وكذلك المضافات الأهلية الشبابية والذكورية الناشطة على الأرصفة والنواصي في الأحياء الشعبية، إلا من ظواهر زمننا الاجتماعي والعمراني المستعر هذا.
قد تكون هذه المضافات وليدة الإستنقاع والاحتقان والسعار في حياتنا اليومية والاجتماعية. ربما هي بديل من العراضات والمهرجانات الشبابية الأهلية والحزبية التي شهدنا حوادثها الكثيرة المتنقلة وخبرناها ما بين 2005 و2008 الذي انتهت حوادثه بـ”اتفاق الدوحة” بعد الحملة التأديبية العسكرية لـ”حزب الله” وحلفائه على كثير من المناطق، لاسيما بيروت والجبل. فبعد تلك الحملة الدامية، كثر الحديث عن احتلال بيروت أمنياً، وعن الرغبة في إخلائها من السلاح. لكن تزاحم الحوادث والمستجدات السياسية والأمنية في لبنان، غالباً ما يطوي الحقبَ وشعاراتها، ويجعلها من المنسيات، فيما تتجدد الأزمات والحوادث وتتراكم الى ما لا نهاية أو مستقر.
نشأ عن الحملة العسكرية التأديبية على أحياء بيروت ما يشبه إذعاناً أهلياً محتقناً ومغلوباً على أمره، في مقابل هيمنة أهلية شبه أمنية لمحازبي الثنائي الشيعي، “أمل” و”حزب الله”، و”السوري القومي الاجتماعي”، وسواهم من الشراذم المحلية الملحقة بهم، على كثير من الأحياء البيروتية المختلطة طائفياً، الشعبية منها والمتوسطة، وصولاً الى الأحياء ذات الماضي الكوزموبوليتي في رأس بيروت. مع مرور الوقت وتراجع الاحتقان العام، شكلت المضافات الشبابية في الأحياء، الوجه الأهلي المخفف لتلك الهيمنة. هذه المضافات تخفتُ حيناً وتزدهر احياناً، وفقاً للظروف والحوادث السياسية والأمنية المتناسلة. أما وظيفتها وغاياتها فمتنوعة ومتداخلة: إشعار الأهالي أو السكان من لون طائفي معيّن بأنهم يسيطرون على الأماكن العامة، وبأنهم في “حماية الشباب” وصور الزعماء والقادة والشهداء المرفوعة مرفرفةً على المضافات، الى جانب الأعلام والشعارات الحزبية التي لا تخلو من التهديد والوعيد من أمثال: “ويلكم اذا نفد صبره”. في مقابل وظيفة السيطرة والحماية، هنالك وظيفة أخرى معاكسة للمضافات الشبابية الحزبية: إشعار الأهالي من لون طائفي آخر بأنهم مهدَّدون ومغلوبون على أمرهم ومراقَبون، بل في عراء من الحمايات الأهلية، وعليهم الاذعان والانكفاء.

غلبة ومآرب أهلية
في هذا المعنى تشكل المضافات حاميات أهلية وأمنية لفئة مسيطرة من السكان، ومهدِّدة وغالبة لفئة أخرى. أليست، اذاً، وجهاً من وجوه غلبة أهلية، وحرب أهلية خفيّة السلاح الذي غالباً ما تنطلق في الهواء رشقات رصاصه من هذه المضافات وجوارها، غاضبةً محتفلة متوعدة، في اثناء الاطلالات الخطابية المتلفزة لهذا الزعيم أو القائد المنتصر أو ذاك؟ هذا فيما هو يقول لأنصاره وجمهوره إن عليه إن يمتنع عن إطلاق النار في مثل هذه المناسبات، كأنه في قوله هذا يطلب عكسه ونقيضه! أليس هذا مركباً اساسياً ومبدئياً في سياسات الجماعات اللبنانية التي غالباً ما تضمر خلاف ما تنطق به من شعارات مستهلكة، وتسلك وترسم مآربها انطلاقاً مما تضمره، استئناساً بسياسات الرياء والمراوغة والتقيّة؟

مستنقع الإحباط والقنوط
اذا كانت المضافات قد نشأت في هذه الظروف والسياقات الاجتماعية والأهلية المحتقنة، فكيف يمكن وصف روّادها وجمهورها وصفاً تفصيلياً موضعياً وعيانياً؟ قد يحتاج مثل هذا الوصف الى استطلاعات ومشاهدات ميدانية يومية شبه إتنوغرافية.
غالباً ما تنعقد المضافات وتزدهر في أوقات ما بعد الظهر والأمسيات والسهرة، لأن ناشطيها وروّادها الشبان والفتيان والرجال، يستغرقون في نوم متأخر في الصباحات. وهم في لقاءات المضافات هذه، تشتبك في صلاتهم علاقات الجوار السكني في الحي بعلاقات القربى والنسب والانتماء الى قرية ومنطقة سابقتين على الإقامة في الأحياء المدينية. ويجمع هذه الصلات ويشدّها الى بعضها ويعضدها الانتساب الى طائفة معينة، والولاء لتنظيم أهلي طائفي معيّن. هذا النسيج الفسيفسائي المتشابك يجد مظهراً مسرحياً وظائفياً لانعقاده وتجلّيه في المضافات. فبدل أن يتفرق شبّان الأحياء كلٌّ الى غاية وشاغل وعمل، يجدون في التئام المضافة في حيّهم السكني حضناً حميماً وأليفاً يعوّضهم عن البطالة والتشتت والذوبان في أدوار حياة مهنية واجتماعية قوامها الانصراف الى سياقات ومسالك متباينة ومختلفة، يفترضها القيام بأود النفس الفردية والشخصية. غالباً ما يكون هؤلاء الشبّان والفتيان من أصحاب السير التعليمية والمدرسية المضطربة والمنقطعة وغير المكتملة. لذا ينصرفون الى أعمال ومهن صغيرة متواضعة لا تحتاج الى خبرات وتأهيل وإعداد، إلا في الحدود الدنيا. غير أنهم غالباً ما لا يستقرّون في هذه الأعمال والمهن، فيتنقلون بينها محبطين قانطين، قبل أن يتركوها الى بطالة تجد ملاذها في شبكات العلاقات والحياة على الأرصفة في الأحياء السكنية، حيث تكون شبكات المنظمات الأهلية وأجهزتها الجماهيرية في انتظارهم، فتتلقفهم وتدرجهم في أطرها الفضفاضة التي يشكل الحي والشارع مسرحها اليومي. هكذا تنتشل هذه الأطر المفتوحة الشبانَ والفتيان من إحباطهم وقنوطهم، وتمنحهم دوراً وقوة ومعنى، فينخرطون فيها انخراطاً عضوياً، يجعلونه هوية لهم ومأوى وملاذاً. في هذا السياق ينشئ هؤلاء الشبان والفتيان المضافات على الأرصفة والنواصي في الأحياء، فيداومون على ارتيادها وتكريسها مكاناً للقاءاتهم وجلساتهم اليومية: يلعبون الورق، يشربون الشاي، يأكلون المناقيش، يتنقلون من مضافة الى مضافة على صهوات درّاجاتهم النارية، يجمع بينهم الولاء الى تنظيم أهلي واحد، يمكن تسميته مستنقع الاحباط والقنوط.

العمران نموذجاً لسياسات الخراب اللبنانية

أكتوبر 5, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 28-09-2013

Vanessa-Gemayel-Rond-Point

هل وصل لبنان إلى مرحلة استحالة تدارك سقوطه في مهاوي معضلات مزمنة؟ من زاوية هذا السقوط، أين هي معضلة التكالب العشوائي على العمران والبناء؟ على الشواطئ والروابي والجبال ينصب اللبنانيون أبراج شموخهم وسط حفلة تنكرية يزدرون فيها تراثهم الحضاري المعماري، فيما هم يتزاحمون على هدمه، وعبادة كل ما هو هوية عصبوية خرافية من هذا التراث، ليظل لبنان بلداً منذوراً للحروب والدمار.

على مدخل من مداخل زقاق البلاط وأمثاله من الأحياء البيروتية التي صمدت بعض بيوتها وقصورها التراثية المهجورة المهملة والمتداعية أمام زحف الهبّات العقارية المتعاقبة وتشييد الأبراج المحدثة الشاهقة، نصبت وزارة الثقافة اللبنانية لافتات معدنية كتبت عليها: “حي ذو طابع تراثي”. نَصْبُ هذه اللافتات، وإعداد ما يسمّى “لائحة جرد” للبيوت والمباني التراثية، هو ما استطاعت الوزارة الجديدة، شبه الإسمية او الافتراضية في عملها وسلطاتها، أن تفعله (مع مديرية الآثار الملحقة بها) في مجال المحافظة على بقايا التراث المعماري الآيل الى الانقراض المتسارع في لبنان، لتبقى تلك اللافتات شاهداً على انقراضه، كمعلّقات الوقوف على الأطلال. هذه الوظيفة للافتات ليست مجازية قط. فالكثير من البيوت والقصور والمباني التراثية في الأحياء المنصوبة فيها اللافتات، سارع وارثو ملاّكها أو وكلاؤهم الى المساهمة، خفية وبإرادة صلبة، في تنشيط تداعيها وانهيارها، فسيّجوها وألصقوا على السياجات لافتات كتبوا عليها: “انتبه… هذا المبنى آيل الى الانهيار” أو “السقوط”. غاية هذا الإعلان ماكرة وخبيثة. ففي معرض إدعاء تنبيه العابرين قرب المبنى الى تلافي الخطر و”المحافظة على السلامة العامة”، لا يشاء المعلنون رفع المسؤولية عنهم فحسب، في حال انهيار المبنى على عابرين، بل يتمنّون، نكايةً بالوزارة ولافتاتها ولائحة جردها، أن ينهار المبنى في أسرع وقت، ويؤذي عابرين لتتحمل الوزارة نفسها نتائج إدعاء المحافظة الشكلية على التراث المعماري. وذلك بمنعها أصحاب البيوت التراثية، منعاً همايونياً، من التصرف بملكهم المهجور الخرب الذي لن يحرره سوى انهياره من اللائحة الهمايونية التي تجعله موقوفاً وتحرمهم من أن يجنوا ثروات من بيعهم العقار أو من تشييدهم في مكانه بناية حديثة شاهقة في واحدة من الهبّات العقارية الملتهبة في بيروت ولبنان كله.
في ما تظهره وتخفيه، لا تلخّص هذه الوقائع، السلوك الماكر لفئات واسعة من اللبنانيين، ولإجراءات مؤسساتهم الإدارية العامة، في مجال العمارة والتنظيم المدني والعمراني، بل هي نموذجية في دلالتها الى ممارساتهم الأخلاقية والسياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية. المكر في هذا السلوك، قرينه الجشع والأنانية، و”من بَعد حماري ما ينبت حشيش” أو “الطوفان”، على ما يقول المثل العامي الشائع والحبيب على قلوب معظم اللبنانيين، والذي يكاد أن يكون الابرز والأقوى في فوضى سلوكهم وعلاقاتهم وإدارتهم مؤسساتهم العامة، منذ أزمنة بعيدة.

jana-traboulsi

عشوائية مزمنة
من نافل القول إن حروب اللبنانيين (1975 – 1990) دمّرت مجتمعهم وعمران بلدهم ودولتهم التي ارتضوا بها على مضض. لكن هذا التدمير المديد، كانت له سوابقه البطيئة، وخصوصا على صعيد العمران والبيئة في المدن كما في الأرياف. ففي دراسة وضعها العام 1996 الخبير العمراني والبيئي الدكتور عادل مرتضى، نجد أن العامل الأساسي المزمن في تردي الأوضاع العمرانية والبيئية اللبنانية، هو بدائية التخطيط والتنظيم في تصنيف استخدام الأراضي والعمران عليها، من دون تطوير وتحديث يذكران، منذ نشوء الدولة اللبنانية الحديثة العام 1920 حتى اليوم. تتجلى البدائية المزمنة في وجهين اثنين لاستخدام الأراضي:
- أراضٍ مصنّفة ومنظّمة، يُسمح بالبناء عليها وفق معايير غائمة، واهية وبدائية، لا تلحظ التوسع العمراني ولا تحدده في المنطقة ومحيطها، ولا تحدد العلاقة بين المناطق وامتداداتها المحتملة، ولا بين الأبنية المتجاورة. إضافة الى هذا الإهمال البنيوي العام، هناك أيضاً غياب كلّي للاهتمام بالمعايير الفنية والمعمارية والجمالية للأبينة، وبعلاقات التجانس والتلاؤم بينها وبين الفضاء العام، من شوارع وطرق وسواها من خدمات مشتركة. تبلغ مساحة الأراضي المشمولة بهذا التصنيف عشر مساحة لبنان فقط.
- أراضٍ غير مصنّفة تشمل المساحة المتبقية من لبنان، وينطبق عليها قانون الاستثمار العام البدائي، أي اللاقانون واللاتنظيم، ومن دون أي تمييز بين الاستعمالات المختلفة للأراضي. هذا ما أدى إلى ترك المبادرة لملاّك الأراضي في استعمالها كما يشاؤون ويرغبون، بلا حسيب أو رقيب، ولا تنظيم وتخطيط.
هذا التصنيف العام البدائي للأراضي، هو العامل البنيوي الأبرز في الفوضى العمرانية القائمة منذ خمسينات القرن العشرين والمستمرة حتى اليوم على حالها، في ظل عدم وضع مخطط توجيهي شامل ومتكامل، متجانس ومركب، للعمران في لبنان. بدون هذا المخطط الذي ينسّق التوسع العمراني، يستبقه ويرشده، ويحدد استعمالات الأراضي تحديداً دقيقاً، سيبقى لبنان غارقاً في عشوائية عمرانية، صار من المستحيل تداركها على الأرجح، إلا على نحو جزئي. يشهد على ذلك ما نحن فيه اليوم من فوضى بلغت أشدّها في السنين الاخيرة. وكان بعض الاختصاصيين والمهندسين أشاروا إليه وتوقعوه منذ نهاية الخمسينات، لكن من دون جدوى، فبقيت المخططات التوجيهية عشوائية وجزئية وآنية، ومحدودة التأثير في حركة العمران وتوسعه بقفزات مضاعفة.

Vanessa-Gemayel-view-from-my-room

تجّار حروب
كان لغياب المخطط التوجيهي الشامل أثره البالغ في ما آلت إليه أحوال لبنان العمرانية والبيئية وفي نوعية الحياة. لكن هذا الغياب الذي تقع مسؤوليته على الإدارة العامة والعهود السياسية والحكومات المتعاقبة، لا يعفي اللبنانيين، مجتمعاً وجماعات ومنظمات ناشطة في المجتمع المدني وتجّار بناء وهيئات ونقابات، من هذه المسؤولية. فالمجتمع استغل غياب التخطيط والتنظيم والقوانين، بل احتال على القليل القائم منها، وترك العمران والبناء يتوسع فوضوياً وعشوائيا وفق حاجاته الملحة، وفي خدمة مصالحه الآنية والأنانية الخاصة والمدمرة. اذ يندر أن رفعت جماعة أو هيئة أو نقابة مهنية أو منظمة حقوقية صوتها محتجةً على ما تتعرض له البلاد من تشويه وتدمير عمرانيين وبيئيين، الا اذا كان الأمر يتعلق بشؤون جزئية أو فئوية خاصة. أما تلك الفئة من سماسرة العقارات وتجّار البناء الجاهز، فاستغلت غياب التخطيط والقوانين في أزمنة الحرب وقبلها بسنين طويلة، وراحت تشيّد المباني كيفما اتفق، من دون أي حساب إلا للأرباح السريعة. هذه الظواهر كلها، لها مصادرها العميقة في الذهنية والأخلاق اللبنانيتين. وهي تجلّت أبهى تجلّيها في مجال العمران والبناء، فبنى اللبنانيون مدنهم وأحياءهم وقراهم ومساكنهم كأنهم “تجّار حرب” في بلد غير بلدهم وعلى أرض غير أرضهم.
حين عصفت الحروب بلبنان وأهله، وأخذت تدمّر عمرانه وتشرّد جماعاته وتهجّرها، كان على اللبنانيين أن ينتظروا طوال عقدين من سنوات القتل والتدمير والتشرد والهجرات، كي يستفيقوا من الكابوس على بلد صار نحو نصف شعبه من المهجّرين الذين احتل قسم كبير منهم بيوت الآخرين ومنازلهم، ولاذ قسم آخر ببنايات قيد الانشاء أو متصدعة ومبقورة في الأحياء القريبة من خطوط التماس الحربية، وخصوصاً في وسط بيروت التجاري القديم وسواه من المناطق والأحياء الراقية التي هجرها ساكنوها.
في الاثناء كانت أحياء وبلدات وقرى تدمَّر ويهجَّر أهلها، ويحتلّها أهل آخرون، ينهبونها ويقيمون في خرائبها. أما الضواحي المدينية التي كان بعضها لا يزال قرى ريفية ساحلية، فتوسع فيها العمران العشوائي على مثال مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، من دون أن يتوقف هذا النوع من العمران، بل تزايد أضعافاً مضاعفة في سنوات ما بعد الحرب، فلم تبق في هذه الضواحي مساحة صغيرة تخلو من الإسمنت والجدران المتلاصقة. حتى التلال والروابي والجبال القريبة من المدن الساحلية والداخلية، انغرست فيها البنايات انغراساً فوضوياً ومتلاصقاً متشامخا، بلا تخطيط طرق وشوارع ولا بنية خدمات تحتية، إلا ما جادت به ضرورات تجّار البناء الجاهز والأهالي المستعجلين، فنشأت كتل ضخمة من العمران العشوائي غير الرخيص في التكلفة المادية، على التلال والجبال قبالة الساحل. هذا كله لم يتوقف بعد الحرب، بل استمر ولا يزال قائماً حتى اليوم. من نتائجه تقلص الأراضي الزراعية من 20 ألف هكتار عشية الحرب إلى ما يقل عن 9 آلاف هكتار. في سهل البقاع الزراعي أقيمت المباني شبه العشوائية على جانبي الطرق وسط السهل. هكذا فقد لبنان في السنوات الثلاثين المنصرمة معظم ثروته النباتية والحرجية التي تقلصت إلى 4 في المئة من مساحته الإجمالية. وفي الجبال يقضي انتشار المقالع والكسّارات على الأحراج المتبقية، ويغيّر معالم الطبيعة ويلوّث المحيط بالغبار. وبحسب نقابة المهندسين أصبحت مخططات ونظم عمران المدن والقرى اللبنانية قديمة لا تتماشى مع الظروف القائمة. فهناك مناطق كبرى كثيرة بُنيت بكاملها، وأحياء سكنية وتجارية نشأت في زمن الحرب وما بعدها، لا تزال كلها خالية تماماً من البناء في سجلات الدوائر العقارية وفي مخططات التنظيم المدني. الضاحية الجنوبية مثلاً، لا تزال نسبة 60 في المئة من مساحتها خالية من البناء في سجلات الدوائر العقارية، بينما تؤكد الوقائع اليومية والمشاهد العيانية أن المساحات القابلة للبناء فيها يكاد يندر وجودها.

Zena-Ass-_my-city

عبادة الخاص: ازدراء العام
وضعت الحرب أوزارها، واندفعت الهبّات العمرانية والعقارية بقوة فوضوية لافتة، لتعوّض ما فات من انكماش في زمن الحرب. فها هو الشريط الساحلي اللبناني الضيق والجبال المطلة عليه، يتحوّلان عقاراً واحداً موحداً تتناهبه فوضى الإسمنت وتعدياته، وفق روزنامة الجماعات المختلفة. فبعضها يندفع تحت إلحاح توسع ديموغرافي وعمراني، وفائض من القوة الأهلية المسلحة في مناطق كثيرة. وبعضها الآخر ينكفئ ديموغرافياً وعمرانياً للدفاع عن هوية وملك عقاري، مهددين في مناطق أخرى، ضعفت سطوة أهلها وما عاد ينفعهم طلب الحماية من أجهزة ومؤسسات دولة سائبة وعلى حافة الانهيار. هذا ما يجعل من لبنان العمراني والعقاري مرآة لجغرافيا بشرية وديموغرافية وسكانية لحروب اللبنانيين العلنية والخفية في أوقات سلمهم الأهلي البارد، ومرآة لنمط عيشهم و”تعايشهم” وأعمالهم المتدافعة لجعل العقار مصدراً أساسياً للإستثمار والإثراء السريع. وذلك حتى في مناطق العمران العشوائي المكتظة البائسة التي يستعمل أهلها فائض قوتهم في التنافس المحموم على الاستيلاء على أملاك خاصة وعامة. العامل الحاسم في استثمار الهبّات العقارية والعمرانية، العشوائية، المشروعة منها وغير المشروعة منها، هو الفوضى والتربص والتحاسد والتسابق على اقتناص الفرص وصولاً الى ربح وإثراء سريعين.
هذه هي حال بيروت الكبرى اليوم، الممتدة من الدامور جنوباً وجونيه والمعاملتين شمالاً وعاليه شرقاً، حيث تغلب على العمران والبناء فوضى تشمل حتى المميز والمرتفع الأسعار والنخبوي منهما. فمن مفارقات حياتنا اللبنانية أن اللبنانيين على العموم، يتشددون ويغالون في طلب الرفاه والأناقة في حياتهم الفردية والخاصة، سكناً وأثاثاً وملبساً واقتناء سيارات فخمة وسواها من سلع الرفاه والاستهلاك، في مقابل مغالاتهم في إهمال الاهتمام بأيٍّ من شؤون الحياة العامة المشتركة ومستلزماتها في العمران والبناء والخدمات وتنظيم السير وسواها من وسائل النقل، وفي استعمالات الأرصفة وأماكن الاستراحة والترفيه العمومية. الأرجح أن وجهَي المغالاة هذين، ليسا متعارضين إلا شكلياً، إذ هما يتقاطعان ويتداخلان في صدورهما عن ثقافة وسلوك لبنانيين – وإن بتفاوت بين الجماعات – يحكمهما الاستئثار والأنانية المستعجلان والمنفلتان من كل ضابط. وإلا، ما معنى الإمعان في تدمير كل ما هو مشترك وعمومي، وفي أحسن الأحوال إنعدام المسؤولية حياله، وتركه للإهمال والتأكل والانحطاط، في مقابل الإمعان المَرَضي في طلب الرفاه الفردي والشخصي والخاص؟! كأن اللبنانيين لا يستثمرون طاقاتهم وجهودهم وما يتمتعون به من حرية وحس “جمالي” تزييني، إلا في المجال الفردي الخاص، تاركين العام والمشرك إما للتسيب وإما للإستيلاء عليه والتصرف به كملك خاص. مثل هذه الثقافة تنطوي على تقديس الخاص ونصبه وثناً للعبادة، في مقابل ازدراء العام والمشترك ومناصبته العداء والحرب.
من الأمثلة الراهنة والجزئية على هذا السلوك، ما يحدث في ساحة السوديكو نزولاً إلى تقاطع شارع بشارة الخوري مع طريق الشام. فالمنطقة هذه لم تعثر على هوية ووظيفة عمرانيتين. ساحة الشيخ الرئيس الراحل بشارة الخوري، وتمثاله، متروكان للتسيّب والإهمال منذ سنين، برغم أنهما مسرح تقاطع سير وعبور كثيف ما بين “البيروتين”، وهما قريبان من وسط بيروت الجديد والفخم، وتصب فيهما تقاطعات السوديكو ورأس النبع وحوض الولاية والخندق الغميق. لذا هبّ العمران الخاص في جنبات الساحة، مختلطاً بالإنشاءات العامة (جسر ونفق كبيران)، من دون أن تنبئ هذه الهبّة بالهوية العمرانية للساحة ومحيطها القريب. لكن الأكيد والواضح أن العمران الجديد جرف عدداً من البيوت البيروتية القديمة أو التراثية التي هُدمت ولا تزال بقايا بعضها تنتظر استكمال الهدم، من دون أن يعبأ أحد بلافتات وزارة الثقافة وعبارتها “حي ذو طابع تراثي”.

Zena-Assi-DSC01714-640_547339_large

أبراج الشوارع الضيقة
من الظواهر العمرانية والمعمارية المستجدة في بيروت السنوات الخمس عشرة الأخيرة، ظاهرة تشييد أبراج سكنية شاهقة على جنبات شوارع داخلية ضيقة، وعلى واجهة العاصمة البحرية. الأبراج هذه يشيَّد كلٌّ منها على نحو مستقل عن شارعه ومحيطه، فلا يُحسب أيّ حساب لمقدرة الشارع والمحيط على استيعاب ما يحتاجه البرج من خدمات متنوعة، كأنه يتعالى ويشهق وحيداً في صحراء. لكنه يتعالى ويشهق حقيقةً وواقعاً في زحمة واختناق عمرانيين يضاعفهما البرج المتسامق في صلف وفخامة هما مرآة صورة من يشيَّد لهم عن أنفسهم وتمايزهم، غير آبهين بما يحوط بالبرج من ازدحام واختناق عمراني. أما بحر بيروت فسُدَّ بسلسلة من الأبراج لا تقيم أيّ وزن للتآلف والتجانس مع تراث المدينة العمراني، البحري والمتوسطي، ولا مع حاجات ساكنيها. هذا مع العلم بأن عدداً لا بأس به من شقق هذه الأبراج لا يزال شاغراً في انتظار زبائن من نخب تحصّل ثرواتها في الخارج على الأرجح، ولا تكلف نفسها عناء الاستثمار في غير العقار والمضاربات العقارية.

فخامة وفوضى
أما المشروع العمراني الأبرز في لبنان ما بعد الحرب، فهو مشروع إعمار وسط بيروت الذي بدأت ترتسم ملامحه ومعالمه ووظائفه الجديدة الراهنة والمستقبلية. لقد رُمّمت المباني التراثية، وشيِّدت مبانٍ جديدة، وظهرت الأنشطة المدينية للوسط، وأنشئت خدمات البنية التحتية بمواصفات رفيعة. لكن اللافت أن إدارة شؤون الوسط وخدماته التي لا تتولاها شركة “سوليدير” بل تضطلع بها المؤسسات العامة والحكومية، بدأ يظهر أنها تعاني من بعض الفوضى والتضارب اللذين ينعكسان سلباً على الوظائف والأنشطة المدينية في الوسط الجديد. فالشوارع الكثيرة المحيطة بمجلس النواب، مقفلة ولا يسمح بالمرور فيها لغير المشاة، لأسباب “أمنية” تجعلها أشبه بمنطقة مقتطعة من الوسط، وتسري عليها إجراءات استثنائية خاصة. الطرق التي تحوط مبنى الإسكوا، أقفلت أخيراً للأسباب نفسها. وكانت أُقفلت شوارع إضافية قبل إقامة الرئيس سعد الحريري في ما يسمّى “بيت الوسط”. هذا كله ضيّق مساحة الوسط المديني وقلل عدد الشوارع المفتوحة فيه. لكن هذه أيضاً تتكاثر على جنباتها، وفي وسطها أحياناً، الحواجز الإسمنتية المصطفة لمنع إيقاف السيارات، ولأداء مهام تنظيمية في إدارة السير وتبديل اتجاهاته، بديلاً من الإشارات الضوئية ومن وظائف شرطة السير. في ظهيرة كل نهار جمعة، تقفَل الشوارع المحيطة بجامع محمد الأمين، وتتحول مرأباً ضخماً لسيارات المصلّين في المسجد. وفي الشوارع التي تتكاثر فيها المحال التجارية والمطاعم، يأبى زبائنها أن يمشوا خطوات قليلة للوصول اليها، ويصرّون على الخروج من سياراتهم الفخمة أمامها. لذا غالباً ما يقوم “الفاليه الباركينغ” التابعون للمحال والمطاعم بالتواطؤ مع عناصر شرطة السير على أن يوقف الزبائن سياراتهم على جنبات الشوارع أمام المحال والمطاعم.
تؤدي هذه الظواهر مجتمعةً الى اختناقات سير في الكثير من نواحي الوسط وشوارعه. في هذا السياق تبرز ظاهرة تكشف عن حال من الفوضى التنظيمية والإدارية والأمنية في تدبير شؤون حيّز مديني عام يعتبر الأحدث والأكثر جدة في بيروت، ولا يزال الكثير من مرافقه ومبانيه قيد الانشاء والتجهيز. هذا يبشر بأن التحديث والتجديد العمرانيين في ديارنا يقتصران على الإطناب في فخامة الشكل، فيما تُترك شؤون إدارة الفخامة المظهرية والشكلية وتنظيمها لما هي عليه مؤسسات الدولة وأجهزتها الإدارية والأمنية العامة من فوضى وتخلف واهتراء موروث من زمن الحرب، ما قبلها وبعدها.

Zena-Assi-my-city

سياسات الخراب
هل وصلنا في لبنان اليوم إلى مرحلة استحالة تدارك السقوط في مهاوي معضلات مزمنة، متراكمة، متداخلة، متناسلة، لم نعد نقوى على جبهها، فيما هي تكبر وتتضخم ككرة من الثلج، فتتضاعف سرعتها في تدحرجها بنا إلى الهاوية؟
طوال العقد الأخير من القرن العشرين حتى العام 2005، كان شعاران إثنان يتعايشان عنوةً وقسراً تحت راية الإحتلال السوري الأسدي للبنان: إعادة إعمار ما دمّرته الحروب، وبناءُ جهاز مقاومة إسلامية، فئوية و”سرّية”، تديرها إيران الخمينية وسوريا الأسد، باسم تحرير الجنوب وفلسطين، ولو على جثة لبنان. ها نحن اليوم على وشك أن ننسى أن تلك الحقبة انتهت بسلسلة من الاغتيالات الإجرامية التي لم يوقفها إلا “حرب الوعد الصادق” واحتلال وسط بيروت الجديد طوال ما يزيد على السنة، من دون أن ينتهي ذلك الاحتلال إلا بحملة عسكرية تأديبية سمّاها أصحابها “عملية جراحية” صغيرة عابرة لاستئصال “المرتدّين الخونة” للمقاومة الأبدية. هي المقاومة نفسها التي استدارت شرقاً وشمالاً لمساعدة الأسد الإبن في استئصال الغالبية الساحقة، “الخائنة والعميلة والتكفيرية”، من الشعب السوري الذي أخذت شبّانه سكرة “الربيع العربي” الزاحف تحت شعار: الحرية والكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية. فأيّ مقاومة، ومقاومة مَن وماذا، هي هذه المقاومة التي تنتقل من بلد إلى بلد، لنجدة مستبد سفّاح يُغرِق سوريا بالدماء، يدمّر عمرانها، يبيد غوطة عاصمتها بالغازات السامة، يهجّر الملايين من شعبها، ليصل أكثر من مليونين بقليل الى لبنان لاجئين عراة، يبحثون عن ملاذ ومأوى في بلد منهك تمزقت أوصاله، وتوشك دولته على الانهيار، كي يظل بلد “وعد المقاومة الصادق” المنذور للحروب والدمار؟!
تقاتل المقاومة في سوريا، يزداد عدد النازحين منها الى لبنان. تدفقهم المستمر يرعب حليفَ المقاومة الأكبر، وأحد دهاقنة الحرب والسياسة في لبنان. رعبه هذا يخرجه عن طوره، وكعادته في إطلالاته الاسبوعية المتكررة، يقف غاضباً متوعداً حاقداً صلفاً، وكمن يدفن رأسه وغضبه في الرمال يقول: ألا فلتُنصب الخيمُ للاجئين السوريين في السرايا الحكومية. من قوله هذا ينضحُ مقدار من العنصرية الدفينة والحقد والشماتة الصبيانية التي تزدري رئاسة الحكومة ما بعد اتفاق الطائف باعتبارها حصناً منيعاً يخصّ إحدى الجماعات الطائفية اللبنانية المرحبة باستضافة اللاجئين السوريين.
نسوق هذه الوقائع المتدافعة بوصفها نموذجاً لسياسات دهاقنة السياسة والحرب والمعضلات التي يتخبط فيها لبنان اليوم. ومن زاوية هذه السياسة ومعضلاتها، أين هي معضلة التكالب العشوائي على العمران والبناء؟ أليست المظهر المادي الأبرز لإجماع اللبنانيين على مراكمة المعضلات وتكديسها، ومعالجتها بالهرب منها الى الأمام، كمن يدفن رأسه في الرمال؟ على الشاطئ والروابي والجبال ينصبون أبراج شموخهم وهروبهم، وسط حفلة تنكرية لإزدراء تراثهم الحضاري المعماري، متزاحمين على تقويضه وهدمه، وعلى عبادة كل ما هو هوية جزئية، عصبوية وخرافية، من هذا التراث الذي يرفعون على انقاضه صروح حداثتهم المظهرية التي تحجب البحر والسماء.
هل مصادفة ألا تبقى في بيروت مساحة تذكِّر بذلك التراث، سوى مساحة الجامعة الأميركية في بيروت؟ كأنها وحدها لم تقوَ عليها حداثة الخراب الزاحفة، فصمدت على حالها فسحة لعمارة “أميركية” من زمن التحديث العثماني.

السديم الفاشي

سبتمبر 9, 2013

 

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 04-09-2013

هل من اسم محدد لما يعيشه اللبنانيون اليوم من تخبط واهتراء وخوف وهلع؟ إنه الفساد الذي يسمّيه الروائي والفيلسوف الإيطالي أمبرتو ايكو “الفاشية الأصلية، البدائية والأبدية”، بوصفها خليطاً متنافراً من افكار ومشاعر وممارسات متنافضة، تشكل نوعاً من السديم الفاشي، او الفاشية السديمية.

لوحة لريناتو غوتوزو

في هدأة العصر من نهار السبت 31 آب المنصرم، لعلعت فجأة موجات متلاحقة من الطلقات النارية في أرجاء واسعة من أحياء بيروتية. المرأة المسترخية المستمتعة استمتاعاً حزيناً وموحشاً برشفات من شاي ما بعد القيلولة، جالسة بين أصص نباتات بيتيّة على شرفة منزلها العالية في حي من تلك الأحياء، هرعت هلعة، منحنية، مطأطئة الرأس، من الشرفة إلى صالون بيتها. سهى، سهى، أين سهى؟! اخذت تردّد في صوت مختنق، راكضةً في أرجاء الصالون، بحثاً عن هاتفها المحمول. كانت تعلم أن سهى، ابنتها الصبية، خرجت من المنزل قبل ساعة أو اثنتين. رصاص، رصاص، إنه رصاص، بدأت “الضربة”؟، ولولت وسط دويّ الطلقات المتمادي، ثم صرخت قائلة لزوجها في الصالون، أن يشغّلَ جهاز التلفزيون.

فجأةً ظهرت على شاشة التلفزيون صورة للرئيس الأبدي لمجلس النواب وحركة “أمل”. في أسفل الشاشة شريط ثابت مكتوب عليه: الاستاذ نبيه بري يلقي كلمة متلفزة، بعد إلغاء المهرجان الخطابي في الذكرى الـ35 لتغييب الإمام موسى الصدر، بسبب الظروف الأمنية في البلاد. على شريط آخر متحرك أسفل الشاشة، ظهرت عبارة أخرى: طلق ناري أصاب امرأة في بعلبك أثناء تشييع مقاتل من “حزب الله” قُتِلَ في سوريا. للحظةٍ عابرة تخيّل زوج المرأة أن إطلاق النار يشمل مناطق لبنانية كثيرة، جنوباً وبقاعاً، مروراً بالعاصمة وضاحيتها الجنوبية، ثم سمع، وسط تمادي موجات الرصاص، صوت سيارة إسعاف في الشوارع القريبة التي تخيّلها كئيبة خاوية. استعاد للمدينة صوراً تعود الى أواسط ثمانينات القرن الماضي، رسّختها في مخيلته وحواسه نصوص تهكّمية سوداء هاذية، كتبها الشاعر محمد العبدالله في عنوان “بعد ظهر نبيذ احمر/ بعد ظهر خطأ كبير”.
في النص الذي حملت المجموعة عنوانه، سجل العبدالله صوراً عن أحوال مثقفين وأحزاب وقتلة وسماسرة وجماهير رعاعية وقادة، وفساد هائل يضرب جذوره عميقاً عميقاً في نسيح الحياة اليومية اللبنانية.

* * *

حال المرأة الهلعة وسط دويّ الطلقات النارية، وحال سواها من الناس “المدنيين” القابعين في بيوتهم في سائر المناسبات المماثلة وغيرها من يومياتنا اللبنانية المسمومة بدبيب الخوف من انفجارات السيارات المفخخة، تذكِّر أيضاً بمناخات فيلم “يوم خاص” للمخرج الايطالي إيتور سكولا الذي صوَّر مشاهد من الحياة اليومية في روما أيام الفاشية.
اليوم، لا يزال الفساد الهائل نفسه يضرب عميقاً في نسيج حياتنا اللبنانية. وهو الفساد الذي يسمّيه الروائي والفيلسوف السيميولوجي الايطالي، أمبرتو إيكو، “الفاشية الأبدية” في كتابه “دروس في الأخلاق”. يرى إيكو أن “الفاشية عبارة عن كتلة توتاليتارية غامضة”، ليست لها “إيديولوجيا موحدة، بل هي خليط من أفكار” ومشاعر وممارسات “متنوعة ومليئة بالمتناقضات”. الخليط هذا، “قابل للتكيف مع الوضعيات كلها”. لذا يمكن التعرف إلى الفاشية في “لائحة من الخصائص النوعية” لما يسمّيه صاحب “إسم الوردة”، “الفاشية الأصلية، أي البدائية والأبدية” التي يستحيل أن “تجتمع” خصائصها “في نظام واحد”. ذلك لأن معظم تلك الخصائص يناقض بعضها البعض الآخر، “لكن يكفي تحقق خاصية واحدة لكي نكون (في) سديم فاشي”.
من هذه الخصائص: عبادة الإرث أو التراث. نزعة تقليدية ترفض العالم الحديث، وتعشق التكنولوجيا. نزعة لاعقلانية ترتبط بعبادة الفعل من أجل الفعل. إيمان بالإجماع يبحث عن استثمار الخوف من الاختلاف. كبت فردي واجتماعي، ونداء الى الطبقات الوسطى المكبوتة التي همّشتها الأزمات أو الإذلال السياسي، ويضاف الى ذلك الرعب من الضغوط التي تمارسها مجموعات اجتماعية دونية. كراهية الآخر المنبعثة من مركّب هوسي قوامه الخوف من المؤامرة، ومن الشعور بالمهانة حيال غنى العدو وقوته. التسليم بمبدأ الحرب الدائمة والنظر الى النزعة السلمية بوصفها تواطؤاً مع العدو. تمجيد البطولة المرتبط وثيقاً بتمجيد الموت. فالبطل الفاشي يتمنى الموت ويستعجله، ويمكن أن يقتل كثيرين في طريقه الى البطولة. الزعيم هو الصوت المعبّر عن جموع الشعب التي لا تشكل سوى وظيفة أو دور مسرحي أو تلفزيوني.
في إيراده هذه الخصائص التلفيقية للفاشية الأصلية، ينهي أمبرتو إيكو كلامه بعبارة: “لا تنسوا أن الحرية والتحرر واجب لا ينتهي أبداً”، قبل أن يختم بمقتطف شعري لفرنكو فورتيني:
“على حافة الجسر/ رؤوس المشنوقين/ في ماء العين لعاب المشنوقين/ على بلاط السوق أظفار المعدومين بالرصاص/ على حشائش المرج الجافة/ أسنان المعدومين بالرصاص/ عُضَّ الهواء/ عُضَّ الحجر/ لحمنا لم يعد لحم الإنسان/ قلبنا لم يعد قلب الإنسان/ لكننا قرأنا في عيون الموتى/ وعلى الأرض/ الحرية سنحققها/ ولكن قبضت عليها أيدي الموتى”.

بلاد العنف والجريمة

أغسطس 9, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 03-08-2013

P23-01-N25153-640_840003_large

تتكاثر حوادث العنف والقتل وتتناسل متنقلةً في المدن والمناطق اللبنانية، فتختلط فيها وتلتبس الاسباب والدوافع الناجمة عن خلافات وخصومات ونكايات وثارات “فردية” وأهلية وعائلية وأسرية وزوجية، حتى أن خلاف أقارب أو جيران على ركن سيارة، أو خلاف شخصين غريبين على أفضلية المرور، قد يؤدي الى شجارات تتشارك فيها جموع، وتُستعمل فيها بنادق حربية، فتنتهي بقتيل أو أكثر، مما ينذر بتجددها ثارات متناسلة. كأنما العنف اللفظي والمعنوي والجسماني والمسلح، صار أحد متون لغة التعبير و”التواصل” في علاقاتنا وحياتنا اليومية التي تقيم في مفاصلها وثناياها ودوائرها أطياف وظلال وركام من اجتماع قد يصحّ وصفه بالحربي المتمدن، أو اجتماع التمدن الحربي.

حوادث العنف والقتل المتصلة بالعلاقات والحياة الزوجية والأسرية والعاطفية، التي غالبا ما تكون النساء ضحاياها، تثير صيحات ساخطة ومتهكمة أحياناً في مواقع التواصل الاجتماعي الالكترونية. اما الصيحات التي يطلقها ناشطات وناشطون في جمعيات ومنظمات مدنية وحقوقية، فغالباً ما تتوسل بهذه الحوادث وتجعلها مناسبات مؤاتية لإطلاق حملات استنكار واحتجاج تطالب بإقرار تشريعات وقوانين مدنية خاصة لحماية المرأة من العنف. غالباً ما تتلقف الناشطات أخبار الحوادث من وسائل الاعلام التي تتسابق على نشرها وإذاعتها وتصويرها وإجراء تحقيقات عنها، من دون أن تغيب الإثارة عن هذا التسابق. يلي ذلك قيام الناشطات وجمعياتهن ومنظماتهن بإدراج الحوادث في توجهات وبرامج وحملات ضد ما يسمّى “العنف الزوجي” أو “الأسري” أو “المنزلي” أو “العنف ضد النساء” والتحرش بهن واغتصابهن. غالباً ما تتصدر الحملات هذه، المظالم التي تتعرض لها العاملات الأجنبيات والنساء في حياتهن البيتية والزوجية.
اللافت في هذه البرامج والحملات والمطالبات عزلها هذا النوع من العنف وجرائمه المتكاثرة في لبنان، عن السياقات والظروف والمناخات الاجتماعية والسياسية العامة السائدة في البلاد، والمتسمة بدبيب العنف المتمادي والمتناضح في شتى ميادين الحياة اليومية. العزل هذا، هدفه حمل العنف ضد النساء وقتلهن على مجريات العيش في مجتمع مدني عادي أو طبيعي، تحتاج النساء فيه لتشريعات حقوقية وقوانين مدنية خاصة، لحمايتهن مما يتعرضن له في حياتهن الزوجية (الضرب المبرح حتى القتل احياناً، الاغتصاب الزوجي، وسواها من المظالم)، وفي الشوارع (التحرش الجنسي، اللفظي والجسماني، والاغتصاب أحياناً). كأن هذه الأنواع من العنف معزولة ومستقلة عن ثقافات الحياة اليومية، الاجتماعية والسياسية، وأشكال التعبير والعلاقات، المشرعة على انتهاكات تبدو انها الأصل والمتن في المجتمع اللبناني الراهن.
غاية الناشطات والناشطين المدنيين والحقوقيين وجمعياتهم ومنظماتهم، من عزل العنف والمظالم الواقعة على النساء، وتجريدها من دبيب العنف العام، استسهال توجيه الحملات وصبّ الملامة والتبعات على غياب التشريعات والقوانين، وعلى تقاعس الأجهزة الأمنية والمؤسسات القضائية والإدارية، وصولاً إلى معزوفة “غياب الدولة” اللبنانية عن تطبيق القوانين وملاحقة مرتكبي جرائم العنف والقتل ضد النساء، والاقتصاص منهم. هذا مع العلم بأن اللبنانيين، جماعات وافراداً، لا يتفقون على حقيقة في كلامهم اليومي، اتفاقهم على حقيقة انهيار دولتهم وغيابها، الى حد قولهم الدائم انهم يعيشون في مجتمع بلا دولة وقوانين، يتمتع بحريات فوضوية قصوى، مدمرة وقاتلة. وبما أن هذه الحرية الفوضوية أمست بنيوية في معظم ميادين الحياة، أمسى الكلام اليومي عنها شبيهاً بكفّارة عامة يمارسها كل من الجماعات والافراد، للتعايش مع الفوضى والارتكابات والممارسات العنيفة، كأنها قدر لبناني محتوم لا رادّ له ولا وازع.

P22-01-N25153-640_974502_large

ناشطو المجتمع المدني
تجريد الجرائم وعزلها من السياقات والظروف الاجتماعية والسياسية العامة، ومن ثقافة الحياة اليومية العامة السائدة في الاجتماع اللبناني الراهن، ينطويان على غايات متلازمة متداخلة:
- إضفاء طابع مدني على العنف والجرائم المرتكبة ضد النساء، والتغاضي عن جذرها العميق في ثقافة الجماعات الأهلية وعلاقاتها.
- إرادة هرب مزمنة ومتعمدة من النظر الى الجذر الأهلي للعنف، الذي صار يلابس ثقافتنا الاجتماعية والسياسية الأهلية والعصبية، وكذلك أشكال العلاقات والتواصل والتعبير في كثير من دوائر حياتنا المحلية. فالعنف يكاد يكون الظاهرة الأبرز في تصريف الخلافات والمنازعات بين الجماعات والأفراد، وكذلك في التعبير عن الأفراح والأتراح، في الظروف اللبنانية الراهنة والمزمنة.
- حاجات الناشطات والناشطين في جمعيات الحقوق المدنية والانسانية ومنظماتها المحلية الوثيقة الصلات بمنظمات دولية وغير حكومية، أوروبية وغربية، إلى تصوير المجتمع والدولة و”المواطنين” في لبنان تصويراً مجرداً أو متخيلاً يناسب طموحاتهم وصورهم عن أنفسهم ونمط حياتهم وعلاقاتهم الفردية والمدنية، على هوامش الجماعات الأهلية وثقافتها العضوية العصبية التي تتوسل بالعنف والقتل في تصريف خلافاتها ومنازعاتها، أحقادها ونكاياتها.
- حاجة الجمعيات والمنظمات المدنية والحقوقية، وكذلك حاجة العاملين فيها، الى التماسك والعمل في منأى من تجاذبات العصبيات والانقسامات الأهلية التي تهدد تماسكهم وعملهم، خشية أن تتسلل إلى متن نشاطهم المدني والحقوقي.

ثقافة العنف ودهاقنته
تتكامل هذه العوامل وتبلغ غايتها بإلقاء أسباب حوادث العنف وجرائمه وتبعاتها على كيان معنوي مجرد وموحد: الدولة والقوانين والتشريعات المدنية الحقوقية. كأنما هذا الكيان متفق على وجوده وعلى آليات عمله، وعلى استقلاله المعنوي عن الجماعات وعصبياتها وثقافتها الأهلية العصبية السائدة، التي غالباً ما تتوسل بالعنف وتمجده في شعاراتها وخطب مقدّميها وزعمائها ودهاقنتها المفوّهين الصادحين على إيقاع زخّات رصاص الأحقاد والثارات والغضب والفرح والانتصارات والاحتفالات، وانفجارات ألعابها النارية في كثير من أحياء المدن والبلدات والقرى.
الحق أن تراثنا عريق في هذا المجال. ففي المرويات الزغرتاوية – الإهدنية القديمة قول شائع مأثور يكنّي عن طرب الاهالي بزخات الرصاص التي إذا ما سمعها أحدهم من بعيد، يقول مخاطباً الرصاص: “صوتك حنون”. بلغ التغني بثقافة العنف وأدواته ذورته “السياسية” في القول المأثور الأحدث زمناً ودلالةً جماهيرية: “السلاح زينة الرجال”. في اثناء كتابة هذه السطور ها هي زخّات الرصاص لا تتوقف عن الزغردة مع المفرقعات النارية من على الشرفات في كثير من أحياء بيروت، تعبيراً عن احتفال بعض الأهالي وفرحتهم بفوز أبنائهم وبناتهم في امتحانات الشهادات الرسمية. ردّاً على هذه الاحتفالات كتب أحدهم على صفحته في الـ”فايسبوك” متمنياً فشل أبناء المحتفلين في دراساتهم الجامعية. اللافت أن الاحتفالات الطروبة بدويّ الرصاص والمفرقعات، لم تقتصر على أحياء شعبية، بل تجاوزتها الى أحياء لفئات اجتماعية متوسطة، حيث اختلطت بدويّ المفرقعات الرمضانية في أمسيات ما بعد الإفطارات العامرة.
قبل أيام من هذه الاحتفالات، احتفلت عشيرتا زعيتر وحجولا في الليلكي، بتجديد ثاراتها المتناسلة فصولها منذ 14 شهراً، على ما كتب عباس الصباع في “النهار” (26 حزيران 2013)، مشيراً الى أن العشيرتين “تدينان بالولاء للثنائي الشيعي”، “امل” و”حزب الله”. ابتدأت فصول الثأر العشائري بـ”تلاسن” بين شابين من العشيرتين سببه خلافهما على أفضلية “مرور سيارة”، فأردى أحدهما الآخر بطلقات بندقية أو مسدس. أما الفصل الأخير من عمليات الثأر، فاستمرت اشتباكاته ثلاثة أيام متصلة، وتدخل مشايخ ونواب عبثاً لوقفها، فتبادلت العشيرتان حرق محطة محروقات قرب “مدرسة الامام الخميني”، ومطعم لشخص من آل زعيتر. قبل توقف الاشتباكات بعد تدخل وحدات من الجيش اللبناني، نزحت من الليلكي الى الحدت عائلات لتأمين الهدوء والسكينة لأبنائها كي يتمكنوا من التحضير لامتحانات الشهادات الرسمية التي لا بد من أن يكون الرصاص قد زغرد للناجحين فيها.
يردُ ذكر هذه الايقاعات الخلفية وغيرها من أمثالها، للقول إن العنف الرمزي والمعنوي والمادي المسلح أصيل في ثقافات الجماعات المحلية في تعبيرها عن أفراحها وأتراحها وأحقادها وغضبها وسخطها وثاراتها الهاجعة والمتجددة. فالثقافة هذه تشكل ركناً تعبيرياً أساسياً في الاجتماع والسياسة، وفي تصريف الجماعات والأفراد شؤون حياتهم اليومية، فيسود الإستقواء بالتضامن العصبي للخروج على الدولة ومؤسساتها وقوانينها وتشريعاتها التي أمست صورية أصلاً لكثرة ما تتعرض للانتهاكات في ميادين الحياة اليومية المختلفة.
اللافت في هذا السياق أن إحدى الجمعيات المدنية والحقوقية البيروتية الناشطة في مجال مكافحة العنف الاسري والزوجي ضد النساء، قامت بتحريض نساء معنّفات لجأن اليها واستنجدن بها، على توجيه رسائل (نشرتها صحف بيروتية كثيرة) تستعطف الدهاقنة من زعماء الجماعات وأمراء الحرب والطوائف في لبنان، وتستجديهم، لإقرار قانون ضد العنف الأسري والزوجي في مجلس النواب. كأن الدهاقنة هؤلاء روّاد مجتمع مدني وحقوق مدنية وانسانية. هذا مع الإشارة الى أن الجماعات التي وجهت تلك الرسائل منعها خوفها ورعبها من توجيهها الى كبير الدهاقنة اللبنانيين في الخروج على الدولة ومؤسساتها التي اجتاحها رجاله وسيطروا على مفاصلها، قبل خروج جيشه على حدودها الجغرافية الدولية الواهية أصلاً، لخوض حروب أهلية – إقليمية، يجري وصفها بالاستباقية والجهادية والمقدسة، فتختلط في هذه الصفات ومثيلاتها الحروب الدينية القديمة بالحروب الاستعمارية، وبحروب أزمنة ما بعد الحداثة.

P22-02-N25153-640_111972_large

ماضي الأيام الآتية
وسط هذا الاختلاط الذي يقدّس ثقافة العنف الأهلي السياسي، وينصّبها مثالأً يمتنع التشكيك في مقدساته، لا يبقى لناشطي المجتمع المدني وناشطاته وللإعلاميين أيضاً، الا ذلك الكيان المعنوي المغيّب والمسمّى الدولة، للاحتجاج عليه وضدّه، وتحميله المسؤولية عن حوادث العنف والقتل ذات الطابع “الفردي” و”الشخصي” في الحياة الاجتماعية ونسيجها المعتبر “مدنياً”، على الرغم من أن تلك الحوادث وثيقة الصلة بجذور ثقافة العنف الأهلي، وبطاعون الانقسامات والعداوات السياسية.
الشاعر محمد العبدالله اكتشف هذه الجذور في بدايات حروبنا الملبننة، فكتب أنه استفاق مرةً من نومه وخرج الى الشرفة، فوجدها حرباً أهلية، بعدما كان يحسبها حرباً طبقية، على ما كان يتوهم “الرفاق الشيوعيون” وسواهم من اليساريين. أما وضاح شرارة فكان كتب قبل سنين كثيرة من كتابه “دولة حزب الله”، مقولته الشهيرة في “حروب الاستتباع”، فاستهلها بالتنبه الى جذور العنف ودبيبه في نسيج الاجتماع الأهلي المغطّى بقشرة رقيقة من العلاقات الرأسمالية والمدنية المحدثة التي سرعان ما تمزقت وتكشفت عن “مئات محمد دبوسي يعيشون بيننا”. دبوسي هذا هو أحد مرتكبي جرائم الشرف الكثيرة المدوية: قتل شقيقته على شاطئ خلده، ما بين صروح الحداثة اللبنانية في ستينات القرن العشرين وسبعيناته: المسابح الناشطة المزدهرة، مطار بيروت الدولي، وكلية العلوم في الشويفات. بعد غسله بالدم شرف الرجولة والأهل، قطع دبوسي رأس ضحيته، وحمله الى دارة المير مجيد ارسلان، ليريه رأي العين الشرف المغسول، كي يكون الأمير سنده وظهره أمام القضاء. ذلك أيام كان اللبنانيون يتغنّون بازدهار بلدهم وحداثته وتقدمه، من دون أن يروا في العنف الأهلي وجرائمه الا بقايا ثقافة نافلة تتكفل العلاقات الرأسمالية الزاحفة على المجتمع اللبناني تجفيفها ومحوها، فإذا بتلك البقايا تستفيق استفاقة المكبوت، وتجعل العلاقات الرأسمالية والحداثة اللبنانية من أضغاث الأوهام أو الأحلام.

مجتمع التحلّل العاري
مقارنة سريعة بين أخبار حوادث العنف والترويع والخطف والقتل، “غير السياسية” أو غير المتصلة مباشرة بشبكات منظمات أمنية – سياسية، في يوميات صحف النصف الأول من سبعينات القرن العشرين اللبنانية، وبين أخبار الحوادث المماثلة في صحفنا اليوم، تبيّن أن حوادث عنف السبعينات في عشايا الحرب (1975) كانت وثيقة الصلة بانتشار السلاح الفلسطيني المقاوم ومنظماته الكثيرة وزبانيتها اللبنانيين. هذا إضافة إلى أن تلك الحوادث لم تكن تحظى باستنهاض علني واضح للعصبيات الأهلية والمحلية والعائلية العارية التي تلابس حوادث العنف وتستنهضه في يومياتنا الراهنة.
فما كان يبدو ضبابياً ويطلّ ضبابه من ثنايا العلاقات الاجتماعية والسياسية ونظامها، تصلّب اليوم عميقاً وطغى على النسيج الاجتماعي، فصارت التشكيلات والنعرات العصبية والعصبوية، من طائفية ومناطقية وعشائرية وعائلية، أقرب إلى تكوّن بنية تنظيمية أساسية في مجتمع متحلل. لذا أخذت تبرز حوادث القتل “الفردية” وسواها من المنازعات اليومية في الأزقة والشوارع والأحياء والقرى، وصولاً الى تراشق مقدّمي الطبقة السياسية، ودهاقنتها، في هيئة حوادث أهلية في ملابساتها وفي ما تستنهضه من ردود فعل محلية تنخرط فيها جموع من الأهالي في الأحياء والمناطق والقرى. كأن كل مجموعة من هذه الجموع المتجاورة تسعى الى ترسيخ حقها وسلطتها المكتسبين بالقوة الذاتية العارية، في غياب أي سلطة للقانون ومؤسسات الدولة والحكم. هكذا تُظهر حوادث العنف والقتل والخطف والمشاجرات الدابّة اليوم في المجتمع اللبناني، أن هذا المجتمع تحلل الى وحدات طائفية ومناطقية وجهوية وأهلية وعشائرية وعائلية، عارية ومتنابذة، لا يكاد يجمعها جامع سوى تبادل الريبة والتربص والمخاوف والأحقاد التي تطابق الحدود الجغرافية أو العقارية للجماعات ووحداتها الصغرى.
الحوادث التي تُظهر هذه الحال من التحلل الفوضوي أكثر من أن تحصى. يبرز هذا جلياً في جريمة قتل شاب مصري وسحله في مهرجان أهلي غاضب وصاخب، وتعليق جثته على عمود إنارة في ساحة كترمايا، وتصوير مشاهد هذا المهرجان بعدسات كاميرات الهواتف المحمولة، كما تصوَّر الأعراس ومواكب سياراتها في البلدات والقرى. الحال نفسها تظهر أيضاً في جريمة أخرى أحدث زمناً: بتر العضو الجنسي لشاب من الطائفة السنية من قرية عكارية، لأنه تزوج فتاة من بلدة بيصور، رغماً عن إرادة أهلها الدروز.
الحق أن هذه الحادثة الاخيرة التي لم تنته فصولها حتى كتابة هذه السطور، تكاد أن تكون مرآة للأسوار الأهلية، المعنوية والمادية والجغرافية، التي ترفعها حولها الجماعات اللبنانية الكبرى والصغرى، من دون أيّ وازع من قانون ومؤسسات دولة جامعة. ففيما قوّضت شبكات التواصل الإلكتروني الحدود بين الجماعات والأفراد، وأتاحت للشاب ربيع الأحمد العكاري أن يتواصل مع الشابة ردينة ملاعب في بلدة بيصور قرب عاليه، فتزوجا خفية عن أهل الشابة، وأقاما في منطقة بعيدة من أهلهما، تمكن أشقاء الزوجة العروس من استدراج الزوجين الى مطعم في بيصور، حيث خطفوا الزوج واعتدوا عليه وحطموا أسنانه وبتروا عضوه التناسلي، قبل رميه في ساحة البلدة، كناية عن غسلهم العار في العلانية العامة البلدية والأهلية.
إحدى المحطات التلفزيونية صدّرت الخبر عن هذه الحادثة في نشرتها الإخبارية المسائية، كأنها وقعت على صيد ثمين. وهي اعتمدت في عرضها الخبر أسلوباً فجاً في إثارته، على ما تعوّدت أن تفعل في كثير من أخبارها، لجذب المشاهدين الجائعين الى مثل هذه الإثارة، ولزيادة رصيدها الإعلامي لديهم. بدأت المحطة نشرتها الإخبارية بالعبارة الآتية: “من الحب ما قطع”، ثم نقلت عن الشاب الأحمد قوله: “شلّحوني ثيابي وقصّولي إياه”. وقد استغرق الخبر أربع دقائق في مستهل النشرة. متبادلو التعليقات على صفحات الـ”فايسبوك”، جعل كثير منهم الحادثة مداراً لمزيج من السخرية والتهكم الجنسيين والطائفيين. إحدى الناشطات في مجال الحقوق المدنية، أنشأت على الـ”فايسبوك” صفحة خاصة مستقلة أطلقت عبرها “حملة ضغط للكشف عن مصير ردينة ملاعب”، ناسيةً مأساة الشاب الأحمد الذي تبيّن بعد أيام من خروجه من المستشفى، أن مالك المنزل المتواضع الذي يستأجره في طبرجا، رفض عودته إليه وطرده منه، لأن أهل البلدة الساحلية يأبون أن يقيم بينهم شخص ساءت سمعته، جراء الحادثة التي تعرض لها، على ما قال الأحمد في تحقيق تلفزيوني رصين عن الحادثة وتداعياتها وأمثالها من حوادث العنف والقتل، بثّته محطة تلفزيونية محلية. وروى الأحمد أيضاً أن محاولاته استئجار مسكن في مناطق أخرى، باءت بالفشل، لأن المُلاّك رفضوا طلبه فور تعرفهم إليه ومعرفتهم أنه “بطل” الحادثة التي أظهرته في مشاهد كثيرة على شاشات التلفزة الجائعة والنهمة. لقد صار الأحمد إذاً، فضيحةً أو عاراً اجتماعياً وتلفزيونياً، بسبب براءته وعريه الأهلي والعصبي اللذين حملاه على الظهور المتكرر في العلانية العامة الإعلامية، راوياً مأساته التي ستطويها قريباً مآسٍ أغرب منها وأعصى على التوقع والتخيل في مجمتع سبّاق في فنون الجريمة، وفي تحلّله المتمادي، وتحويله المجاز والخيال وقائع مادية عارية.
قد يلاحظ المتتبع تفاوتاً في أعداد حوادث العنف والقتل والثأر وتبايناً في أنواعها بين المناطق. أحياناً تتكاثر هذه الحوادث في الأحياء العشوائية من ضواحي ضاحية بيروت الجنوبية. وأحياناً تتصدر عكار وقراها حوادث العنف والقتل. فبعد يومين من حادثة الأحمد – ملاعب، “تطور خلاف بين أفراد من آل المصري في بلدة ببنين العكارية، الى تبادل النار، فقُتل عبد السلام المصري، وجُرح خمسة آخرون من العائلة نفسها (“النهار” 19 تموز 2013). العنف والقتل في هذه الحادثة عائليان، حيث تتناسل العداوات والثارات في العائلة الواحدة، من دون حاجة إلى عائلة أخرى لتبادل الثأر. هذا فيما لا تزال حادثة قتل كرم البازي زوجته رولا يعقوب في حلبا، حيّة راعفة في البلدة العكارية وفي وسائل الإعلام وحملات الناشطين المدنيين.
يبدو أن أعداد مثل هذه الحوادث مرشحة الى الارتفاع في المقبل من الأيام، بعدما أظهرت إحصاءات أن امرأة تُقتل شهرياً في لبنان في السنوات الأخيرة، بسبب جرائم الشرف والخلافات العائلية والزوجية. فالتحقيقات القضائية لم تحسم بعد ما إذا كانت بثينة الزين قد انتحرت حرقاً أم أن زوجها أحرقها، بسبب زواجه من طليقة شقيقها. في 8 شباط 2013 قُتلت بغداد العيسى في قرية الوزاني، بطعنات سدّدها شقيقها الى خاصرتها لدواعي غسل الشرف. أما صونيا ياغي فقتلها شقيقها أيضاً بطلقات نارية في منطقة باب الرمل بطرابلس، بعدما شاهدها برفقة شاب في الشارع.
لكن، اذا كانت الثقافة المحرّضة على ارتكاب جرائم الشرف والثارات العشائرية، تختلف عن بواعث الجرائم الاخرى، فإن حوادث العنف والقتل تتشابه في معظمها في استسهال الأفراد والجماعات الإقدام على الاحتكام إلى القوة الذاتية العارية، العضلية والمسلّحة غالباً، في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة اليومية وشجونها.
في عراك، بين أفراد عائلتين في بلدة بلانة الحيصة في عكار، استعمِلت فيه العصي والسكاكين، قُتِل شخص بضربة عصا على رأسه (“النهار”، 22 تموز 2013). وفيما قامت عائلة في بلدة شقرا الجنوبية، محاطة برهط من مقاتلي “حزب الله” ومقدميه، بتشييع ابنها “المقاوم” الذي “سقط أثناء قيامه بواجبه الجهادي في سوريا” (“النهار”، 22 تموز 2013)، “ادعت النيابة العامة العسكرية على ستة موقوفين لبنانيين ضبطت في حوزتهم ثلاث بنادق حربية وذخائر”، فاتهِموا بـ”تأليف عصابة مسلحة للقيام بأعمال إرهابية”. لكن المتهمين “أفادوا أنهم يؤيدون المعارضة السورية”، في إشارة منهم الى تبرير حيازتهم الأسلحة (“النهار”، 20 تموز 2013). فبأيّ معايير قانونية وحقوقية ووطنية يُعتبر نصير المعارضة السورية المسلح “إرهابياً”، قبل أن يستخدم سلاحه في نصرتها، بينما يشيّع مقاتل “حزب الله” الى مثواه معزَّزاً مكرَّماً بوصفه “جهادياً”، بعد قتاله الى جانب النظام السوري؟! في هذه الحال، ما الذي يحمل أهالي الموقوفين بتهمة “الارهاب” على القبول بهذه التهمة التي تنقلب “جهاداً مقدساً” في عقيدة “حزب الله”؟! وما الذي يحول دون إقدام أهالي “الإرهابيين” وصحبهم وجماعتهم على نصرة أبنائهم الموقوفين بالسلاح، إذا استطاعوا الى ذلك سبيلاً، على ما فعل أحمد الاسير وجماعته في صيدا؟! هذا فيما حاصرت جماعة من أهالي بلدة بليدا الجنوبية دورية اسبانية تابعة لـ”اليونيفيل”، “للاشتباه في أن عناصرها تقوم بالتقاط صور في البلدة، فاستمر الحصار نحو ساعة حتى تدخل الجيش اللبناني” (“النهار”، 22 تموز 2013)، من دون أن يعتقل الجيش أيّاً من المحاصرين، فيما “نفى مصدر في “اليونيفيل” أن تكون عناصر الدورية قد التقطت أيّ صور في البلدة” التي يبدو أنها تتمتع بحكم ذاتي أهلي في حمى “الحزب المقاوم”. أما في حي آل الكيال في بعلبك، فقد أقدم “مجهولون” على حرق “جرافة تابعة لبلدية المدينة، وأقفلوا مكبّ النفايات” في الحي نفسه، بعدما قامت “دورية من مخابرات الجيش اللبناني بتوقيف مطلوب بمذكرة توقيف” في الحي الذي اتهم أهله البلدية بـ”التورط في عملية التوقيف” (“النهار”، 20 تموز 2013). في هذه الحال، كيف يكون مجهولاً من أقدم على حرق الجرافة؟! من يوميات حوادث العنف المتنقلة في الديار اللبنانية، أقدم مسلحان يمتطيان دراجة نارية على إطلاق النار على عناصر حاجز لقوى الامن الداخلي، في محلة كورنيش المزرعة، بعد احتجاز عناصر الحاجز سيارة مخالفة، زجاجها “مفيّم” (داكن)، فاضطر عناصر الأمن الى الرد على مصادر النار، مما أدى الى إصابة أحد المهاجمين، وتوقيف رفيقه (“النهار”، 20 تموز 2013).

P23-02-N25153-640_475524_large

صندوق الفرجة
هذا غيض من فيض يوميات حوادث العنف والقتل المتناسلة في مجتمع التحلّل، مجتمع التمدن البدائي والدبيب البطيء لعنف الحروب المتمدنة. مجتمع تهجم فيه وسائل الإعلام والتواصل الالكتروني هجوماً محموماً على أخبار تحلّله الذي تحسب كل جماعة أنها في منأى منه، ويحسب الجميع أنه لا يصيبهم، بل يصيب الآخرين. كأن هذه البلاد صندوق للفرجة، يهزج كثير من سكّانه فرحين: تعا تفرّج يا سلام.

المبنى ب. دولةٌ خارجة على الدولة !

مارس 10, 2013

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 28-02-2013

الباحة الداخلية لسجن رومية وبدت ثياب السجناء معلقة عبر النوافذ

منذ العام 1998 تتسارع وتائر الشغب والتمرد في سجن رومية المركزي، وكذلك حوادث الفرار ومحاولات الفرار. معظم هذه الحوادث مسرحها المبنى ب. الذي “ينزل” فيه الموقوفون الاسلاميون، وفي طليعتهم عناصر “فتح الإسلام”. وفي ظل التسيب والفساد المستشريين في إدارة السجن، يبدو حبل الشغب والتمرد والعنف والجريمة فيه مشرّع على الغارب.

قبل انتفاضة السجناء في سجن رومية المركزي في نيسان 1998، لم يكن الخبر عن السجون ونزلائها وحوادثها حاضراً في التداول اللبناني العمومي، ولا عُرِفَ لبنان بوصفه بلد مداهمات أمنية واعتقالات وسجون، خلافاً للبلدان العربية الشهيرة بأنظمتها المخابراتية ومعتقلاتها وأدب سجونها، وخصوصاً العراق البعثي الصدّامي و”سوريا الأسد”. لكن انتفاضات السجناء في رومية والاخبار المدوية عنها لم تكرّس للبنان صورة بلد اعتقالات وسجون، قدر ما كشفت عن حال الإهمال والفوضى والتخلف في نظام هذه السجون وإدارتها، وعن أن بلد “الحريات في الشرق” والحروب الأهلية الملبننة لم يكن يوماً، ولن يكون، بلد اعتقالات وسجون. بل ان ما حدث في 1998 افتتح سلسلة متتالية من الانتفاضات والفرار من سجن رومية، لا تزال تتكرر فصولها حتى اليوم، ولا يبدو أنها ستتوقف في الأيام المقبلة.
في سنوات الحرب خلت السجون اللبنانية من نزلائها تقريباً، لكنها راحت تغصُّ وتزدحم بهم في زمن الوصاية السورية على لبنان الذي ظلت سجونه على حالها، بل تدهورت أنظمتها وخدماتها وإدارتها وضاقت مساحاتها وازدادت قسوة وإهمالاً عما كانت عليه قبل الحرب، واستشرى فيها الفساد الذي أخذ يضرب معظم مؤسسات الدولة، بعدما دمرتها الحرب، من دون أن تقوى حكومات الوصاية على انتشالها من لجة الانحطاط والفوضى والفساد. وهكذا جاءت انتفاضة سجناء رومية نذيراً من ذلك القاع الاجتماعي الذي كُدِّس فيه من ساقتهم أقدارهم وأفعالهم الى بؤسه وقسوته: 30 سجيناً في زنزانة لا تستوعب أكثر من عشرة، ثلاثة آلاف سجين ينتظرون المعاينة الصحية لدى طبيب واحد. أعداد كبرى من السجناء موقوفون منذ سنوات من دون محاكمة، ومنهم مرتكبو جرائم مخدرات هي أقرب الى مآسٍ انسانية منها الى جرائم. لم يكن بين السجناء المنتفضين آنذاك سوى 23 سجيناً موقوفين بتهمة الخطف والارهاب والاعتداء على أمن الدولة. وبعدما أحرق المنتفضون الفرش والأغطية وحطموا زجاج النوافذ وخلعوا بوابات الزنازين، وشطب بعضهم جسمه بآلاتٍ حادة، أذاعوا مطالبهم، فجاوبهم وزير الداخلية، ميشال المر آنذاك، عبر مكبر للصوت قائلاً إن 80 في المئة من المطالب محقة، و95 في المئة منهم يمكن أن يكونوا بريئين. ثم وعد بعرض أوضاع السجون في جلسة مجلس الوزراء، بغية إصلاحها وتحسين خدماتها وأنظمتها، لكن الانتفاضة تلاشت بعد يومين، وذهبت الوعود أدراج الرياح، وتفاقم الاكتظاظ والبؤس والإهمال في زنانين رومية التي استضافت في مطلع العام 2001 موجات متلاحقة من المعتقلين والموقوفين الإسلاميين بتهم الإرهاب والاعتداء على أمن الدولة في حادثة الضنيّة الشهيرة التي هزّت لبنان في الليلة الأخيرة من الألفية الثانية. ومذذاك برز “المبنى ب” بوصفه مرتعاً للموقوفين الاسلاميين من دون محاكمات، وأخذ أهالي هؤلاء ينظمون وقفات احتجاجية بمساعدة هيئات دينية للإسراع في محاكمة أبنائهم السجناء على ذمة التحقيق، والذين قاموا بدورهم بحركات احتجاج داخل السجن، منها إضراب بعضهم عن الطعام في أيار 2002، عشية الاعلان عن بدء محاكماتهم. لكن فصول موقوفي الضنية الإسلاميين ظلت مفتوحة حتى عشايا الانتخابات النيابية الأولى من دون وصاية سورية في صيف 2005، والتي أدت الى عقد صفقة “سياسية” ضربت عرض الحائط بالإجراءات القضائية والقانونية، فجرى الإفراج عن عدد من الموقوفين الإسلاميين لأسباب انتخابية، في مقابل الإفراج عن قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع، في عملية تذكير بتبادل طائفي للمخطوفين في زمن الحرب.

انتفاضات وفرار

لم ينه ذلك قصة “المبنى ب.” في سجن روميه، بل هو تكرس سجنا للموقوفين الاسلاميين قبيل انفجار حرب مخيم نهر البارد  بين الجيش اللبناني ومسلحي منظمة “فتح الاسلام” في ايار 2007، فتكدس في المبنى مئات من المعتقلين بتهمة الانتماء الى تلك المنظمة وسواهم من الاسلاميين. هؤلاء جلهم من الفلسطينيين والسورييين الى اسلاميين طرابلسيين وعكاريين. وفي تقرير نُشر على مدونة “الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب”، ورد ان 50 سجيناً في روميه توفوا العام 2007 نتيجة تدهور الخدمات الصحية في سجن اختصرت ادارته سبب وفاتهم بالسكتة القلبية، من دون ان تجري تحقيقاً في الامر. ومنذ مطالع العام 2008 تتالت في السجن حوادث الشغب والتمرد في مبنيي المحكومين والموقوفين، اضافة الى حوادث فرار ومحاولات فرار من المبنى ب خصوصاً. بدأ ذلك في 24 نيسان 2008 بعملية شغب في مبنى المحكومين، تحولت تمرداً احتجاجاً على انعدام التدفئة والتبريد وسوء التغذية وغياب الاسرّة واهتراء المراحيض وعدم وجود مياه ساخنة في السجن، فأحرق السجناء الفرش والأغطية. استمر التمرد حوالى 9 ساعات، وتمكن السجناء من اسر عريف و5 مجندين من قوى الامن، فجرت مفاوضات بين ادارة السجن وقائدي التمرد، احدهما فلسطيني والآخر لبناني. وبيّنت تحقيقات صحافية ان الانقسامات والنعرات والاحتقانات القائمة في المجتمع اللبناني انتقلت الى السجناء وأخذت تحدث شجارات في ما بينهم، كما تردّد ان رجال الامن يعاملون السجناء بناء على انتماءاتهم الطائفية.
أعقبت هذا التمرد عملية فرار موقوف من “فتح الاسلام” السوري طه احمد حاجي سليمان من “المبنى ب.” فجر 18 ايلول 2009، فيما قُبض على سبعة سجناء آخرين من المنظمة عينها حاولوا الفرار بواسطة أغطية موصولة كحبال مدّوها من الطبقة الثالثة من مبنى المحكومين الى باحة السجن الرئيسة، بعد قيامهم بقطع حديد نافذة القاووش بنصلة منشار. وتبيّن ان عملية قطع قضبان الحديد والتحضير للفرار استغرقتا اسبوعين، وضع السجناء في اثنائهما معجوناً اسود في مكان القضبان المقطوعة تضليلاً للحراس. وصبيحة عيد الاضحى في 22 تشرين الثاني 2010 تمكن السجين وليد البستاني من الفرار، فيما باءت بالفشل محاولة زميله السوري منجد الفحام اللحاق به. كلا السجينين من “فتح الاسلام”، وبيّنت تحقيقات المفتشية العامة في قوى الامن الداخلي تورط مجند في قوى الامن في تسهيل عملية الهرب، بتأمينه للسجينين جهازا صامتا (صاروخا) لقطع الحديد يعمل على البطاريات، فقطعا به حديد نافذة القاووش. وبواسطة حبل أمّنه لهما المجنّد تمكن البستاني من النزول من الطبقة الخامسة الى باحة السجن الخارجية. وهذا ما لم يستطعه الفحام بسبب انقطاع الحبل، فهوى الى الباحة واصيب بكسور في عظامه ادت الى بقائه مغمياً عليه يئن حتى غروب نهار العيد، فسمعت احدى الزائرات انينه وأبلغت الحراس الذين نقلوه الى مستشفى السجن. اما البستاني فكان انتظر خروج قوافل الزوار واندس بينهم وخرج من بوابة السجن الرئيسية.
كان العام 2011 حافلا بتمرد سجناء رومية وبفرار بعضهم. ففي مطلع نيسان من ذلك العام بدأ السجناء تمرداً واسعاً ضد ما اعتبروه إجراءات انتقامية قام بها ضدهم ضابطان من قوى الأمن الداخلي في بداية احتجاجهم على سوء المعاملة. استمر التمرد ثلاثة أيام ما بين 5 نيسان  و8 منه، أشعل السجناء في أثنائها حرائق في المبنى ودمروا بعض محتوياته، فقتل السجين روي عازار في انفجار قنبلة صوتية حاول رميها على عناصر القوة الأمنية أثناء قيامها بعملية دهم السجن لإنهاء التمرد. أما السجين جميل أبو غني فقضى بأزمة قلبية حادة في نهاية عملية الدهم. لكن الجديد كان قيام أهالي السجناء بتجمعات احتجاجية أمام السجن، وإذ لم يُسمح لهم بالدخول إليه، قاموا برشق رجال الأمن بالحجار وقطعوا الطريق المجاورة للسجن، ما حمل عسكرياً من فوج المغاوير على قيادة سيارته مسرعاً محاولا تفريق المعتصمين، فصدم إمرأة هوت إلى الأرض وأصيبت برضوض في رجلها، فنقل الاهالي الاعتصام الى أمام مجلس النواب. بعد أربعة أشهر، في منتصف ليل 13 آب 2011، نشر خمسة سجناء في “المبنى ب” حديد شباك زنزانتهم، وخرجوا منها تباعاً هابطين بواسطة شراشف موصولة إلى باحة السجن الخارجية، ثم إندسوا بين الزوار وفروا. ثلاثة منهم ينتمون إلى “فتح الإسلام”، هم السوريان عبدالله سعد الدين الشكري وعبد العزيز أحمد المصري، واللبناني عبد الناصر سنجر. أما الآخران فهما موقوف سوداني وآخر كويتي من تنظيم “القاعدة” يدعى “أبو طلحة”.
العام 2012 كان حافلا بدوره بعمليات الفرار. فقبل فرار ثلاثة سجناء من “المبنى ب”، من دون أن تتمكن قوى الأمن الداخلي من تحديد دقيق لطريقة فرارهم، قامت القوى الأمنية في 19 كانون الثاني 2012 بتوقيف امرأة حاولت إدخال أجهزة هاتف خليوية في وجبة طعام تحملها لإبنها السجين. ما أن علم الإبن بتوقيف أمه، حتى عمد مع رفاقه السجناء إلى إثارة شغب في السجن، استمر حتى السابعة مساء، ولم يتوقف إلا بعدما علم الإبن بأن الأم سيطلق سراحها بسند إقامة. لكن الفضيحة تجلت في أن فرار السجناء الثلاثة جرى بالتواطئ مع عناصر من قوى الأمن، وفي أن كاميرات المراقبة في السجن معطلة منذ العام 2010. هذا إضافة إلى قدرة السجناء الدائمة على الاتصال عبر الهواتف المحمولة بالخارج وبنواب وسياسيين ومسؤولين كباراً. وفي 1 تشرين الثاني 2012 أحبط رجال الأمن محاولة فرار سجناء من “فتح الإسلام”، بعد ضبطهم شادوراً نسائياً وحبالا في إحدى قواويش السجن. بعد حوالى شهر، أي في 13 كانون الأول، أحبطت قوى الأمن محاولة فرار جماعية لعشرين موقوفاً من “فتح الإسلام”، قاموا بقطع حديد نوافد مشغل السجن، وبإحداث ثغرة في جدار يصلون عبرها إلى مكتبته التي كانوا أحرقوها في عمليات شغب سابقة. وفي 23 من الشهر عينه حدث تململ بين سجناء مبنى المحكومين، بعد تلقيهم أوامر بنقلهم إلى مبنى آخر.
في الشهر الأول من العام الحالي تزايدت وتيرة الحوادث في السجن: في 2 كانون الثاني الماضي، وقعت أعمال شغب وإحراق فرش وأغطية في “المبنى ب.” احتجاجاً على انقطاع المياه، وقام سجناء بخطف عسكريين من الحراس، ثم أطلقوا سراحهم.
لكن الحادثة الأخيرة كانت الانتحار المشبوه للسجين الفلسطيني في المبنى ب غسان قندقلي الذي قيل إنه شنق نفسه بوشاح من الصوف في المرحاض في 17 كانون الثاني الماضي. وثمة اعتقاد بأن قندقلي تم شنقه، على ما ذهبت إليه الظنون الناجمة عن إحباط قوى الأمن في 21 من الشهر نفسه، عملية فرار جماعي لإسلاميين في “المبنى ب.”، بعدما خططوا طوال ثلاثة أشهر للعملية، فقطعوا قضبان الحديد في الباب الفاصل ما بين المبنى وبرج المراقبة، ونصبوا شراشف موصولة على أربعة خطوط بطول عشرات الأمتار للتزحلق عليها من البرج إلى الخارج. وشاع أن خلية أو حلقة من السجناء الإسلاميين أجرت محاكمة لقندقلي بعدما وجهت إليه تهمة الإغتصاب والقتل، وحكمت عليه بالإعدام ونفذته شنقاً في المرحاض.

ماذا يجري خلف القضبان؟ الاسلاميون هل يعلنون إمارتهم من هناك

الإهمال والتسيّب

تجمع الأخبار والتحقيقات الصحافية، وكذلك روايات بعض الإسلاميين المفرج عنهم من سجن رومية بعد قضائهم سنوات فيه، على أن سجناء “فتح الإسلام” وسواهم من أصحاب الميول الإسلامية، يقيمون ما يشبه إمارات داخل السجن، أي خلايا دعوية وإرشادية، فيصدرون فتاوى وأحكاماً تتعلق بسلوك السجناء، كأنهم امراء ودعاة في “مجتمع” إسلامي خاص بهم. وقد ساعدهم في ذلك ما قاموا به من أعمال تمرد وعصيان متعاقبة، أرغمت إدارة السجن الأمنية على تركهم وشأنهم وتلافي التدخل في شؤونهم. حتى ان بعض الروايات والشهادات يفيد بأن السجناء الإسلاميين صارت لهم كلمتهم في اختيار ضباط الأمن الذين يشرفون على إدارة السجن. وللإنتماءات والولاءات الطائفية نصيب وافر في تعاطف عناصر القوى الأمنية مع السجناء وغض النظر عن أفعالهم وعما يصل إليهم من الخارج. ويبلغ التعاطف وغض النظر حدّ تواطىء بعض رجال الأمن مع الإسلاميين لقاء رشاوى، مما يتيح للسجناء الحصول على ما يحتاجون إليه من أجهزة اتصال، إلى آلات ووسائل يستعملونها من عمليات الفرار. وحين أقيمت في “ساحة النور” (عبد الحميد كرامي سابقاً) الطرابلسية خيمة إعتصم فيها إسلاميون قبل حوالى سنة، من أجل تسريع محاكمة الموقوفين الإسلاميين، كان التواصل الهاتفي يومياً ما بين المعتصمين وأحد مشايخ “فتح الإسلام” في السجن، فيتلقى المعتصمون منه إرشادات تتعلق بتصعيد الإحتجاج والتظاهر، ويطلعونه على ما يجري ويحدث في ساحة الإعتصام.
في حال جمع هذه الوقائع، مع التسيب والإهمال وسوء الخدمات في سجن رومية، يمكن القول إن ذلك السجن ليس أقل من قنبلة موقوتة قابلة لإنفجارات متتالية في ظروف ومواقيت، يختارها السجناء بالتنسيق مع أهلهم وجماعاتهم خارج السجن الذي تشبه الإقامة فيه الإقامة في الجحيم. فالقوانين والأنظمة المتعلقة بإدارة السجون وتصنيف السجناء غائبة تماماً في لبنان، على ما أشار عمر نشابه في كتابه “سجن روميه إن حكى”. والغياب يشمل تصنيف السجناء وفقاً لجرائمهم وسجلهم الإجتماعي والنفسي، ويشمل كذلك برامج تأهيل وعناية تضمن إنزلاق السجناء إلى العنف والشذوذ والجريمة داخل السجن. فقوى الامن الداخلي المولجة بادارة السجون في لبنان غير مؤهلة اصلاً لهذه المهمة. والضباط المشرفون على الادارة لا يتلقون تدريباً مهنياً متخصصاً للتعامل مع السجناء. فالقانون الصادر العام 1964 عهد إلى قوى الامن الداخلي ادارة السجون موقتاً، واقترح انشاء مديرية خاصة لهذه الغاية، على ان تخضع لادارة وزارة العدل. لكن هذه المديرية لا تزال حبراً على ورق حتى الساعة. ومنذ افتتاحه في مطلع السبعينات، لا تزال تجهيزات سجن رومية على حالها من دون تجديد ولا صيانة. ثم ان السلطات اللبنانية لا تولي اهتماماً للحد الادنى من حقوق الانسان والمعايير الدولية في ادارة السجون.

الحلول المؤجلة

المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء اشرف ريفي اشار بعد تمرد السجناء في مطلع نيسان 2011، إلى ان عددهم في روميه يبلغ 3700 سجين، وكاد تمردهم ان يصل إلى حد سيطرتهم على السجن. وقسم ريفي السجناء إلى “فئات ثلاث متنافرة” تقوم بينها علاقات قابلة لانفجار عنيف قد يؤدي إلى “مذابح”. الفئة الاولى هي “المجموعة الجنائية” التي تشمل الموقوفين بجرائم قتل وسرقة وتعاطي  مخدرات والإتجار بها. الفئتان الاخريان تجتمعان تحت عنوان “ذوي الخصوصية الامنية”. الاولى تضم عناصر “فتح الاسلام” وسواهم من الاسلاميين، والثانية تضم الموقوفين والمحكومين في جرائم التعامل مع العدو الاسرائيلي. وتستفحل بين هاتين الفئتين عداوات قابلة للانفجار في اي لحظة. عدم وجود سجون خاصة حتّم وضع هذه الفئات المتنافرة في سجن واحد، بعد عزل كل فئة عن الاخرى. لكن عمليات التمرد أدت إلى ازالة معظم الأبواب الفاصلة بين هذه الفئات، من دون ان يعاد اصلاح  الابواب.
في 27 آب 2010 وجه ريفي كتابا إلى مجلس الوزراء يحذر فيه من احتمال “انفجار” كبير في سجن رومية. استند الكتاب إلى تقرير اشار إلى الخطر المتفاقم الناجم عن عدم احالة 280 موقوفا اسلاميا إلى المحاكمة، وعن عدم توزيعهم وعزلهم، ما دامت التوجهات إياها تجمع بينهم وتشكل خطراً عليهم وعلى سواهم من السجناء. واعترف الامنيون، وفقاً للتقرير، بأن الفساد اصاب الجسم الامني في السجن، مما سهل حصول السجناء على الهواتف الخليوية والحبوب المخدرة، وغيرها من الادوات التي تمكّنهم من الفرار. والمراقبة الالكترونية وسواها من التجهيزات الامنية معدومة في سجن رومية، وما استقدم منها تبين أنه غير صالح للعمل. واذا اضيف إلى هذا كله ان حوالى 5 آلاف سجين محشورون في سجن لا يتسع لأكثر من الفين، نعلم بماذا تنذر حال الاهمال والتسيب القائمة في هذا السجن. ومما اقترحه تقرير ريفي لحل هذه المعضلة:
- استعجال القضاء في بت ملفات الموقوفين.
- ايجاد حل جذري لترحيل الاجانب المنتهية محكومياتهم.
- الاسراع في عملية الحاق ادارة السجون بوزارة العدل.
- العمل على ايجاد سجن خاص للموقوفين من ذوي الحالات الأمنية الخاصة.

الفولكلور اللبناني والتأريخ الغائب

يناير 16, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 12-01-2013

بيروت 1926

الناطور من أشخاص الحنين في الأغاني اللبنانية وفي لوحات المسرح الغنائي الاستعراضي اللبناني في الربع الثالث من القرن العشرين. هو في صور الحنين الفولكلوري تلك، شخص مرسوم بألوان مائية رقيقة زاهية، وجوّاب دروب وبساتين وحقول ومزارع و”حفافي” أقنية ري. في خيمة “المنطرة” يُمضي ناطور الأغاني واللوحات الفولكلورية أوقاتاً من نهاراته ولياليه وحيداً أو مع رجل “برّي” مثله من الرعاة أو المكّارين العابرين. ضوء فانوس شحيح أو ظلال من ضوء القمر والنجوم البعيدة، تنير الخيمة في عتمة الأوقات الليلية.

لكن الناطور في المرويات العامّية غيره في هذه الصور واللوحات. من هذه المرويات في قرى الساحل يطلع النواطير رجالاً اشدّاء، غالباً ما يبدأون عملهم وافدين أو طارئين على دوائر الاجتماع القروي، فيؤهلهم دورهم وعملهم “البرّيان” وإقامتهم على تخوم تلك الدوائر، للانتقال الى  أعمال وأدوار اخرى في خضمّ تغير نمط العيش والعلاقات الاجتماعية.

حماة السقي والنواطير

في مرويات خليل الفغالي وميشال الابيض يستمد النواطير حضورهم من الوظيفة الحيوية التي يوكّلهم بها الأهالي في نمط حياتهم القروية الزراعية: حماية البساتين، الاشراف على توزيع مياه الري من الاقنية، ومراقبة تدفقها وجريانها فيها، ووصولها، في مواقيت معينة الى اراضي السقي، من سفوح الجبل (الحازمية، الحدت، وكفرشيما). كان عمل النواطير يتطلب نوعاً من الرجال الاشدّاء في مجتمع كانت القوة العضلية او البدنية من اعمدة اعماله ومهنه وقيمه وعلاقاته العاميّة.
لا يخفى تأثير شخصية الناطور ودوره وحضوره في مجتمعه الزراعي وقيمه، على نشأة الفغالي وميوله منذ طفولته التي ارتسم فيها الناطور مثالاً له ولسواه من امثاله. فإبن عم والده، المدعو مسعود، والمولود عام 1888 في المريجة، كان من فتّوات مرفأ بيروت منذ عشايا الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، قبل تعيينه ناطوراً على بساتين السقي في المريجة وتحويطة الغدير، وصولاً إلى كروم الزيتون في صحراء الشويفات، فانجذب الفغالي الفتى الى شخصية قريبه ودروه، وحكاياته ورحلاته: شاربان مفتولان، على خصره مسدس وخنجر وجناد من الخرطوش، وبندقية صيد معلقة بكتفه. اثناء رحلاتهما معاً في الحقول والبساتين، افتتن الفتى بحكايات الناطور القديمة، ايام كان يهرّب في قاربه الصغير مهاجري جبل لبنان من المرفأ الى البواخر في عتمات الليل، كما يهرّب اسلحة المهاجرين العائدين من أميركا الى لبنان. تبدو هذه الصور كأنها مستلة من فيلمي الأخوين رحباني “سفر برلك” و”نجمة بنت الحارس”. لكن اللافت فيها هو خبر الفغالي عن اكتساب قريبه مسعود دور الفتّوة خارج ضيعته المنقطع عنها طوال عمله في المرفأ. هذه الواقعة تتكرر ايضاً في مرويات ميشال الأبيض: بنية النواطير البدنية القوية التي تمكّنهم من القيام بعملهم “البرّي”، تصدر عن ميل فطري وعن عامل آخر اجتماعي: نشأة هؤلاء الرجال وإقامتهم خارج دوائر الاجتماع، وعلى تخومه، كأنهم من الطفّار أو الطيّاح التائهين في المرويات الشعبية اللبنانية في عشايا الحرب العالمية الأولى وغداتها. هنا ايضاً يحضر ما رواه منصور الرحباني من سيرة والده العائد من مصر وتيهه طيّاحاً، قبل إنشائه مقهى على فوار انطلياس، واستقراره في الضيعة الساحلية.
في وجه من وجوهها، تشير هذه المرويات والصور المتكررة في الفنون الفولكلورية، الى أن النواطير وأصحاب المقاهي والخمّارات فيها، غالباً ما يشرعون في أعمالهم هذه بعد عودتهم من رحلات تشرد وفرار، للاقامة والاستقرار والتوطن، أو بعد هجرتهم للاقامة في موطن جديد، لكن على تخوم دوائر السكن في مجتمع محلي اخذ ينحو نحو الاستقرار، وتنشأ فيه أعمال وأدوار جديدة ومتجددة، بعيد الحرب العالمية الاولى. هذا ما تنقل صورةً عنه ومثالاً  له السيرة العائلية لآل الأبيض التي توطنت في السقي على تخوم دوائر السكن في حارة حريك.
روى ميشال الأبيض ان والده الياس، المولود مطلع القرن العشرين في فالوغا بأعالي المتن، اصطحبه من موطنه الأول هذا، رجل من آل الدكاش (كبرى عائلات حارة كريك وأقدمها توطناً فيها) كان يصطاف وعائلته في فالوغا، وشغّله في كرخانة للحرير في الحارة بعيد الحرب الأولى. بعد مدة قصيرة اشترى عامل الكرخانة الشاب “عودة” (قطعة ارض صغيرة، يكني اسمها عن عودة من مهجر للاستقرار في موطن) على طرف بساتين سقي الحارة الشرقي الخالي من السكن، فأنشأ فيها كوخاً، واخذ يزرع العودة، ثم سرعان ما استقدم زوجته وبكر اطفاله من فالوغا لإقامة زراعية دائمة في السقي، حيث أنجب سبعة اولاد، منهم الراوي المولود عام 1930. في الاثناء كان الياس الأبيض قد استقدم ايضاً الى موطنه الجديد إخوته الثلاثة مع ابنائهم الذين تزايد عددهم، فصار لكل من الاخوة الثلاثة ما بين خمسة أولاد وسبعة. هكذا نشأت “ديرة” زراعية عائلية مع توسيع أملاك آل الأبيض، بعيداً من دوائر السكن في الحارة: “على باب البوغاز (الخلاء الذي تعبره الرياح قوية باردة في الشتاء) حيث ساعدتنا كثرتنا – قال الراوي – على التصدي للغرباء، برغم كوننا أصغر عائلة في الحارة”. الغرباء هؤلاء، هم طلائع عشيرة آل المقداد النازلين من جرود جبيل، الى الطرفين الشماليين لكل من برج البراجنة (الشيعية) وحارة حريك (المسيحية)، في مطالع العشرينات من القرن العشرين، وفقاً لرواية رستم المقداد المولود في حي آل المقداد العشائري لجهة الحارة في العام 1944. ميشال الأبيض الذي أبى ان يذكر من هم “الغرباء”، اكتفى بالقول انهم من “خارج” الحارة، وكانت تحصل “بيننا وبينهم مناوشات”، مشدداً على موقع اقامة عائلته الموسعة في “الخلاء على الحدود ما بين الحارة والرويس وبرج البراجنة. وهذا ما نشَّأنا – أضاف – على أدوار التصدي والمنازلة التي تتطلب الشدة والسطوة والبأس”. راوي آل المقداد شدّد على ذلك ايضاً: “كان رجال آل الأبيض بطّاشين لا يرحمون”، قال رستم، من دون ان يتكتّم عن انه كان من المعدن نفسه: “شيخ شباب” عشائري في الحي العشائري على طرف حارة حريك، غير بعيد من “ديرة” آل الأبيض العائلية التي سميت حي الأبيض في مواجهة حي المقداد.
لم يقل راوي آل الأبيض ان الدور الذي تصدّت له عائلته ونشأت عليه، ذوداً عن حارة حريك المسيحية، ولحيازة الانتساب اليها والتأصل فيها، شبيه بأدوار الحاميات العسكرية في الثغور التي يتكرر حضورها في التراث العربي الاسلامي، ومنها التراث العثماني المتأخر زمناً، والذي كانت ظلاله لا تزال ماثلة في الاجتماع اللبناني.
الدور هذا جعل آل الأبيض أصحاب “صولات وجولات” في موطنهم الجديد، أو “ديرتهم” – الحامية التي استمدت إسمها من كنيتهم العائلية. الدور العائلي نفسه هو الذي أهّل عمّ الراوي، حليم، بكر إخوته الوافد من فالوغا، ليعيّن ناطوراً على بساتين الحارة وأقنية مياه الري فيها، لأنه كان “صاحب أدوار ومراجل وقبضنة”، تعضدها شكيمة رجال العائلة الموسعة وشبّانها في السقي، على تخوم المجتمع الذي وفدوا اليه، وأقاموا نواة سكنية خارج مركزه السكني الأقدم عهداً، ودافعوا عنه، وعملوا في مهن تتطلب جهداً عضلياً أكسبهم قوة وبأساً أقرب الى فطرة الطبيعة.
والد الراوي، بعد انهيار الاعمال الزراعية والصناعية المتصلة بالحرير، عمل “مورّق بناء”: تطيين جدران البيوت والمباني وسقوفها بالاسمنت. هذه مهنة، الى سواها من أعمال البناء، كالطرش والدهان، راجت وانتشرت بين أبناء الفئات العامية في حارة حريك والمريجة، وعمل فيها اثنان من إخوة الياس الأبيض وأولادهما، فصاروا من ملتزمي أعمال “التوريق” في المباني الجديدة، الى جانب الزراعة وتربية الأبقار وبيع حليبها. بعدما كانت والدة الراوي تنقل على رأسها الخضر في مواسمها لبيعها في سوق بيروت للخضر – مروراً بقصقص على حدود المدينة، حيث كان يدفع الباعة “دخولية” ليُسمح لهم باجتياز الحدود – صار والده صاحب مزرعة أبقار (40 – 50 رأساً) من كبريات مزارع الحارة.

قبضاي أيام زمان

قبضايات مافيا محلية

في مطلع الأربعينات كان الراوي ميشال الأبيض لا يزال في العاشرة من عمره، عندما أخذ عمّه الناطور يتعاطى تجارة السلاح في بطانة رجل يدعى إميل الخوري، وحمايته. في مخيلة الراوي تبدو صورة الخوري أقرب الى نوع من رجال مافيا محليين، يكثر حضورهم في مرويات الفغالي المشغوف برواية أخبارهم. وهي أخبار تكشف عن نشوء هذا النوع الجديد من الرجال في أدوارهم وشبكات علاقاتهم على مسرح الحياة العامة المحلية وفي كواليسه في قرى الساحل وأحياء بيروت. تحوي هذه الشبكات رجالاً – وسطاء متنوّعي الأدوار، أبرزهم من يسمّيهم الكلام اللبناني الدارج: “المفاتيح الانتخابية” و”قبضايات الأحياء”. ظهر هؤلاء الوسطاء في سياق تحوّل هجين في بنية العلاقات الاجتماعية – السياسية مع قيام دولة لبنان الكبير، وبلغ ذروته في العشايا والبدايات لاستقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي الذي ترك إدارة الحياة السياسية وتسيير دفة الحكم والادارة العامة في الدولة الناشئة، لأقطاب الجماعات اللبنانية وزعمائها السياسيين. بعد تفلتهم من قبضة المندوب السامي والادارة الفرنسيين، أخذ هؤلاء الأقطاب والزعماء من دهاقنة السياسة الأهلية يتنافسون ويختصمون على بناء عصبيات وشبكات أهلية وشعبية في النسيج الاجتماعي للجماعات والمناطق، لتكون – وفقاً لسيرة الفغالي الاجتماعية ومروياته – ركيزة زعاماتهم ومعاركهم وأحلافهم في الانتخابات النيابية. لعب الأدوار الأبرز في هذه الشبكات والعصبيات: أقطاب العائلات ووجهاؤها وأعيانها المحليون، المخاتير وأعضاء المجالس البلدية، الموظفون الإداريون، الفتوَّات و”مشايخ الشباب” والقبضايات في القرى والبلدات وأحياء المدن، العاملون في مهن النقل ومواقف السيارات. وفي ظل ضعف المنظمات والهيئات الحزبية المستقلة عن النسيج الأهلي العصبي، استعمل دهاقنة السياسة تلك الشبكات المتنوعة جسوراً لتجييش الأهالي، وفي إثارة هياجهم في الأحياء والشوارع، وتهدئتهم خدمةً لحاجاتهم ونفوذهم. كان هنري فرعون وحبيب أبو شهلا ورياض الصلح وسواهم، من أقطاب هذه المنافسات والمعارك، فيما كانت قرى الساحل منقسمة معسكرين في ولائها الانتخابي: كتلوي ودستوري. الأغلب أن فرعون كان صاحب النفوذ الأوسع في تكوّن تلك الشبكات، بسبب شبكة مصالحه وأعماله الواسعة، ولاسيما قوة نفوذه في أعمال ميدان سباق الخيل وبين مُلاَّك الخيول، ناهيك بقدرته المالية الكبيرة وتمويله المعارك الانتخابية للكتلة الدستورية.
آل الأبيض وإميل الخوري في حارة حريك من محازبي هذه الكتلة. روى ميشال الأبيض أن الخوري كان يستيقظ من نومه في الحادية عشرة ظهراً، فيجد في صالون بيته جمعاً من الناس ينتظرون خروجه من غرفة النوم “مطقّماً”: يرتدي بذلة إفرنجية وربطة عنق، ويعتمر طربوشه المائل. طلباً لأنواع شتى من الخدمات، يأتي هؤلاء المنتظرون الى بيته، تقودهم اعتبارات وعوامل متنوعة متداخلة: عضويته أو عضوية أخيه في مجلس حارة حريك البلدي، نفوذه وسطوته وصيته بين أهاليها، حظوته لدى أقطاب وزعماء سياسيين في الحكم يؤمّنون له شبكة علاقات بكبار الموظفين في الادارة العامة ومتوسطي مراتبها، وبالجهاز القضائي وبضباط في قوى الأمن والجيش. رجال من هذا النوع غالباً ما لا تُعرف لهم مهنة وعمل علنيان محددان، سوى الظهور المتدرج على مسرح الحياة العامة المحلية الذي تختفي دائماً في كواليسه شبكة علاقات رمادية ومتشعبة، بدونها لا قيامة لذلك المسرح وأدواره العلنية، ولا قيامة لما يسمّى في لبنان علاقات وحياة سياسية قوامها الخطوة والولاء والاستزلام والمحسوبية والشقاق والأحلاف العائلية والأهلية.
رجل مثل إميل الخوري الذي لا تغيب أخباره عن مرويات قدامى الحكّائين العاميين في قرى الساحل، كان صاحب دور فاعل على ذلك المسرح الرمادي وفي كواليسه، وصولاً الى بيروت وبلدات الاصطياف كعاليه وبحمدون، ما بين الاربعينات والخمسينات. دوره ذاك هو نسخة جديدة ومتطورة لدور آل الأبيض وناطورهم كـ”حامية” محلية على تخوم حارة حريك أيام كانت ظلال الزمن العثماني وتقسيماته السلطانية الادارية (متصرفية جبل لبنان، ولاية بيروت) لا تزال ماثلة في العلاقة ما بين الجماعات اللبنانية، وفي علاقاتها الداخلية. وما انضمام الناطور الأبيض الى حاشية الخوري وبطانته، الا مرآة لسطوع نجم الأخير كشخصية شبه مافيوية يشير اليها مشهد حضوره في صالون بيته. هذا ما يؤكده الراوية الفغالي بقوله: اميل الخوري “فرخ قبضاي” ظهر في حارة حريك في بدايات عهد الاستقلال، وكان هنري فرعون وليّه وحاميه، وراعي شبكة علاقاته ونفوذه في الادارة العامة لقاء تجيير الخوري حظوته وسطوته المحليتين لصالح القطب النيابي الكاثوليكي الابرز، والذي به كان “شيخ الشباب” المافيوي الطابع في الحارة، يستقوي ويتجرأ على اطلاق النار من مسدسه في الهواء ترويعاً، أو مصيباً خصومه عندما تدعوه الحاجة والظروف. في المقابل كان وليّ أمر الرجل المافيوي، يتكفل تخليصه من تبعات افعاله، ويمده بأسباب الحظوة التي تمكّنه من تلبية طالبي خدماته في صالون بيته: تصريف معاملاتهم في الادارة العامة، تخليصهم من احكام قضائية، مساعدتهم في ارتكاب مخالفات والتملص من القوانين، السعي في حيازة ابنائهم وظائف حكومية… الى آخر قائمة هذه الأعمال والادوار الرمادية التي غالباً ما تسيّر شؤون الادارة العامة اللبنانية ومعاملاتها الصغيرة منها والكبيرة.

رحلة في منسيات “المكشوف”

ديسمبر 8, 2012

أعد الملف وكتبه محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 01-12-12

لم أعثر على نسخ ورقية من أعداد “المكشوف” الاسبوعية اللبنانية التي كانت تصدر في بيروت ما بين 1935 و1949، واشتهرت كجريدة أدبية رائدة لمؤسسها وصاحبها فؤاد حبيش (1904 – 1973) بصفته “رئيس التحرير المسؤول”، الى جانب التعريف بها “جريدة أدب وفن وسياسة”، على ما يتصدر غلف أعدادها كلها التي أمضيت بضعة نهارات أتصفح الكثير منها على شاشة “ميكروفيلم” في مكتبة الجامعة الاميركية في بيروت.
من دون خطة مسبقة وبلا نظام، دوّنت أثناء تصفحي وقراءتي المتقطعة، طائفة مشتتة من عناوين أبواب ومقالات ومقتطفات منها، وأسماء كتاب وشعراء وصحافيين، وملاحظات وتعليقات وخواطر. هي رغبة تقصي تراث الصحافة والحركة الأدبية، لغةً وموضوعاتٍ وأعلاماً، ما قادني الى “المكشوف” التي لم أكن أعلم عنها سوى أنها كانت رائدة في صناعة الصحافة الأدبية في لبنان طوال 15 سنة. ألوف من الصفحات والمقالات، مئات من الاسماء والعناوين، تواترت تباعاً وسريعاً أمام ناظريّ على شاشة جهاز “الميكروفيلم”، فأصابني ما يشبه الدوار والضياع. بعض الصفحات والموضوعات والاسماء مرّ بصري سريعاً عليها، وبعضها الآخر استوقفني مطوّلاً، فقرأت هذا المقال أو ذاك، ودوّنت ملاحظاتي آملاً في استعمالها للتعريف بالمجلة القديمة. لكنني في الحالتين، غرقت هائماً مأخوذاً بتلك اللذة الغريبة أثناء رحلتي على بساط ريح، نسيجه الكلمات والاسماء المنبثقة من فجوة في الزمن، والمنداحة سريعاً أو بطيئاً أمام عينيّ، مبعثرة كقطع بازل طالعة من ذلك الماضي البعيد الآفل والمنقطع، الذي تبعث محاولة تأليف صوره وعناوينه واتجاهاته، وتأويلها، ضرباً من المتعة المعذّبة تشبه اختبار توليد زمن وحوادث وشخصيات وسياقات روائية. هذه الحال لازمت قراءتي مدوّنات الرحلة بعد الفراغ منها، للعثور على خيوط تمكنني من تنظيم قطع البازل المتناثرة التي جمعتها من المتاهة، علّها تفضي الى رواية استقصائية وصفية لملامح جزئية من تاريخ حقبة من الحياة الصحافية والأدبية المنصرمة في لبنان.

89700-640

التاريخ المجهض

في البداية لا بد من ملاحظة أولى يخلص اليها متصفح الدوريات القديمة كـ”المكشوف” وسواها: تقنيات التوثيق والأرشفة، وجمع المطبوعات والكتب وتنظيمها وتبويبها واستعمالها في مكتبات الجامعات غير الحكومية، متقدمة بأشواط على برامج التدريس والبحث وأساليبهما في مجالات العلوم الانسانية في هذه الجامعات. أما استبعاد الجامعة اللبنانية من هذه المقارنة، فهو من تحصيل الحاصل، ولا يبعث على غير التذكير بالحال الزرية التي انحدرت اليها هذه الجامعة منذ بدايات الحرب (1975 – 1990). والحال هذه تطاول أساليب التدريس والبحث والادارة واختيار المدرّسين، وتبلغ ذروتها في مجالات التوثيق والأرشفة وجمع الكتب والمطبوعات وتنظيم المكتبات التي أُهملت محتوياتها وبليت وغزاها التلف والغبار من دون أن تُستعمل في حال توافرها في كليات الجامعة اللبنانية وفروعها المتناسلة.
“المكشوف” التي صانتها تقنيات “الميكروفيلم” في مكتبة الجامعة الاميركية، بليت صفحاتها الورقية واهترأت، من دون أن تحظى بدراسة تعرّف بها وتضعها في سياق لا يزال مفقوداً للحياة الصحافية والثقافية التي لم يؤرخ بعد لأشكالها الكتابية وموضوعاتها وأعلامها. أما مشروع إعادة طباعة منتخبات من أعداد “المكشوف”، فقد أجهض قبل حوالى 10 سنين من دون أن يبصر النور، فذهب سدىً، جهد الاختيار والتبويب والطباعة الأولية الذي أنجزه الشاعر أنسي الحاج، ومات المشروع جنيناً من دون أن يرثيه أحد، في وقت درج صحافيون وكتّاب وشعراء على رثاء مظاهر الحياة الثقافية وأماكنها الراحلة، ولاسيما المقاهي التي أُقفلت في شارع الحمراء. جاءت تلك المراثي شبيهة بالبكاء على الاطلال في إطار ما يعتبره كثيرون أفول حقبة ثقافية بيروتية ولبنانية زاهية، هي ستينات القرن العشرين والنصف الاول من سبعيناته التي رُفعت أعلامها ورفعت نشاطاتها وأماكنها أنصاباً للحنين والتبجيل، بدل التأريخ لها ولهم ولأدوارهم. لذا ظلت الصحافة والحركات الأدبية وتياراتها وأنواع الفنون المختلفة، بلا تأريخ كُتبت منه شذرات ضئيلة مشتتة.
هذا ما يجعل تصفح “المكشوف” وتدوين ملاحظات وانطباعات وخواطر حول مادتها، محاولة لا تتجاوز وضع إشارات وعلامات متباعدة مختنقة الضوء في ضباب تاريخ غائب وفي محاق عتمته. فالحساسية التاريخية ضعيفة في ثقافتنا العربية التي غالباً ما تعوّض عن ذلك الضعف بالإنشاء الخطابي واللفظي الممتلئ بفراغ اللغة من مادتها الحيّة ومن الوقائع المتدافعة، بدل أن تنجبل الكتابة ولغاتها بمادة العيش والعالم المولّدة للروايات التاريخية.

84759-640

المنشّط الثقافي: فاعلية الحضور الخفي

لم تُكتب لمؤسس “المكشوف”، فؤاد حبيش، ولا لسواه من المؤسسين في الحياة الثقافية اللبنانية المعاصرة، من أمثال ميشال أسمر (1914 – 1985)، مؤسس “الندوة اللبنانية” (1946 – 1975)، سير تأريخية. فالرجلان يتميزان ويتشابهان في أن حضورهما الفاعل في الحركة الصحافية والأدبية والفكرية، اختفى خلف نشاط المؤسسة التي أنشأها كلٌّ منهما، والتصق بها اسمه وحضوره حتى الذوبان والامحاء. والحق أن هذا النوع من الحضور – الاختفاء، أو الحضور الخفي، يختلف عن حضور الاعلام – النجوم في أن كلاً منهما لم تصدر شهرته عن إنتاجه الشخصي في مجال الصحافة والأدب والثقافة، بل عن فاعلية مؤسسته، وجدَّتها وريادتها، بعد مبادرته الشخصية الى إنشائها وإدارتها بنفسه. قوة حضور مؤسستيهما وتأثيرهما في المجال العام، أديا في حالة حبيش وأسمر الى صناعة اسم وشهرة لكلٍّ منهما، مستمَدَّين من جهدهما ونشاطهما في استقطاب طاقات وأسماء أدبية وثقافية بارزة، وفي إنشاء جسور للتفاعل بين هذه الطاقات، وبينها وبين جمهور واسع في الحياة العامة. لقد ذاب الرجلان واختفيا في عمل توليفي وتأطيري مركّب، وحضرا في نسيجه ومفاصله كمحفّزين ومنشّطين، كأنهما جنديان مجهولان ومعلومان في وقت واحد.
مثل كل فكرة جديدة ومبادرة الى تجريبها وتحقيقها، لم يكن مشروع كلٌّ منهما واضح المعالم والأفق في بداياته. تجربتهما في العمل الصحافي والثقافي المزدهر والناشط في ثلاثينات القرن العشرين، كانت دليلهما الى توافر قابليات يمكن جذبها الى مشروع جديد، ما كان له أن يقوم وينطلق إلا بمشاركة وجهود جماعية، شغل الرجلان دورين محوريين فيها، وكان استقطابها في أصل مشروعيهما وفصليهما. وما إن نجح المشروعان وارتسم لهما أفق في الحياة الصحافية والأدبية والثقافية، حتى انعطفت حياة كلٍّ منهما ونشاطه ومساره ومصيره انعطافاً جديداً حاسماً، أخرجه من الظل والإغفال الى الضوء والعلن في زمنه، وبعد رحيله الى عالم الغيب.
حين يقال “المكشوف” يحضر فوراً اسم فؤاد حبيش قبل كل اسم آخر من المساهمين في صناعة شهرتها بعد استقطابها نخبة واسعة من الكتاب والشعراء والصحافيين أمثال الياس أبو شبكة ورئيف خوري وعمر فاخوري ومارون عبود وسعيد عقل وتوفيق يوسف عواد وخليل تقي الدين وفؤاد أفرام البستاني وسواه من البساتنة، وكامل مروة ولويس الحاج وفؤاد حداد (أبو الحن). هؤلاء وغيرهم كثر، كان لهم حضورهم الدائم والمتقطع في “المكشوف”، وساهموا في نهضتها كما ساهمت هي في شهرتهم طوال 15 سنة. ولا يمكن أن يقال “الندوة اللبنانية” من دون الحضور الفوري لإسم ميشال أسمر، قبل غابة من أسماء المثقفين والمفكرين والسياسيين الذين وقفوا على منبر “الندوة” محاضرين.
دور كلٍّ من حبيش وأسمر ونشاطه التأطيري، وليدا خبرة وممارسة وعلاقات وميول ثقافية سابقة في حياة الرجلين على إنشاء كلٍّ منهما إطاراً منظماً لنشاطات يشارك فيها سواه من أمثاله. إنهما دور وإطار يشيران الى ما يسمّى “المنشّط/ المنسّق الثقافي” الذي ينصبُّ عمله على توظيف رؤيته وجهده وعلاقاته في إقامة جسور وفضاءات للتعارف والتبادل والتفاعل والتثاقف ما بين ناشطين وفاعلين في ميادين الثقافة والافكار والأدب والسياسة والصحافة. هذه الأطر والجسور، أكانت مؤسسة أم منبراً أم صحيفة أم مجلة أم حلقة في مقهى، هي ما يسمّيها المفكر الالماني يورغين هابرماس “دوائر العلانية العامة” في كتاب له بهذا الاسم، معتبراً أن لا قيامة للمجتمع المديني، المدني الديموقراطي، من دون وجود هذه الدوائر وتوسعها، وتكاثر روادها وسجالاتهم، وتعدّد آرائهم وتفاعلها. في قلب هذه الدوائر المتناسلة، المتقاطعة وغير الثابتة والزئبقية، يولد المؤطّر أو المنسّق أو المنشّط، ودوره كقطب يعمل على تشبيك مبادرات وعلاقات ومراكمتها وإطلاقها.
هذا ما باشره وبادر اليه فؤاد حبيش بعد سنة واحدة على إصداره “المكشوف” في العام 1935. وهذه حال ميشال أسمر حين تأسيسه “الندوة اللبنانية” بعد حوالى 10 سنين. لكن الدور الذي تصدى له كلٌّ منهما لم يولد فجأة ولا من فراغ، بل سبقته خبرات وتجارب مهّدت له في حياة الرجلين الشخصية والمهنية والثقافية، وفي التجربة التاريخية العامة التي تتجاوز حياتهما الى البيئة الاجتماعية التي صدرا عنها ونشأا فيها وتفاعلا في إطارها الزمني (حقبة ما بين الحربين العالميتين) والاجتماعي (جبل لبنان وبيروت) والمهني (الصحافة ومنتدياتها وحلقاتها الأدبية). في هاتين الحقبة والبيئة، تكونت العوامل والخبرات والتجارب التي أدت، على نحو بطيء، الى نشوء دوائر العلانية العامة اللبنانية، الثقافية والسياسية، فنمت في هذه الدوائر أشكال تعبير ومهن وأنماط تفكير وتذوق وتواصل وشبكات علاقات جديدة، نجمت كلها عن تحولات مديدة في جبل لبنان وبيروت، اللذين قامت بينهما، منذ أواسط القرن التاسع عشر، جسور تواصل وتفاعل مهّدت لتكوّن النواة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية لدولة لبنان الكبير الوليدة في العام 1920.
بدأت تلك الجسور والدوائر تنشأ وتنمو في إطار ما سمِّي التحديث أو الاصلاح العثماني، وتزامن نموّها مع منح السلطان العثماني امتيازات واسعة لقناصل الدول الأوروبية وتجّارها وبعثاتها التبشيرية والتعليمية وجالياتها في ولايات الأمبراطورية طوال تفككها المديد. وهذا ما أدى الى ولادة نوع جديد وغير مسبوق من الحراك الاجتماعي والحريات العامة. ولعل توسع قاعدة التعليم الارسالي الأوروبي والاميركي، ونشوء الصحف وتكاثرها الى جانب المنتديات والجمعيات على اختلافها، هي العلامات الأبرز على ذلك الحراك وتلك الحريات في كلٍّ من مجتمع جبل لبنان وبيروت التي توسعت عمرانياً وخرجت من أسوارها القديمة، وتكاثرت مدارسها الارسالية، ونشأت فيها جامعتان سرعان ما صارتا، بعد قيام دولة لبنان الكبير، الأهم في الشرق الاوسط.

 

 

الضابط اليتيم في حمّى الصحافة والأدب

p23-01-24923-640

يحتاج انشاء سيرة تأريخية لفؤاد حبيش بوصفه منشّطاً صحافياً وأدبياً، ولدوره واثره في الحركة الصحافية والأدبية، الى عمل تراكمي واسع، بطيء ومتنوع المصادر، يفوق ما يحتاج اليه انشاء سير لأعلام الأدب والصحافة ونجومهما المكرسين مع إنتاجهم انصاباً في الذاكرة الجماعية العامة.
يقوم هذا العمل على تقصي المعلومات والأخبار، جمعها وتنسيقها، تأويلها واستدخال عناصرها وخيوطها في نسيج متنوع الالوان والسياقات. وهذا لا توفره الا مخيلة تأريخية تعتمد التأليف والتوليف والتركيب اسلوباً يقترب من الفن الروائي الذي يخالف اسلوب السرد الميكانيكي الحدثي المتسلسل والشائع تكراراً في المصادر المدرسية والاكاديمية. فهذه غالباً ما تحوّل التأريخ سلسلة من الاخبار الجامدة عن الحوادث والوقائع، تبدأ بولادة الاشخاص، وتتوقف في محطات من حياتهم، معروفة وشائعة كالمحفوظات، وتنتهي بموتهم. اما السيرة التأريخية للأشخاص وأدوارهم، فدأبها الاقتراب بهم ليكونوا شخصيات روائية، وهذا ما لا تدّعيه هذه المحاولة عن فؤاد حبيش الذي ولد العام 1904 في بلدة غزير الكسروانية صادراً عن عائلة من العائلات الاقطاعية، مضى اكثر من 50 سنة على بدايات تصدع عالمها مع تصدع نظام الاقطاع والامارة، بعد انطلاق الحركات العامية الفلاحية في جبل لبنان اواسط القرن التاسع عشر. سبق هذا الانطلاق بروز السلك الديني الكنسي والرهباني ودوره في التنظيم والتأطير الاجتماعيين في مجتمع الجبل، فتوسعت قاعدة التعليم المحدث المتصل بذلك السلك وبالبعثات التبشيرية والتعليمية الاوروبية والأميركية، وتراجع دور ملكية الارض والعلاقات والعائلات الاقطاعية في مراكمة القوة والثروة والنفوذ، وجرى توظيف ذلك الدور وتلك العلاقات في سياقات جديدة مدارها الارتقاء الاجتماعي والثقافي والمهني عبر التعليم والتجارة.
الشذرات القليلة المتداولة من سيرة فؤاد حبيش الحدثية، تشكل مرآة لهذين الحراك والتحول. تروي سهام ايليا ابو جودة في بحثها الجامعي حول “الحركة الادبية في لبنان 1935 – 1845 من خلال جريدة “المكشوف”، الذي أعدّته العام 1997 في الجامعة الاميركية في بيروت، ان “الشيخ اسد حبيش (والد فؤاد) كان مدير القلم التركي في متصرفية جبل لبنان. وأتقن العربية والتركية والايطالية”، لكنه توفى حينما لم يكن ابنه فؤاد قد تجاوز الطفولة. بعد تعلمه الاولي في مدرسة “المزار” بغزير، أُدخل في العام 1913 الى مدرسة الحكمة التي أسسها في بيروت المطران يوسف الدبس (1833 – 1907). لكن سنوات الحرب العالمية الاولى سرعان ما أعادت الفتى الى مسقطه واهله، حيث تابع تعليماً بدائياً في “مدرسة تحت السنديانة”. ويبدو انه عاش فتوة، بل طفولة، شقية في تلك السنوات، متنقلا بين غزير وجونيه مع رفاق له يلعبون القمار والبليار وطاولة الزهر. ما ان انتهت الحرب حتى استدعاه ابناء عمومته الى القاهرة، فسافر اليها وامضى فيها سنتين دراسيتين في “المدرسة العلمانية الفرنسية” قبل عودته الى لبنان العام 1922، فلم يستطع الدخول الى كلية الحقوق في جامعة القديس يوسف. كان الجيش اللبناني في بداية تأسيسه غداة قيام دولة لبنان الكبير تحت سلطة الانتداب الفرنسي، فالتحق فؤاد حبيش بالمدرسة الحربية التي انشأها الفرنسيون في دمشق، وتخرج منها برتبة ضابط مترجم العام 1924، فأمضى 10 اشهر على رأس قسم الترجمة العسكري في حماة، قبل عودته الى بيروت.
شبكة علاقات القربى لعبت دوراً في زواجه من يمنى لحود ابنة خالته زاهدة حبيش التي يعود نسب امها الى عائلة الدحداح. للقربى حضورها في صلة فؤاد حبيش بفؤاد شهاب (قائد الجيش اللبناني لاحقاً) الذي تنتسب امه الى آل حبيش. العائلات هذه، الى كسروانيتها، كانت من عائلات المقاطعجية التي تعلوها مرتبة آل شهاب الاميرية، وأدى انهيار النظام الاقطاعي ومراتبه الى تشتتها في المهاجر والاعمال المحدثة، ومنها الصحافة التي استهوت فؤاد حبيش في وقت نشاطها وازدهارها القوي اللافت في العاصمة اللبنانية الجديدة آنذاك. ففي بيروت العشرينات كانت تصدر عشرات الجرائد التي اجتمعت معظم مكاتبها في الوسط المديني حول ساحة الشهداء وفي الاسواق. تحلّق في تلك المكاتب مئات من الشبّان المتعلمين، مأخوذين بسحر الكلمة والادب، وبعهد جديد للحرية في التعبير والحراك الاجتماعي والسياسي، وفي تداول الرأي في العلانية العامة. وفي تلك المكاتب وعلى صفحات الجرائد، تجاور وتخالط ابناء العائلات من اصحاب النسب والمراتب القديمة وابناء العامة العصاميين المتعلمين الذين كانت غالبيتهم من المسيحيين.

73648000-640

عصبة العشرة

لم يبق فؤاد حبيش هاوياً للصحافة، بل ترك عمله ضابطاً مترجماً في المؤسسة العسكرية، وانخرط في المهنة الجديدة الواعدة، فحرر في ما لا يقل عن اربع جرائد، قبل ان يلتحق بـ”المعرض” الجريدة الاسبوعية الادبية، لمؤسسيها وصاحبيها ميشال ابو شهلا (1898 – 1965) وميشال زكور (1893 – 1937). كانت “المعرض” من اهم الجرائد في بيروت النصف الثاني من العشرينات والنصف الاول من الثلاثينات، وتحلق على صفحاتها وفي مكتبها كتّاب بارزون، انشأوا في العام 1930 شلة ادبية – صحافية ناشطة عُرفت وذاعت صيتها باسم “عصبة العشرة” التي تألفت نواتها من أربعة: ميشال ابو شهلا، الياس ابو شبكة، خليل تقي الدين، ولولبهم الصحافي فؤاد حبيش. احياناً يقال ان واحدهم كان يكتب ويوقّع بعدد من اسماء مستعارة، فصاروا عشرة على صفحات “المعرض”، بينما هم اربعة في مكاتبها يتحلق حولهم: كرم ملحم كرم، يوسف ابرهيم يزبك، توفيق يوسف عواد، عبدالله لحود، ميشال اسمر (اسس لاحقاً عصبة ادبية هي “ندوة الاثني عشر، قبل انفراده بتأسيس “الندوة اللبنانية” العام 1946). اما سادس الستة المتحلقين حول نواة “عصبة العشرة” فكان تقي الدين الصلح. واللافت ان الصلح كان يهوى التمثيل المسرحي قبل الصحافة والى جانبها، وفقاً لما كتبه جان داية في “ملحق النهار” في 23 ايار 2010. ففي العام 1924 لعب تقي الدين الصلح، ايام كان طالباً في الجامعة الاميركية في بيروت، الدور الرئيسي في مسرحية “قضي الامر” لكاتبها سعيد تقي الدين، رئيس جمعية “العروة الوثقى” في الجامعة.
هذه الادوار والتجارب المتدافعة والمتقاطعة في مسارات ذلك الجيل الشاب: المسرح، الصحافة، الجمعيات او “العصب” الادبية والصحافية، من علامات ولادة اطر ودوائر وشبكات متنامية في حياة مدينة جديدة مسرحها وسط بيروت القديم، حيث توسع انتشار المسارح والمقاهي ودور السينما والملاهي ومكاتب الصحف التي كانت محطات في مسيرة كثيرين من شبّان العائلات القديمة والجديدة الى النيابة والوزارة والسلك الديبلوماسي الناشئ.
خاضت “عصبة العشرة” على صفحات “المعرض” معارك ادبية حامية ضد التقليد في الادب والشعر “المخضرم” الذي كان يمثله بشارة الخوري (الأخطل الصغير) صاحب جريدة “البرق”، فشكلت تلك المعارك محوراً اساسياً في الحياة الأدبية والصحافية آنذاك.
مما كتبه الياس ابو شبكة عن لقاءات “عصبة العشرة” في مكتب ادارة تحرير “المعرض” حيث كانوا يتناولون طعام الغداء ويتناقشون في شؤون الادب والسياسة، يستشف القارئ أن النراجيل وكركراتها، وربما الطرابيش على بعض الرؤوس، كانت حاضرة في تلك الجلسات التي يسمّي شاعر “غلواء” و”أفاعي الفردوس” جلاّسها الاعضاء “الجنود الروحيين (الذين) لن تقف عينك على مشهد ألطف وأكمل من مشهدهم”. وهم كانوا يكتبون مقالاتهم النقدية اللاذعة بأسماء مستعارة: “جوّابة”، “منخل” لفؤاد حبيش. “غضبضب”، “رسام” لالياس ابو شبكة. كانت هذه المقالات تتصدى لـ”شيوخ الادب التقليدي” ولرجالات السياسة الذين “هجاهم” ابو شبكة في مقالاته ورسومه الكاريكاتورية لـ”هتك ستورهم واقنعتهم المستعارة”. لذا عطّل رئيس الجمهورية شارل دباس “المعرض”، فظلت صامتة حوالى سنتين اواسط الثلاثينات. وحين عادت الى الصدور كان “فرسانها قد تفرقوا، فالتزمت جانب الاعتدال والاتزان”، قبيل الوفاة المفاجئة العام 1937 لأحد مؤسسيها، ميشال زكور، وهو في منصب وزير في الحكومة، فانتقل نشاط “عصبة العشرة” الى “المكشوف” التي اسسها فؤاد حبيش.

شبكات عائلية ومؤسسات

اللافت أن هذه الشذرات من سيرة مؤسس “المكشوف” كتبها عيسى فتوح في حزيران 2005 في العدد 240 من “مجلة الجيش” اللبنانية، ضمن تحقيق في 4 حلقات عن “الصالونات الادبية في لبنان”. فما الذي يحمل مجلة عسكرية على كتابة مثل هذه التحقيقات؟! الجواب: الى تخرجه ضابطاً مترجماً من المدرسة الحربية في دوراتها الأولى، كانت تربط فؤاد حبيش صلة مصاهرة باللواء فؤاد شهاب. وهذه واقعة جزئية من سلسلة من امثالها تشير الى ان المدرسة الحربية في المؤسسة العسكرية اللبنانية منذ بدايات نشوئها، استقطبت شباناً من شبكات عائلية محددة تجمعها علاقات القربى والمصاهرات. من هذه الشبكات: آل البستاني، آل لحود، آل شهاب، آل نجيم، وسواهم من العائلات التي تكاثر ابناؤها بين كبار الضباط والمراتب العسكرية القيادية العليا. والشبكات العائلية لها دورها المماثل تقريباً في سلك الرهبانيات الذي شكّل رافعة اساسية لأبناء هذه الشبكات وسواهم من العامة في التعليم الرهباني والارسالي في المجتمع المسيحي، قبل أن تلتحق به (التعليم) وتستفيد منه فئات اجتماعية من المسلمين. لكن في حالة فؤاد حبيش، هنالك عامل اضافي مهني وثّق صلته بالمؤسسة العسكرية. فبعد تأسيسه “دار المكشوف” للنشر، تعهد اصدار مجلات كثيرة: “المدرسة”، الاذاعة”، “الراديو”، “الجندي اللبناني”، “الشرف العسكري”، “الحرب”، و”قرأت لك”. وهذا ما حمل “مجلة الجيش” على استذكاره في العام 2005.
يبقى أن نشير في هذا السياق الى أن “دار المكشوف” كانت “امبراطورية نشر” أدبي ولقطاعات مهنية وتربوية ما بين الثلاثينات والخمسينات من القرن العشرين، ايام كانت الكلمة المكتوبة في الصحف والمجلات، والكلمة المسموعة عبر الاذاعات، الفضاء الاساسي الأرحب للتواصل والتعبير والترفيه وتناقل المعلومات لدى الفئات الاجتماعية والعمرية والمهنية المختلفة في تلك الحقبة التي شهدت طفرة في اصدار مجلات ومطبوعات ترفيهية واعلانية ومعرفية خاصة بقطاعات جديدة ناشئة ومتوسعة. لكن اللافت ان هذه القطاعات المهنية والتربوية، استنكفت عن انتاج ما تحتاجه من مطبوعات وعن اختبار طاقاتها في نقل تجاربها الى مجال الكتابة، بتلزيم تحرير واصدار ما تتطلبه من المطبوعات الى هيئات تحرير ومؤسسات نشر محترفة وغريبة عنها وعن حاجاتها وتجاربها وخبراتها المهنية. هذا فيما كانت “دار المكشوف” اول دار لبنانية ارست تقاليد مؤسسية للنشر، بفصلها هذه المهنة عن مهنتي الطباعة وبيع الكتب، بعدما كان الناشرون أصحاب مطابع ومكتبات تجارية.

 

أخبار الشهوة المدبلجة

لا نملك معطيات وافية تمكننا من تقديم شبكة العوامل التي حملت الشيخ فؤاد حبيش حينما كان في مطلع الثلاثين من عمره، على الخروج على التقاليد السائرة في العمل الصحافي الناشط والمزدهر، وعلى أنواع المادة التي كانت تقدمها الجرائد إلى القراء في بيروت ثلاثينات القرن العشرين.
يتطلب تقديم تصور ما عن هذه العوامل، العودة الى ما كان يكتبه حبش وسواه في “المعرض” وسواها، كما يتطلب أيضاً توافر سيرة اجتماعية – ثقافية ما، حقيقية للرجل، لم تُكتب بعد، شأن غيرها من سير روّاد الصحافة وكتّابها في تلك الحقبة، وشأن التأريخ الفعلي للصحافة والعمل الصحافي وموضوعاته. وفي ظل غياب مثل هذه السير وذلك التأريخ، يصعب اجلاء دواعي فؤاد حبيش الى اصدار جريدة اسبوعية تبدو اليوم اقرب الى جريدة الأمس لـ”الاثارة الجنسية” ولما يحفّ بها من صور وأهواء ومن حوادث وأصداء اجتماعية. ويظل ضرباً من الحدس التقريبي التعرف إلى ما دار في وعي الرجل ومخيلته كي ينشئ تلك الجريدة التي لا ندري إن كان أحد ما في ثلاثينات بيروت والقاهرة، قد سبقه في انشاء مثيل له، فاستلهمه حبيش ونسج على منواله: جريدة توقف مادتها كلها تقريباً على إثارة مدارها ومحورها النساء والجنس، كما تحضر أخبارهن وأخباره في بعض الحصف والمطبوعات الغربية، الشعبية والرائجة آنذاك، على الأرجح. إثارة يجري استلهامها، ترجمتها ودبلجتها (على نحو ما تجري اليوم دبلجة المسلسلات التلفزيونية المكسيكية والتركية)، لتقديمها في مطبوعة عربية اللغة والتهويم والتخييل الاجتماعيين والثقافيين، ليخالف حبيش في هذا سربه الصحافي والكتابي في “عصبة العشرة”. يتبادر هنا حدس ما، بعيد، بأن حبيش رغب في ان يقدم مادة صحافية تكسر الجدية والرصانة السائدتين في الكتابة آنذاك. كما يتبادر حدس آخر بأن ما دار في وعيه ومخيلته، استلهم على نحو معكوس أشعار صديقه في “العصبة” إلياس ابو شبكة. ففي مقابل حمّى الشهوات وفحيحها الأسود الآثم والملتاع، وفي مقابل آلام حُرَقِها الناجمة عن عدم تلبيتها جرّاء تمنّع المرأة وامتناعها وشبقها المستتر مع “خيانتها” واختبائها خلف حجب التقاليد والحشمة والفضيلة، كما في قصائد “أفاعي الفردوس” – التي يقال ان ابو شبكة كتبها متأثراً بـ”أزهار الشر” البودليرية وبالرومنطيقية أو “الواقعية الرمزية” – في مقابل هذا كله، عمل فؤاد حبيش على دبلجة مادة صحافية عن فحيح الشهوات والأهواء وأصدائها في أخبار الحوادث والوقائع الاجتماعية والقصص الاوروبية في حقبة ما بين الحربين العالميتين. لكنه نزع عن ذلك الفحيح مشاعر الإثم واللوعة وآلام حرقها، وقدّمه في أسلوب نثري، قصصي وإخباري، يجمع الإثارة والتشويق واللهو إلى واقعية حسية مفترضة.

رسول العري والبصبصة

استهل فؤاد حبيش تسمية جريدته الاسبوعية الجديدة “المكشوف” من فكرته وتصوّره عنها وعن مادتها ومتطلبات جمهورها المفترض: الرغبة في هتك الأسرار والحجب عن المرأة وجسمها. وذلك بتعريضها في الإخبار والقص المفترض انهما حدثيان وواقعيان، إلى حساسية جديدة هي وليدة السفور والتعرية، وفقاً لمبدأ الواقع الإباحي، على خلاف مبدأ الإعلاء الطهراني والروحاني للرغبات والشهوات، ولإستتار النساء وأجسامهن خلف حجب التقاليد المحافظة والفضائل الاخلاقية والاجتماعية البالية. غداة تأسيسه “المكشوف” وإصدارها، نشر حبيش “بيانه التأسيسي” وبيان جريدته، في كتابين هما “السجينات – بحث في حب النساء الشاذ”، و”رسول العري” الذي صار لقباً له، وإسماً آخر لجريدته التي جرى تداول اسمها في صيغة المذكّر، فقيل وكُتب “هذا المكشوف”، بعدما صدرت اسبوعياً ابتداءً من أول أيار 1935. اللافت ان أعدادها الأولى خلت من اسماء كتّاب أو محرّري مادتها ومدبلجيها، سوى اسم “محررها المسؤول” فؤاد حبيش فقط. على صفتحها الأولى في عددها الأول “قصة لم يسبق نشرها” هي “قصة غرام النبيلات” إلى جانب صورة امرأة تنكشف أجزاء مثيرة من جسمها. وتكرُّ سبحة أشباه هذا العنوان على صفحات العدد الأول كلها: “العري في الحب – أتفضل أن تكون عارياً أم لابساً؟”، “الحب في الكتب”، تحته عنوان فرعي: “زوجة متطرّفة في تقواها”، ثم “القضايا القذرة والمحاكمات السرية”، “مدرّسة لا تكره الشهوات”. طوال السنة الأولى من صدورها تتعزّز مثل هذه العناوين والأبواب وتتناسل متزايدة، كأنها قصص وحكايات متسلسلة: “قصة زواج حكيم” (طبيب)، “المطارحات الغرامية التي تفضلها المرأة”، “كيف تحب رجلاً متزوجاً”، “العاشق الحقيقي: واجبه قبل الحب وفيه وبعده”، “جسد ملتهب”، “مخدر جديد يستعبد النساء ويوقظ شهواتهن”، “ما هي اللذة التي تفضلها في الحب: فوق الصخور، القبلة الجارحة، العضة في الأذن؟”، “الغرام في اسبانيا يشمل الكبار والصغار”، “المغازلة في السينما: بغاء القاصرات، أسعار الحب”، “كيف سحر هتلر الفاتنة بريجيت”، “اللهو والحب في لندن”، “الجرائم في بولونيا”، “ريق امرأة يشفي من سم الأفاعي”، “مومس تتحدث إلى ابنها”، “السحاقيات عند اليونان”، “الفحش المقدس في بلاد المهاتما غاندي”… إلخ.
على صفحات 33 عدداً صدر الأخير منها في 7 كانون الثاني 1936، ظل “مكشوف” فؤاد حبيش بوصفه “وان مان شو” تقريباً، رسولاً لهذا النوع من العناوين والكتابة الاسبوعية المترجمة والمدبلجة والمعدّة والمنقولة عن صحف ومطبوعات أوروبية معظمها فرنسية. إلى جانب هذه العناوين وموضوعاتها، صور اباحية لنساء ومضاجعات شديدة الإثارة، يقوم بحفرها على معدن الزنك حرفيّ أو فنّان “الزنكوغراف”، فتشير “المكشوف” إليه في بعض أعدادها باسم “بغدادي” الذي يبدو ان رقابة المطبوعات آنذاك أخذت تحذف بعض صوره الشديدة الإباحية. لذا أصدرت الجريدة بعض أعدادها بمساحات بيضاء على عدد من صفحاتها، بسبب حذف الرقابة تلك الصور.

المرأة محور الإعلانات

تتخلل هذه العناوين والموضوعات المثيرة إعلانات محلية تشير الى ظهور مهن وخدمات وسلع جديدة متناسبة مع “ثقافة السفور الإباحية” التي تشيعها “المكشوف”: “الدكتور جرجي ربيز الاختصاصي بالأمراض التناسلية”، “عيادة طبيب الأسنان” لطبيب في محطة الناصرة، “كريم هالينا المزيل للنمش”. بعض الاعلانات تحظى بمقدمات مثيرة مطولة: “ماذا يحب الرجل في المرأة؟”، والجواب: “جمالها الطبيعي الخلاب، صفاء الوجه، نقاء البشرة”. عليك إذاً بـ”كريم سندس”. ثم دعاية لـ”الشوكولا الوطنية، صنع معامل الجميل الشهيرة: تجدها خصوصاً في صيدلية الجميل بساحة الشهداء”. للاصطياف والفنادق والمطاعم والخمور حصتها من الدعاية: “نزل قاصوف في ضهور الشوير”، “فندق الهنود في دير القمر”، “عرق الزوق الفاخر”، “مطعم عارف الجديد المشرف على سينما روكسي”، “الويسكي اللذيذة الخالية من الضرر: أمباسادور”، “حتي إخوان لأوراق السفر إلى جميع أنحاء العالم”، وإعلان عن شركة جديدة لنقل المصطافين، وعن “دليل الاصطياف لمؤلفه اسكندر يارد”، وللاعلانات على صفحات “المكشوف” عليك ان “تخابر في شأنها الادارة في سوق اياس – قرب البركة”. إلى جانب حلقات “رواية” متسلسلة عنوانها “الإغواء” لأنيس دية، مقالة عن “بائعات اللذة في فرنسا ولبنان”، يرد فيها ان “حملات الصحف والأحاديث الخاصة أثمرت اخيراً عن ضرورة التساهل بالسماح لبائعات اللذة ممارسة حرفتهن في أماكن الاصطياف”، حيث تنقل الجريدة أخبار انتخاب ملكات للجمال في حمّانا وضهور الشوير. لذا نشرت “المكشوف” مقابلة مع المنتخبة الآنسة كيتا كفوري التي قالت: “تغريني المكشوف وأقرأها بلذة لأنها جريدة الجمال الحقيقي والفضيلة الحقيقية”.

استعارة أوروبا “السنوات المجنونة”

هذا غيض من فيض عناوين “عالم المكشوف” للسفور والعري في أعداد السنة الاولى من صدورها. يتخيل متصفح هذه الأعداد أن مادة الجريدة الاسبوعية أثارت عاصفة في مجتمع ثلاثينات المجتمع اللبناني والبيروتي. من الصعب التحقق من هذا الأمر من دون استطلاعات واسعة تبيّن وقع تلك المادة الصحافية على جمهور قرّاء تلك الحقبة التي عمل فؤاد حبيش فيها على إعداد مواد صحافية وكتابات أوروبية مثيرة، ترجمتها وتلخيصها ونشرها في “المكشوف”. كان العالم آنذاك يعيش في حقبة ما سُمّي في أوروبا “السنوات المجنونة”، أي العشرينات التي أعقبت الحرب العالمية الاولى (1914 – 1918). وهي سنوات مضطربة ومضطرمة بأنماط عيش وتفكير جديدة، منها رسوخ خروج المرأة الى العمل والحياة العامة واتساعه على نطاق جماهيري في البلدان الأوروبية، حيث شاع تحرر النساء من الأزياء القديمة التي كانت تلافيفها الكثيرة تغطي أجسامهن وتعوق حركتها. ويبدو أن فؤاد حبيش زار ألمانيا في مطلع تلك السنوات الأوروبية “المجنونة”، فتردد هناك على “نوادي العراة” حيث “أفراد من طبقات اجتماعية مختلفة، يمضون عطلهم، رجالاً ونساء، في الهواء الطلق، عراة، لتنقية أجسامهم من الأمراض”، على ما كتب حبيش نفسه في مقدمة كتابه “رسول العري” واصفاً رحلته الألمانية تلك التي كان قد نشر بعض فصولها مقالات في جريدة “الأحرار المصورة” في عنوان “العري في ألمانيا”. أما ذلك الكتاب فكان حصيلة ترجمة وتلخيص لكتاب “بلاد العري” للفرنسي شارل رواييه. كان دافع حبيش الى ذلك العمل “إيمان بأهمية الثقافة الجنسية القائمة على قواعد طبية وصحية يتوجب تلقينها للطلبة منذ نعومة أظفارهم”، فاتّهم، بعد نشره الكتاب بـ”الانحراف الخلقي”.
صديقه ادوار حنين قال في رثائه العام 1974 إنه كان “على ظاهر من التفلت منقطع النظير”، لكنني “ما رأيته يوماً إلا في جانب الخلق النبيل (…) مشدوداً الى الجبل بشروش لا أمتن: منها لآل حبيش ومنها لآل لحود ومنها للصخرة التي أدمت قدميه صبياً في غزير”. أما عديله أنطون غطاس كرم فقال عنه في السياق الرثائي نفسه: “إذا لقيته نضح بالبشر ثم زفّك العبث، كأنما الدعابة (عنده) جسر الى الحميم، وانزلاق اللسان أسلوب من المودة”. كثيرة هي الاشارات التي تؤكد أن حبيش كان سليط اللسان حتى “البذاءة” الساخرة، أو “الشتيمة بلهجته الكسروانية الشهيرة”، على ما ذكر أنسي الحاج، متذكراً “أناقته الأريستوقراطية”. هذه الصفات قد نجد مصدرها في محطات سيرة حبيش الاجتماعية والشخصية. فإبن عائلة المشايخ التي تفكّك عالمها القديم، والمقامر الصغير في فتوّته أيام الحرب العالمية الاولى، والمتخرج من المدرسة الحربية ضابطاً مترجماً، قال عنه أنطون غطاس كرم إنه كان “في انضباط الجندي، مؤرقاً (من الورق)  يفلي صحف العالم، يخط بالأحمر، يترصد ثمار المطابع في كل فن، يجمع مختار الطرائف من المد العالمي، يطوّعه وفق قرائه، يلطّفه، يضغطه مادة لصفحة” في جريدة، أيام كانت الصحافة تنطلق ناشطة مزدهرة في بيروت ولبنان العشرينات والثلاثينات. فهل استشفّ فؤاد حبيش أن سوق الصحافة وجمهورها المحليين متعطشان توقاً  الى مطبوعة جديدة تتفرد في المجتمع المحلي بالتعبير عن شبق محموم، مكبوب أو مكتوم، يريد أن يسفر عن نفسه في العلانية العامة؟ لكن لا حبيش ولا ذلك المجتمع كانا يمتلكان ثقافة وتجربة وخبرات ولغة تمكنهما، بغير الترجمة والتلخيص والدوبلاج، من التعبير عن ذلك التوق الشبق الى السفور. لذا أقدم الصحافي، “رسول العري”، وكذلك مجتمعه، على استعارة مادة توقهما من أوروبا “السنوات المجنونة”. مذذاك، قبله وبعده، تعمل ثقافتنا ولغتنا العربيتان على استعارة عالم الحداثة الأوروبية وترجمته على نحو سيئ غالباً، ونشره في شتى ميادين حياتنا المحلية.

الخيال الصحافي السبّاق

في العدد 33 من “المكشوف”، ذاك الذي سبق انقلابها جريدة للأدب والأدباء في مطلع العام 1936، حاول توفيق يوسف عواد إدخال استعارة فعل أوروبا في نسيج الاجتماع البيروتي، فكتب في أسلوب قصصي تحقيقاً عن “بنات المدينة” اللواتي يعملن في المؤسسات والمخازن والمكاتب، كما يعمل الرجال. طائفة البنات العاملات “لم يكن لنا بها عهد قبل الحرب الكونية الاولى – كتب عواد – ويجب أن نحسب لها حساباً اليوم”، بعدما بلغ عددها “المئات” في بيروت. وينقل الكاتب مقتطفات من محادثته بعض بنات هذه الطائفة الجديدة. إحداهن تقول إنها تعمل للحصول على مبلغ من المال لتشتري به “كل ما تشتهيه نفسي: فساتين، برانيط، عطور، كلسات، وبطاقات سينما”. وهي “تحب الجمال أكثر من التحصن في المنزل”. أخرى تقول إنها “تحب الحرية، الخروج وركوب الترامواي، وأن يمشي ورائي شاب يسارقني النظر، فأضحك عليه في سرّي، وأتمتع بتلك الرعشات تنزل من قلبي الى أخمص قدمي”. ثالثة تقول: “أحب العودة الى البيت، ليسألني والدي أين كنتُ، فأجاوبه: كنت في الشغل”. رابعة تعمل في مخزن وتتقاضى 10 ليرات سورية في الشهر، وتقول إنها تُعيل بها أمها الأرملة وإخوتها اليتامى.
أخيراً يخلص عواد متسائلاً: “أنستطيع القول إن 50 في المئة من العاملات يحافظن على عفافهن؟”. جازماً يجاوب “السالمات لا تتجاوز نسبتهن 5 في المئة. العذراء منهن نصف عذراء، وهي تعطي كل شيء سوى خيط عنكبوت. التي تعطي بسخاء إنما تعطي مدير المكتب أو المخزن أو المؤسسة، من دون أن تبخل في الشارع”. ويختتم الكاتب في أسلوبه القصصي: “في الصباح والمساء، عندما تتزاحم الأقدام العالية والفساتين القصيرة على الأرصفة، تجد كثيرات يقفن في محطة ترامواي أو على ملتقى طرق، ينتظرن العشاق. إنها ظاهرة فرحة لذيذة، لكنها لا تخلو من خطر. ومتى كانت الحرية خالية من الأخطار؟!”.

 

رسول العري يستعيد صواب الأدب

في عددها الأربعين مطالع أيار 1936 صدّرت "المكشوف" صفحتها الأولى ببيان أعلنت فيه "مفاجأة كبرى سارة لم يحلم بها القراء": سوف تصير "جريدة جديدة بشكلها وروحها ومادتها وكتّابها" لتصبح لسان حال النهضة الأدبية في هذه الربوع بما تنشره من مقالات تدبّجها أقلام نخبة من أدباء هذا الجيل.  تطرق "المكشوف" "مواضيع السياسة بإخلاص لخدمة البلاد، وتعالج مواضيع الأدب (لـ) تحرير الأدب العربي من عبودية التقليد وعبودية التجارة". ويضيف البيان: "ستبحث المكشوف في الفن والعلوم والسينما، وقد تمكّنا من الاتفاق مع عدد من كتّابنا الممتازين (الذين) نفاجئ بهم قراءنا". أما ما سينجم عن هذا التغير، بل الإنقلاب، بعد أكثر من سنة على صدور الجريدة، فيقصره البيان على أن "المكشوف ستصبح الجريدة التي تقرأها العذراء في خدرها دون أن تلاقي في قراءتها ما درجت عليه حتى اليوم، (وهو) ما عزمنا على اهماله تماماً".   التدبيج والعذارى الى النبرة الإعلانية الدعائية البارزة في مطلعه، ينطوي القاموس اللغوي للبيان على عبارات وكلمات قد يكون جامعها ما سمّي "النهضة الأدبية" بوصفها حركة عامة صِيغ مفهومها منذ نهايات القرن التاسع عشر ما بين مصر ولبنان، مستلهِماً حركة التنوير الأوروبي، وصار دارجاً بين المثقفين والكتّاب والأدباء العرب واللبنانيين، ومدار سجالاتهم وانقساماتهم وحامل رغباتهم في التجديد والتقدم والتحرر، طوال النصف الأول من القرن العشرين. مثل معظم البيانات النهضوية الأدبية العربية واللغة التي تعتمدها، تظهر في بيان "المكشوف" عبارات وكلمات وصياغات إنشائية تعود الى "لاوعي لغوي" وتعبيري يُفترض أنه سابق على النهضة الأدبية، ويخالف مضمونها الذي قد تكون العبارة الإعلانية في مطلع البيان هي الأقرب إليه. أما العبارات والكلمات الصادرة عن "لاوعي لغوي" مرسل ويخالف المضمون المفترض للنهضة، فهي من أمثال: "هذه الربوع"، "تدبجها أقلام"، "العذراء في خدرها". ذلك أن هذه الكلمات تنتمي الى لغة عربية فائتة فقدت صلتها بوقائع الحياة اليومية ومخيلتها وأفعالها وعلاقاتها السائرة، وفقاً لما رغبت "المكشوف" نفسها ان تحمل رايته في حلّتها السابقة على البيان بوصفها "رسول العري" و"كشف الستر" عن الرغبة والوقائع والحوادث والأفعال والعلاقات الناجمة عنهما في الحياة الاجتماعية والخاصة. لكن مراجعة عناوين ومقتطفات من مادة "المكشوف" الصحافية في سنة صدورها الأولى، بيّنت أن تلك الرغبة – الرسالة جاءت مترجمة ومدبلجة عن مواد صحافية أوروبية (فرنسية غالباً)، ومنقطعة الصلة بأحوال المجتمع المحلي ووقائعه وحوادثه في معظم الحالات، ما خلا الإصرار على طلب الإثارة في ما يتصل بشؤون النساء وأجسامهن وملبسهن وشهواتهن وشهوات الرجال، تلك التي دأبت الجريدة على نشر أخبارها وحكاياتها المترجمة في علانية عامة، صحافية ناشطة ومزدهرة في بيروت ثلاثينات القرن العشرين. إذ كيف يمكن الحديث عن إرادة العري والسفور والرغبات والعلاقات والحوادث الناجمة عنهما، في لغة تستعيد كلمات مثل العذارى والخدور والتدبيج والربوع؟ والحق أن فعل التدبيج ينطبق تماماً على معظم مقالات "المكشوف" الصحافية المغفلة التوقيع في طورها الأول "رسولاً للعري". الفعل نفسه حاضر في بيانها الأدبي الجديد الذي يزفّ الى قرائها بشارة صيرورتها جريدة أدبية، استقطبت قولا وفعلا نخبة واسعة من كتّاب لبنان أولاً، وسوريا تالياً، في الأدب والصحافة في عقدَي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، على ما تبيّن مراجعة أعدادها ما بين العدد 33 و500 تقريباً، قبل توقفها عن الصدور مطلع الخمسينات.  "لايف ستايل" الثلاثينات لا ريب في أن كاتب البيان الأدبي، أو المشارك في كتابته، هو مؤسس "المكشوف" الشيخ فؤاد حبيش الذي روى في صفحة داخلية من العدد المنشور فيه البيان، أن "عائلة هاي لايف"، أي مرموقة اجتماعياً و"مثقفة" وتتألف من "أم وأب و7 أولاد بينهم فتيات"، كان "كل منهم يشترك سراً" في "المكشوف" التي تُرسل اليه أعدادها "على عنوان خاص" به وحده منفرداً. تغيب في هذا الخبر كلمتا العذارى والخدور، وتحضر كلمة فتيات وعبارة "هاي لايف" الأجنبية، كما يقال اليوم "لايف ستايل" في لغة الاعلاميات التلفزيونيات اللواتي غزا حضورهن وغزت لغتهن الصحافة المكتوبة. الأرجح أن حبيش في "مكشوفه" في طورها الأول ما قبل الأدبي، قدّم في منتصف ثلاثينات القرن العشرين مادة صحافية سبّاقة ورائدة من نمط "اللايف ستايل"، مشوباً بالإثارة. هذه الثقافة في نموذجها اللبناني والعربي الراهن، هي شكل من أشكال ثقافة العولمة الما بعد حديثة (البوست مودرن) التي تختلط فيها انماط تفكير وتعبير ونظر وسلوك غير متجانسة، بل عشوائية، صادرة عن "لاوعي" مرسل، كما كانت تختلط في الثلاثينات في لغة فؤاد حبيش كلمات وعبارات "هاي لايف" وفتيات وعذارى وخدور، الصادر كل منها عن فضاء لغوي مختلف عن الآخر، ومتعارض معه. كان يمكن ان نضرب صفحاً عن هذا التعارض العشوائي، ونقدّره تقديراً مختلفاً، لو أننا في معرض من فنون التجهيز الرائجة منذ سنوات في الفنون البصرية الما بعد حديثة. عطفاً على بيان "المكشوف" الأدبي الجديد، تفصح إشارة حبيش الى عائلة المشتركين السريين في جريدته حينما كانت "رسولاً للعري"، عن أن العذارى كنَّ من قرائها، لكن خارج خدورهنّ البيتية والعائلية التي صار يمكنهن أن يقرأنها فيها مطمئنات بعد تحولها جريدة أدبية. هذا يشير الى أن "المكشوف" في حلتها السابقة كانت علنية وسرية في وقت واحد: مطروحة علناً في سوق المطبوعات الناشطة، وللمشتركين الذين يلتهمون مادتها الصحافية كل بمفرده وفي السر أو الخفاء عن الآخرين. وهذا يجعل القارئ بصَّاصاً على ما يقرأ، على رغم أن ما يقرأه مطروح علناً في السوق، من دون أن تلغي هذه العلنية والغفلية حذره من تداول الجريدة وقراءتها. أما بعد تحولها جريدة للأدب والأدباء فسيزول الخوف والتسري والقلق واللاطمأنينة أثناء قراءتها. وبسخريته اللاذعة يؤكد حبيش أن "عائلة الهاي لايف" التي يصفها بـ"المباركة" متهكماً، "ستشترك" علناً في "المكشوف" الجديدة "بعدد واحد فقط"، ليصير عددها الأسبوعي مطروحاً في البيت لجميع أفراد العائلة، يتناوله كل منهم بدعة مطمئنة، لا أثر فيها لذلك القلق المشوّق المثير الذي كان يجعل الجريدة واسعة الانتشار كنار في الهشيم، أو كسلعة ممنوعة – مرغوبة يجري تداولها فردياً في سوق سوداء. وقد يكون هذا مصدر قوة حضور "المكشوف" وانتشارها السريع في سنتها الأولى، قبل توسلها بهذين الحضور والانتشار وتوظيفهما في تحويلها جريدة للأدباء والأدب في علانية عامة "بيضاء" لا أثر فيها للسر والتسري والبصبصة على انفراد وفي الخفاء. والحق أن هذا ما يتحسر عليه فؤاد حبيس "رسول العري والإثارة"، تحسراً موارباً، ربما لم تشفِه منه القوة المعنوية الموعودة لجريدته التي قد يكون علَّل نفسه وواساها بقوله في البيان الجديد إن العذارى سوف يواصلن قراءتها، لكن مطمئنات في خدورهن. لكن هذا ليس أمراً مؤكداً، إذ متى كان الأدب وصحافته قبلة قلوب العذارى ورغباتهن؟ فحبيش يؤكد أن "المكشوف الأدبية" ستتدنى مبيعاتها وأعداد مشتركيها. لكن المؤكد أيضاً أنها في الحالتين، برغم قصر مدة حالتها الأولى، جعلت من فؤاد حبيش رائد صحافة ونشر طوال ما لا يقل عن 15 سنة في حقبة سميت حقبة "المكشوف" في صناعة الصحافة والنشر الأدبيين.  الانقلاب الأدبي صدر العدد الأول من "المكشوف" في حلتها الأدبية الجديدة في 5 نيسان 1936، حاملا الرقم 43. على صفحته الأولى قائمة بأسماء الأدباء والشعراء المشاركين في تحريره، وفق الترتيب الأبجدي. تلي القائمة افتتاحية غير موقّعة، عنوانها لافت: "دستور 1926 للأحوال الشخصية: تشريع الطوائف والاعتراف بها". موضوعات العدد تنبئ بأن معدِّيه أصحاب خبرة ثقافية وأدبية، وبذلوا جهداً في مناقشة مواده وموضوعاته واختيارها واختيار كتّاب محددين لكتابتها، كي تطل الجريدة إطلالة مثقفة بالغة الرصانة والشمول والتنوع، لكن المتجانسة في أسلوبها ووجهتها في ميادين الأدب والفلسفة والاجتماعيات والشعر والقصة: فؤاد أفرام البستاني كتب في "نظرية جديدة في الأدب الجاهلي" مناقشاً طه حسين. قسطنطين زريق طرح على نفسه سؤالا: "هل في العالم العربي اليوم فيلسوف؟" وجاوب عن السؤال هذا في مقالة. "الطبيعة والعمران في الشعر الأندلسي" عنوان يقترب من اجتماعيات الأدب لبطرس البستاني. في الميدان نفسه كتب الشاعر إلياس أبو شبكة "بين الأدب والشعر والصحافة"، وكذلك ابرهيم سليم النجار الذي بحث في "أثر الأدباء اللبنانيين والسوريين في السينما والمسرح العربيين"، فيما كتب جبرائيل جبور عن "خدمات المستشرقين للأدب العربي". عبدالله لحود كتب مقالة تعريف بمارسيل بروست وأدبه. قيصر الجميل الذي لن يغيب اسمه عن "المكشوف" طوال عهدها إلا نادراً، كاتباً وراسم بورتريهات للأدباء، خصَّ العدد بمقالة عنوانها "هل يرى المصور في الطبيعة غير ما يراه عامة الناس؟". في مجال الفن السابع، درة حداثة القرن العشرين، كتب كرم البستاني عن "أسرار الجمال عند غادات السينما" اللواتي وضع الفيلسوف الفرنسي إدغار موران كتاباً رائداً عنهن في الستينات عنوانه "نجوم السينما" بوصفهن صنيعة ظاهرة – "نظام" جديد يجعلهم "أنصاف آلهة" تعبدها الجماهير المعاصرة. في مقالة حنا غصن "آفة المسايرة في حياتنا الاجتماعية العامة"، تحضر إرهاصات المعالجة الأنثربولوجية في تناول العادات والتقاليد المحلية. ويشمل هذا التناول مقالة مغفلة التوقيع عن الأزياء عنوانها "بين القبعة والفستان" بوصفهما عنوان انقلاب الزي النسائي وعصريته تعبيراً عن شيوع سفور المرأة وخروجها الى الفضاء العام. هذا فيما كتب فؤاد حبيش "14 وصية منقولة عن الأديب الفرنسي موريس دير كويره، لكي تكون المرأة محبوبة". يقول صاحب "المكشوف" إنه يعرضها "تفكهة للقراء"، كأنه انتبه الى الرصانة والثقل الثقافيين في مواد جريدته في حلتها الجديدة، فأراد التخفيف من جدِّيتها الثقيلة معتذراً لقراءها من النساء. للمواد الصحافية حضورها الطفيف في عدد الجريدة هذا، لكنه في المقابل حضور نوعي في جدّته ودلالته وتناوله السياسة الدولية في باب مستقل عنوانه "أخبار العالم في أسبوع"، يعدّه ويحرره كامل مروة، قبل أن يصير في الأعداد التالية من نصيب لويس الحاج. الباب الصحافي الأسبوعي الآخر هو أخبار الرياضة التي يستهلها العدد بموضوع عنوانه "النهضة الرياضية في لبنان". وهو عنوان ينبه الى أهمية العامل الاجتماعي – السياسي في نهضة الرياضة المتزامنة في المجتمع المحلي مع نهضة رياضية عارمة في أوروبا، حقبة ما بين الحربين العالميتين، التي شهدت ظهور الأحزاب الفاشية ومنظماتها الشبابية العصبوية الفائضة التنظيم والعنف، والمرتبطة بالتربية الرياضية.    ضد امارة الشعر لا يغيب الشعر عن "المكشوف" في عددها الأدبي الاول وأعدادها اللاحقة. سعيد عقل نشر قصيدته "عشتروت" في الاول، وكذلك ميخائيل نعيمه له قصيدة عنوانها "قبور". يتكرر حضور سعيد عقل الشعري المتقطع في الجريدة طوال سنتين او ثلاث. اما الياس ابو شبكة فهو شاعر "المكشوف" في حضور قصائده على صفحاتها، اضافة الى مساهماته النثرية والنقدية المتكررة حتى وفاته المفاجئة العام 1947. فشاعر "غلواء" و"افاعي الفردوس" كان أحد اقطاب "عصبة العشرة" منذ نشأتها في مكاتب جريدة "المعرض"، وخوضها مناظرات ومعارك ادبية على صفحاتها، قبل انتقال العصبة الى مكاتب "المكشوف" ومتابعتها المناظرات والمعارك على صفحات هذا المنبر الجديد الذي سرعان ما تصدَّر نشاط الصحافة الادبية. كانت العصبة قد وقَّعت باسمها، من دون ذكر اسماء اعضائها، المقال النقدي الادبي الافتتاحي في عدد "المكشوف" في حلتها الجديدة، وكان عنوانه "الادب العربي بين عبوديتين: عبودية التقليد القديمة وعبودية التجارة الحديثة". المقال يشبه بياناً يستأنف سجالات العصبة حول شعر المناسبات او "التشريفات" المنبرية، على ما يسمّيه نقَّاد "المكشوف" التي سخرت، ربما بقلم ابو شبكة، بهذا النوع من الشعر الذي كان يتصدره احمد شوقي ثم بشارة الخوري (الاخطل الصغير). لم تلبث الجريدة ان لخّصت على صفحاتها "الحديث المشوِّق الذي تحدثه خليل تقي الدين في صالون شارل قرم (الشاعر الملهم) عن احمد شوقي وشاعريته العجيبة: "من نظّام الى موظف الى شاعر الى امير الشعراء". في مناسبة وفاة شوقي كتبت "المكشوف": "امير الشعراء يبكيه شاعران: بشارة الخوري وامين نخلة"، كأنها تومئ الى تسابق الشاعرين على حيازة اللقب او المنصب الذي شغر بوفاة متصدر "امارة الشعر العربي". في منتصف الاربعينات خصصت "المكشوف" جائزة سنوية كبرى مقدارها الف ليرة لبنانية لأفضل مجموعة شعرية. لكن الجائزة شملت، الى الشعر، انواعاً ادبية اخرى: رواية، قصص، ودراسة عن شخصية ادبية او سياسية من لبنان، على أن ينال الجائزة في كل سنة كتاب في نوع من هذه الانواع، لتتولى "دار المكشوف" طباعة 3 آلاف نسخة من المخطوط الفائز.  خلق الله الانسان في قصة على ان "المكشوف" كانت قد بادرت الى الاحتفال بالادب القصصي وتشجيعه وتخصيص جائزة له منذ عددها 59 في تموز 1936، وكان مقدار الجائزة 25 ليرة سورية آنذاك. لم تغب القصة عن عدد الجريدة الادبي الاول الذي نشر فيه توفيق يوسف عواد قصة عنوانها "شهوة الدم". فعواد الى جانب خليل تقي الدين، وهما قصّاصان، من اركان محرري "المكشوف" و"عصبة العشرة"، لذا دعت الجريدة الكتّاب الى نشر قصصهم على صفحاتها للمشاركة في المباراة. تحفيزاً لهذا الفن الكتابي كتبت الجريدة في افتتاحية عددها 68 انها ترغب في أن "تفتح افقاً جديداً للأدب". في تحدّ لنجومية الشعر والشعراء على الارجح، وخصوصاً شعراء المناسبات والمراثي و"التشريفات"، أشارت الى ذلك الأفق في اسلوب فني اعلاني باهر: "خلق الله الانسان في (من) قصة منذ الادب المكتوب في التوراة الى يومنا هذا"، وذلك في استعارة لأسطورة آدم وحواء الإلهية. مع تأسيسها دار نشر حملت اسمها، أعلنت "المكشوف" توزيعها هدية مجانية للمشتركين فيها: نسخة من رواية "الصبي الاعرج" التي نشرتها الدار لتوفيق يوسف عواد، ثم شرعت في نشر مقالات على صفحاتها تتناول "الصبي الاعرج" والأدب القصصي. من موقّعي هذه المقالات: امين الريحاني، ميخائيل نعيمة، وميشال اسمر الذي ذيّل مقالته بإشارة الى أنه من "ندوة الاثني عشر" الناشئة بعد "عصبة العشرة"، وكان بعض من اعضائها يدورون في فلكها. جاءت مقالة اسمر لافتة في عنوانها: "اين نحن من القصة؟ كيف تولد شخصياتها في نفس (وعي) المؤلف؟". في اطار متابعته النشاط القصصي كتب فؤاد حداد (ابو الحن) عن عدد مجلة "العروة الوثقى" (كانت تصدرها جمعية بهذا الاسم في الجامعة الاميركية في بيروت) الخاص بـ"القصة ونهضتها في البلدان العربية". وسرعان ما اثمر تحفيز "المكشوف" نشر القصص على صفحاتها وتخصيصها جائزة سنوية لها، فبرزت اسماء قصصية سورية، منها جورج سالم، خلدون ساطع الحصري الذي فازت قصة له منشورة باسم مستعار في "المكشوف" بالجائزة للعام 1939. وقد تألفت لجنة التحكيم من: عمر فاخوري، يوسف غصوب، الياس ابو شبكة، خليل تقي الدين، رئيف خوري، فؤاد افرام البستاني، توفيق يوسف عواد، شفيق جحا، وفؤاد حبيش. هؤلاء جميعاً وسواهم عشرات كانوا من المداومين على الكتابة في "المكشوف". حتى مطالع الاربعينات حظي الفن القصصي بوقفات نقدية متلاحقة اكثر من كتابتها مارون عبود الذي كانت له زاوية اسبوعية ثابتة في الجريدة عنوانها "ادباؤنا". اما الترجمات والاقتباسات القصصية عن القصة الاوروبية، وخصوصاً الفرنسية، فكان لها حضور متصل على صفحات "المكشوف".  منعطف سوري على عتبة الاربعينات يستوقف منعطف جديد لـ"المكشوف" على صعيد الكتابة الادبية والصحافية: تكاثر اسماء الكتّاب العرب على صفحاتها، وخصوصاً السوريين، من دون ان يغيب العراقيون والفلسطينيون. من الاسماء المتكررة: نجاتي صدقي، انور البرازي، وصفي قرنفل، نزيه الحكيم، قدري قلعجي، حيدر البرازي، انطون المقدسي، سليم الجندي، احمد عبد الجبار، سعيد الجزائري، انطوان موصلي، ميشال الصراف، اديب الداودي، زهير الحمزاوي، وفايز صايغ. بعض هؤلاء كتب – الى جانب متابعاته النشاط الادبي في المدن السورية، والعراقية احياناً - في باب شرّعته "المكشوف" واسعاً ودائماً عنوانه "السرقات الادبية" الذي أرادته مثيراً وجاذباً لمناظرات ومعارك ادبية، لتوسيع دوائر قرائها في لبنان والعواصم العربية، وخصوصاً في المدن السورية، دمشق وحمص وحلب. يبرز في هذا الاطار شقاق ادبي ما بين الكتاب اللبنانيين والسوريين من جهة، والكتاب المصريين من جهة اخرى. في هذا السياق كان الياس ابو شبكة قد كتب في العام 1939 مقالة طويلة عنوانها "ابطال الحركة الاوروبية في لبنان وسوريا". ثم لم تلبث "المكشوف" ان اصدرت في 27 آذار من العام نفسه، "عدداً خاصاً ممتازاً عن مظاهر الثقافة في سوريا" شاركت فيه كوكبة من الكتاب السوريين. لكن الجريدة سرعان ما بادرت في 10 تموز 1939 ايضاً، الى اصدار عدد مماثل "عن مظاهر الثقافة في مصر" شارك فيه كتاب مصريون.

في عددها الأربعين مطالع أيار 1936 صدّرت “المكشوف” صفحتها الأولى ببيان أعلنت فيه “مفاجأة كبرى سارة لم يحلم بها القراء”: سوف تصير “جريدة جديدة بشكلها وروحها ومادتها وكتّابها” لتصبح لسان حال النهضة الأدبية في هذه الربوع بما تنشره من مقالات تدبّجها أقلام نخبة من أدباء هذا الجيل.
تطرق “المكشوف” “مواضيع السياسة بإخلاص لخدمة البلاد، وتعالج مواضيع الأدب (لـ) تحرير الأدب العربي من عبودية التقليد وعبودية التجارة”. ويضيف البيان: “ستبحث المكشوف في الفن والعلوم والسينما، وقد تمكّنا من الاتفاق مع عدد من كتّابنا الممتازين (الذين) نفاجئ بهم قراءنا”. أما ما سينجم عن هذا التغير، بل الإنقلاب، بعد أكثر من سنة على صدور الجريدة، فيقصره البيان على أن “المكشوف ستصبح الجريدة التي تقرأها العذراء في خدرها دون أن تلاقي في قراءتها ما درجت عليه حتى اليوم، (وهو) ما عزمنا على اهماله تماماً”.

التدبيج والعذارى

الى النبرة الإعلانية الدعائية البارزة في مطلعه، ينطوي القاموس اللغوي للبيان على عبارات وكلمات قد يكون جامعها ما سمّي “النهضة الأدبية” بوصفها حركة عامة صِيغ مفهومها منذ نهايات القرن التاسع عشر ما بين مصر ولبنان، مستلهِماً حركة التنوير الأوروبي، وصار دارجاً بين المثقفين والكتّاب والأدباء العرب واللبنانيين، ومدار سجالاتهم وانقساماتهم وحامل رغباتهم في التجديد والتقدم والتحرر، طوال النصف الأول من القرن العشرين. مثل معظم البيانات النهضوية الأدبية العربية واللغة التي تعتمدها، تظهر في بيان “المكشوف” عبارات وكلمات وصياغات إنشائية تعود الى “لاوعي لغوي” وتعبيري يُفترض أنه سابق على النهضة الأدبية، ويخالف مضمونها الذي قد تكون العبارة الإعلانية في مطلع البيان هي الأقرب إليه. أما العبارات والكلمات الصادرة عن “لاوعي لغوي” مرسل ويخالف المضمون المفترض للنهضة، فهي من أمثال: “هذه الربوع”، “تدبجها أقلام”، “العذراء في خدرها”. ذلك أن هذه الكلمات تنتمي الى لغة عربية فائتة فقدت صلتها بوقائع الحياة اليومية ومخيلتها وأفعالها وعلاقاتها السائرة، وفقاً لما رغبت “المكشوف” نفسها ان تحمل رايته في حلّتها السابقة على البيان بوصفها “رسول العري” و”كشف الستر” عن الرغبة والوقائع والحوادث والأفعال والعلاقات الناجمة عنهما في الحياة الاجتماعية والخاصة. لكن مراجعة عناوين ومقتطفات من مادة “المكشوف” الصحافية في سنة صدورها الأولى، بيّنت أن تلك الرغبة – الرسالة جاءت مترجمة ومدبلجة عن مواد صحافية أوروبية (فرنسية غالباً)، ومنقطعة الصلة بأحوال المجتمع المحلي ووقائعه وحوادثه في معظم الحالات، ما خلا الإصرار على طلب الإثارة في ما يتصل بشؤون النساء وأجسامهن وملبسهن وشهواتهن وشهوات الرجال، تلك التي دأبت الجريدة على نشر أخبارها وحكاياتها المترجمة في علانية عامة، صحافية ناشطة ومزدهرة في بيروت ثلاثينات القرن العشرين. إذ كيف يمكن الحديث عن إرادة العري والسفور والرغبات والعلاقات والحوادث الناجمة عنهما، في لغة تستعيد كلمات مثل العذارى والخدور والتدبيج والربوع؟ والحق أن فعل التدبيج ينطبق تماماً على معظم مقالات “المكشوف” الصحافية المغفلة التوقيع في طورها الأول “رسولاً للعري”. الفعل نفسه حاضر في بيانها الأدبي الجديد الذي يزفّ الى قرائها بشارة صيرورتها جريدة أدبية، استقطبت قولا وفعلا نخبة واسعة من كتّاب لبنان أولاً، وسوريا تالياً، في الأدب والصحافة في عقدَي الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، على ما تبيّن مراجعة أعدادها ما بين العدد 33 و500 تقريباً، قبل توقفها عن الصدور مطلع الخمسينات.

93589-640

“لايف ستايل” الثلاثينات

لا ريب في أن كاتب البيان الأدبي، أو المشارك في كتابته، هو مؤسس “المكشوف” الشيخ فؤاد حبيش الذي روى في صفحة داخلية من العدد المنشور فيه البيان، أن “عائلة هاي لايف”، أي مرموقة اجتماعياً و”مثقفة” وتتألف من “أم وأب و7 أولاد بينهم فتيات”، كان “كل منهم يشترك سراً” في “المكشوف” التي تُرسل اليه أعدادها “على عنوان خاص” به وحده منفرداً. تغيب في هذا الخبر كلمتا العذارى والخدور، وتحضر كلمة فتيات وعبارة “هاي لايف” الأجنبية، كما يقال اليوم “لايف ستايل” في لغة الاعلاميات التلفزيونيات اللواتي غزا حضورهن وغزت لغتهن الصحافة المكتوبة. الأرجح أن حبيش في “مكشوفه” في طورها الأول ما قبل الأدبي، قدّم في منتصف ثلاثينات القرن العشرين مادة صحافية سبّاقة ورائدة من نمط “اللايف ستايل”، مشوباً بالإثارة. هذه الثقافة في نموذجها اللبناني والعربي الراهن، هي شكل من أشكال ثقافة العولمة الما بعد حديثة (البوست مودرن) التي تختلط فيها انماط تفكير وتعبير ونظر وسلوك غير متجانسة، بل عشوائية، صادرة عن “لاوعي” مرسل، كما كانت تختلط في الثلاثينات في لغة فؤاد حبيش كلمات وعبارات “هاي لايف” وفتيات وعذارى وخدور، الصادر كل منها عن فضاء لغوي مختلف عن الآخر، ومتعارض معه. كان يمكن ان نضرب صفحاً عن هذا التعارض العشوائي، ونقدّره تقديراً مختلفاً، لو أننا في معرض من فنون التجهيز الرائجة منذ سنوات في الفنون البصرية الما بعد حديثة.
عطفاً على بيان “المكشوف” الأدبي الجديد، تفصح إشارة حبيش الى عائلة المشتركين السريين في جريدته حينما كانت “رسولاً للعري”، عن أن العذارى كنَّ من قرائها، لكن خارج خدورهنّ البيتية والعائلية التي صار يمكنهن أن يقرأنها فيها مطمئنات بعد تحولها جريدة أدبية. هذا يشير الى أن “المكشوف” في حلتها السابقة كانت علنية وسرية في وقت واحد: مطروحة علناً في سوق المطبوعات الناشطة، وللمشتركين الذين يلتهمون مادتها الصحافية كل بمفرده وفي السر أو الخفاء عن الآخرين. وهذا يجعل القارئ بصَّاصاً على ما يقرأ، على رغم أن ما يقرأه مطروح علناً في السوق، من دون أن تلغي هذه العلنية والغفلية حذره من تداول الجريدة وقراءتها. أما بعد تحولها جريدة للأدب والأدباء فسيزول الخوف والتسري والقلق واللاطمأنينة أثناء قراءتها. وبسخريته اللاذعة يؤكد حبيش أن “عائلة الهاي لايف” التي يصفها بـ”المباركة” متهكماً، “ستشترك” علناً في “المكشوف” الجديدة “بعدد واحد فقط”، ليصير عددها الأسبوعي مطروحاً في البيت لجميع أفراد العائلة، يتناوله كل منهم بدعة مطمئنة، لا أثر فيها لذلك القلق المشوّق المثير الذي كان يجعل الجريدة واسعة الانتشار كنار في الهشيم، أو كسلعة ممنوعة – مرغوبة يجري تداولها فردياً في سوق سوداء. وقد يكون هذا مصدر قوة حضور “المكشوف” وانتشارها السريع في سنتها الأولى، قبل توسلها بهذين الحضور والانتشار وتوظيفهما في تحويلها جريدة للأدباء والأدب في علانية عامة “بيضاء” لا أثر فيها للسر والتسري والبصبصة على انفراد وفي الخفاء. والحق أن هذا ما يتحسر عليه فؤاد حبيس “رسول العري والإثارة”، تحسراً موارباً، ربما لم تشفِه منه القوة المعنوية الموعودة لجريدته التي قد يكون علَّل نفسه وواساها بقوله في البيان الجديد إن العذارى سوف يواصلن قراءتها، لكن مطمئنات في خدورهن. لكن هذا ليس أمراً مؤكداً، إذ متى كان الأدب وصحافته قبلة قلوب العذارى ورغباتهن؟ فحبيش يؤكد أن “المكشوف الأدبية” ستتدنى مبيعاتها وأعداد مشتركيها. لكن المؤكد أيضاً أنها في الحالتين، برغم قصر مدة حالتها الأولى، جعلت من فؤاد حبيش رائد صحافة ونشر طوال ما لا يقل عن 15 سنة في حقبة سميت حقبة “المكشوف” في صناعة الصحافة والنشر الأدبيين.

الانقلاب الأدبي

صدر العدد الأول من “المكشوف” في حلتها الأدبية الجديدة في 5 نيسان 1936، حاملا الرقم 43. على صفحته الأولى قائمة بأسماء الأدباء والشعراء المشاركين في تحريره، وفق الترتيب الأبجدي. تلي القائمة افتتاحية غير موقّعة، عنوانها لافت: “دستور 1926 للأحوال الشخصية: تشريع الطوائف والاعتراف بها”. موضوعات العدد تنبئ بأن معدِّيه أصحاب خبرة ثقافية وأدبية، وبذلوا جهداً في مناقشة مواده وموضوعاته واختيارها واختيار كتّاب محددين لكتابتها، كي تطل الجريدة إطلالة مثقفة بالغة الرصانة والشمول والتنوع، لكن المتجانسة في أسلوبها ووجهتها في ميادين الأدب والفلسفة والاجتماعيات والشعر والقصة: فؤاد أفرام البستاني كتب في “نظرية جديدة في الأدب الجاهلي” مناقشاً طه حسين. قسطنطين زريق طرح على نفسه سؤالا: “هل في العالم العربي اليوم فيلسوف؟” وجاوب عن السؤال هذا في مقالة. “الطبيعة والعمران في الشعر الأندلسي” عنوان يقترب من اجتماعيات الأدب لبطرس البستاني. في الميدان نفسه كتب الشاعر إلياس أبو شبكة “بين الأدب والشعر والصحافة”، وكذلك ابرهيم سليم النجار الذي بحث في “أثر الأدباء اللبنانيين والسوريين في السينما والمسرح العربيين”، فيما كتب جبرائيل جبور عن “خدمات المستشرقين للأدب العربي”. عبدالله لحود كتب مقالة تعريف بمارسيل بروست وأدبه. قيصر الجميل الذي لن يغيب اسمه عن “المكشوف” طوال عهدها إلا نادراً، كاتباً وراسم بورتريهات للأدباء، خصَّ العدد بمقالة عنوانها “هل يرى المصور في الطبيعة غير ما يراه عامة الناس؟”. في مجال الفن السابع، درة حداثة القرن العشرين، كتب كرم البستاني عن “أسرار الجمال عند غادات السينما” اللواتي وضع الفيلسوف الفرنسي إدغار موران كتاباً رائداً عنهن في الستينات عنوانه “نجوم السينما” بوصفهن صنيعة ظاهرة – “نظام” جديد يجعلهم “أنصاف آلهة” تعبدها الجماهير المعاصرة. في مقالة حنا غصن “آفة المسايرة في حياتنا الاجتماعية العامة”، تحضر إرهاصات المعالجة الأنثربولوجية في تناول العادات والتقاليد المحلية. ويشمل هذا التناول مقالة مغفلة التوقيع عن الأزياء عنوانها “بين القبعة والفستان” بوصفهما عنوان انقلاب الزي النسائي وعصريته تعبيراً عن شيوع سفور المرأة وخروجها الى الفضاء العام. هذا فيما كتب فؤاد حبيش “14 وصية منقولة عن الأديب الفرنسي موريس دير كويره، لكي تكون المرأة محبوبة”. يقول صاحب “المكشوف” إنه يعرضها “تفكهة للقراء”، كأنه انتبه الى الرصانة والثقل الثقافيين في مواد جريدته في حلتها الجديدة، فأراد التخفيف من جدِّيتها الثقيلة معتذراً لقراءها من النساء.

للمواد الصحافية حضورها الطفيف في عدد الجريدة هذا، لكنه في المقابل حضور نوعي في جدّته ودلالته وتناوله السياسة الدولية في باب مستقل عنوانه “أخبار العالم في أسبوع”، يعدّه ويحرره كامل مروة، قبل أن يصير في الأعداد التالية من نصيب لويس الحاج. الباب الصحافي الأسبوعي الآخر هو أخبار الرياضة التي يستهلها العدد بموضوع عنوانه “النهضة الرياضية في لبنان”. وهو عنوان ينبه الى أهمية العامل الاجتماعي – السياسي في نهضة الرياضة المتزامنة في المجتمع المحلي مع نهضة رياضية عارمة في أوروبا، حقبة ما بين الحربين العالميتين، التي شهدت ظهور الأحزاب الفاشية ومنظماتها الشبابية العصبوية الفائضة التنظيم والعنف، والمرتبطة بالتربية الرياضية.
894759-640
ضد امارة الشعر

لا يغيب الشعر عن “المكشوف” في عددها الأدبي الاول وأعدادها اللاحقة. سعيد عقل نشر قصيدته “عشتروت” في الاول، وكذلك ميخائيل نعيمه له قصيدة عنوانها “قبور”. يتكرر حضور سعيد عقل الشعري المتقطع في الجريدة طوال سنتين او ثلاث. اما الياس ابو شبكة فهو شاعر “المكشوف” في حضور قصائده على صفحاتها، اضافة الى مساهماته النثرية والنقدية المتكررة حتى وفاته المفاجئة العام 1947. فشاعر “غلواء” و”افاعي الفردوس” كان أحد اقطاب “عصبة العشرة” منذ نشأتها في مكاتب جريدة “المعرض”، وخوضها مناظرات ومعارك ادبية على صفحاتها، قبل انتقال العصبة الى مكاتب “المكشوف” ومتابعتها المناظرات والمعارك على صفحات هذا المنبر الجديد الذي سرعان ما تصدَّر نشاط الصحافة الادبية. كانت العصبة قد وقَّعت باسمها، من دون ذكر اسماء اعضائها، المقال النقدي الادبي الافتتاحي في عدد “المكشوف” في حلتها الجديدة، وكان عنوانه “الادب العربي بين عبوديتين: عبودية التقليد القديمة وعبودية التجارة الحديثة”. المقال يشبه بياناً يستأنف سجالات العصبة حول شعر المناسبات او “التشريفات” المنبرية، على ما يسمّيه نقَّاد “المكشوف” التي سخرت، ربما بقلم ابو شبكة، بهذا النوع من الشعر الذي كان يتصدره احمد شوقي ثم بشارة الخوري (الاخطل الصغير). لم تلبث الجريدة ان لخّصت على صفحاتها “الحديث المشوِّق الذي تحدثه خليل تقي الدين في صالون شارل قرم (الشاعر الملهم) عن احمد شوقي وشاعريته العجيبة: “من نظّام الى موظف الى شاعر الى امير الشعراء”. في مناسبة وفاة شوقي كتبت “المكشوف”: “امير الشعراء يبكيه شاعران: بشارة الخوري وامين نخلة”، كأنها تومئ الى تسابق الشاعرين على حيازة اللقب او المنصب الذي شغر بوفاة متصدر “امارة الشعر العربي”. في منتصف الاربعينات خصصت “المكشوف” جائزة سنوية كبرى مقدارها الف ليرة لبنانية لأفضل مجموعة شعرية. لكن الجائزة شملت، الى الشعر، انواعاً ادبية اخرى: رواية، قصص، ودراسة عن شخصية ادبية او سياسية من لبنان، على أن ينال الجائزة في كل سنة كتاب في نوع من هذه الانواع، لتتولى “دار المكشوف” طباعة 3 آلاف نسخة من المخطوط الفائز.

خلق الله الانسان في قصة

على ان “المكشوف” كانت قد بادرت الى الاحتفال بالادب القصصي وتشجيعه وتخصيص جائزة له منذ عددها 59 في تموز 1936، وكان مقدار الجائزة 25 ليرة سورية آنذاك. لم تغب القصة عن عدد الجريدة الادبي الاول الذي نشر فيه توفيق يوسف عواد قصة عنوانها “شهوة الدم”. فعواد الى جانب خليل تقي الدين، وهما قصّاصان، من اركان محرري “المكشوف” و”عصبة العشرة”، لذا دعت الجريدة الكتّاب الى نشر قصصهم على صفحاتها للمشاركة في المباراة. تحفيزاً لهذا الفن الكتابي كتبت الجريدة في افتتاحية عددها 68 انها ترغب في أن “تفتح افقاً جديداً للأدب”.
في تحدّ لنجومية الشعر والشعراء على الارجح، وخصوصاً شعراء المناسبات والمراثي و”التشريفات”، أشارت الى ذلك الأفق في اسلوب فني اعلاني باهر: “خلق الله الانسان في (من) قصة منذ الادب المكتوب في التوراة الى يومنا هذا”، وذلك في استعارة لأسطورة آدم وحواء الإلهية. مع تأسيسها دار نشر حملت اسمها، أعلنت “المكشوف” توزيعها هدية مجانية للمشتركين فيها: نسخة من رواية “الصبي الاعرج” التي نشرتها الدار لتوفيق يوسف عواد، ثم شرعت في نشر مقالات على صفحاتها تتناول “الصبي الاعرج” والأدب القصصي. من موقّعي هذه المقالات: امين الريحاني، ميخائيل نعيمة، وميشال اسمر الذي ذيّل مقالته بإشارة الى أنه من “ندوة الاثني عشر” الناشئة بعد “عصبة العشرة”، وكان بعض من اعضائها يدورون في فلكها.
جاءت مقالة اسمر لافتة في عنوانها: “اين نحن من القصة؟ كيف تولد شخصياتها في نفس (وعي) المؤلف؟”. في اطار متابعته النشاط القصصي كتب فؤاد حداد (ابو الحن) عن عدد مجلة “العروة الوثقى” (كانت تصدرها جمعية بهذا الاسم في الجامعة الاميركية في بيروت) الخاص بـ”القصة ونهضتها في البلدان العربية”. وسرعان ما اثمر تحفيز “المكشوف” نشر القصص على صفحاتها وتخصيصها جائزة سنوية لها، فبرزت اسماء قصصية سورية، منها جورج سالم، خلدون ساطع الحصري الذي فازت قصة له منشورة باسم مستعار في “المكشوف” بالجائزة للعام 1939. وقد تألفت لجنة التحكيم من: عمر فاخوري، يوسف غصوب، الياس ابو شبكة، خليل تقي الدين، رئيف خوري، فؤاد افرام البستاني، توفيق يوسف عواد، شفيق جحا، وفؤاد حبيش. هؤلاء جميعاً وسواهم عشرات كانوا من المداومين على الكتابة في “المكشوف”. حتى مطالع الاربعينات حظي الفن القصصي بوقفات نقدية متلاحقة اكثر من كتابتها مارون عبود الذي كانت له زاوية اسبوعية ثابتة في الجريدة عنوانها “ادباؤنا”. اما الترجمات والاقتباسات القصصية عن القصة الاوروبية، وخصوصاً الفرنسية، فكان لها حضور متصل على صفحات “المكشوف”.

مذ نشرت بيان تحولها جريدة اسبوعية للأدب والادباء وصحافيّي الهوى الأدبي في ايار 1936، حتى توقفها عن الصدور مطلع الخمسينات، ظلت “المكشوف” جريدة ودار نشر، محوراً للحركة الادبية وصحافتها النشيطة والفاعلة في لبنان.
“المكشوف” مع “الندوة اللبنانية” – بدأت نشاطها في 1946، وصدر مؤسسها، مديرها ومنشّطها، ميشال اسمر، عن حلقات الحركة الادبية نفسها وصحافتها اللتين صدر عنهما كل من “المكشوف” ومؤسسها المنشّط، واستقطبت جريدته وداره للنشر معظم اعلام تلك الحركة، ادباء وكتاباً وصحافيين، واضطلعت الدار بنشر الكثير من المطبوعات الصحافية القطاعية والمهنية – شكلت محاور ثلاثة اساسية وفاعلة في الحياة الثقافية اللبنانية. فـ”المؤسسات” الثلاث تقاطعت ادوارها زمنياً وفي التعبير عن وجهة لبنانية في دوائر النشاط الادبي والصحافة الادبية والنشر، وفي دوائر انتاج ثقافة سياسية لبنانية، مستقلة ودستورية وديموقراطية في كثير من وجوهها، وتصدرتها النخب المسيحية.
تزامن نشاط “المكشوف” و”الندوة” في سنوات خمس، انتهت في مطلع الخمسينات حين توقفت “المكشوف” عن الصدور بعد رحيل او انكفاء معظم أعلامها الادبيين، وانتقال صحافييها الى العمل في صحف يومية بيروتية. أما “الندوة” فتابعت نشاطها حتى بدايات الحرب في 1975. لكن “المؤسستين” شكلتا حلقتين اساسيتين في تاريخ الحياة الثقافية والثقافة السياسية في لبنان: شغلت “المكشوف”، طوال 15 سنة، موقعاً رائداً في التأريخ غير المكتوب بعدُ للحركة الادبية اللبنانية وصحافتها. وشغلت “الندوة” دوراً اساسياً في انتاج ثقافة سياسية وادارية محورها الدولة اللبنانية المستقلة، وتمتين ركائزها وحضورها في ثقافة جماعات لبنان المتباينة، قبل ان تقوّض هذه الجماعات بحروبها الاهلية الملبننة تلك الدولة. واذا قدّر لذلك التأريخ ان يُكتب يوماً ما، فإن هاتين “المؤسستين” ستكونان من مصادره المحورية.
أعداد “المكشوف” وصفحاتها هي السجل المرجعي الوثائقي الاوسع لحلقة من تاريخ الحركة الأدبية اللبنانية غير المكتوب، لأنها المطبوعة الادبية الأطول عمراً والأكثر استقطاباً لأقلام اجيال متباينة في أعمارها، متقاربة ومتفاعلة في نشاطها وذائقتها وتجاربها، في الحقبة الأخيرة مما سمّي “عصر النهضة الادبية” البادئة في لبنان ومصر والمهجر الاميركي منذ أواسط القرن التاسع عشر. واستلهاماً لطريقة المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل في التأريخ للحقب المتصلة والمنقطعة على الأمد الطويل، شغلت “المكشوف” حلقة انتقالية وسيطة ما بين بدايات تلك النهضة ونهاياتها، ممهدة لما سُمّي “الحداثة الثقافية” التي تصدّرها الشعر الحديث و”نجومه الرواد” في الخمسينات والستينات، وشكلت بيروت، في مجلاتها الادبية وصحافتها الثقافية ونمط حياتها الحر والمفتوح، مساحة حرة وقطباً رحباً لتلك الحداثة ونجوم شعرها حتى مطلع الثمانينات.

التعليم، المدينة، الصحافة

جمعت “المكشوف” على صفحاتها وفي منشورات دارها حشداً كبيراً من اسماء الادباء والكتّاب والصحافيين المنتمين الى اجيال متباينة. صدرت هذه الأجيال وتلك الأسماء عن نهضة التعليم الارسالي المحدث واتساع قاعدته الاجتماعية ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر. فشمل التعليم، الى ابناء عائلات قدامى الاقطاعيين والوجهاء والتجار والمهنيين الجدد، ابناء فئات عاميّة واسعة في جبل لبنان وبيروت، ومن المسيحيين خصوصاً، وسواهم من الوافدين الى بيروت من بلدان المشرق ما بعد الحرب العالمية الاولى.
النهضة التعليمية هذه كانت رافعتها الاساسية مدارس الارساليات وجامعتاها المتنافستان في بيروت: القديس يوسف للمرسلين اليسوعيين الكاثوليك، والجامعة الاميركية للمرسلين الانجيليين البروتستانت. وقد تزامنت نهضة التعليم وشمولها اجيالاً متعاقبة، مع نشوء الصحافة وازدهارها في بيروت وحواضر جبل لبنان منذ عشايا الحرب العالمية الاولى، قبل ان تشهد توسعاً نوعياً في بيروت غداة تلك الحرب. فبيروت عاشت منذ ما قبل منتصف القرن التاسع عشر، اكثر من نهضة مدينية وسّعت رقعة عمرانها وأخرجته من انكفائه داخل اسوارها القديمة. وفي كتيب عنوانه “الخروج من البوابات الثماني الى عمران المدينة” – نُشر مرفقاً بالعدد الأول من مجلة جديدة صدرت في مطلع تشرين الثاني 2012، عن “شركة اعمار وسط بيروت” (سوليدير) باسم “البوابة التاسعة” – وصف وضاح شرارة حلقات ذلك الخروج المتدرج:
“كان عدد سكان بيروت “يناهز المئة الف نسمة في اوائل القرن العشرين، بعدما كان 60 الفا في 1836″. قفزات تزايد سكان المدينة كانت سريعة ومضاعفة ايضاً منذ مطالع القرن التاسع عشر. ويشدد الكاتب في هذه الزيادة السكانية الكبيرة على “ثقل الروافد الجبلية”، اي المسيحية، و”الخارجية”، اي الهجرات المشرقية وتوافد الجاليات الاجنبية. من الأدلة على ذلك “حادثة طائفية أوقعت في بيروت سنة 1903 نحو 15(؟) قتيلاً في اشتباك اشقياء برأس النبع، معظمهم (؟) (أي القتلى) مسيحيون، فترك بيروت لائذا بالجبل نحو 30 الف مسيحي بيروتي”. السكن المسيحي في بيروت تزايد ايضاً بعد الحرب العالمية الاولى وقيام دولة لبنان بعاصمته الجديدة التي خالطت سكانها “روافد كثيرة، غلب عليها المصدر الجبلي”. هذا كله ادخل “في صلب الاسواق (البيروتية) تجاراً واصحاب مهن جديدة، اطباء ومعالجين ووكلاء ومقاولين وبيّاعي مفرق وموظفين اداريين ومترجمين وخبراء عمارة ورصف طرق”. كان قبل ذلك الميسورون في نواة السكن البيروتي القديم والمنكفئ، يخرجون الى “الظواهر والمزارع والضواحي والروابي” القريبة من المدينة، ويخالطون “المهاجرين من جبل لبنان ومن مدن الولايات العثمانية ومن المرافئ والحواضر الاوروبية والغربية”. تأسيساً على هجرات سابقة “التقت بشرق طريق الشام، بين الصيفي والناصرة، وبزقاق البلاط والقنطاري”، نشأت مدينة بيروت المتجددة والمختلطة، و”اقامت محل سورها وخندقها وهوية اهلها مستودعات بضاعة، ومسارح ومراقص ومقاه وشاشات (ودور سينما) ومحطات سفر”، وكذلك مطاعم ووكالات تجارية ومكاتب صحف.
كان التعليم ركنا اساسيا في نهضة بيروت الحديثة هذه وازدهارها، كما كانت نهضتها وازدهارها من عوامل تنامي التعليم وتوسعه وشموله النساء وخروجهن من كنف الحياة البيتية والعائلية الى الفضاء المديني العام. وكان صدور “المكشوف” جريدة لـ”العري” في سنتها الأولى عام 1935، علامة فاقعة ومثيرة لذلك الخروج وللتحريض عليه تحريضاً استيهامياً مترجماً ومدبلجاً عن الصحافة الأجنبية، قبل أن تصير الجريدة جريدة للأدب والادباء والكتّاب، شأن عشرات الصحف الناشئة والمتخذة مكاتب لها في وسط بيروت المديني المتجدد منذ مطلع القرن العشرين. اجتمع والتقى وتعارف في مكاتب هذه الصحف وعلى صفحاتها عشرات، وربما مئات من الكتّاب المتفاوتي الأجيال والتجارب والخبرات. في “المكشوف” وحدها التقى بعض من أدباء وأعلام النهضة الادبية في لبنان والمهجر: أمين الريحاني، ميخائيل نعيمة، عمر فاخوري، الياس ابو شبكة ومارون عبود. هؤلاء، على تفاوت أعمارهم، كانت كتاباتهم تجتمع على صفحات “المكشوف” الى جانب كتابات أجيال اصغر منهم عمراً، وتختلف عنهم في التجربة والتكوّن الثقافي: فؤاد حبيش، ميشال أسمر، لويس الحاج، فؤاد حداد، خليل تقي الدين، توفيق يوسف عواد، فؤاد أفرام البستاني وسواه من البساتنة الكتّاب. معظم هؤلاء اختلطت ميولهم الأدبية بامتهان الصحافة والتعليم والترجمة، وخالطهم في “المكشوف” كتّاب من الشبان الجدد وأصحاب الميل الأدبي.

زمن اجتماعي صاعد

كان الأدب والتأدب والترجمة في أصل الرابطة العامة لمجموعات هذه الاجيال المتباينة وشللها الأدبية والصحافية التي انضوى بعضها في “عصبة العشرة” و”ندوة الإثني عشر” و”الثريا” و”أهل القلم” وسواها. وجاء تحول “المكشوف” جريدة ادبية، إمارة على توسع هذه الدوائر والروابط، وعلى تفاعل الادباء والكتّاب والصحافيين وأجيالهم المختلفة طوال 15 سنة على صفحاتها. في هذا المعنى قيل ويُقال “زمن المكشوف”، وكذلك “زمن الندوة اللبنانية” لاحقاً.
دائرة أعلام الأدب المتكونين في لبنان او المهجر، البارزين على صفحات “المكشوف” (نعيمة، الريحاني، فاخوري، أبو شبكة، عبود، ورئيف خوري)، أخذ الموت يفاجىء بعضهم واحداً تلو آخر، ابتداء من مطلع اربعينات القرن العشرين: في 22 تشرين الأول 1940 خصصت “المكشوف” عددها الـ271 لرثاء أمين الريحاني. وفي 18 آذار 1940 خصت رشيد نخلة بعدد كامل ايضاً. قبل ذلك، في 23 كانون الثاني 1936، وقفت عددها كله للكتابة عن مدرسة “الحكمة” التي تخرج منها ودرّس فيها كثيرون من كتّابها وكتّاب سواها من الصحف، فاستعاد المشاركون في كتابه العدد الخاص، أهمية “الحكمة” وأفضالها وريادتها في حركة التعليم اللبناني. في 3 آب 1946 ودّعت “المكشوف” عمر فاخوري بعدد خاص كامل تصدّرته قصيدة رثائية لالياس ابو شبكة الذي لم تلبث الجريدة نفسها ان ودعته بعدد خاص في 3 شباط 1947. ميخائيل نعيمة، وهو من جيل النهضة الأدبية الأقدم، عمَّر وتنسَّك في “شخروبه” ببسكنتا حتى مطالع الثمانينات، مستمراً على نفور من المدينة اخترق الكثير من إنتاج الأدب اللباني حتى عهد قريب. أما مارون عبود الكاتب والقاص الريفي الساخر والناقد الأدبي و”معلم الأجيال” في نهضة التعليم، فاستمر اسمه حاضراً في “المكشوف” حتى عشايا توقفها عن الصدور. رئيف خوري الناقد وصاحب “أديب في السوق” والمدرّس وواضع كتب مناهج التعليم في آداب اللغة العربية، ظل شأن عبود، حاضر القلم في الخمسينات والستينات، بعد مساهمته الدائمة في “المكشوف”.
كانت الاربعينات، إذاً، خصوصاً في نصفها الأول عهد إزهار “المكشوف”، لكنها كانت كلها وفي بعض سنواتها، محطات لرحيل أعمدة الجريدة وبدايات انصرام عهد نوع من الأدب والتأدب والأساتذة الذين كان صار كثيرون منهم مدرّسين في الجامعة اللبنانية وكلياتها الناشئة وفي دار المعلمين والمعلمات، حيث ضلعوا في تربية أجيال جديدة من المتعلمين والمثقفين بثقافة أدبية جديدة عمادها الشعر الحديث غالباً. فرفدت ثقافة هؤلاء الشبان الجدد صحافة الخمسينات والستينات والسبعينات الأدبية وغير الأدبية بطاقات جديدة. غلب على أولئك الشبان تعلمهم في الجامعة اللبنانية وتخرّجهم منها (خصوصاً كليتي التربية والآداب)، وعملهم سنوات قليلة أو كثيرة في التعليم الرسمي في بدايات انهياره في عشايا الحروب الملبننة (1975) وأثنائها. وغلب عليهم أيضاً تحدرهم “العصامي” من بيئات اجتماعية ريفية مهاجرة الى المدينة.
شجرة الأنساب السريعة هذه تشير الى خيط ما يخترق التكوّن الاجتماعي – الثقافي المتقطع والمتحوّل لأجيال متلاحقة من المتعلمين والمتثقفين ثقافة أدبية، والعاملين في مهن الكتابة والصحافة والتعليم في حقب مديدة صاعدة وواعدة اجتماعياً وثقافياً، ومنحت أجيالهم المتعاقبة معنى وقيمة في سلّم الارتقاء الاجتماعي، المادي والمعنوي والرمزي، منذ بدايات نهضة التعليم والنهضة الأدبية في منتصف القرن التاسع عشر، وطوال حوالى قرن ونصف القرن من زمن لبنان وبيروت الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المحدث والصاعد حتى عشايا الحرب.

منعطف سوري

على عتبة الاربعينات يستوقف منعطف جديد لـ”المكشوف” على صعيد الكتابة الادبية والصحافية: تكاثر اسماء الكتّاب العرب على صفحاتها، وخصوصاً السوريين، من دون ان يغيب العراقيون والفلسطينيون. من الاسماء المتكررة: نجاتي صدقي، انور البرازي، وصفي قرنفل، نزيه الحكيم، قدري قلعجي، حيدر البرازي، انطون المقدسي، سليم الجندي، احمد عبد الجبار، سعيد الجزائري، انطوان موصلي، ميشال الصراف، اديب الداودي، زهير الحمزاوي، وفايز صايغ. بعض هؤلاء كتب – الى جانب متابعاته النشاط الادبي في المدن السورية، والعراقية احياناً – في باب شرّعته “المكشوف” واسعاً ودائماً عنوانه “السرقات الادبية” الذي أرادته مثيراً وجاذباً لمناظرات ومعارك ادبية، لتوسيع دوائر قرائها في لبنان والعواصم العربية، وخصوصاً في المدن السورية، دمشق وحمص وحلب. يبرز في هذا الاطار شقاق ادبي ما بين الكتاب اللبنانيين والسوريين من جهة، والكتاب المصريين من جهة اخرى. في هذا السياق كان الياس ابو شبكة قد كتب في العام 1939 مقالة طويلة عنوانها “ابطال الحركة الاوروبية في لبنان وسوريا”. ثم لم تلبث “المكشوف” ان اصدرت في 27 آذار من العام نفسه، “عدداً خاصاً ممتازاً عن مظاهر الثقافة في سوريا” شاركت فيه كوكبة من الكتاب السوريين. لكن الجريدة سرعان ما بادرت في 10 تموز 1939 ايضاً، الى اصدار عدد مماثل “عن مظاهر الثقافة في مصر” شارك فيه كتاب مصريون.

 

التأريخ الغائب لبيروت

مذ نشرت بيان تحولها جريدة اسبوعية للأدب والادباء وصحافيّي الهوى الأدبي في ايار 1936، حتى توقفها عن الصدور مطلع الخمسينات، ظلت “المكشوف” جريدة ودار نشر، محوراً للحركة الادبية وصحافتها النشيطة والفاعلة في لبنان.
“المكشوف” مع “الندوة اللبنانية” – بدأت نشاطها في 1946، وصدر مؤسسها، مديرها ومنشّطها، ميشال اسمر، عن حلقات الحركة الادبية نفسها وصحافتها اللتين صدر عنهما كل من “المكشوف” ومؤسسها المنشّط، واستقطبت جريدته وداره للنشر معظم اعلام تلك الحركة، ادباء وكتاباً وصحافيين، واضطلعت الدار بنشر الكثير من المطبوعات الصحافية القطاعية والمهنية – شكلت محاور ثلاثة اساسية وفاعلة في الحياة الثقافية اللبنانية. فـ”المؤسسات” الثلاث تقاطعت ادوارها زمنياً وفي التعبير عن وجهة لبنانية في دوائر النشاط الادبي والصحافة الادبية والنشر، وفي دوائر انتاج ثقافة سياسية لبنانية، مستقلة ودستورية وديموقراطية في كثير من وجوهها، وتصدرتها النخب المسيحية.
تزامن نشاط “المكشوف” و”الندوة” في سنوات خمس، انتهت في مطلع الخمسينات حين توقفت “المكشوف” عن الصدور بعد رحيل او انكفاء معظم أعلامها الادبيين، وانتقال صحافييها الى العمل في صحف يومية بيروتية. أما “الندوة” فتابعت نشاطها حتى بدايات الحرب في 1975. لكن “المؤسستين” شكلتا حلقتين اساسيتين في تاريخ الحياة الثقافية والثقافة السياسية في لبنان: شغلت “المكشوف”، طوال 15 سنة، موقعاً رائداً في التأريخ غير المكتوب بعدُ للحركة الادبية اللبنانية وصحافتها. وشغلت “الندوة” دوراً اساسياً في انتاج ثقافة سياسية وادارية محورها الدولة اللبنانية المستقلة، وتمتين ركائزها وحضورها في ثقافة جماعات لبنان المتباينة، قبل ان تقوّض هذه الجماعات بحروبها الاهلية الملبننة تلك الدولة. واذا قدّر لذلك التأريخ ان يُكتب يوماً ما، فإن هاتين “المؤسستين” ستكونان من مصادره المحورية.
أعداد “المكشوف” وصفحاتها هي السجل المرجعي الوثائقي الاوسع لحلقة من تاريخ الحركة الأدبية اللبنانية غير المكتوب، لأنها المطبوعة الادبية الأطول عمراً والأكثر استقطاباً لأقلام اجيال متباينة في أعمارها، متقاربة ومتفاعلة في نشاطها وذائقتها وتجاربها، في الحقبة الأخيرة مما سمّي “عصر النهضة الادبية” البادئة في لبنان ومصر والمهجر الاميركي منذ أواسط القرن التاسع عشر. واستلهاماً لطريقة المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل في التأريخ للحقب المتصلة والمنقطعة على الأمد الطويل، شغلت “المكشوف” حلقة انتقالية وسيطة ما بين بدايات تلك النهضة ونهاياتها، ممهدة لما سُمّي “الحداثة الثقافية” التي تصدّرها الشعر الحديث و”نجومه الرواد” في الخمسينات والستينات، وشكلت بيروت، في مجلاتها الادبية وصحافتها الثقافية ونمط حياتها الحر والمفتوح، مساحة حرة وقطباً رحباً لتلك الحداثة ونجوم شعرها حتى مطلع الثمانينات.

التعليم، المدينة، الصحافة

جمعت “المكشوف” على صفحاتها وفي منشورات دارها حشداً كبيراً من اسماء الادباء والكتّاب والصحافيين المنتمين الى اجيال متباينة. صدرت هذه الأجيال وتلك الأسماء عن نهضة التعليم الارسالي المحدث واتساع قاعدته الاجتماعية ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر. فشمل التعليم، الى ابناء عائلات قدامى الاقطاعيين والوجهاء والتجار والمهنيين الجدد، ابناء فئات عاميّة واسعة في جبل لبنان وبيروت، ومن المسيحيين خصوصاً، وسواهم من الوافدين الى بيروت من بلدان المشرق ما بعد الحرب العالمية الاولى.
النهضة التعليمية هذه كانت رافعتها الاساسية مدارس الارساليات وجامعتاها المتنافستان في بيروت: القديس يوسف للمرسلين اليسوعيين الكاثوليك، والجامعة الاميركية للمرسلين الانجيليين البروتستانت. وقد تزامنت نهضة التعليم وشمولها اجيالاً متعاقبة، مع نشوء الصحافة وازدهارها في بيروت وحواضر جبل لبنان منذ عشايا الحرب العالمية الاولى، قبل ان تشهد توسعاً نوعياً في بيروت غداة تلك الحرب. فبيروت عاشت منذ ما قبل منتصف القرن التاسع عشر، اكثر من نهضة مدينية وسّعت رقعة عمرانها وأخرجته من انكفائه داخل اسوارها القديمة. وفي كتيب عنوانه “الخروج من البوابات الثماني الى عمران المدينة” – نُشر مرفقاً بالعدد الأول من مجلة جديدة صدرت في مطلع تشرين الثاني 2012، عن “شركة اعمار وسط بيروت” (سوليدير) باسم “البوابة التاسعة” – وصف وضاح شرارة حلقات ذلك الخروج المتدرج:
“كان عدد سكان بيروت “يناهز المئة الف نسمة في اوائل القرن العشرين، بعدما كان 60 الفا في 1836″. قفزات تزايد سكان المدينة كانت سريعة ومضاعفة ايضاً منذ مطالع القرن التاسع عشر. ويشدد الكاتب في هذه الزيادة السكانية الكبيرة على “ثقل الروافد الجبلية”، اي المسيحية، و”الخارجية”، اي الهجرات المشرقية وتوافد الجاليات الاجنبية. من الأدلة على ذلك “حادثة طائفية أوقعت في بيروت سنة 1903 نحو 15(؟) قتيلاً في اشتباك اشقياء برأس النبع، معظمهم (؟) (أي القتلى) مسيحيون، فترك بيروت لائذا بالجبل نحو 30 الف مسيحي بيروتي”. السكن المسيحي في بيروت تزايد ايضاً بعد الحرب العالمية الاولى وقيام دولة لبنان بعاصمته الجديدة التي خالطت سكانها “روافد كثيرة، غلب عليها المصدر الجبلي”. هذا كله ادخل “في صلب الاسواق (البيروتية) تجاراً واصحاب مهن جديدة، اطباء ومعالجين ووكلاء ومقاولين وبيّاعي مفرق وموظفين اداريين ومترجمين وخبراء عمارة ورصف طرق”. كان قبل ذلك الميسورون في نواة السكن البيروتي القديم والمنكفئ، يخرجون الى “الظواهر والمزارع والضواحي والروابي” القريبة من المدينة، ويخالطون “المهاجرين من جبل لبنان ومن مدن الولايات العثمانية ومن المرافئ والحواضر الاوروبية والغربية”. تأسيساً على هجرات سابقة “التقت بشرق طريق الشام، بين الصيفي والناصرة، وبزقاق البلاط والقنطاري”، نشأت مدينة بيروت المتجددة والمختلطة، و”اقامت محل سورها وخندقها وهوية اهلها مستودعات بضاعة، ومسارح ومراقص ومقاه وشاشات (ودور سينما) ومحطات سفر”، وكذلك مطاعم ووكالات تجارية ومكاتب صحف.
كان التعليم ركنا اساسيا في نهضة بيروت الحديثة هذه وازدهارها، كما كانت نهضتها وازدهارها من عوامل تنامي التعليم وتوسعه وشموله النساء وخروجهن من كنف الحياة البيتية والعائلية الى الفضاء المديني العام. وكان صدور “المكشوف” جريدة لـ”العري” في سنتها الأولى عام 1935، علامة فاقعة ومثيرة لذلك الخروج وللتحريض عليه تحريضاً استيهامياً مترجماً ومدبلجاً عن الصحافة الأجنبية، قبل أن تصير الجريدة جريدة للأدب والادباء والكتّاب، شأن عشرات الصحف الناشئة والمتخذة مكاتب لها في وسط بيروت المديني المتجدد منذ مطلع القرن العشرين. اجتمع والتقى وتعارف في مكاتب هذه الصحف وعلى صفحاتها عشرات، وربما مئات من الكتّاب المتفاوتي الأجيال والتجارب والخبرات. في “المكشوف” وحدها التقى بعض من أدباء وأعلام النهضة الادبية في لبنان والمهجر: أمين الريحاني، ميخائيل نعيمة، عمر فاخوري، الياس ابو شبكة ومارون عبود. هؤلاء، على تفاوت أعمارهم، كانت كتاباتهم تجتمع على صفحات “المكشوف” الى جانب كتابات أجيال اصغر منهم عمراً، وتختلف عنهم في التجربة والتكوّن الثقافي: فؤاد حبيش، ميشال أسمر، لويس الحاج، فؤاد حداد، خليل تقي الدين، توفيق يوسف عواد، فؤاد أفرام البستاني وسواه من البساتنة الكتّاب. معظم هؤلاء اختلطت ميولهم الأدبية بامتهان الصحافة والتعليم والترجمة، وخالطهم في “المكشوف” كتّاب من الشبان الجدد وأصحاب الميل الأدبي.

زمن اجتماعي صاعد

كان الأدب والتأدب والترجمة في أصل الرابطة العامة لمجموعات هذه الاجيال المتباينة وشللها الأدبية والصحافية التي انضوى بعضها في “عصبة العشرة” و”ندوة الإثني عشر” و”الثريا” و”أهل القلم” وسواها. وجاء تحول “المكشوف” جريدة ادبية، إمارة على توسع هذه الدوائر والروابط، وعلى تفاعل الادباء والكتّاب والصحافيين وأجيالهم المختلفة طوال 15 سنة على صفحاتها. في هذا المعنى قيل ويُقال “زمن المكشوف”، وكذلك “زمن الندوة اللبنانية” لاحقاً.
دائرة أعلام الأدب المتكونين في لبنان او المهجر، البارزين على صفحات “المكشوف” (نعيمة، الريحاني، فاخوري، أبو شبكة، عبود، ورئيف خوري)، أخذ الموت يفاجىء بعضهم واحداً تلو آخر، ابتداء من مطلع اربعينات القرن العشرين: في 22 تشرين الأول 1940 خصصت “المكشوف” عددها الـ271 لرثاء أمين الريحاني. وفي 18 آذار 1940 خصت رشيد نخلة بعدد كامل ايضاً. قبل ذلك، في 23 كانون الثاني 1936، وقفت عددها كله للكتابة عن مدرسة “الحكمة” التي تخرج منها ودرّس فيها كثيرون من كتّابها وكتّاب سواها من الصحف، فاستعاد المشاركون في كتابه العدد الخاص، أهمية “الحكمة” وأفضالها وريادتها في حركة التعليم اللبناني. في 3 آب 1946 ودّعت “المكشوف” عمر فاخوري بعدد خاص كامل تصدّرته قصيدة رثائية لالياس ابو شبكة الذي لم تلبث الجريدة نفسها ان ودعته بعدد خاص في 3 شباط 1947. ميخائيل نعيمة، وهو من جيل النهضة الأدبية الأقدم، عمَّر وتنسَّك في “شخروبه” ببسكنتا حتى مطالع الثمانينات، مستمراً على نفور من المدينة اخترق الكثير من إنتاج الأدب اللباني حتى عهد قريب. أما مارون عبود الكاتب والقاص الريفي الساخر والناقد الأدبي و”معلم الأجيال” في نهضة التعليم، فاستمر اسمه حاضراً في “المكشوف” حتى عشايا توقفها عن الصدور. رئيف خوري الناقد وصاحب “أديب في السوق” والمدرّس وواضع كتب مناهج التعليم في آداب اللغة العربية، ظل شأن عبود، حاضر القلم في الخمسينات والستينات، بعد مساهمته الدائمة في “المكشوف”.
كانت الاربعينات، إذاً، خصوصاً في نصفها الأول عهد إزهار “المكشوف”، لكنها كانت كلها وفي بعض سنواتها، محطات لرحيل أعمدة الجريدة وبدايات انصرام عهد نوع من الأدب والتأدب والأساتذة الذين كان صار كثيرون منهم مدرّسين في الجامعة اللبنانية وكلياتها الناشئة وفي دار المعلمين والمعلمات، حيث ضلعوا في تربية أجيال جديدة من المتعلمين والمثقفين بثقافة أدبية جديدة عمادها الشعر الحديث غالباً. فرفدت ثقافة هؤلاء الشبان الجدد صحافة الخمسينات والستينات والسبعينات الأدبية وغير الأدبية بطاقات جديدة. غلب على أولئك الشبان تعلمهم في الجامعة اللبنانية وتخرّجهم منها (خصوصاً كليتي التربية والآداب)، وعملهم سنوات قليلة أو كثيرة في التعليم الرسمي في بدايات انهياره في عشايا الحروب الملبننة (1975) وأثنائها. وغلب عليهم أيضاً تحدرهم “العصامي” من بيئات اجتماعية ريفية مهاجرة الى المدينة.
شجرة الأنساب السريعة هذه تشير الى خيط ما يخترق التكوّن الاجتماعي – الثقافي المتقطع والمتحوّل لأجيال متلاحقة من المتعلمين والمتثقفين ثقافة أدبية، والعاملين في مهن الكتابة والصحافة والتعليم في حقب مديدة صاعدة وواعدة اجتماعياً وثقافياً، ومنحت أجيالهم المتعاقبة معنى وقيمة في سلّم الارتقاء الاجتماعي، المادي والمعنوي والرمزي، منذ بدايات نهضة التعليم والنهضة الأدبية في منتصف القرن التاسع عشر، وطوال حوالى قرن ونصف القرن من زمن لبنان وبيروت الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المحدث والصاعد حتى عشايا الحرب.

 

جذر النهضة: لغوي – أدبي؟

في سياق التأريخ السريع لمحطات من الحياة الأدبية وصحافتها وأعلامها على المدى الطويل، يستوقف عدد خاص نشرته “المكشوف” في 15 شباط 1946، لمناسبة مرور 75 سنة على وفاة الشيخ ناصيف اليازجي، وإحياء لذكراه بصفته أحد الأعلام الثلاثة المؤسسين للنهضة الأدبية واللغوية في لبنان. هل النهضة هذه أدبية ولغوية في جذرها؟ أعلامها في جيلها الأول هم: الشيخ ناصيف اليازجي، نقولا الترك، وبطرس كرامة. ويلحق بهم ويزامنهم لبعض الوقت في سياق آخر المعلم بطرس البستاني.
ساهم في الكتابة عن اليازجي في عدد “المكشوف” الخاص به: مارون عبود، بطرس البستاني (هو غير المعلم بطرس طبعاً)، إلياس ابو شبكة، فؤاد افرام البستاني، يوسف اسعد داغر وصلاح الدين علام. هؤلاء جميعاً وسواهم برغم تفاوت أعمارهم هم من الأجيال الأخيرة للنهضة الأدبية، وساهموا في إطلاق “المكشوف” في 1936 (لكن صلاح الدين علام قد يكون أحد اسمين مستعارين – الآخر زهير زهير – استعملتهما “المكشوف” استعمالاً دائماً وكثيفاً لكتابة مقالات سجالية متعلقة بالفكرة اللبنانية وبالانقسامات الساخنة الدائرة حولها. والاستعارة هذه تطرح سؤالاً حول معنى هذا التخفّي ودلالته حين تصدي الجريدة لسجالات اساسية لا يخفى بعدها السياسي والطائفي).
مقدمة العدد المغفلة التوقيع، تشير الى ان دور اليازجي في النهضة كان “التبحّر في أسرار اللغة العربية، تبسيطها وتطويعها للأفهام وتحبيبها الى القلوب، ونشرها بين الجماهير” (غريب استعمال كلمة “الجماهير” في هذا السياق، قبل ولادة الزمن الجماهيري وطغيانه بدءاً من الخمسينات). أما “أبناء اليازجي وبناته (فانصرفوا) إلى مثل عمله انصراف العشرات من العيال (العائلات) اللبنانية: التحقيق والدرس والنشر والتعليم”. لكن مارون عبود في مقالته عن اليازجي، يخالف هذه الوجهة النهضوية وينقضها: “كان شيخنا يستوحي الكتب القديمة، لا يستلهم غيرها في كل ما نظم وكتب. فكأني به ذات مجردة من المكان والزمان، فما علق بشعره شيء منهما”. إنه ذات لغوية محضة أو خالصة إذاً. وهذا يؤكد الجذر اللغوي للنهضة. وبأسلوبه النقدي الثاقب والساخر، يتابع عبود: “من لا يعرف انه (اليازجي) نشأ في كفرشيما وشبّ واكتهل في بتدين (بيت الدين، بديوان قصر الأمير بشير الثاني) وشاخ في بيروت، خاله من مواليد نجد واليمن”، حيث المصدر البعيد للغة العرب. وتبلغ سخرية عبود ذروتها، فيكتب أن اليازجي وضع “مقامة في مجمع البحرين سمّاها “المقامة اللبنانية” (لكن) ليس فيها شيء من ريحة (رائحة) لبنان. فالمتنبي الذي مرَّ عَرَضاً من وراء لبنان وشاهد قفاه أو قممه من حمص، تأثر به أكثر من شيخنا” المساهم في تأسيس النهضة.
بطرس البستاني (غير المعلم) يشير في مقالته عن اليازجي إلى “خدمته الفصحى وأبناءها” (اللغة أيضاً وأيضا)، ثم إلى عمله في ديوان الأمير بشير: “قاعة العمود (حيث كانت تنعقد) حلقات (أميرية) للسياسة والتدبير وللكتّاب والشعراء يرتفع فيها صوت نقولا الترك وبطرس كرامة. أما رئيف خوري فكتب عن “يقظة الوعي العربي في مقامات اليازجي”: اليقظة والوعي هذان ماذا يكونان في المقامات سوى لغويين؟ هذا ما يؤكده الياس أبو شبكة حين يذكر، في سياق مقالته عن اليازجي، أن المعلم بطرس البستاني المولود سنة 1844، مجدّدٌ لغوي بامتياز. فهو “صاحب قاموس “محيط المحيط” و”دائرة المعارف”، وأول من أنشأ جريدة عربية  حرة في هذه الديار”. الجريدة هي “الجنان” التي أصدرها البستاني سنة وفاة اليازجي (1871)، و”عهد تحريرها لابنه سليم البستاني، فنشرت ترجمة لليازجي بقلم الأديب سليم أفندي دياب”. “المكشوف”، بدورها نقلت هذه الترجمة عن “الجنان” وأثبتتها في عددها الخاص عن عَلَم النهضة ناصيف اليازجي. وهي، بعد مرور حوالى مئة سنة على بدايات النهضة، وعودتها من سنة ضلالها “رسولاً (صحافياً مترجماً) للعري”، لم تكن نهضتها شيئاً آخر غير نهضة أدبية – لغوية، تشهد على ذلك عودتها الى “جادة الصواب الأدبي”، مجدّدة في تناول الموضوعات الأدبية وفي لغة الصحافة، ومساجلة في شؤون الأدب والأدباء والشعراء وفي ما يتصل بذلك من قضايا واهتمامات.
طوّرت طوال عهدها وجوهاً كثيرة من العمل الصحافي، فتابعت قضايا وقطاعات ونشاطات في الحياة الاجتماعية والفنية (السينما خصوصاً)، وخصصت زوايا لموضوعات إدارية ومعيشية، ولشؤون السياسة الدولية، لكن هذا لا يقاس بمادتها الأدبية الطاغية. الأدب هنا هو الكتابة الأدبية التي تتناول موضوعات أدبية وتطلق سجالات مدارها الأدب وحرفة الأدب التي تبحر غالباً وتتبحر في ما يسمّى “العصور الأدبية الكلاسيكية” أو الأقرب عهداً. التبحر في تلك العصور، ما هي مادته؟ اللغة طبعاً (ألهذا شاعت في أدبيات الحداثة الشعرية المتأخرة زمناً عبارات مثل: تفجير اللغة؟).
الى هذا التبحر في مدارات الأدب واللغة الأدبية، هنالك الترحال في بعض لإنتاجات الأدب العالمي، قصة وشعراً ومقالات صحافية، اقتباساً وترجمة وتلخيصاً. أما الغائب الأكبر عن مدارات الأدب هذه، فهو العالم المادي الحسي، هنا والآن، وهناك في الأمس البعيد والقريب. وحين يجري تناول هذا العالم الدنيوي، غالباً ما تنتصب دونه غشاوات الإنشاء الأدبي. تغيب عن “المكشوف” (وغالباً عن صحافتنا اليوم) الكتابة الميدانية الحيّة التي تصف وقائع الحياة المادية والاجتماعية الزائلة، ظواهرها، حوادثها، تحولاتها، سياقاتها. أي الكتابة التي تؤرخ وتطلق الوعي والمخيلة في النظر الى الوقائع، بعيداً من الانشاء الأدبي اللغوي. الأرجح أن العوامل المؤسسة لهذا الغياب والباعثة عليه كثيرة متدافعة، ومتعلقة بطبيعة الثقافة واللغة العربيتين النهضويتين، وبطبيعة تكوّن الكتّاب والصحافيين تكوّناً أدبياً ومتأدباً، كأن النهضة إحياء لغوي في جذرها الأساس. والحق أن معظم كتاب “المكشوف” يمتلك لغة أدبية متميزة في الكتابة التي تنأى من حيوية الوقائع الحسية وسيولتها. كانت الحياة في “زمن المكشوف” قوية النبض والحوادث والتحولات طوال 15 سنة في المدينة وفي أرجاء لبنان، لكن هذا لم يحضر على صفحات الجريدة إلا أدبياً وفي لغة أدبية. ولعل أمين الريحاني وعمر فاخوري ومارون عبود يخالفون هذا المذهب في الكتابة. فـ”فيلسوف الفريكة” ليس فيلسوفاً في الحقيقة، بل أقرب الى رحالة يشاهد ويشهد ويؤرخ مشاهداته. أما فاخوري وعبود، وكذلك رئيف خوري وتوفيق يوسف عواد، فيتركون جانباً من أثقال لغة الأدب الانشائية وتراثها، فيما هم يكتبون متابعاتهم النقدية.

حداثة الفردية المختنقة

اعترض الروائي التشيكي والفرنسي لاحقاً، على التشوهات التي أدخلها مترجم روايته “المزحة” من التشيكية الى الفرنسية. يقول كونديرا إنه كتب في روايته: السماء التشرينية زرقاء. المترجم الفرنسي كتب: السماء التشرينية ترفع رايتها الباذخة. وكتب كونديرا: استولى عليّ الحزن، أما المترجم فكتب: عَلِقتُ في أنشطوطة حزن عظيم. وحين كتب الروائي: النساء عاريات، كتب المترجم: النساء يرتدين لباس حواء. هذه التشوهات وأمثالها الكثير حاضرة حضوراً طاغياً في أساليبنا الكتابية العربية حتى اليوم ومنذ ما قبل “المكشوف” التي تناول أحدهم فيها الجنرال ديغول، فكتب إن علينا أن “نحيّي فيه المِلح الخالدة”. آخر وصف الكاتب الاميركي مارك توين بـ”الفَكِهْ”. ثالث أكثر من استعمال كلمات “الطرفة”، “الطُرف”، فيما هو يكتب عن أشعار عزرا باوند. رابع وصف جنازة عمر فاخوري، فكتب: “كان نفر قليل يتناهد الى النعش”. خامس يخاطب اللبنانيين كاتباً – قائلاً: “الحلم الذي هدهد المهدَ لآبائكم مئات السنين”، و”الأمنية التي زغردتها فتاة زغرتا لفتى الأرز”، قاصداً الاستقلال بهذين الحلم والأمنية.
لكن عمر فاخوري كتب وهو على فراش المرض قبيل أيام من رحيله: “تُرى هل نقضي العمر في التفلسف على الحياة من دون أن نحيا؟”. وكتب ايضاً: “نحن لا تاريخ لنا لأنه لا حياة. لكننا نؤرخ. نؤرخ اليأس”.
قبل فاخوري، غداة صدور كتاب ميشال أسمر “مذكرات ميشال زكور” عن “دار المكشوف” عام 1938، علّق فؤاد حداد (أبو الحن) على الكتاب، فاعتبر أنه مذكرات جيله وجيل أسمر، المولود في الحرب العالمية الأولى. وكتب حداد أن “الأدب” الذي يكتبه ذلك الجيل الطالع في لبنان، هو “أدب الأنانية” (الأرجح أن الكاتب – المعلق كان يقصد بالأنانية الذاتية أو الفردية). وها هوذا يشرح معنى ذلك “الأدب الأناني” فيكتب أنه يعبّر عن: “الضعف المستتر بالقوة، الطهارة المغلّفة بالشهوات، الحياة الراكدة تحت هيجان المخيلة وغربة الإحساس، فيض الحب المهدور، الإيمان المبطن بالكفر، المجهول الشخصية (أي الغفل)، برغم تعدّد الشخصيات”.
خلف هذه الثنائيات التي لا يزال الأدب اللبناني الأحدث، شعراً ونثراً، يعتبرها قدس أقداس لاهوته التعبيري، يكمن الاختناق الجديد، الفردي والذاتي، بالفردية المقلقة أو الموقوفة. من الاختناق هذا يصدر معظم اللاهوت – الجهاز التعبيري والفني الذي به تجاوزت الكتابة اللبنانية الحديثة الانشاء اللغوي للنهضة. ميشال أسمر يعبّر صادقاً في مذكراته عن اختناقه بتلك الفردية الأسيرة غير القابلة للاحتمال: “آه منك يا نفسي! الى أين يقودني اهتمامي بكل نفثة من نفثاتك ونغمة من نغماتك؟ أنا مثقل بكِ، متعب بنضجك”.
لماذا مُتعِبٌ هو النضج؟! هل لا خلاص من هذه الحال إلا ببراءة الطفولة أو بالنبوة الجبرانية أو بالموت؟

 

 

الحرية والتصدع الأخلاقي

ديسمبر 8, 2012

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 30-11-2012

أتذكر من “طواحين بيروت” صوراً ومواقف وعلاقات لما يمكن تسميته “الضياع الوجودي” في المدينة (بيروت)، كما صاغته المخيلة الأدبية اللبنانية المحدثة في الستينات ومطالع السبعينات من القرن العشرين. عنوان الرواية يوحي أيضاً بذلك النوع من الضياع: المدينة تطحن البشر، أي تخلطهم، تهصرهم، تفكّكهم، وتذرّرهم. لكن كلمة “طواحين” التي تكنّي، في العنوان، كناية مادية مباشرة عما تفعله المدينة بالبشر، تحمل رجعاً وأصداء من المخيلة الأدبية القروية التي تشكل مصدراً أساسياً للأدب اللبناني، في لغته وقيمه وقاموسه التعبيري، حتى الأمس القريب. وفي تلك المخيلة الأدبية القروية ذات الجذر العامي الجبلي (المسيحي غالباً) يكثر حضور المدينة بوصفها إطاراً للفساد والرذيلة والضياع، في مقابل الطهر والنقاء والبراءة والأصالة القروية.
في ما أتذكره من صور ومواقف روائية للضياع في “طواحين بيروت” حينما قرأتها في مطالع السبعينات، أن الضياع الأخلاقي والوجداني والعاطفي والجنسي لشخصيات الرواية في بيروت، لم يكن له مقابله ونقيضه القروي، إلا على نحوٍ خفيّ أو مضمر. لكن ذلك الضياع، أو التمزق الوجودي الذي تعيشه تلك الشخصيات، تقدّمه الرواية بوصفه تصدّعاً قيمياً وأخلاقياً يلمّ بالوافدين الى المدينة، نتيجة انسلاخهم عن بيئاتهم وثقافاتهم السابقة المستقرة الآمنة والمطمئنة التي صدروا وانسلخوا عنها.
هذه النظرة إلى المدينة (بيروت) حاضرة بقوة لافتة في موضوعات الشعر اللبناني. ففي مطلع سبعينات القرن العشرين كتب أحد الشعراء اللبنانيين الجنوبيين الشبان آنذاك قصيدة عنوانها “بيروت”، فشاعت مقاطع منها على ألسنة جماعات طالبية واسعة (منهم كاتب هذه السطور): “أيّ موت شدّ يا بيروت رجليّ إلى ظهري/ رماني/ عند قدميك أبيع الضحك/ أزني بالأغاني/ لستِ أمي/ بل خياناتي لأمي/ لملمي ثدييكِ/ ثدياكِ زجاج/ وشفاهي سئمت من حلمة الكاوتشوك/ من رضع القناني”.
الغريب أن صاحب “الرغيف” و”قميص الصوف”، كان قبل أكثر من عقدين من نشره “طواحين بيروت”، قد عبّر عن نظرة مختلفة تماماً إلى المدينة، حينما كتب في جريدة “المكشوف” منتصف ثلاثينات القرن العشرين، تحقيقاً قصصي الأسلوب عن بنات بيروت اللواتي خرجن إلى العمل في المكاتب والمخازن والمتاجر، جازماً بأن المحافظات منهن على “العفاف” لا تتجاوز نسبتهن الـ 5 في المئة. فـ”العذراء منهن تعطي كل شيء ما عدا خيط عنكبوت”.
وهذا، على ما يختم عواد تحقيقه، “ظاهرة جميلة، فرحة ولذيذة. لكنها لا تخلو من خطر”. لكنه يحرّض على اقتحام هذا الخطر في سؤال ملهم: “متى كانت الحرية خالية من الأخطار؟”. أما في “طواحين بيروت” فألبس الروائي الاخطار التي تنطوي عليها الحرية في المدينة لبوس التصدّع الأخلاقي.

مجتمع العمران البري والمنافي السكنية على تلال خلدة نموذج للاقتلاع والتذرر وعنف الهويات المحتقنة

ديسمبر 5, 2012

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في  2-12-2012

خليط سكني

على تلال خلدة الساحلية – وهي كانت مقفرة يكسوها غلاف صخري تتخلله نباتات وشجيرات برية قبل عقدين  من السنين او اكثر بقليل – ارتفعت بنايات العمران العشوائي شاهقة، وتمددت تدريجاً في القفر، من دون نظام ولا تصنيف لاستعمالات الاراضي، وقبل ترتيبها وشق طرق وانشاء شبكات للخدمات فيها. والمتجول العابر اليوم في السيارة على طرق تلك التلال، بين البنايات العالية وورش البناء، يصعب عليه تصنيف نوع العمران الناشئ والعثور على تسمية محددة له وفق التصنيفات العمرانية المعروفة: تلال مقفرة اجتاحتها عشوائياً بنايات سكنية عالية لا يربط بينها اي نظام سوى محاذاتها طرق شقها تجار البناء الجاهز والعقارات، كل منهم على هواه وكيفما اتفق وبأقل التكاليف الى بنايته وارضه وسط القفر. لكن تلال خلدة وجوارها في خراج عرمون لا تنفرد وحدها في لبنان اليوم بمثل هذا النوع من العمران المنتشر كثيفاً في ارجاء كثيرة من الجمهورية السائبة. فالناظر متأملاً في ما صار اليه عمران لبنان، وفي انماط الحياة ودبيبها فيه، يدرك على اي حال من التمزق والفوضى العارمة يعيش اهالي هذه البلاد ويتدبرون شؤونهم العامة ويديرونها. لذا ليس ما حدث ويحدث على تلال خلدة وعرمون الا نموذجاً لما هي عليه احوال العمران في مناطق لبنانية كثيرة، مع بعض التفاوت والاختلاف بين منطقة واخرى.

العمران البري

ادى انشاء الاوتوستراد الساحلي السريع الذي ربط بيروت بصيدا جنوباً، الى فورة كثيفة من تشييد منشآت تجارية كبرى ومتوسطة وصغيرة على جانبيه. تبع هذه الفورة تشييد بنايات سكنية خلف شريط المؤسسات التجارية، ثم تمدد انشاء البنايات تدريجاً على التلال، فوصل اليوم الى اعاليها، وتوسعت الكتل العمرانية وتضخمت. وللوصول اليها والخروج منها ما بين مثلث خلدة ودوحة الحص، تفرعت من الاوتوستراد السريع طرق صغيرة شبه عشوائية لا يراها سوى من خبرها وتعوَّد الانعطاف اليها. الطرق هذه تتعرج على التلال بين البنايات وسط القفر بلا ارصفة، وطبقة الاسفلت عليها رقيقة هشة سرعان ما تتآكل وتغزوها الحفر. الخدمات الاساسية للبنايات، من ماء وكهرباء، وصرف صحي، أُنشئت مثل الطرق، بلا تنظيم ولا تخطيط: لكل بناية بئرها الارتوازي للحصول على الماء، وبئرها او جورتها لتجميع المياه المبتذلة والصرف الصحي، ومولدها لتوليد الطاقة الكهربائية، اضافة الى الاتصال غير المنظم بالشبكة العامة.

على مثال العمران الفوضوي على الاراضي المشاع المقفرة بعدما صادرها النافذون وجماعاتهم المسلحة في ضواحي المدن والبلدات والقرى، فتقاسموها اقتساماً داميا في بعض الأحيان وشيدوا عليها متاجر وبيوتا وبنايات عشوائية في أزمنة الحرب، على هذا المثال شيد تجار الاراضي وسماسرتها وتجار البناء الجاهز بناياتهم العالية على تلال خلدة، فنشأ عن ذلك عمران بري وتجمعات سكنية لا تاريخ لها ولا نظام او نسيج عمراني يجمعها. فقط طرق بدائية وبنايات في قفر لم يجر ترتيب اراضيه وانسنتها، لا قبل وضع اساسات المباني ولا بعد انجازها وبيعها شققاً سكنية جاهزة وانتقال اصحابها ومستأجريها للاقامة فيها. بنايات مبعثرة على التلال بين الصخور، وسكان بنايات في قفر ارسخ واقوى من العمران والسكان. واذا كانت هذه حال العمران وساكنيه، فان الحياة والعلاقات الاجتماعية ما بين السكان لا تختلف عن تلك الحال: اجتماع ومجتمع برِّيان يقومان بين جدران الباطون والصخور وعلى منحدرات تشرف على بحر بعيد. والاقامة في هذا المجتمع البري لها طعم المنفى.

عرب المسلخ

تبدأ حكاية عمران تلال خلدة المقفرة بلجوء مهجري “عرب المسلخ” النازلين قرب الكرنتينا شرق بيروت، الى مسابح خلدة وشاليهاتها في حرب السنتين (1975 -1976). “الحزب التقدمي الاشتراكي” نظم آنذاك اقامة المهجرين ورعاها في تلك المسابح البحرية التي يوالي ملاكها وملاك الاراضي المجاورة العائلة الارسلانية المناوئة للعائلة الجنبلاطية التي تتصدر زعامتها الحزب الجنبلاطي “الاشتراكي”. وسّع “عرب المسلخ” المهجرون مضاربهم خارج المسابح، واقامت جماعة منهم مخيماً لها في القفر، اسفل التلال الصخرية، على مسافة قصيرة من الطريق الساحلي القديم السابق على انشاء الاوتوستراد السريع الذي أزال انشاؤه المخيم. في الاثناء، اي في سنوات الحروب المتعاقبة (1975 – 1990)، ازدهرت تجارة اراضي التلال التي يروي قدامى العارفين بأحوال المنطقة وعقاراتها، ان ملاكها كانوا في معظمهم من المسيحيين والدروز. هؤلاء الملاك ارغمتهم الحرب على بيع ارضهم المقفرة بأسعار متهاودة لمستثمرين كويتيين وتجار عقارات لبنانيين، وذلك بعد شعورهم بغموض مصير املاكهم والمشاعات القريبة منها، حيث نزل مهجرو المسلخ وأقاموا مضاربهم. النافذون من المهجرين، اولئك المستقوين بـ”الحزب التقدمي الجنبلاطي، برز دورهم كسماسرة عقارات في عمليات البيع والشراء، ثم اشتروا بعض العقارات وضموا اليها مساحات من المشاعات على التلال القريبة، فتحولوا شيئاً فشيئاً تجاراً وملاكاً للعقارات. وللبناء عليها ابتداء من مطالع التسعينات، شاركوا تجار البناء الجاهز، وحصلوا على شقق سكنوها في البنايات الجديدة.

صور ملحمية

ابو ديب – وهو الوجه الأبرز اليوم بين قدامى “عرب المسلخ” المقيمين في البنايات على تلال خلدة – اضفى صوراً ملحمية على كلامه عن عشيرته اثناء لقائنا معه في مضافته الزجاجية قرب سوبرماركت في الطبقة الارضية من احدى البنايات. “كانت المدافع تقصف وتدمر، فيما نحن ابناء العشيرة نشيّد البنايات في خلدة”، قال. هذه الصورة الملحمية كان ابو ديب قد استبقها بأخرى تعود الى ايام الحروب الصليبية. جواباً منه على سؤالنا الاول عن بداية العمران في خلدة، قال ان عمرانها عرف ثلاث مراحل: “في المرحلة الاولى كنا نحن ابناء عشيرة زريقات من عرب الثغور واهلها، الى جانب التنوخيين، في الدفاع عن السواحل ضد الغزاة الصليبيين. والمرحلة الثانية هي مرحلة انشاء المسابح  والفنادق على ساحل خلدة ابتداء من اوائل الستينات. اما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الحرب عندما اشترى اهلنا، عرب خلدة، أراض على التلال من ملاكها الارسلانيين وسواهم من الدروز، ثم شيدوا عليها البنايات، وباعوا قطعاً منها من مستثمرين وتجار عقارات”، منهم حسين طعان ومحمد نائل.

اثناء جلستنا دخل الى المضافة عدد من الاولاد والفتيان، تقدم كل منهم من ابو ديب وقبّل يده. اما الشاب الذي دخل اخيراً فوقف ابو ديب لاستقباله وتبادلا القبل على الخدين.

سألنا ابو ديب عن حوادث وصدامات تحصل بين السكان في المنطقة، ومنها الحادثة التي قتل فيها قبل أشهر شاب من آل شيخ موسى يدعى “كمال – ابو عدي”، وكان سببها المباشر شجار بين شبان نشب على خلفية تعليق صور ولافتات، فأدى الى تبادل اطلاق نار ومطاردات. كان جواب محدثنا أن خلدة فيها احزاب وتنشب خلافات ومنازعات بين احزابها، كغيرها من المناطق اللبنانية. اما “نحن عرب خلدة، فنعالج الخلافات بروح عشائرية وننبذ الأحزاب والحزبية”. ووفقاً لكلام ابو دبيب يبلغ عدد الناخبين من عشيرة الزبقات في خلدة – بعد حملة التجنيس الاخيرة في التسعينات – حوالى الف ناخب. اما ابناء العشيرة المقيمين في بنايات المنطقة فيبلغ غددهم حوالى مئة الف نسمة. وهذه ارقام مبالغ فيها كثيراً، لأن ابو ديب نفسه قال ان ابناء عشيرته لا تتجاوز نسبتهم 4 او 5 في ا لمئة من اجمالي عدد سكان خلدة الذين توافد معظمهم من مناطق بيروت وضواحيها واشتروا او استأجروا شققا في البنايات واقاموا فيها.

خليط المنفى السكني

في الروايات المختلفة التي جمعناها عن إعمار تلال خلدة من بعض سكانها المقيمين، يتوارد ذكر ابو ديب بوصفه “شيخ العرب” وأحد كبار تجار العقارات والبناء الجاهز في المنطقة، الى جانب آخرين كثيرين من آل الحسيني والخنسا والسعدي ونائل وعائلات اخرى. اما قطع الارض التي تشغلها معارض لتجارة السيارات المستعملة الى جانب الاوتوستراد، فتعود ملكية معظمها الى كويتيين اشتروها في زمن الحرب او قبلها من قدامى ملاكها المسيحيين او الدروز بأسعار بخسة عبر سماسرة من “عرب المسلخ”. وبعد انشاء الاوتوستراد صادر نافذون في الميليشيات قطعاً من الاراضي المملوكة “الداشرة” واقاموا عليها معارض تجارة السيارات. تزايدت على جانبي الاوتوستراد المؤسسات التجارية، ومنها “افران شمسين” لصاحبها ابو فادي الحلبي الذي يعمل في افرانه عمال سوريون كثيرون الى جانب غيرهم من العاملين في ورش البناء والمقيمين قربها في غرف مؤقتة مشيدة على عجل. لكن العمال السوريين اخذوا يستأجرون في البنايات شققا ويستقدمون من سوريا نساءهم واولادهم للاقامة فيها، فخالطوا “عرب المسلخ” وسواهم من سكان الشقق المباعة والمستأجرة.

قبل العام 2000 كانت غالبية سكان البنايات، اضافة الى “عرب المسلخ” السنة، من أسر سنّية من العرقوب وأخرى بيروتية من الطريق الجديدة لا يمكّنها وضعها الاقتصادي من شراء شقق او استئجارها في بيروت. وكانت تخالط هذا الخليط اقلية شيعية وافدة من الضاحية الجنوبية أو الجنوب. فأسعار الشقق في خلدة ادنى بكثير منها في العاصمة وضواحيها. لكن الوافدين البيارتة للسكن في شققهم لم يألفوا الاقامة  ونمط العيش في الطبيعة البرية، ولا في بيئتها الاجتماعية الجديدة الشبيهة بالمنفى، فقام كثيرون منهم بتأجير شققهم وعادوا للاقامة في احياء بيروت الشعبية. غير ان تجار العقارات والبناء الجاهز ثابروا على تشييد البنايات بما يفوق الطلب على الشقق التي يبيعونها بالتقسيط و”على الخريطة” في اثناء الشروع ببنائها.

الأسعار المتهاودة للشقق السكنية في خلدة حملت فئات شعبية من صغار المدّخرين على شراء شقق يستثمرون بها مدخراتهم في انتظار بيع الشقق بعد ارتفاع أسعارها، أو تأجيرها.

مشروع نائل

كان “مشروع نائل” الذي يضم مجموعة كبرى من البنايات على منحدر غير بعيد من الأوتوستراد، من أضخم المشاريع العمرانية في خلدة قبيل العام 2000 وبعده بقليل. يحوي المشروع مئات الشقق التي بيعت “على الخريطة” من صغار مدّخرين سنة في غالبيتهم الساحقة. لكن محمد نائل توفي قبل إنجاز مشروعه، فعمد مشترو الشقق في المجمع الكبير الى استكمال البناء وتجهيزه كل على هواه ووفق إمكاناته المادية. نجم عن ذلك قيام مجمعات سكنية مشوهة غير مكتملة الخدمات. والمجتمع الناشىء في بنايات المجمع يشبه في اضطرابه وتمزقه وتذرره الوضع العمراني المشوه للمشروع: مياه الصرف الصحي تسيل على اسفلت الطرق الهش وتحفر فيها أخاديد. امام البنايات وخلفها ترعى بعض من الأغنام والشاة. السكان خليط من “عرب المسلخ” وفقراء السنة الريفيين أو البيارته المهمشين. على الطريق الصاعدة الى خلدة من تحت جسر يعلو الاوتوستراد، نشأ ما يشبه سوق صغيرة غير بعيد من بنايات المجمع. روائح المياه المبتذلة السائلة على الطريق تفوح نفّاذة في الأرجاء، وصولا الى أعلى المنحدر. المصلى أو الجامع الصغير أقيم الى جانب الطريق في جهة من السوق.

هذه المشاهد الجزئية تعود الى نهار جمعة من أواسط شهر تشرين الثاني الجاري. كان دبيب الحياة قوياً في ظهيرة الجمعة تلك. رجال وشبان وفتيان ملتحون في غالبيتهم يتوافدون الى المصلى – المسجد. كثيرون منهم يرتدون دشاشيش، فيخلعون أحذيتهم ويدخلون الى باحة المصلى الداخلية، حيث يفترشون الحصر. خطيب المسجد على منبر صغير في الزاوية يتحدث عما يفعله “اليهود المجرمون” في غزة. صوت الخطيب يختلط بصوت شيخ آخر كان قد ركن سيارته المرسيدس أمام مبنى المبرّة او الحسينية ودخل اليها على مسافة أمتار من المصلى. شيخ المبرة يتلو مقتطفات من السيرة الحسينية الكربلائية في عاشوراء. خلف الأوتوستراد والمنشآت التجارية المحاذية له بنايات سكانها في غالبيتهم من الشيعة. على مدخل المبرة لافتة رخامية مكتوب عليها أنها شيدت في العام 2003.

شعور بالتوتر وعدم الأمان يراود الغريب عن هذه البيئة. لكن حركة السيارات والمشاة في المكان متسارعة ومضطربة، وتخيم عليها الأصوات العالية المنبعثة من المصلى والحسينية، وصولا الى الأرجاء المتباعدة في الأعالي. في جولة في السيارة المبتاطئة في سيرها على الطرق وسط بنايات “مجمع نائل” الكئيبة، الشاهقة، كانت أصداء خطيب المصلى والحسينية تتردد قوية من مكبرات صوت منصوبة على أعالي البنايات. مياه الشطف والغسيل والصرف الصحي مندلعة على اسفلت الطريق، وفي بورة صغيرة تحيطها صخور تسرح دجاجات وصيصان.

جولة سريعة

في جولة سابقة بالسيارة قبل شهرين أو ثلاثة من نهار الجمعة، كان الدليل المقيم في المنطقة منذ العام 2005 (علمت أخيراً أنه نزيل في سجن رومية)، قد قال: أنظر، أنظر الى تلك المرأة التي تترجل من الرانج الروفر. إنها تلبس بلوزة تنحسر عن بطنها، وهي زوجة مسؤول إحدى المنظمات الحزبية في خلدة. كانت السيارة تنطلق بنا من السوق في اتجاه مطعم “هارون الرشيد” على تلة صغيرة. تلاوة القرآن من الحسينية والمصلى كانت تتباعد خلفنا. هنا سكان البنايات خليط من العرب والسنة والشيعة، قال الدليل، وتابع: ابن بيروت يشتري شقة هنا ليؤجرها أو ليبيعها ويحصّل بعض الأرباح، فلا يسكن فيها، لأن الجو هنا ليس جوه. هنالك في الأعلى بعض الفيلات للبيع، يتشارك في انشائها مستثمرون كويتيون ومحليون، منهم “شركة عقاريا”.

تصعد السيارة على الطريق بين الروابي الصخرية والبنايات والورش المتباعدة. الأعلام واللافتات الحركية والحزبية تشير الى هوية المستثمرين والسكان، قال الدليل. على ذلك الجدار فوق كلمة “أمل” كتبت كلمة “عمر”، والعكس يحدث ايضاً. الأعلام ترفرف على كثير من أعمدة شبكة الطاقة الكهربائية. ابتعدت السيارة قليلاً من العمران. هذه المنطقة يسمنونها “قبرص” لأنها بعيدة، تابع الدليل. أصوات جرافات تصل من البعيد. ذلك البناء الكبير كان مدرسة خاصة، بعد موت صاحبها اقتسمها نجلاه مدرستين: “لا سيم” و”لا سيتيه”، يأتي في الأوتوكارات للتعلم فيهما تلامذة من إقليم الخروب وبلدات الجية والناعمة وحارة الناعمة التي تبدلت هويتها الديموغرافية تماماً، قال الدليل، وتابع: لقد  ابتعدنا من خلدة قليلاً، وهذا خراج عرمون، حيث مدرسة “البيادر” الخاصة على حدودها، وعلينا أن نعود نزولاً لنعبر في بنايات “مشروع نسيم البحر”.

مشروع نسيم البحر

روى الدليل وسواه من سكان المنطقة، أن موجة من تجارة العقارات وتشييد البنايات في خلدة، هبت قوية بعد تحرير الشريط الحدودي في العام 2000. غلب الشيعة على هذه الموجة الصاعدة تدريجاً من قرب الأوتوستراد وصولاً الى التلال العالية، حيث نشأ المشروع الأكبر المسمى “نسيم البحر” الذي قال أبو ديب إن الاراضي التي أنشئ عليها كان يملكها الأمير فيصل ارسلان، فباعها لتجار البناء الجاهز، وكان معظمهم من الطائفة الشيعية. وبعد تشييد الحسينية في أسفل السوق القريبة من الأوتوستراد، أخذت تنشأ مصلبات صغيرة في أسافل بنايات “نسيم البحر” الذي ضم عشرات البنايات المنحدرة من أعالي التلال حتى مضافة أبو ديب غير بعيد من “مشروع نائل”. (حين التقينا أبو ديب في مضافته، كانت فرس مربوطة في فسحة أرض صغيرة أمام السوبر ماركت). استمرت موجة البناء هذه متصاعدة حتى العام 2005، فتوقفت أو ضمرت قليلاً. وفي الأثناء شيدت على تلة ما بين “نسيم البحر” و”مشروع نائل”، بنايات “مجمع الطاهر” لأحد المشايخ الأقطاب في الطائفة الدرزية. لكن شقق هذا المجمع اشتراها خليط من أبناء الطائفتين السنية والشيعية، الى قلة قليلة من الدروز.

بعد أسابيع قليلة من نهاية حرب تموز 2006، هبت موجة عمرانية جديدة في مجمع “نسيم البحر”، فتزايدت بناياته. (في نهار من تلك الاسابيع سجَّلتُ في منزل مقاتل من “حزب الله” يقيم في إحدى بنايات المجمع، شهادة عن تلك الحرب التي شارك الرجل في معاركها في الجنوب، واستشهد له فيها ولدان اثنان مقاتلان معه). غداة تلك الحرب كانت الحياة في بنايات المجمع خافتة، ومجللة بالأعلام والرايات السود ولا تزال.

التوتر والاحتقان

في الزيارتين المتباعدتين لخلدة أخيراً، روى الدليل أن تجار البناء الشيعة ما بين 2006 و2008، كانوا يشترون العقارات على تلال خلدة بأسعار عالية، ويشيدون عليها البنايات، رغم تضخم عرض الشقق للبيع وزيادته عن طلب شرائها. أبو ديب نفسه أكد هذه الواقعة ونسبها الى تسابق اللبنانيين على الاستثمار في العقارات وتجارة البناء. الى جانب هذه الظاهرة، روى الدليل ايضاً أن التسابق على شراء العقارات وصل الى بلدة الشويفات. ما بين حرب تموز 2006 و7 أيار 2008، عاشت منطقة خلدة ومجمعاتها السكنية توتراً على إيقاع الخطب المتعاقبة التي كان يلقيها كل من السيد حسن نصرالله والرئيس فؤاد السنيورة أو سعد الحريري، فيطلق شبان في المنطقة النار في الهواء احتفالاً بخطيبهم ونكاية بالخطيب الآخر. حتى أن السلاح بدأ يطهر في مناسبات كثيرة، منها أثناء صلاة الجمع وخطبها في المسجد والحسينية. وفي هذه الحقبة بدأ يظهر تكاثر شبان من السلفيين الملتحين والمتطرفين جهادياً في بنايات “مجمع نائل”.

لكن شبان “حزب الله” كانوا يرصدون هؤلاء السلفيين وسلاحهم، وصولاً الى 7 أيار 2008، حينما قامت مجموعات مسلحة ومقنّعة من “حزب الله” بدخول المجمع في سيارات، طالبة من كل من لديه سلاحاً من سكانه أن يسلمه فوراً. وهذا ما حصل فعلاً، لأن المسلحين المهاجمين باغتوا سكان المجمع وكانوا أقدر تنظيماً وإعداداً عسكرياً، ويعرفون الشبان السلفيين ومن المسلح منهم، ولديهم لوائح تفصيلية باسمائهم. وروى الدليل ايضاً أن تجار سلاح على صلة بـ”حزب الله” كانوا حتى عشية 7 أيار يقومون بشراء السلاح بأسعار عالية ومغرية من المحازبين الدروز “الاشتراكيين” في الشويفات وخلدة.

بعد ذلك أخذ الاحتقان يتزاد في خلدة، معطوفاً على موجة جديدة من تزايد البناء، وعلى فرز طائفي متفاقم بين السكان. قطبا هذا الاحتقان هما “مجمع نائل” و”مجمع نسيم البحر”. أما الاحتكاكات فغالباً ما تحدث في السوق، حيث المسجد الذي يتكاثر فيه المصلون من شبان السلفية، وحيث الحسينية في طرف السوق غير بعيد من الأوتوستراد. الترصد مستمر بين شبان السلفية وشبان “حزب الله”، أما محازبوا “تيار المستقبل” فغالباً ما يلتزمون بيوتهم في أوقات الاحتقان، على ما روى الدليل، وأضاف أن للسلفية إمتداداتها في الناعمة وحارة الناعمة، فيما تشكل مناطق الأوزاعي وحي السلم ومدينتي “الحسين” و”العباس” في صحراء الشويفات امتدادات لشبان “حزب الله” و”حركة أمل” في نسيم البحر وسواه من البنايات في خلدة.

هذا المجتمع البري أقرب الى منفى سكني. لذا يفتقد سكانه شروط إقامة “حضرية” تؤمن دورة حياة وفضاءات ووسائل وأطراً تتعدى السكن العاري في بنايات يحوطها قفر طبيعي. في هذا المنفى ينغلق العالم وتنغلق مخيلة الساكنين وعلاقاتهم، وخصوصاً الشبان والفتيان منهم، على احتقان وعنف مقيمين، هما مرآة تلك الاقامة العارية في قفر الجدران والطرق والصخور، ومرآة مكبرة لفراغ نفسي وروحي يعيشه سكان مقتلعون ومنفيون الى مكان لا تاريخ عمرانياً واجتماعياً له سوى تاريخ الهويات المحتقنة.


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 1,228 other followers