أرشيف ‘مصر’ التصنيف

تجديد الأمل

يوليو 9, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 06-07-2013

حرٌّ هو الكائن البشري في دينه وتديُّنه، وحرية الإنسان أسبقُ وأشدّ أصالةً في وعيه وجوارحه ومخيلته من الدين والتديّن. هذا ما يقوله معظم شبّان مصر وشابّاتها، ومن ورائهم الغالبية الساحقة من شعب مصر، في ثورتهم الأخيرة هذه، التي ابتكرها وأسَّس لها شبان “حركة تمرّد” وشاباتها قبل أشهر قليلة. وهم يقولون ايضاً قولاً صريحاً: لا نريد أن يحكمنا أحد باسم الدين، وينصّب نفسه وجماعته وحزبه أولياء على أمورنا الدينية في الحياة الدنيا.
الحق أن مثل هذه الأقوال ليست أقل من معجزة في المجتمعات العربية المصابة بالركود والعجز عن تجديد حياتها السياسية وثقافتها السياسية، وعن تشخيص معضلاتها الكثيرة والكبيرة، المتراكمة والمزمنة، منذ أكثر من ستة عقود. لم يكن لجوء فئات من الأجيال الشابة في هذه المجتمعات إلى التحصّن بالدين والتديُّن تديّناً رسالياً جديداً منذ ثمانينات القرن العشرين، إلاّ وجهاً أو قناعاً لذلك العجز المزمن، بعدما استتبّ الحكم والسلطان في الجمهوريات العربية لحكّام ديكتاتوريين وزمرهم العسكرية والأمنية، وللنهب الاقتصادي، وعزموا على توريث أبنائهم السلطة والرئاسة.
كان قد سبقهم إلى ذلك، ومهّد لهم الطريق اليه جزّار حماة في العام 1982. فغداة تلك المجزرة ردّاً على عنف “جماعة الاخوان المسلمين” السورية، اليائس والعدمي، كافأ حافظ الاسد أخاه رفعت، منفّذ المجزرة، بأن أقصاه وأبعده، تمهيداً لتوريث “سوريا الأسد” لابنه باسل. لكن الدهر غدر بباسل على طريق مطار دمشق الدولي، فأتى الأب – العرّاب بابنه الثاني، طالب طبّ العيون في لندن، بشار، وعهد إلى الزمرتين الأسديتين، الأمنية والاقتصادية القرابية، مهمّة تدريبه وتأهيله ليكون وارث سوريا الجديد الذي يُغرق عرشه بطيئاً بدماء شعبها منذ حوالى سنوات ثلاث.
¶¶¶
المتأهبون الآخرون لوارثة الجمهوريات الديكتاتورية عن آبائهم العرّابين، منهم من قُتل مع عرّابه (عدي وقصي صدام حسين)، ومنهم من نجا ويقبع في السجن يتيماً (سيف الإسلام بن معمّر القذافي) ومنهم من لا يزال طليقاً (أحمد علي عبدالله صالح) مع عرّابه المخلوع عن عرش اليمن. أما من لم ينجب ولداً يرثه (زين العابدين بن علي)، ففرّ من قصره في تونس هارباً إلى السعودية مع زوجته العرّابة مثله.
ومن استجدى شعبه قبيل خلعه عن عرش مصر (محمد حسني مبارك) قائلاً إنه عزف عن توريث ابنه، وإنه يريد أن يموت ويُدفَن في بلده، حيث ولد ونشأ، فقد جعله شبّان مصر وشابّاتها نسياً منسياً. وها هم حاصروا بالملايين قصر رئيسهم “الإخواني” وخلعوه، بعدما ظنّ مع جماعته وحزبه، أهله وعشيرته “الإخوانية”، أن انتخابه رئيساً في غفلة من المصريين، يمنحه تفويضاً دينياً أبوياً عليهم، بوصفه “أمير أمة المؤمنين” الذي انتدبته الإرادة الإلهية و”مكتب الارشاد الإخواني” ليسوسها بـ”السمع والطاعة”، على مثال ما يسوس المرشد رجال مكتبه وجماعته وحزبها.
¶¶¶
شبّان مصر وشابّاتها يحيون الأمل من جديد: من “حركة كفاية” إلى “حركة 6 إبريل” إلى موجة فتيان “بلاك بلوك” إلى “حركة تمرد”، موجات سريعة متعاقبة من شبّان وشابّات، أفراداً ومجموعات أفقية سيّالة ومشرعة، بلا قيادة ومرشد ومكتب إرشاد، وبلا قائد ملهم، إلا تلك الحرية الفتيّة الطازجة الفرحة في الشوارع والميادين.
هل يضع شبّان مصر وشابّاتها، ومن خلفهم الغالبية الساحقة من شعبها، خاتمة ديموقراطية لأوهام الإسلام السياسي؟ فالاحتجاجات المليونية التي أطلقتها “حركة تمرد” ليس مطلبها عزل “الإخوان المسلمين” وإقصاءهم من الحياة السياسية، بل إخراجهم من شرنقة أوهامهم بأنهم أولياء أمر المؤمنين، بعدما حوّلت جماعتهم في مصر – على ما كتب عمار علي حسين – “تنظيمها الإيديولوجي إلى ما يشبه الكائن البيولوجي”.
سلام الى شبّان مصر وشاباتها وشعبها الثائر ضد تحويل التديّن عقيدة سياسية سلطانية مظلمة.

“حتى أتخلى عن فكرة البيوت” لإيمان مرسال: شعر يروي نقصان الوجود

مارس 27, 2013

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 27-03-2013

إيمان مرسال

تفتتح الشاعرة المصرية إيمان مرسال مجموعتها الأخيرة “حتى أتخلى عن فكرة البيوت” (“دار التنوير”، القاهرة – بيروت، 2013) باستعادتها صور “مستعمرة متحركة من النمل”: “ميت عدلان قريتي العزيزة الجميلة الغالية، وطني الأم الذي يزورني كل ليلة في الكوابيس”. القرية هذه “يقولون إن أجداد (سكانها) ردموا مستنقعاً وبنوا بيتاً لله أولاً وبيوتاً للأموات ثانياً ثم أخيراً بيوتاً للناجين من لعنة الكائنات الصغيرة”. تتوالى في هذه القصيدة الأولى من المجموعة، الصور القصصية أو الإخبارية: “حسام، زميلي (…) في آخر الفصل (…) غرق في سن العاشرة وهو يصطاد سمكة. لم يستغرب أحد موته لأنه كان معروفاً للجميع (بأنه) إبن موت”. في “يوم الجمعة (…) اليوم الذي لم أحب: تهوئة الصالون (…) رائحة المنظفات وحبال الغسيل (…) وجهنم تأتي من ميكروفون المسجد”. وهناك “نساء جَبِلْنَ أكثر مما ينبغي، وفقدان أجنّة في الطريق الى المستشفى (…) من نجا لهن (…) ولدوا قبل الفجر في غرف الخبيز (عندما) كان الأطفال كالحصاد، مناصفة مع الحكومة”. أما الـ”مراهق (الذي) جعله الجيش رجلاً (في الصحراء، (فقد) حفر خندقاً لن يجد وقتاً ليختبئ فيه”، فأعادوه “الى بيت أمه (…) جثة مع ساعة اليد والبطاقة الشخصية”. في “منتصف” السبعينات” من القرن العشرين، بدأت “الآمال”، آمالهم، “تصحو وهم يشربون الشاي: استبدال الجدران الطينية بالأحجار، الغاز بالكهرباء، ألا يقلّ أول تلفزيون ملوّن عن عشرين بوصة”. وبعدما “ذهب أحدهم الى العراق ليموت في حرب شاهدها بعضهم بالألوان (…) استطاع من بقي منهم أن يمدَّ حبلاً من المصابيح ليدلَّ المعزين الى مكان العزاء”.
هذه بعضٌ من مرويات قصيدة “ربما لم يكن في نيتهم أن يخدعوا الله” التي تروي بالصور المكثّفة محطات من تاريخ قرية ميت عدلان، في خليط من الذكريات والمشاهد والمصائر ذات الروح المصرية الخالصة، واللصيقة بأطوار التاريخ والمجتمع المصريين، كما يتجسدان في لحظات ومشاهد من الحياة اليومية: “سأنجح في تضييق شروخ (ها) بالفوتوشوب”. إنها لحظات ومصائر ومشاهد مكتوبة بأسلوب قد نجازف في تسميته أسلوب “الوثائقية الشعرية” التي تفصح الشاعرة عن استعمال تقنيات فنون ما بعد الحداثة في تأليفها وتوليفها، مستدخلةً تلك التقنيات في صميم المخيلة الشعرية، ومخْلِيةً مادة الشعر ولغته من سلطان المثال الشعري المتعالي الذي يجعل اللغة نفسها، مجرّدة من تجارب العالم المادي والخبر عنها، مدار الشعر ومادته الاولى والاخيرة. وخروج مرسال على سلطان المثال الشعري ذاك، يجعل نصها أو قصيدتها غير لغوية، أو ما بعد اللغة، أو لا تحضر اللغة فيها إلا بوصفها لغة غير شعرية، وتتوسل بالشعر من طريق غير لغوية. إنه خروج يؤكد أن “الحرفة” اللغوية لم تعد “عمود” الشعر الحديث، على خلاف ما نظّر وكتب بعضٌ من رواد الحداثة الشعرية العربية في الستينات والسبعينات من القرن العشرين. الفرق ما بين لغة مرسال وأسلوبها “الوثائقي الشعري”، ولغة تلك الحداثة، يتجلى تهكمياً ساخراً في قصيدتها الثانية: “وأنا أتدحرج بين خياراتي كنقطة ندىً على عنقود من العنب، دخل (الى البار) أحد القوميين العرب بشعر ابيضَّ لتوّه كأنه كان ينازل الغزاة في الميدان المجاور: الأمة تحترق، قال بدلاً من مساء الخير”.
أسلوب الوثائقية الشعرية هو الذي يبث الروح المصرية الخالصة في كتابتها، على نحوٍ يجعل تلك الروح، كما تتجلى في وقائع الحياة اليومية، قِوام شعر مرسال (على الأقل في القصيدة الأولى من المجموعة)، سداه ولحمته، لتغيب عنه اللغة بوصفها الخالق السحري المتعالي للعالم والشعر، وليحضر العالم، اشياؤه، كائناته، المصائر المكثَّفة لشخصياته، متشظّيةً متنازعة، وكمعين للشعر، في صوت خافت ولغة خافتة حتى الغياب والإمحاء. ذلك لتكون اللغة محايثة، بل صادرة صدوراً عضوياً عن العالم والأشياء والبشر في مصائرهم شبه القدرية أو “الموضوعية” والخالية من كل بطولة ونبوءة أو رسولية. هذا ما يجعل الأوقات والأماكن والموجودات والكائنات والمصائر في هذا النوع من الشعر، أقرب الى ظلال وأطياف عابرة، فيما قد “يكون الموت هو عدم القدرة على تبادل ذكرى مشتركة بين شخصين” في قصيدة “اسمك امامي ولا ورد في يديّ”. وفي “الصباح الذي بلغتُ فيه الأربعين (…) فشلتُ (…) في التأكد من وجود حياتي بجانبي على السرير”، بينما “أمامي طابور من الموتى (…) بيوت للأرق داومت على تنظيفها بإخلاص في ايام العطلات، هدايا لم افتحها لحظة وصولها، قصائد(…) أشكّ في انتمائها اليَّ، رجال لم أقابلهم الا في الوقت الخطأ ومصحّات لا أتذكر منها إلا الحديد على الشبابيك” (من قصيدة “حياة”). هذا فيما “الله يضلّل ذاكرة مخلوقاته من وقت لآخر ليتسلى” في قصيدة “احتفال”. الى جانب اللغة الاخبارية، بل في نسيجها، يحضر الكائن خارج حياته، او منفصلاً عنها، كأن شخصا آخر عاشها عنه، أو هي ظلت مرجأة، لتحضر كذكرى وكغياب عن الفعل.

الوجود الناقص

في هذه المقتطفات الاخيرة، يغيب الشعر الوثائقي، أو الوثائقية الشعرية، ليحضر الكائن الفرد المجرد، في مواجهة العالم والوجود ومصيره وذاكرته، لكن بلا بطولة ولا هالات مأسوية، بل بوصفه كائناً شديد الهشاشة، وغير ممتلك لوجوده ومصيره وحياته نفسها، ومنخلعاً منها انخلاعاً قدرياً. أما قصيدة “أنت أمام الباب أنا خلفه” فنموذج آخر لاختفاء اللغة وضمورها، للاقتراب من الشعر الذي يومئ من دون ان يصرّح ويعلن مستعيضاً عن استنفاد العالم لغوياً، بوصف لحظات حسّية حميمة وعابرة من حياة الكائن وهشاشته: “بضغطة اصبعك على الجرس تحدث فوضى/ الى الأذن تنط دماء كانت تتهادى قرب سلسلة الظهر/ تتراجع قدماي خطوتين الى الخلف/ كل عضو يهرول وحده في اتجاه خطأ”.
قوة الاضطراب والمشاعر في لحظات تحقق لقاء غرامي مرتقب، معبَّرٌ عنها هنا بأشد قدر ممكن من الهدوء، وبأقل قدر من الانفعالات التي تظل مكتومة اصلاً، لتحضر افعال لاإرادية ناقصة تتجاذب الشخص المنتظر خلف الباب، اي المرأة التي مع رنين الجرس “مرة اخرى/ مقطوعة الانفاس ينفد صبرها”. لكن نفاد الصبر ينقلب فجأة الى عكسه: “اتباطأ/ كأنني أخرج لساني للوقت الذي انتظرتك فيه”. انقسام النفس والسخرية من النفس هنا، يتجليان أيضاً في الجملة: “ربما تلك الثواني (ثواني الانتظار وعدم اليقين) هي الأكثر بهاء مما بعدها”، اي لحظات تحقق اللقاء. فـ”فتح الباب لرجل تنتظره ينتظر في الخارج” وتحقق اللقاء المرتقب، يطفئان قوة الانفعالات ويبددانها. هذا من دون أن يخفى الحس التهكمي الساخر من تلك الانفعالات التي تبدو بلا جدوى ولا طائل، ما إن تنقضي وتتبدد. كأن الانقضاء والتبدد واللاجدوى هي مبدأ العالم والوجود: “وتعبر العتبة/ انت لا تعرف ماذا تصنع (وكان من الأفضل القول: ماذا تفعل) بنفسك وأنا سأمد (وكان من الافضل حذف حرف السين من هذه الكلمة) يداً للسلام والاخرى تتأكد ان النظارة في مكانها”. هكذا تسقط قوة المشاعر والانفعالات في حركات حائرة خاوية، فلا يبقى من تلك القوة سوى ما لا ينبئ عنها. كأن حياة الكائن البشري في حال من النقصان او النكوص الدائم، فلا يبقي تحقق الرغبة من الرغبة سوى رمادها. لكن هذا التناوب ما بين التحقق والنقصان، الرغبة ورمادها، يستمر: “اقسم ان الندى كان يسقط من سقف الصالة، خفيفاً ومالحاً على شفتي، ولهذا لم اقل اهلا”. ثم “برضىً انظر الى سوء الاضاءة في بيتي. هذا الشحوب سيجعلني اختبئ تحت ذاتي بينما انت امامي على الكنبة، ضائع كضيف”.
هل النقصان و”خفة الكائن غير القابلة للاحتمال” في افعاله واهوائه وآلامه، هما مبدأ الوجود البشري والعالم؟ اما الامتلاء والإمتلاك والتحقق، فليست اكثر من وهم جميل ومعذِّب، الا في الرؤى الدينية وجنتها الموعودة.

البهجة الفوضوية

فبراير 16, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 16-02-2013

في خضم سكرات النشوة الأولى بالثورات العربية، وشمت شاعرة لبنانية شابة رقم 2011 على معصمها، لتُبقي ذكرى تلك النشوة مطبوعة على جلدها، فيما كتب الناشط والكاتب المصري أشرف الشريف على صفحته في الـ”فايسبوك” مقالة عنوانها “المجد لسياسات الفنفنة”، في مديح السلوك الإحتفالي الإستعراضي الذي يتبعه شبّان “الإلتراس” حينما تأخذهم نشوة حسيّة جماعية أثناء احتشادهم على مدرجات ملاعب كرة القدم في مصر، وفيما هم يجابهون بالنشوة الاحتفالية نفسها عنف أجهزة الأمن المصرية في الشوارع. الوشم الاحتفالي الشخصي على الجلد تخليداً لعام الثورات، وتمجيد سلوك شبّان “الإلتراس” في مرآة الثورة المصرية التي ساهموا فيها، ينطويان على شكل فني جسماني في التعبير عن البهجة بالحدث الكبير. الفنيّة هذه – شأن الاحتشاد والتظاهر ورسوم الغرافيتي والهتافات والشعارات والأغاني وأشرطة الفيديو والعبارات المبثوثة على الشبكة الإلكترونية العنكبوتية – لازمت الثورات العربية منذ انطلاق شرارتها المنتقلة من بلد الى بلد.
اليوم، بعد سنتين على انطلاق الشرارة، تتناسل تلك البهجة وتتسع وتتحول مذهباً جديداً في التفكير والفعل والتعبير والعمل والسلوك والتواصل في أوساط مجموعات شبابية واسعة في بلدان الثورات وسواها. يستوحي هذا المذهب أو يستعيد صور الحركات الفوضوية التحررية العالمية، كأنه يقول إن الثورات العربية الراهنة التي بادرت اليها الأجيال الشابة من دون قيادة ولا تنظيم، واستعملت الفضاء الإلكتروني الشبكي المشرع بلا حدود أداة تواصل لاحتلال الشوارع والميادين، هي ثورات تحررية تنطوي على بعد جسماني وتستعصي على التأطير السياسي، ومشرعة على الفعل والممارسات الثورية الفوضوية اللصيقة بالتعبير الفني وبأنماط من التعارف واللقاء والعيش والعلاقات الأفقية الحرة اللاسلطوية والعارية من الإيديولوجيا. هذه كلها تنهل من الفوضوية والإباحية والبوهيمية والسوريالية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وصولاً الى حقبة ما بين الحربين العالميتين.
إنها النشوة الشبابية التحررية الفوضوية، ردّاً على الاستنقاع والخواء والموات في مجتمعات الحزب الواحد والدولة السلطوية المدمرة للمجتمع. وذلك لضخ حيوية جديدة طازجة في الركام الاجتماعي الذي هزّته الثورات وأخرجته عارياً من مستنقع التسلط المديد. في هذا الإطار ظهرت أخيراً “المجموعات الأنركية” (الفوضوية) وصفحاتها على الـ”فايسبوك”: “الحركة الاشتراكية الثورية” في مصر، “الحركة السورية النسوية الأنركية”، “أنركيون سوريون”، و”راديكال بيروت”. تأصيلاً لهذه الحركات كتب سامح سعيد عبود (المصري) على موقع “الحوار المتمدن” أن “الحركة الاشتراكية الثورية” نشأت في أواسط القرن التاسع عشر، لتشكل العمود الفقري للحركة الأنركية، بمدارسها المتناقضة” التي “برز فيها دور الأنركيين في كومونة باريس 1871، وفي الثورة الروسية 1917، والثورة الاسبانية 1936، (وصولاً الى) حركة مناهضة العولمة والحرب في بداية القرن الحالي”.
قد تكون الحركات الاحتجاجية التي يشكل الفتيان والشبان مادتها الرئيسية في المدن المصرية، هي النموذج الأبرز للحركة الفوضوية المنبعثة من مخاض الثورات العربية. الحركة هذه مثالها المحلي في مصر حركة “الإلتراس” التي استلهمها شبّان مجموعات “بلاك – بلوك” (الكتلة السوداء) وفتيانها. وهي ولدت ردّاً على العنف الذي مارسه “الإخوان المسلمون” ضد المعتصمين حول “قصر الاتحادية” الرئاسي، غداة إذاعة الرئيس محمد مرسي إعلانه الدستوري. وقد سبقت ولادة “بلاك – بلوك” حملات احتجاجية عدة، منها “عسكر كاذبون”، “إخوان كاذبون”. اللافت في الحركات والحملات هو تلك الفجوة القائمة بينها وبين الجسم السياسي المؤتلف في أحزاب “جبهة الانقاذ” المعارضة لحكم “الإخوان المسلمين”. في هذا المعنى تصرّ الحركة الفوضوية على اعتبار أنها حركة تتجاوز السياسة وتتخطاها، وتخرج على التأطير السياسي الحزبي، الى الفعل الحر المباشر، السيّال والمستقل والمشرع على الغارب من دون حدود. قد يكون هذا ما حمل “جبهة الإنقاذ” أخيراً على “النأي بنفسها” عن تلك الحركة التي تأبى التوقف عن الاحتجاج والصدام مع قوات الأمن في الشارع، كأن احتجاجها يحمل في طياته غريزية جسمانية أطلقتها الثورات من عقالها.
إلى ذلك تبدو مجموعات فتيان الحركة الفوضوية وشبانها أقرب إلى ظاهرة شبه مسرحية في سلوكها وأزيائها وأساليب عملها. المسرحة هذه مصدرها صناعية هذه المجموعات وشبكتيها المنفلشة، الآنية، والمغفلة، على مثال شبكية التواصل عبر الفضاء الالكتروني الافتراضي. ويشكل غياب الهوية الجمعية العضوية عن نشوء المجموعات وتعارفها وعملها، ركناً اساسياً في حضورها المسرحي في الشوارع. وقد بدا هذا واضحاً في أزياء مجموعة “بلاك – بلوك” وحركتها أثناء تظاهرات الذكرى السنوية الثانية للثورة المصرية.

أَخَوَات “الإخوان”

فبراير 3, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 26-01-2013

عزت الجرف في ندوة للتعريف بالدستور الجديد

عد الاحتجاجات الكبرى على “الاعلان الدستوري” الديكتاتوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي، والاستفتاء المشوه على الدستور “الإخواني”، تأتي الذكرى السنوية الثانية للثورة المصرية وسط احتقان سياسي ووضع اقتصادي خانق، في ظل التحضير لانتخابات تشريعية جديدة. في هذا المناخ يبرز وضع المرأة والمواطنة والحريات العامة في الدستور، كعناوين أساسية للمعركة السياسية والانتخابية الدائرة في مصر اليوم.

عاشت مصر في الشهر الأخير من السنة المنصرمة بوادر ثورة جديدة مناهضة للسلوك غير السياسي لجماعة “الإخوان المسلمين” وحزبها، وللإعلان غير الدستوري الذي أصدره الرئيس المصري الجديد محمد مرسي المنتخب والمنتمي الى الجماعة والحزب إياهما. في خضم الاحتجاجات الواسعة التي أطلقها الإعلان الرئاسي “الإخواني”، جامعاً مقاليد سلطات الدولة المصرية كلها في يد الرئيس على مثال ديكتاتوري، سارع الرئيس وجماعته وحزبه الى تفعيل عمل الهيئة التأسيسية لصوغ الدستور المصري الجديد، بعدما كان انسحب من الهيئة معظم ممثلي أطياف الشعب المصري غير الموالية لقوى الاسلام السياسي. وهذا ما أدى الى اتساع الاحتجاجات وتسارع وتائرها جامعة تلك الاطياف التي انبثقت عنها وتألفت هيئة سياسية قيادية هي “جبهة الانقاذ”، تصدرت المشهد السياسي المعارض لاستيلاء الرئيس مرسي ومن خلفه جماعته وحزبها، استيلاء عشائرياً على نتائج الثورة المصرية وعلى سلطات الدولة وصوغ دستورها الجديد لـ”أسلمة” الدولة والمجتمع المصريين و”أخونتهما”. لكن الهيئة السياسية المعارضة المتمثلة في “جبهة الانقاذ” لم تستنفد المشهد الاحتجاجي الكبير الذي استمر قرابة شهر، واستقطب مروحة واسعة من فئات الشعب المصري وأطيافه المناهضة للسلوك والإجراءات الرئاسية الإخوانية العشائرية. فإلى جانب هذه الفئات والأطياف و”جبهة الإنقاذ”، برزت قوتان أساسيتان في مناهضة الإعلان الرئاسي غير الدستوري ونتائجه: معظم هيئات الجسمين القضائي والإعلامي المصريين. وهذا ما أظهر حركة الإحتجاج في هيئة ثورة جديدة، مدنية ودستورية الطابع والأهداف، وحمل قوى الإسلام السياسي وجماعاته على التوسل بالعنف ضد المحتجين والمتظاهرين والمعتصمين السلميين في الشوارع، تماماً على منوال ما فعل النظام المصري السابق عندما أطلق رجال أجهزته الأمنية ورهطه المستأجر من البلطجية والغوغاء لقمع المحتجين في “جمعة الغضب” الشهيرة (28 كانون الثاني 2011) التي وضعت بداية النهاية لنظام الرئيس حسني مبارك.
القمع “الإخواني” الدامي للمعتصمين حول “قصر الاتحادية” الرئاسي، أضاف عنصراً جديداً الى القمع السابق: بعد هجومهم العنيف على المعتصمين، شنّ بلطجية “الإخوان” حملة اعتقالات في صفوف المتظاهرين، فاحتجزوهم وحققوا معهم وعذّبوهم في مسجد قرب “قصر الاتحادية”، متولين في هذا عمل “شرطة قضائية” إسلامية (الحسبة)، قبل تسليمهم ضحاياهم الى القضاء المصري الرسمي كي يقتصَّ منهم ايضاً. لكن النيابة العامة القضائية برّأت الضحايا المعتدى عليهم، مما حمل الرئيس مرسي على الاقتصاص من القاضي بنقله الى أقاصي الصعيد. في خضم هذه الحوادث المتدافقة بدا الرئيس الجديد للدولة المصرية، رئيساً لرهط عشائري. وهو استكمل سلوكه هذا بمسارعته الى قطع الطريق على الحركة الاحتجاجية المدنية المتنامية بتسلمه مسوّدة الدستور الجديد واعتباره إنجازها المشوه فتحاً “ديموقراطياً” مبيناً. ثم إنه بادر الى دعوة الشعب المصري للاستفتاء على الدستور. وإذ امتنعت معظم الهيئات القضائية عن الاشراف على الاستفتاء وتنظيمه، جرى تشويه الاستفتاء وتزويره، وصولاً الى إقرار الدستور الفئوي “الإخواني”، تمهيداً لإجراء انتخابات تشريعية جديدة بعد أشهر قليلة. وهذا ما حمل الحركة الاحتجاجية المدنية و”جبهة الانقاذ” على الانعطاف بنشاطها منعطفاً جديداً، تحضيراً للانتخابات التشريعية المزمعة.
في هذا السياق توقفت الاحتجاجات المدنية في الشارع، وانصرفت قواها وهيئاتها، وكذلك التجمعات الشبابية الثورية وأحزابها الناشئة والجمعيات الحقوقية، الى القيام بحملة واسعة من النشاطات والندوات لإيضاح اعتراضها على الدستور ورفضه، وبيان تشويهه إرادة الشعب المصري.

اشهر الأخوات، عزت الجرف، الشهيرة بـأم أيمن

المواطنة غير السياسية

تتصدر هذه الحملة مسائل الحريات العامة وحقوق الانسان والمواطنة والمرأة، التي نصّت بنود من الدستور الجديد على تقييدها وتشويهها، وربطها بمعايير واعتبارات وأحكام فئوية غايتها تسليط الجماعات الاسلاموية وقيمها على الدولة والمجتمع المصريين. فالمواطنة التي يكرسها الدستور الجديد تقيّد المواطن الحر، بوصفه شخصاً فرداً ينتمي الى الأمة والشعب الدستوريين انتماءً إرادياً سياسياً، بأن جعلته عضواً في أمةٍ لها هوية أهلية جوهرية ثابتة ركيزتها “التراحم والتكافل والأعراض” ذات الجذر المفترض إسلامياً. الجذر هذا يستبطن روابط وهويات قوامها الأعراق والأصلاب والانساب والدين، مما ينفي عن المواطن الصفة التعاقدية الدستورية الحرة، ويلزمه الانتماء الى الوطن والمجتمع، وممارسة حقوقه السياسية، عبر ضرورة انتسابه الى تلك الأصلاب والهويات المفترضة تاريخية، لكن العرقية والقومية والدينية في حقيقتها.
في عملية تلاعب بمشاعر المصريين الدينية وبتعلقهم بالرابطة الأسرية، والعائلية، نصَّ الدستور الجديد على اعتبار “الأسرة أساس المجتمع”، وليس رابطة المواطنة والمواطن الفرد الحر وإرادته السياسية. وشدّد ايضاً على “قوّاميّة الدين والأخلاق الوطنية” الغامضة والإنشائية، على الأسرة التي يُعتبر التشديد على رابطتها بدعة في نص دستوري، إلا في عقول الاسلاميين الإخوانيين الذين تفردوا في صوغ بنود الدستور. فهذا الأخير، خلف عبارات إنشائية مثل “حرص الدولة والمجتمع على الطابع الأصيل للأسرة، وعلى تماسكها واستقرارها”، يكرّس السلطة الأبوية والذكورية، وقيماً وتقاليد رجعية متخلفة تجاوزها المجتمع المصري: قوّاميّة الرجال على النساء، تقاليد ختان البنات، التزويج المبكر، التحجب والتنقب، تقييد الاختلاط بين الذكور والإناث، هيمنة أئمة المساجد وخطبائها على القيم العامة، وصولاً الى أسلمة المناهج والكتب المدرسية. هذا كله تحت ستار عبارة: “مساواة المرأة مع الرجل… من دون الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية… والوحدة الثقافية والحضارية واللغوية”.

سهام الجمل، أمينة المرأة في حزب الحرية والعدالة

المرأة في مهبّ الشريعة

في تقرير لمنظمة العفو الدولية، اعتبرت حسيبة حاج صحراوي (نائبة مدير برامج المنظمة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) أن الدستور المصري الجديد “لا يرقى الى مستوى يمكنه من حماية حقوق الانسان، ويتجاهل حقوق المرأة، ويفرض قيوداً على حرية التعبير” تحت ستار “حماية الدين”. وفي ندوة أحياها “المجلس القومي للمرأة” في مصر، تحدثت نائبة رئيس المحكمة الدستورية تهاني الجبالي عن تضافر مواد الدستور وتكاملها في أثرها السلبي على حرية المرأة وحقوقها. أما الناشطة الحقوقية منال الطيبي فاعتبرت أن الدستور يعمل على “تفتيت المجتمع” لأنه يخلو مما ينص على “المواطنة الدستورية”. وانتقدت المحامية منى ذو الفقار “مرجعية الأزهر في ما يتعلق بالشريعة الاسلامية” في المادة التي تجعل الأزهر “في مقام السلطة السياسية”.
فتحية العسال (أمينة اتحاد النساء التقدمي، والقيادية اليسارية، والكاتبة الصحافية) وصفت الدستور بـ”الأعور” و”المتخلف”. وهي قدّمت دعوى قضائية ضد الرئيس مرسي، لأن “الجمعية التأسيسية” لم تمثل أطياف الشعب، وخصوصاً المرأة. فمن أصل مئة عضو في الجمعية هناك 5 نساء إسلاميات وامرأتان من التيار المدني استقالت إحداهن اعتراضاً على تهميش المرأة. واعتبرت العسال أن حل الجمعية التأسيسية بحكم قضائي يبطل مرجعيتها الدستورية، لا جدوى منه، لأن رئيس الجمهورية هو المكلف إعادة تشكيلها. وهذا ما يؤدي الى تشكيل الرئيس مرسي جمعية جديدة من “الليبيراليين المتأخونين”، الأمر الذي يجعل مصر اليوم في وضع “معقد”، لأنها “في طريقها الى حكم ديني”، بعدما استغل الاسلام السياسي الدين و”الأمية السياسية” للوصول الى السلطة. ميرفت التلاوي (رئيسة المجلس القومي للمرأة) اعتبرت تقييد حرية المرأة بأحكام الشريعة الاسلامية فاتحة لفوضى فقهية لأصحاب المذاهب المختلفة والمتنازعة، بعدما كانت الأحكام المدنية في مصر قد اعتقت النساء من تلك الأحكام، أقلّه في النصوص الدستورية.

دستور المرأة الإخوانية

في المقابل هناك نماذج النساء الإخوانيات اللواتي تتصدرهن الدكتورة عزت الجرف الشهيرة بـ”أم أيمن” والملقبة في الأوساط الليبيرالية بـ”قاهرة المرأة المصرية”. وهي عضو في مجلس الشعب السابق و”مسؤولة المرأة في المكتب الإداري للجماعة الاسلامية”، وتلميذة الداعية زينب الغزالي. من أقوالها: “الدستور الجديد أعظم دستور في العالم، لأن الذين وضعوه كان لديهم إلمام بجميع الدساتير”. وهو أعاد إلى الأزهر مكانته في “قيادة العالم الاسلامي، كما في الماضي. وذلك لنشر الدعوة الاسلامية وعلوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم”. “لأم أيمن” باع طويل في نشر الدعوة اعلامياً ومن على شاشات الفضائيات التلفزيونية. من أقوالها في هذه الاطلالات: وجوب الغاء قانون الخلع. منع اثبات “ابناء الزنى” كي لا يتجذر الزنى في المجتمع. اصدار قانون يسمح بـ”اغتصاب الزوج لزوجته”، لأن هذا “من حقه” الشرعي. منع المرأة من السفر، لأنه يسمح “باختلائها برجال غير زوجها”. إلغاء قانون منح الجنسية لأبناء المصريات المتزوجات من أجانب. إلغاء القانون الذي يجرّم أفعال التحرش الجنسي، لأن “عري النساء هو سبب التحرش”. تشريع العنف الأسري، “لأن ضرب الأطفال يحضّهم على الصلاة والصوم”.
بناء على هذه “الفتاوى” الاخوانية لـ”أم ايمن” التي اعتبرت “اننا اصحاب مشروع سماوي”، أطنبت الدكتورة مكارم الديري (مدرّسة في جامعة الازهر، وقيادية في “حزب الحرية والعدالة” الإخواني) في مديح الدستور الجديد الذي “تقبع المرأة في كل بنوده”، ويحمل النساء على “المحافظة على أسرهن وغرس القيم الفاضلة في نفوس ابنائهن”. وهذه أمنية المرأة في حزب “الحرية والعدالة” سهام الجمل، تعتبر ان شعار “الاسلام هو الحل” شعار “غير ديني”، لأنه يؤكد القيم العليا لـ”الأمة”، ويؤدي الى “حل مشاكلنا وتنظيم أمورنا وفق مبادئ الشريعة” التي يستطيع اي “انسان” مسلم ان “يعرض فهمه لها” وفقاً لـ”الآيات القرآنية”.

وفاء مصطفى مشهور أم، مربية، وسياسية

صراع مفتوح

وسط هذين الاتجاهين العامين في ما يتعلق بمبادئ الدستور الجديد وحال المرأة فيه، تأتي الذكرى السنوية الثانية للثورة المصرية. الاتجاه المدني الليبيرالي واليساري، يطلق سلسلة من الندوات والمناظرات والنشاطات في مواجهة التضليل الدعوي الاسلاموي الذي يتستر بالدين والشريعة لتقييد الحريات العامة وتشويه المواطنة وتغييب حقوق النساء. ثم ان الانتخابات التشريعية المرتقبة، تشكل بدورها حافزاً اساسياً لتفعيل النشاط السياسي للتيار المدني في المحافظات والأرياف المصرية، حيث تعتمد تيارات الاسلام السياسي على “الأمية السياسية والتعليمية” وعلى الإعالة للسيطرة على الرأي العام الاهلي وجذب الناخبين.
المعركة الدستورية والسياسية والانتخابية مفتوحة اذاً في مصر. وهي مرشحة لأن تكون طويلة وكثيرة الأوجه والفصول في وضع اقتصادي مأزوم وخانق، ووسط احتقان اجتماعي وسياسي قابل لانفجارات موضعية متمادية.

دستور العشيرة الإخوانية

ديسمبر 23, 2012

11-640

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 22-12-2012

هل هذه ثورة ثانية في مصر، بعدما ظهر جلياً أن دافع “الإخوان المسلمين” الى الالتحاق المتأخر بركب الثورة الاولى هو تعطشهم المديد الى السلطة والرئاسة الأهلية والعشائرية؟ هل انطلقت في مصر الثورة الدستورية التي تحرر السياسة من تحويل الانتخابات قناعاً للتسلط، كما تحرر المعارضة من كونها غنيمة حرب؟ ربما تكون معركة الإعلان الدستوري في مصر محطة بارزة في الانكشاف المتسارع لتيارات الاسلام السياسي ومسيرتها نحو هاوية الفراغ والإفلاس.

قبل أيام من إذاعة الرئيس المصري محمد مرسي إعلانه الدستوري، ظهرت على صفحات مدوّنين وناشطين مصريين في الـ”فايسبوك” رسائل تتوقع حدوث أمر سياسي ما تحضّر له جماعة “الإخوان المسلمين” وحزبها “الحرية والعدالة”. فقد تواردت الى المدوّنين والناشطين معلومات مصدرها أصدقاؤهم ومعارفهم من الإسلاميين، تفيد بأن قيادة الجماعة والحزب المذكورين وزّعت على محازبيها وأنصارها تعاميم تضعهم في حال من الاستنفار، من دون الإفصاح عن هدفه ودواعيه. لكن الأيام التالية سرعان ما تكشفت عن دواعي الاستنفار: إصدار الرئيس مرسي إعلانه الدستوري الذي هبّت قوى وتيارات الحركة الشعبية المدنية الديموقراطية المصرية وأحزابها، وكذلك الصحافيون والقضاة، الى رفضه والى الاحتجاج والتظاهر حتى إسقاطه، لأنه يجمع سلطات الدولة، التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويحصرها في يد حاكم فرد هو رئيس الجمهورية، ربيب جماعة “الإخوان المسلمين” وحزبها. ما إن بدأت القوى والتيارات المدنية باحتجاجاتها وتظاهراتها، حتى ظهرت جليةً غاية الاستنفار المسبق شبه السري الذي عمّمته قيادة “الإخوان” وحزبها على محازبيها وأنصارها: تسيير تظاهرات مؤيدة للرئيس وإعلانه، والتصدي للمحتجّين المعارضين في الشوارع.
عودة المكبوت السياسي
استهلت جماعات المؤيدين نشاطها بالاحتشاد أمام القصر الجمهوري الرئاسي، فأطل الرئيس من القصر خطيباً في الحشد، مؤكداً في سلوكه هذا أنه يستمد قوته وسلطاته وشرعيته من مؤيديه وحدهم، وليس من عموم الشعب، ولا من موقعه الرئاسي الذي يضعه فوق الجماعات والتيارات السياسية المتعارضة والمتنازعة. كأن الرئاسة الدستورية في هذه الحال موقع لجماعة تستقوي به على سواها من الجماعات الأخرى. وهذا ما لم تعرفه مصر الدولة والشعب في العهود الديكتاتورية، الناصرية والساداتية والمباركية، التي تسلطت على الدولة والمجتمع والشعب بقوة المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والبيروقراطية. وهي عهود تأميم السياسة وإلغائها، وتشريع أبواب المحاكم والسجون العسكرية لكل من يتجرأ على اقتراف أي قول أو فعل سياسي. هكذا عاش الشعب المصري عقوداً طويلة في حال من الركود والاستنقاع والاقصاء والتذرر في حياته الاجتماعية، ضاعفها إغراقه في الفقر والإفقار الاقتصاديين، وفي “المساواة” بامتناع السياسة التي احتكرتها واحترفتها نخبة عسكرية وأمنية ديكتاتورية أمعنت في فسادٍ إداري ومالي واقتصادي عميم في عهود حسني مبارك المديدة. الحق أن العهد الناصري (1952 – 1970) هو الذي أوقف، بالانقلاب العسكري، الصراع السياسي في المجتمع المصري ما بين التيارين الأعرض والأكبر في مصر، التيار الإسلاموي الإخواني والتيار المدني، اللذين حرّرتهما “ثورة 25 يناير” 2011. كأن هذه الثورة أعادت مصر الى عشايا انقلاب “الضباط الاحرار”، بعد ستة عقود من تغييب السياسة ومنعها، فإذا بذلك المكبوت السياسي يطفو مجدداً ويطغى على المشهد العام في مصر الثورة الراهنة التي لم يقفز “الاخوان المسلمون” الى ميدانها والاستيلاء عليها، الا بعدما ايقنوا أن المجموعات الشبابية المدنية الجديدة موشكة على انجاز ثورة شعبية عارمة خاطفة وغير مسبوقة في اقترابها من اسقاط النظام الديكتاتوري المديد.

الرئاسة غنيمة حربية

وكان ان استطاع “الاخوان المسلمون” بالمراوغة والمكر والخداع – وهي اقانيم تربيتهم السياسية في العهود الديكتاتورية –خوض الانتخابات وايصال رئيس للجمهورية منهم، ما إن استتب له الامر في القصر الرئاسي حتى خوّل نفسه اصدار اعلان دستوري يختصر الدولة والسلطات في شخصه، بلا حسيب ولا رقيب. كأن المصريين الذين ثاروا على نظام الرئيس السابق حسني مبارك، المخلوع مع رهطه، كان هدفهم الاول والاخير تنصيب رئيس آخر يجدد شباب الديكتاتورية ويؤسس عصبية عشائرية حاكمة غير مسبوقة في مصر. هكذا ظهر جلياً ان دافع “الاخوان المسلمين” الى الالتحاق المتأخر بركب الثورة المدنية الديموقراطية، هو تعطشهم العميق والمديد الى السلطة والرئاسة في المعنى الاهلي والعشائري المقنَّع بالعملية الدستورية والانتخابية. اما الحرية والسياسة في معناها المدني الديموقراطي – وهما الدافع الاصلي والاولي للثورة المصرية – فليسا في مذهب العشيرة الاخوانية والرئيس المنتخب، سوى الطريق الى السلطة. والمذهب هذا انقلابي، ويتوسل بالانتخابات وصناديق الاقتراع محطة شكلية عابرة وحفلة تنكرية تُرمى اقنعتها جانباً، فور وصول الرئيس المنتخب الى سدة الرئاسة وقصرها الجمهوري، حيث يصير الرئيس في حلٍّ من تمثيل الارادة الشعبية الديموقراطية والدستورية الجامعة، معتبراً ان تلك الارادة ليست سوى رأسمال احتكاري يستطيع التصرف به وتوظيفه بحسب مشيئته ومشيئة جماعته، لعزل من لم ينتخبوه، بل لإنزال القصاص بهم والثأر منهم اذا لم يرضخوا لسلطانه. في هذا السياق كتبت الناشطة المصرية البارزة هالة جلال غداة التظاهرات المؤيدة والمناوئة للاعلان الدستوري، ان مصر “انقسمت والاخوان المسلمين والرئيس هم المسؤولون(…) وان الدساتير تُكتب في العالم كله لحماية الضعفاء والاقليات(…) وان الفوز في الانتخابات لا يجعل المعارضين غنائم حرب”. ظهر جلياً في سلوك الرئيس المنتخب و”اخوانه” حيال الحركة الاحتجاجية الشعبية المدنية ان الديموقراطية في مذهبهم السياسي اقرب الى اجراء حربي سلاحه الانتخابات وهدفه انفاذ ارادة العصبية الحاكمة وسلطانها في الدولة والشعب الذي لا حضور له في المخيلة السياسية “الاخوانية”، الا بوصفه رعية يجب عليها تقديم شعائر الولاء والطاعة للرئيس الحاكم وسلطانه الواحد. وهذا يعني ان على الشعب المصري كله ان يصير “اخوانياً” وعلى مذهب الرئيس قبل انتخابه. اما من ليس على هذا المذهب فعليه ان يصمت ويستكين ويعتزل السياسة، كي لا يُفسد على الرئيس رئاسته، والا فإنه غير ديموقراطي وخرج على الثورة التي أوصلت “الاخواني” محمد مرسي الى سدة الرئاسة. ومذ اذاع مرسي اعلانه “اللادستوري” في رؤية معارضيه، لم تتوقف جماعته “الاخوانية” وألسنتها الكثيرة عن وصم المعارضين المحتجّين بالتآمر والعمالة. هكذا تحولت جماعة “الاخوان المسلمين” وذراعها السياسية، “حزب الحرية والعدالة”، حزباً للسلطة الحاكمة في مواجهة الحركة الاحتجاجية المدنية على الدستور والاعلان الدستوري الإخوانيين.

madana-640

التعذيب وشراء الشهداء

بعدما تصدى محازبون لجماعة “الإخوان المسلمين” للمحتجين المتظاهرين في شوارع عدد من مدن المحافظات المصرية، احتشد المتظاهرون أمام مقار “الإخوان” الحزبية التي تحميها قوات من الشرطة، فحصلت مجابهات أدت الى سقوط جرحى، مما حمل المحتجين على مهاجمة مقار “الإخوان” وحرقها، على غرار ما فعل ثوار “25 يناير” قبل سنتين بمقار “الحزب الوطني” الحاكم ومقار الأمن المركزي آنذاك. في مدينة السويس عثر المحتجون في مقر “حزب الحرية والعدالة” على مئات من طلبات أعضائه الموعودين بالحصول على وظائف إدارية في شركة قناة السويس. كما عثروا أيضاً على مئات من الطلبات المماثلة للحصول على وحدات سكنية تمولها الحكومة، ناهيك بمئات أخرى من طلبات الإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية. تكرر المشهد نفسه في كثير من مدن المحافظات المصرية، مما حمل المتظاهرين على تصوير نماذج من هذه الطلبات وبثها على الشبكة العنكبوتية لإظهار السياسات الإدارية التي يتبعها الحزب الحاكم الجديد الذي حوّل مقاره مكاتب رديفة أو خلفية للوزارات الحكومية المخولة تلقي طلبات التوظيف في إدارات الدولة. هذا يعني أن حزب الرئيس يسعى الى أن يكون دولة داخل الدولة وأجهزتها الإدارية البيروقراطية.
الحق أن “حزب الحرية والعدالة” لم يتستر على هذا الإجراء، بل هو اعتمده خطة معلنة سمّاها “تمكين” أجهزة الدولة وتفعيل مفاصلها، على ما صرّح القيادي “الإخواني” حسن أبو الفتوح، ربيب خيرت الشاطر الذي قال أيضاً إن الخطة هذه ليست بنت ساعتها، بل وُضعت في التداول منذ نهايات تسعينات القرن العشرين.
الصدامات المتكررة بين المؤيدين والرافضين للإعلان الدستوري، وسَّعت دوائر الرافضين واحتجاجاتهم وتظاهراتهم، وصولا الى التظاهرة المليونية التي احتشدت حول قصر الاتحادية الرئاسي، حيث نُصبت خيم الاعتصام لإسقاط الإعلان الدستوري. في النهار التالي هجمت حشود من “الإخوان المسلمين” على المعتصمين واقتلعت خيمهم ونكلت بهم واعتقلتهم في مسجد قريب، بعد سقوط عدد من القتلى ومئات من الجرحى في معارك كرّ وفر بين الطرفين. كاميرات المعتقلين في المسجد استطاعت تصوير وقائع التعذيب والتحقيق التي اتبعها محازبو “الإخوان”، فأظهرت الأشرطة المصورة القاعة الداخلية للمسجد في هيئة مسلخ بشري: أجسام مدمَّاة منطرحة أرضاً أو مستندة الى الجدران في حال أقرب الى الإغماء او الغشيان، يخضع أصحابها الى الإستجواب.
رجل ملتح يرتدي بذلة وربطة عنق يصرخ قائلاً لرجل مدمّىً تكسو وجهه الرضوض: قل من أعطاك الفلوس، إعترف منين الفلوس؟! في مشهد آخر، عشرات الأجسام المدماة والمهشمة في حال من التلاشي. الشريط نفسه بثّته قناة تلفزيونية مصرية معارضة، تتخلله مقتطفات من شهادة داعية سلفي ظهر على قناة تلفزيونية سلفية، معلناً أن مقذوفات الخرطوش الفارغة التي يعرضها على المشاهدين، كانت في خيم المعتصمين حول قصر الاتحادية الرئاسي، والى جانبها زجاجات خمرة وعدد من مظاريف الواقي الذكري.
في شريط آخر يظهر الديبلوماسي المصري يحيى نجم ممتلئ الوجه بالندوب، وهو يروي وقائع اعتقاله وتعذيبه في المسجد قرب قصر الاتحادية. قال نجم إنه استقال من منصبه في البعثة الديبلوماسية المصرية في فنزويلا العام 2005، احتجاجاً على سياسات النظام السابق وعلى الفساد في وزارة الخارجية، فجرى حرمانه من جواز سفره ومن العودة الى مصر، حتى غداة الثورة في 2011. وبما انه كان بين المعتصمين حول القصر، جرى اعتقاله وتعذيبه في المسجد – المسلخ البشري إياه. الداعية السلفي في مطالعته التلفزيونية قال متباهياً: الإخوة أمسكوا 32 شخصاً حول القصر بينهم واحد ديبلوماسي، معتبراً ان صفة ديبلوماسي شيطانية الوقع، فيما هو يقول: مأجور، مرتشٍ، عميل لأميركا، عدو للدين والشريعة.
في النهار الذي تلى الهجوم على المعتصمين، شيّع “الإخوان المسلمون” من جامعة الأزهر، ما زعموا إنهم شهداؤهم في الصدامات حول قصر الاتحادية. كان عدد الشهداء بحسبهم ثلاثة: أحدهم جلبوا جثته من محافظة الشرقية (يقول الناشطون المدنيون إن انتماءه الى “الإخوان” غير مؤكد)، والثاني أعلن “حزب الحرية والعدالة” إسمه، فإذا الاسم لشاب على قيد الحياة، بثَّ الناشطون المدنيون صوراً له يعانق والده منتحبين في ميدان التحرير. أما الشهيد “الإخواني” الثالث، فأعلن وزير الإعلام صلاح عبد المقصود أنه الصحافي الحسيني ابو ضيف الذي أصيب بطلق ناري في رأسه اثناء تغطيته الصدامات قرب قصر الاتحادية، فنقله اصدقاؤه الى المستشفى، حيث مكث في حال الغيبوبة الكاملة، وقال الاطباء إنه ميت عيادياً وما لبث ان شُيِّع الى مثواه الاخير نهار الاربعاء 12 كانون الأول الجاري. المعروف ان ابو ضيف صحافي مناهض لسياسة “الإخوان”، ويعمل على تغطية شؤون الجماعات الاسلامية في مجلة “روز اليوسف”. وكان التحقيق الذي كتبه أخيراً يتناول تخلية سبيل شقيق زوجة الرئيس محمد مرسي، المتهم والموقوف في قضايا اختلاسات مالية. أما وزير الإعلام الذي يعرف ابو ضيف معرفة شخصية في نقابة الصحافيين، فذهب الى المستشفى الذي يرقد فيه الصحافي، وصرح بأنه كان واقفاً وسط حشود “الإخوان” قرب القصر، حين اصيب بطلق ناري وقتل.
ويبدو ان “الإخوان” ذهبوا بعيداً في تكثير شهدائهم المزعومين. جماعة منهم عرضت على ذوي فتى يدعى محمد محمد السنوسي قتل قرب قصر الاتحادية، أن يصرحوا بأن ابنهم ينتمي إلى “حزب الحرية والعدالة” لقاء منحهم مبلغاً من المال، فرفض أهل الفتى القتيل هذه المقايضة. وحين هددهم المقايضون “الإخوان”، لجأ أهل الفتى الى تقديم شكوى قضائية بمساعدة ناشطين مدنيين، صوّروا شهادة الأهل وبثّوها على الشبكة العنكبوتية الى جانب صورة شاب معصوب الأذن يدعى محمد سيد، وروى ان محازباً “إخوانياً” هجم عليه في “موقعة الاتحادية”، فعضَّ أذنه والتهمها. أما القاضي الذي سلّمه “الإخوان” عشرات من الشبان كي يحقق معهم بوصفهم متهمين بالهجوم على المتظاهرين والاعتداء عليهم، فكتب
مطالعة قضائية تفيد بأن الشبان عُذّبوا بعد اعتقالهم، وأخلي سبيلهم. النائب العام الجديد الذي عيّنه الرئيس مرسي بعد عزله النائب العام السابق وفقاً للإعلان الدستوري، أبعد القاضي الذي أطلق الشبان، ونقله من القاهرة إلى مدينة نائية في إحدى المحافظات.

IMG_2627-640

لكل حيّ دستوره وإعاشته

في خضم التظاهرات الاحتجاجية قام حزب “الحرية والعدالة” بحملة دعائية للدستور والاستفتاء عليه، فوزّع في الأحياء السكنية منشورات تحوي بنوداً من الدستور الجديد تختلف من حيّ إلى آخر، بما يتلاءم مع تطلعات سكان الأحياء وميولهم، حسبما يفترض الموزعون الذين يدعون الأهالي إلى التصويت بنعم في الاستفتاء الدستوري ضد “دستور العلمانيين الكفرة” على ما يرد في المنشورات. هذا يعني ان “الاخوان” يقومون بعملية خداع الأهالي، وتحويل الدستور بياناً سياسياً دعائياً خالصاً في مكره وتلاعبه بمشاعر المواطنين وأمزجتهم. العملية هذه تبلغ الذروة في كشفها عن السلوك “الاخواني” السياسي المديد والانتخابي الراهن: تجزئة بنود الدستور، وتوزيعها بالمفرّق، كالإعاشة على المحتاجين، كأنما لكل حي أو جماعة دستور خاص يختلف عن دستور الحيّ الآخر والجماعة الأخرى. والمعروف ان الحزب “الاخواني” يمد شبكاته في المساجد والجمعيات الأهلية والعائلية في الأحياء والمناطق. وتركز الحملة الدعائية على العناوين الآتية: قل نعم للدستور لأنه يمهّد الطريق لتطبيق الشريعة، يحافظ على هوية مصر، يرسّخ مبدأ الشورى. أما أشهر عبارة أطلقها الرئيس مرسي في برنامجه السياسي: نحن نواجه مؤامرة من الداخل والخارج. لذا – اضاف قائلاً للمصريين في سياق آخر: بطلوا تسهروا أدام الأقنية التلفزيونية، ناموا بدري علشان تصحوا بدري وتصلّوا الفجر، وتشتغلو كويس.
في المقابل كان عنوان حملة السلفيين الدعائية في شوارع القاهرة وسواها من المدن: نعم للدستور بالزيت والسكر. وهذا هو الشعار الذي وضعه السلفيون على شاحنات صغيرة جابت الأحياء محملة الزيت والسكّر وسواهما من المواد الغذائية، رشوة للناس ليكون لهم دستوراً مغذياً ومفيداً، على غرار حملة “شكراً قطر” في لبنان ما بعد “حرب الوعد الصادق” المدمرة و”نصرها الإلهي” الميمون.
من تونس الى مصر، وصولاً إلى لبنان، يتسارع انكشاف السلوك الرعاعي لتيارات الاسلام السياسي. وقد تكون معركة الاعلان الدستوري في مصر المحطة الأبرز في هذا الانكشاف المتسارع نحو هاوية الفراغ والافلاس. فما كان يتوقع ناشطون مدنيون مصريون حدوثه في سنتين أو ثلاث بعد انتخاب محمد مرسي رئيساً، حدث بعد أشهر قليلة من انتخابه. لكن هل تتمكن
الحركة المدنية المصرية من مراكمة خبرات تجاربها في هذا المخاض الكبير المتسارع؟ فإذا كانت تونس قد افتتحت موسم “الربيع العربي”، فهل تفتتح مصر تقديم مثال لربيع الحركة المدنية الديموقراطية التي تُخرج الثورات العربية من قبضة الاسلام السياسي الخانقة إلى رحاب الحرية السياسية الدستورية؟

تكفين الأنوثة في القاهرة وطهران واغتصابها في تونس التحرش الجنسي احتفالاً بشهوات الذكورة وثقافة التقيّة

أكتوبر 3, 2012

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 3-10-2012

تعتبر حوادث التحرش الجنسي البدني واحدة من الظواهر التي تتصدر اهتمام جمعيات المجتمع المدني ونشاطاته في مصر ما بعد الثورة. الظاهرة هذه تكشف عن ثقافة التقيّة الاجتماعية والاخلاقية التي تحجّب أنوثة المرأة وتكفّنها في القاهرة، كما في طهران، بوصفها كائن الشرف – الفضيحة، ثم تستبيحها وتغتصبها في تونس، بوصفها كائن الشهوة المفسدة للرجال والمجتمع.

مصر: شرف الرجولة

قبل حوالى أسبوعين أطلق الشاب المصري رمضان سالم النار على إيمان مصطفى (16 سنة)، فأرداها وسط شارع في أسيوط. بعد القبض عليه والتحقيق معه قال إنه ارتكب فعلته لأن الفتاة شتمته وبصقت في وجهه، ردّاً منها على معاكسته إياها معاكسة بريئة بإلقائه التحية عليها قائلاً لها “هالو”. لم يتحمل الاهانة، فأطلق النار من مسدسه غضباً في اتجاه جدار، لكن الرصاصة أصابت الفتاة خطأ، وقتلتها. لكن شهود الحادثة – على ما نقل مدوّنون على صفحات التواصل الاجتماعي الالكتروني – قالوا إن رمضان كان يمتطي دراجة نارية، فتحرش بإيمان واعتدى عليها بدنياً، فقاومته وشتمته وبصقت في وجهه، فأطلق عليها النار مباشرة. الناشطة والمدوّنة داليا عبد الحميد كتبت أن استسهال الشاب إطلاق النار على الفتاة، مرآة صادقة لنظرة المجتمع المصري وأجهزة الأمن والقضاء الى حوادث التحرش الجنسي بالنساء، وتعاملها مع هذه الحوادث وحكمها عليها. فالمتحرش الذَّكَر في هذه المرآة وفي عين نفسه، من حقه الطبيعي أن يغضب ويثأر لشرفه الرجولي المهان من “حرمة” ليس من شيمها وأخلاقها وطبيعتها أن تغضب وتثور وتقاوم الاعتداء عليها جنسياً، بل إن طبعها وشرفها الانثويين يحتمان عليها الاستكانة والسكوت وتجرُّع الإهانة الذكورية وآلامها في صمت، ما دام شرف النساء مناطاً أصلاً بالرجال الذين وحدهم ينتفضون غضباً للدفاع والذود عن “حريمهم وأعراضهم”. أما إذا غضبت امرأة وثارت في وجه رجل لأيّ سبب، فإنها تكون قد خرجت على ناموس حشمتها الحريميَّة، مما يعرّضها للفضيحة والعار على الاقل، وللتأنيب وغضبة الرجال وعنفهم. وهذا ما دفع رمضان سالم الى صب غضبه على إيمان مصطفى رصاصات قاتلة، منتفضاً لشرفه المهان.

تونس: اغتصاب مضاعف

ليل 3 أيلول الماضي، تعرضت فتاة تونسية الى الاغتصاب في تونس العاصمة. كانت في سيارتها مع خطيبها عندما أوقفهما رجال أمن في ثياب مدنية، فهددوا الشاب الخطيب وابتزّوه بتهمة اصطحابه فتاة ليست في حصانته، وطلبوا منه رشوة (300 دينار). اصطحبه أحد رجال الأمن للبحث عن صرّاف آلي للحصول على المبلغ. في الأثناء قام رجال أمن ثلاثة بالتناوب على اغتصاب الفتاة في سيارتهم. محامية المجني عليها، آمنة الزهروني، وصفت الحادثة وذيولها في مقابلة أجرتها معها مراسلة محطة “العربية” في تونس، وبثّ ناشطون وناشطات من حقوق المرأة والانسان، شريط المقابلة على شبكات التواصل الاجتماعي. قالت المحامية إن الفتاة، حين حضرت الى مركز للشرطة لتقديم شكوى، تعرضت لضغوط لسحب شكواها. تقرير الطبيب الشرعي أثبت وجود السائل المنوي لرجال الشرطة في مواضع من سيارتهم وعلى اللباس الداخلي للفتاة. أثارت الحادثة ضجة في العاصمة التونسية، مما دفع المتحدث باسم وزير الداخلية الاسلامي الى التصريح بأن الفتاة كانت في “وضع غير أخلاقي”، كأنه يبرر حادثة الاغتصاب. قاضي التحقيق في القضية حاول رد ملف الدعوى لأنه لا يتضمن اتهام الفتاة بـ”إتيان فعل فاضح”، وبـ”التجاهر عمداً بفحش”. حيال هذه الإدعاءات حاولت الفتاة الانتحار، لأنها شعرت بأنها تتعرض للإغتصاب مجدداً.

فتنة الأنوثة القاهرة

83 في المئة من الفتيات المصريات تعرّضن لتحرش جنسي، وفقاً لاحصاءات قام بها “المركز المصري لحقوق المرأة” في القاهرة العام 2010. قبل حوالى شهرين نشرت صحيفة كندية صورة فوتوغرافية لمشهد تحرش فاضح في أحد شوارع العاصمة المصرية: ثلاثة صبيان صغار يطاردون ثلاث فتيات يكبرنهن بأكثر من عقد من السنين. الصبيان مغتبطون في مطاردتهم الفتيات: واحدة منهن سافرة، اثنتان محجبتان، والثلاث في ثياب شديدة “الاحتشام” تغطي أجسامهن الطويلة حتى الأقدام، وكذلك أيديهن. وهن يركضن وسط الشارع مذعورات. كل واحدة تحشر جسمها بالأخرى، احتماءً من أيدي صبيين تمكنت من الظفر بمؤخرتي فتاتين من الثلاث الباديات فرائس سائغة في براثن الصبية. على الرغم من إدراك الفتيات الطبيعي المفترض أن ميزان القوى البدني والعمري والمعنوي يميل الى صالحهن، فإنهن كنعاج تتخلّين حتى عن التفاتة سريعة متجاسرة الى الخلف صارخات، قد تكون كافية لتدارك رعبهن وردع الصبية وفرارهم.
هيهات لهذا الضرب من الإدراك الغريزي أن يتسلل الى روع فتيات يعلم القاصي والداني أن خروجهن الى شوارع القاهرة وسيرهن فيها، يكاد يكون ضرباً من التورط في أتون من الفوضى والزحام والتلوث الحسي والبيئي، وحيث تشكل حوادث التحرش الجنسي البدني الذكوري بالإناث ظاهرة متفشية وشائعة بقوة تبلغ حدوداً فلكية تتجاوز حضورها في سائر المدن العالمية. هذا فيما يسلك المجتمع المصري – مجتمع الأهل والرجال الآباء والأزواج والإخوة والأصدقاء، وكذلك النساء الأمهات والأخوات والصديقات، وصولاً الى مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية، والى الفتيات اللواتي يتعرضن للتحرش -  سلوكاً يتّسم بالسكوت والتقيّة الشاملين، إلا في ما ندر، حيال ظاهرة التحرش. في معظم الحالات يتجاوز المجتمع سكوته وتقيّته الى إدانة كل فتاة تسوّل لها نفسها أن تفصح عما تعرَّضت له من مهانة وأذيّة في الشارع. فالأنثى يستحيل أن تكون هي الضحية في العرف الاجتماعي والاخلاقي العام الذي يعتبرها الجاني الأول والأخير، ما دامت حرمةً قاصراً يبعث خروجها الى الشوارع والأماكن العامة الريبة والتوجس، ويثير شهوات الرجال المسلوبي إرادة كبح نزواتهم حيال فتنة الأنوثة وإغرائها القاهرين. وهذا ما أشارت اليه الصحافية المصرية أمينة خيري، في تحقيق عن ظاهرة التحرش في القاهرة، نشرته “الحياة” في 17 أيلول الفائت، فكتبت أن الرجال غالباً ما “يقولون للمنقبّة”: أكيد تحت النقاب حكاية. ويرددون في أذن المحجبة: ملتزمة لكن قمر. ويصيحون في (السافرة): “أحب الجرأة”. تبقى هذه العبارات المتمايزة لطيفة محبّبة، ما دامت تقتصر على تحرش لفظي يسمّيه المصريون “معاكسة”. لكن هذه التمايزات سرعان ما تمحى لصالح “المساواة (التي) تتحقق مع قسوة التحرش” البدني، على مثال ما يفعله الصبية بالفتيات الثلاث في الصورة الموصوفة المنشورة في الصحيفة الكندية.
على النساء أن يسكتن عن هذه القسوة، لأنهن المسؤولات عن إثارة شهوات الرجال، والمنذورات للطهارة والطاعة في حمى الرجال. هذا ما يذيعه دائماً تراث من القيم والفتاوى التي أناطت ركناً اساسياً من أركان شرف الرجال والأمة بالنساء بوصفهن “حرمات” ملتزمات بيوتهن، كأن التزامهن هذا في مثابة المحافظة على فطرة الأمة وأصالتها وأعراضها ورموزها المقدسة، في مواجهة “الغزو الثقافي” الغربي والغريب. ففي الحملات الخطابية الغاضبة من شريط الفيديو المسيء لنبي الاسلام، جرى الدمج ما بين شرف النبي وأعراضه واهل بيته والنجيع الكربلائي الحسيني، لأن هذه كلها ركن اساسي من اركان الاسلام وأمته.

جسارة فتاة ايرانية

على النقيض الاقصى من صورة الفتيات المصريات، تداولت شبكة “فايسبوك” قبل شهور صورة فتاة ايرانية في طهران، تعترض فجأة في وسط الشارع موكباً للرئيس الايراني محمود احمدي نجاد. قد تكون الفتاة في عمر الفتيات المصريات، أو اصغر منهن بقليل. لكنها نحيلة الجسم ومشدودة الاعصاب في وقفتها وظهرها الى عدسة الكاميرا. على رأسها حجاب يبديه انتصابها المشاكس الواثق حجاباً لا تأبه الفتاة لوظيفته المفترضة، كأنه زيّ خارجي فرض عليها، فتأقلمت معه حتى نسيت وجوده على رأسها، مثل الثوب المحتشم الطويل الداكن الذي ترتديه. لكن لا الحجاب ولا الثوب يكبحان سلوكها الجسماني والذهني عن الاندفاع اندفاعاً غاضباً شرساً للوقوف قبالة الرئيس وهي تمدّ له يدها في حركة “بذيئة” من اصبعها الوسطى، فيما هو يطل بين حراسه من سيارة رانج روفر مكشوفة، محيياً الناس الواقفين لاستقباله.
يصعب التكهن بالدوافع غير العامة التي حملت الفتاة على فعلتها المفاجئة وغير المتوقعة التي ادهشت الرئيس، فبدا مذهولاً لا يدري ماذا يفعل: حار بين أن يستمر في رفع يديه محيياً “الجماهير”، وبين ان يحركهما مستنكراً. لكن الفعل الجسور جسارة شبه “مجنونة” أو “انتحارية”، أدى بالفتاة سانديس ارتضائي ياسين الى الحكم عليها بالسجن مدة 22 سنة، قد تساوي عدد سنوات عمرها. فعلة الفتاة الايرانية الجسورة تذكّر بالفعلة البريئة للفتاة السورية الحمصية طل الملوحي التي عرّضتها كتابتها على الشبكة العنكبوتية عبارات تنشد الحرية وحقوق الانسان في “سوريا الاسد”، الى الاختفاء عشية الثورة السورية، قبل الاعلان عن اعتقالها وسجنها في سجون نظام هو “الاخ الاكبر” للنظام الايراني.

 

تكفين الانوثة

فعلة سانديس المشهدية قوية الرمزية وتنطوي على ارادة شخصية جبارة، بل أبعد من شخصية في قوتها ورمزيتها وتجاوزها الحدود. كما أنها تنطوي على تهوّر شخصي وفوق شخصي، يعطّل حس الواقع الذي يشرّع غيابه الارادة على التدمير الذاتي. ثم ان الفعلة “البذيئة” والهول اللذين أقدمت عليهما الفتاة الايرانية في موازين قيم النظام الخميني، هما صنيعة الضغوط والأهوال التي جرّعها هذا النظام لفئات واسعة، حرة ومتمدنة، من الشعب الايراني. في مقدم هذه الفئات النساء اللواتي أرغمهن نظام الملالي الديني والمذهبي المتشدد على أن يسترن أنوثتهن، وحرمهن من اخراجها اخراجاً فردياً وشخصياً يناسب ارادتهن وأهواءهن وحساسياتهن الجمالية في اختيارهن الملابس والازياء. وهو اختيار يتيح لهنّ الفرح بالانوثة، والتعبير عنها في الهواء الطلق، مما يبعث البهجة والخفة في نفوسهن وفي مشاهد الحياة اليومية ومسرحها، وفي ابصار المشاهدين ونفوسهم، ما دامت “العين باب النفس الشارع”، وفقاً للفقيه القاضي والشاعر ابن حزم الاندلسي.
لكن أين هي تلك الاندلس التي يحلم اسلاميون كثيرون اليوم احلاماً عصابية وهستيرية باستعادتها الى “ديار الاسلام”؟! لا يبعد أن يكون الرئيس نجاد من هؤلاء الاسلاميين الذين تنطوي ارادة تحرير الأمة، وأحلامهم الذكورية، على جعل النساء “حرمات” متساويات في تكفين انوثتهن بسواد الليل والويل والثبور. وقد تكون الفتاة سانديس ارتضائي ثارت ثورة فردية متهورة على هذه الذكورية.
نسجاً على منوال تكفين الانوثة، ألبس شاب مصري، ملتح على الطريقة السلفية، عروسه في حفل زفافها (ظهرت صورة الحفل على “فايسبوك”) بذلة عرس بيضاء، وكفّن رأسها ووجهها وعنقها بكيس من الساتان الابيض البرّاق، وامسك بيدها المكفّنة بكفّ من القماش نفسه، وجرّها خلفه كمجرم يجرّه جلاّده الى منصة اعدام، على ما علّق احدهم على الصورة بعد نشرها على صفحته في الـ”فايسبوك”.

ثقافة التقيّة

لا تقلل ظاهرة تحجيب الانوثة وتكفينها من ظاهرة التحرش الجنسي البدني العنيف الذي يقوم به الذكور على نطاق واسع في الاماكن العامة في مصر. فالنساء والفتيات المصريات اللواتي اقدمت فئة واسعة منهن على التحجب وارتداء ملابس “محتشمة” اتقاءً للتحرش، لم يقلل الحجاب والاحتشام من تحرش الذكور بهن. كأن ما حجبنه عن الابصار من انوثتهن راحت الايدي تستبيحه حسياً وعنيفاً، فتترك جروحاً في نفوس النساء اللواتي يتحتم عليهن التكتُّم على جروحهن ومكابدتها وحدهن في السر، لأن الافصاح عنها وعن اسبابها يوقع عليهن اذى معنوياً واخلاقياً من أسرهن وأهلهن وبيئتهن ومن المجتمع العام ومؤسساته الأمنية والقضائية، اشد مضاضة مما يلحقه بهن المتحرشون، على ما روى الفيلم المصري “678″ الذي اتخذ هذا الرقم عنواناً له، وهو رقم حافلة نقل في القاهرة، تتعرض فيها احدى شخصيات الفيلم لتحرش يومي متصل. عُرض الفيلم في العام 2010، وهو الأول عن ظاهرة التحرش، لمخرجه الشاب محمد دياب الذي صوّر بؤس الثقافة الاجتماعية والاخلاقية حيال ما تتعرض له النساء من هتك واستباحة في الحياة العامة. فالمرأة كائن ذميٌّ عليه التكتُّم على مهانته خشية الفضيحة. لكنها من وجه آخر هي كائن الشهوة والفتنة لمتعة الرجال والمفسدة للرجال والمجتمع. كما أنها كائن الشرف الرجولي من وجه ثالث. فكيف لهذه الأضداد أن تتعايش الا في ثقافة التقيّة البائسة؟

 

أول الغيث

لكن فيلم “687″ كان أول الغيث في التصدي لثقافة التقيّة هذه. فجمعيات المجتمع المدني الحقوقية في مصر وتونس شرعت تنشط في الشارع وعلى شبكات التواصل الاجتماعي الالكترونية لعرض حوادث التحرش وذيولها ومناقشتها في العلنية العامة.
في تونس لا تزال تتفاعل قضية اغتصاب الفتاة وردود الفعل عليها، منذرةً بعاصفة من التظاهرات والاحتجاجات وسط احتقان الجماعات الليبيرالية والعلمانية والمدنية في مواجهة الاسلاميين والسلفيين. في القاهرة بُثّ شريط دعوى على “يوتيوب” ضرب 4 تشرين الأول موعداً لـ”اكبر مسيرة ضد التحرش الجنسي في مصر” تحت شعار “المرأة والدستور: لا للتحرش”. يذكّر الشريط بالحملات التي أطلقها الناشطون والناشطات عشية ثورة 25 كانون الثاني 2011، غداة سقوط نظام زين العابدين بن علي في تونس.

اغتيال البراءة في بيروت الثمانينات وفي بنغازي 2012

سبتمبر 24, 2012

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 24-09-2012

هل من شبه ما، بين اختطاف الباحث الفرنسي الشاب ميشال سورا، و”قتله” وإخفاء جثته في بيروت ثمانينات القرن العشرين، وقتل السفير الأميركي كريس ستيفنس في بنغازي الليبية في 2012؟ هنا مقارنة بين سيرتَي الرجلين في خضم حيوية العيش وبهجته وصورة القتل المقزز.
في شريط وثائقي عرضته محطات تلفزيونية عربية وعالمية، يصور مشاهد من سيرة السفير الأميركي كريس ستيفنس المهنية في ليبيا، قبل شهور من مصرعه في قنصلية بلاده في بنغازي إبان هجوم إسلاميين عليها وحرقها احتجاجاً على ما قيل إنه فيلم أميركي مسيء الى نبي الاسلام، جرى بثّه على “يوتيوب”، يظهر الديبلوماسي الأميركي شخصاً خمسينياً فتياً، متخفف الجسم والحضور من الرسميات الديبلوماسية، منشرحاً ومتفائلاً ومحتفلاً بمستقبل ليبيا الزاهر الموعود بعد نجاح ثورتها التي شهد فصولها الأخيرة، ولعب دور صلة الوصل بين “مجلسها الانتقالي”، وسياسات بلاده الداعمة لثورة الشعب الليبي على الطاغية الراحل معمر القذافي. لكن سخرية الأقدار وقسوتها سرعان ما ظهرتا في الصور الفوتوغرافية التي تناقلتها الصحف للسفير قتيلاً أو في الرمق الأخير، بعيد لحظات من إخراجه من مبنى القنصلية المحترق، ممزق الثياب، كامد الوجه، منطفئ العينين. أما الفرق بين حال الرجل في الشريط الوثائقي وحاله في الصورة الفوتوغرافية، فهو كالفرق بين بهجة الحياة والاحتفاء بها، وبؤس القتل والموت الباعث على التقزز الذي تثيره مشاهد الرعب والسحل والإعدام والمجازر الأسدية في سوريا الثائرة على الطاغية الدمشقي، قرين الجزّار السادي معمر القذافي.
لم تشفع للسفير الأميركي مساهمته في إنجاح الثورة الليبية، ولا بهجته الغامرة بها – حين كان ممتلئاً بحيويته الفائضة، ومتنقلاً بين المغرب الأقصى وطرابلس الغرب وبنغازي، فرحاً بدبيب “الربيع العربي” وثوراته المتلاحقة – أدت الى تراجع القتلة عن تجريعه كأس المنيّة اختناقاً. كأن الرجل ذهب ضحية براءته وعفويته وابتهاجه بذلك “الربيع” وبمحطته الليبية، قبل أن يلقى مصيره عقاباً له على تصوير فيلم تافه لم يعلم بتصويره وعرضه ولا شاهده على الأرجح، ولا يزال غامض المصدر غموض مصدر الشائعات وصناعتها وترويجها، ومن دون أن يثبت الفيلم على اسم محدد، إذ يجري تداوله بأسماء مختلفة: “محمد رسول الاسلام”، “الفيلم القبطي”، و”براءة المسلمين”.

بيروت – بنغازي

مسيرة السفير المهنية ومصيره المأسوي، يذكّران بمسيرة الباحث الفرنسي الشاب ميشال سورا وبمصيره في بيروت أواسط ثمانينات القرن العشرين المظلمة. قبل انتقاله الى العاصمة اللبنانية، كان سورا مقيماً في دمشق حيث تلقى دروساً في اللغة العربية، ووضع أبحاثاً عن المجتمع والنظام في “سوريا الأسد”، وكان السبّاق في الكشف والكتابة عن المقتلة المروعة التي ارتكبها النظام الأسدي في حماة العام 1982. أما في بيروت الثمانينات، فتضامن الباحث مع قضايا تحرر الشعوب العربية الاسلامية، وخصوصاً قضية الشعب الفلسطيني الشريد ومقاومته. حتى أنه بذل جهداً فكرياً وبحثياً وتعاطفاً إنسانياً، لتفهُّم انعطاف التيارات والحركات القومية واليسارية العربية نحو إيديولوجيا إسلامية نضالية، ما بعد الثورة الاسلامية الخمينية في إيران. وهذا ما حمله على الاقامة باحثاً ميدانياً في باب التبانة، فوضع أحد أهم الابحاث الميكروسوسيولوجية عن ذلك الحي الشعبي العشوائي البائس، مفسراً آليات استعمال ساكنيه وقوداً في حروب إقليمية مدمرة، وآليات تكوّن “مشيخات الشباب” الأهلية وانتفاضاتها، وتحول إيديولوجيتها من عروبية يسارية الى إسلاموية رسالية ونضالية. لكن هذا كله لم يشفع لميشال سورا، ولم يجنّبه مصيراً شبيهاً بمصير السفير الأميركي في ليبيا. فإبان الموجة الأولى من بروز ما سُمِّي “الحركة الاسلامية” في ضاحية بيروت الجنوبية، في رعاية السيد محمد حسين فضل الله وخطابته الدعوية في مساجد الضاحية، وإبان خطف الرعايا الأجانب في بيروت أواسط الثمانينات، اختُطِف ميشال سورا على طريق مطار بيروت الدولي، بعد مدة قصيرة من اغتيال صديقه ومحاوره خليل عكاوي زعيم “مشيخات الشباب” الطرابلسية في باب التبانة. بعد مدة وجيزة من عملية الاختطاف أعلن خاطفو سورا الغامضون أنه “توفى” بمرض في الكبد أو المعدة، من دون أن يفرجوا عن جثته التي عُثر عليها في “حرش  القتيل” بعد حوالى عقد من السنين على موته الغامض.

اختلاط الفعل بالوهم والأحلام

براءة ميشال سورا الخصبة، صفاء سريرته وحيويته الفرحة بالحياة، وانعدام التقيّة السياسية والفكرية في سلوكه، شديدة الشبه بحال السفير الأميركي في شريط سيرته المقتضب. أما الصورة الفوتوغرافية المقززة التي وزّعها الخاطفون لسورا غداة “موته”، فتشبه ايضاً الصورة الفوتوغرافية للسفير الأميركي بعد إخراجه جسماً هامداً من مبنى قنصلية بلاده في بنغازي التي ساهم في إنقاذها من المجزرة القذافية. وقد يكون كشف سورا وكتابته عن مجزرة حماة الأسدية التي ظلت في الظل والكتمان، من الأسباب المؤدية الى مصيره المأسوي.
أما الفيلم الأميركي الذي أودى بحياة السفير ستيفنس في بنغازي – والأرجح أنه سيودي بحياة كثيرين في هذه الموجة من الغضبات الاسلاموية العاتية المندفعة كنار في “الربيع العربي” وبلدانه وسواها من ديار الاسلام، احتجاجاً على فيلم تافه وبذيء، غامض ومجهول المصدر كالشائعات – فيعرّض فئات واسعة في هذه البلدان والديار الى اختيار قديم متجدّد لثقافتها التي تخلط خلطاً محكماً لا فكاك له ما بين الهوية والدين والسياسة والفعل والصور والأوهام والأحلام وأشكال التعبير والعصبيات الأهلية والحوادث والوقائع وروايتها، وصولاً الى المكانة والقوة والماضي والحاضر، والشعور العميق بالمهانة والعظمة الجريحة في مرآة التاريخ. كأن العالم كله يتربص بالأمة وتاريخها وجماعاتها. هذا الخلط هو ما يجعل من أغنية وصورة ورسوم كاريكاتورية وشريط فيديو كليب وحفلة موسيقية راقصة، أكانت تافهة أم ذات قيمة، في مثابة شن حرب شعواء على الأمة وثقافتها وتراثها الحضاري، تستحيل مجابهتها بغير غضبة حربية مقابلة.

حملة إيجابية مضادة

في مقابل هذه الغصبة على نفاية سينمائية قليلة الرواج لولا توسلها بالبذيء والرخيص، اثارة نعرات “فقهاء الظلام” المتخصصين في تحويل ثقافة الاسلام وحضارته عقيدة ظلامية للأميين وأشباه الأميين في ضواحي المدن والارياف، أولئك الذين تركتهم الديكتاتوريات العربية حطاماً بشرياً وسجناء مصائرهم اليائسة منذ أكثر من ستة عقود، في مقابل هذا كله ظهرت على شبكة التواصل الاجتماعي حملة واسعة النطاق تحاول وضع الحادثة في نصابها الفعلي. مما ورد من كتابات استطلاعية وتعليقات وآراء واخبار في هذه الحملة، نقتطف:
- فيلم رخيص التكلفة، لا علاقة له بالإسلام ونبيّه، جرت عمليات مونتاج ودوبلاج وخدع بصرية لإظهاره مسيئاً للرسول، نُشر على “يوتيوب” منذ تموز الماضي، من دون أن ينتبه له احد، الا في ذكرى 11 ايلول.
- تحت صورة فوتوغرافية لشبان تونسيين شاركوا في الغضبة على الفيلم، كتب احدهم: الغيورون على الدين الاسلامي ونبيّه يسرقون معدات من المدرسة الاميركية في تونس. وتحت صورة أخرى من طرابلس اللبنانية، كتبت احداهن: أتمنى ألاّ يكون بين المخرّبين في طرابلس من يحلم بالهجرة والاستقرار في بلد الشيطان الأكبر. مدوّنة أخرى كتبت: اتضح ان الجهة المنتجة للفيلم هي مطعم KFC، فرع طرابلس. هذا فيما كتبت مدوّنة ثالثة: في سكة زمان ماشيين، في نفس المكان ضايعين.
- من الشعارات التي رفعها شبان سوريون في تظاهرات نهار الجمعة الفائت: يومياً تُعرَض في سوريا افلام تسيء الى لله والرسول، فأين انتم يا مسلمين. لدينا فيلم أسدي يعرض منذ 18 شهراً يسيء الى الرسول وربّ الرسول.
- الصحافي المصري وائل عبد الفتاح كتب في صحيفة “التحرير” القاهرية: أعرف مشايخ يتبخترون في قصور بنوها من فتاوى تكرّهك بالحياة. أعرف حكايات عن مشايخ غارقين في شهوانية جامحة للحياة… يمضغونها يأكلونها شرهين بأموال جمعوها من شرنقة كراهية الحياة. (الفيلم) صيد يشعل به هؤلاء سوق الكراهية. الشيخ المفتقد لنجومية المونولوجيست وجد فرصة ليمنح بذاءته قيمة الدفاع عن الرسول.
أخيراً: كتب القطب الإخواني المصري خيرت الشاطر على “تويتر” رسالة باللغة الانكليزية معزياً الرئيس والشعب الاميركيين بمقتل السفير ستيفنس في بنغازي، ومستنكراً حرق القنصلية. وكتب رسالة اخرى بالعربية الى الشعب المصري يحضه على التظاهر والاحتجاج ضد السفارة الاميركية في القاهرة. أما أحد الشبان العاملين في مبنى السكن الطالبي للجامعة الاميركية في حي الزمالك، فقال لزميله: أرأيت؟ الليبيون “أكدع” منا نحن المصريين.

حجاب الرقّة العقيمة

أغسطس 5, 2012

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 30-07-2012

تصوير فوتوغرافي لشيرين نشأت

قبل سبع سنوات التقيتُ الشابة المصرية القاهرية، أماني، أمام مقهى “غروبي” في ميدان طلعت حرب. باحث سويسري مستعرب ومقيم في بيروت، بعد إقامته 11 عاماً في القاهرة، زودني رقم هاتفها المحمول، وقال إنها ابنة أسرة من الفئة المتوسطة الدنيا، متدينة تديناً إسلامياً شخصياً أو ذاتياً جديداً، غير تقليدي، وغير دعوي ولا سياسي، وتعمل في موقع “إسلام أون لاين” على شبكة الانترنت.

إسلامها هذا، شبيه باسلام مريدي الداعية المعروف عمرو خالد الذي يعتبره الباحث السويسري نموذجاً لإسلام “مدني” اجتماعي محدث، يدعو الى مجاراة العصر في العمل وبناء الذات وتحسين المعاش والتعاون، وغيرها من قيم ايجابية يعتبرها غير متعارضة مع التدين الإسلامي وقيمه. في كتاب له بالفرنسية، سمّى الباحث السويسري باتريك هانيه هذا الضرب من الإسلام الجديد والشبابي في مصر، بـ”إسلام السوق”، وشبّه بعض قيمه بالدعوة البروتستانتية.

في مقهى 
“النادي اليوناني”

جالستُ أماني حوالى ساعتين، في مقهى “النادي اليوناني” وسط القاهرة،  فسجلتُ مقتطفات من سيرتها. كانت في بداية العشرين من عمرها. تلقت تعليمها في مدرسة إرسالية خاصة، قبل أن تصير طالبة في كلية الإعلام بجامعة القاهرة. حين التقينا صافحتني في خجلٍ رقيق بدا لصيقاً بشخصيتها، وقد لا ينطوي على تحفظ أو جزع ديني. في كلامها عن نفسها وأهلها ومشاعرها، كانت صريحة صراحة يشوبها بعض من الاضطراب والقلق. تحدثت عن وئام في علاقتها بأسرتها، من دون أن يحول هذا الوئام بينها وبين احتفاظها بمساحة من الحرية الشخصية. في أثناء لقائنا اتصلت بها والدتها هاتفياً، مستفسرةً عن موعد عودتها الى المنزل في ذلك المساء، وكانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً.
حضورها وسلوكها وكلامها في لقائنا ذاك، بيّنت أنها متأثرة بخليط من قيم اجتماعية واخلاقية مسيحية تعود الى وسطها المدرسي، وأخرى هي صنيعة إسلامها المحدث، مثل حجابها الملوّن الذي يغطي شعرها وعنقها، ويُظهر وجهها المستدير، الهادئ والمبتسم ابتسامات بريئة وعذرية. تهيّأ لي أن هذه العذرية تشوب ايضاً علاقاتها ومشاعرها العاطفية والجسمانية، وأسلوب ملبسها البسيط والمحتشم. إقبالها على الكلام، واستجابتها اللقاء بي، أنا الغريب المجهول الذي التقت به للمرة الاولى، كانا ينمّان عن رغبتها الواضحة في اللقاء بغرباء أو أجانب، ومحادثتهم، ربما خلاصاً من أثقال صِلاتها ولقاءاتها بأشخاص محليين. كأن تربيتها المدرسية المسيحية، ومخالطتها باحثين وطلبة أجانب في القاهرة من طريق صلتها بالباحث السويسري وزملائه، زوّدتاها تلك الرغبة التي تُشعرها بشيء من الحرية والانعتاق والغربة عن نفسها، والابتعاد عن بيئتها المحلية، من دون أن يتعارض هذا كله مع قيم إسلامها الشخصي الذي قد يكون من بواعث عدم قلق أهلها عليها حيال خروجها من المنزل، وابتعادها من رقابتهم.
أنوثتها الرقيقة، الخجولة والعذراء، بدت لي على نقيض الخشونة الفوضوية القاسية والذكورية في شوارع القاهرة ومشاهدها. في أيّ مكان استطاعت أن تربّي تلك الأنوثة؟ تساءلتُ في سري، أنا الذي أمضيتُ، آنذاك، أسبوعاً في القاهرة أنساني حضور الأنوثة في الحيز المديني العام الغارق في الزحام المتوتر الخانق، وفي الألوان الرمادية والرصاصية الكامدة.

أفعال الزمن

في زيارتي الاخيرة للقاهرة قبل أيام، مستطلعاً بعض وجوه الثورة المصرية، رأيتُ رقم هاتف أماني في دفتري القاهري الصغير الذي دوّنتُ عليه ملاحظاتي العابرة قبل سبعة أعوام. اتصلت بها، لأختبر أفعال الزمن في أحوال أشخاص لا تتجاوز صلتنا بهم حدود لقاء عابر، وحيد ومنسي، غير موقن أن أماني لا تزال تحمل رقم الهاتف نفسه، وإن كانت ستتذكرني وتتذكر لقاءنا القديم. لكنها سرعان ما ردّت على مكالمتي فسمعتُ صوتها الهادئ المتحفظ إياه، وعرفتني ما إن ذكرت لها إسمي، واستجابت طلبي اللقاء بها في مقهى “غروبي” الذي التقينا أمامه في المرة الأولى.
في تمام الحادية عشرة قبل الظهر، وصلت الى أمام المقهى. تصافحنا كما من سبعة أعوام، تهيأ لي أنها لم تترك في وجهها وجسمها سوى قليل من النحول والشحوب. جلسنا لأكثر من ساعتين في المقهى. كلماتها، نبرة صوتها، حضورها، وما هو خلف كلماتها وحضورها وكل شيء فيها، لا يزال على حاله، كأنما الزمن واقف لا يتزحزح. أخبرتني أنها أنهت دراستها الجامعية في كلية الإعلام، والتحقت بدورة تدريبية نظّمتها في القاهرة جامعة فرنسية، وانتهت بشهرين اختباريين في باريس، عادت بعدهما الى القاهرة، وهي تعمل الآن أعمالاً متقطعة غير منتظمة، وتتابع دراسة خاصة في الجامعة الاميركية القاهرية. قالت إنها في الايام الاخيرة من الثورة أتت مراتٍ الى ميدان التحرير، وإن ما فعلته الثورة لن تظهر ملامحه واضحة في مصر قبل سنين. لكن لماذا لم تغيّر السنوات السبع شيئاً في أحوالها؟ فكرتُ من دون أن أسألها. قلت لها إنها تبدو أصغر عمراً مما كانت في لقائنا الأول القديم. وتهيأ لي أنها أدركت معنى قولي هذا على الوجه الذي قصدته، وليس على وجه ما يقوله الرجال للنساء في هذا المعرض. ما قصدتُه أنا، وأدركتُه أماني، هو صمودها خارج الزمن وتجاربه واختباراته التي تترك بصماتها في الأجسام والنفوس، وتفتح في حياة الاشخاص آفاقاً جديدة، تغيّر ما في أنفسهم ووجودهم ونظرتهم الى الوجود. كأنني قلت لها إنها لا تزال على حالها، صبية موقوفة أو منذورة للبقاء كما هي، في مدينة تطحن بناتها إذا عرَّضن أنفسهن وأجسامهن لتجارب واختبارات يتعذر ألا تكون قاسية ومريرة ومخيّبة لمثيلاتها في فوضى القاهرة وخرابها.
قبل مدة قصيرة من زيارتي الاخيرة للقاهرة، كان شاب مصري يعمل موظفاً إدارياً في إحدى الشركات التجارية في بيروت، متخرّج من الجامعة الأميركية في القاهرة، قد أخبرني بأن شقيقته الصغرى، تحجبت وخلعت حجابها إرادياً ومن تلقاء نفسها، لمرتين أو ثلاث، وكانت من مرتادات حلقات الداعية الإسلامي عمرو خالد الذي اعتبره محدّثي الشاب أنه صاحب تأثير بطيء وغير مرئي في التمهيد للثورة الأخيرة بين أبناء الفئات الوسطى المدينية في مصر.
لا يبدو أن أماني قد عاشت مثل هذه التجربة من التردد والحيرة. رويتُ لها في المقهى أنني رأيت في شارع من شوارع حي المهندسين، فتاة قد تكون في أواخر العقد الثاني من عمرها، تمشي سافرة في فستان قصير زاهي الالوان يكشف مساحة من أعلى صدرها، والى جانبها امرأة مسنّة. قلت لها إن مشهد الفتاة ولون جلدها الزهري العاري، كان غريباً ولم أشاهد مثله طوال أيامي السبعة في القاهرة التي تنقلتُ في الكثير من أحيائها وشوارعها. كان جوابها إن حوادث التحرش الجنسي اختفت في القاهرة أيام الثورة، وعادت إلى الظهور بقوة بعدها.
لم تقل إن قسوة الحياة اليومية وشراستها تزايدتا في قاهرة
ما بعد الثورة. لكنني لمحتُ قولها المكتوم هذا في ملامح اليأس على وجهها الرقيق. يأس من تحاول أن تجد لنفسها وجسمها فسحة لتجربة، فيما
هي تظل موقوفة خارج العمر والزمن. كأن ليس من خيار
لشابة مثلها سوى واحد من خيارين كلاهما مر: السقوط
الأليم  في لجة مدينة تطحن
أبناءها، أو الاعتكاف والاعتصام بتلك الرقة الرومنطيقية
الاسلامية العقيمة.

شهادات شبابية من الميادين في “بدايات” – هل تجدّد الثورات الأساليب الفنية الكتابية؟

أبريل 23, 2012

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 23-04-2012

بعد ما يزيد على سنة على بداية الثورات العربية، تتصدر مسألتان أساسيتان مجال التفكير في ميادين مختلفة، سياسية، اقتصادية، وثقافية: أوضاع الأجيال الشابة ودورها ومآلها في مسار الثورات، وهيمنة تيارات الإسلام السياسي على المجتمعات والمؤسسات السياسية في دول ما بعد الثورات.
العدد الأول من مجلة “بدايات” – “فصلية ثقافية فكرية”، صدر في بيروت لشتاء العام 2012 وربيعه – حمل عنواناً رئيسياً أو محورياً، هو “الثورات بشبابها”، وضم عدداً من الشهادات الكتابية الجزئية عن الثورات، ودراسة عن “خطاب العولمة وتربية الشباب في العالم العربي”.
في مقابل مأثرة التغطيات التلفزيونية الآنية، والأخرى الصحافية الإخبارية للثورات وتناقل وقائعها ومجرياتها ومناقشتها عبر المدونات الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، أخبار وأشرطة مصورة بعدسات الهواتف المحمولة، تمنح الشهادات الكتابية الشخصية الحوادث والوقائع المروية، قوة وعمقاً مستمرين يتجاوزان اللحظات الآنية التي يطويها الزمن سريعاً، ويحفزان مخيلة القارئ ومداركه وتفكيره على نحوٍ بطيء. هذا يكسبُ ما يُروى ويُوصف كتابياً، أثراً وأبعاداً وحساسية لا توفرها الوسائل الأخرى. فالكتابة، تستطيع تكثيف زمنها وتسريعه، أو تقطيعه وتبطيئه، واستدخاله في سياقات مركبة ومتقاطعة، واستدعاء أبعاده المتصلة به، وتترك مجالاً فسيحاً للتداعيات واعمال تيارات غير مدركة من الوعي والحس والذاكرة. هذا ما تظهره شهادة الكاتب والشاعر المصري القاهري، محمد خير، في عنوان “هواء بلا ديكتاتور”، حين يكتب في مستهل شهادته: “أرتدي ملابسي وأنا أنظر الى العلم القماشي على الحائط وقد بدأت تكسوه طبقة خفيفة من الغبار. على المكتب كمامة الغاز السوداء بالفوهة الاسطوانية تشبه وجه حيوان مفترس. أفكر أنه بعد عام من الثورة أصبح الذهاب الى ميدان التحرير مخيفاً أكثر بكثير”. في سيارة التاكسي، إذ طالعته الشوارع المقفلة، رأى أن “الحواجز الحجرية الجديدة في قلب القاهرة أغرب بكثير من ذهاب مبارك”، فتذكر صورة لـ”بيروت والحواجز الأمنية المتعددة والمتقاطعة”. أما “قبل أيام (فقد) تسللتُ على أقدامي من خلف مبنى (وزارة) الداخلية عبر شارعي الفلكي ومنصور (…) لا شيء سوى عساكر ومدرعات (…) تذكرت قصة قديمة كتبتُها عن مدينة يرتدي أهلها جميعاً في الليل الملابس العسكرية”. ثم صورة أخرى تعود الى مكان وأيام لاحقة: “أحدهم ألصق فوق الجدار الذي سدّ مدخل (شارع) القصر العيني، لافتة بيضاء كبيرة عليها كلمات (للشاعر الراحل) أمل دنقل: آه ما أقسى الجدار”. لذا فكر الشاهد – الكاتب “أن المجاز لم يلتصق بالواقع الى هذا الحد من قبل. كأن الكلمات كُتبت للجدار أو كأن الجدار ارتفع كي تُلصق الكلمات عليه”. لكن الانتقال في الزمن من المشاهد الآنية الحسية اللاهثة، الى قصيدة أمل دنقل المكتوبة قبل سنين كثيرة، يسترسل في العودة الى الزمن الفرعوني: “الحجارة المكعبة الضخمة الرمادية (على مدخل القصر العيني، الآن) كأنها جاءت من الأساطير رأساً، مكتفية بذاتها على طريقة الاهرامات (… التي) بينها فراغات تسمح باختلاس النظر”. من الزمن الفرعوني انتقال مفاجئ الى “صورة طفلة صغيرة على الانترنت، على ظهرها حقيبة المدرسة، تنحني وتنظر عبر الفتحة الصغيرة بين أحجار شارع محمد محمود”. هذه الصور المجتمعة من أزمنة متباعدة في شهادة محمد خير القاهرية، تذكر بما كتبه الشاعر اللبناني حسن عبدالله في عشايا حروب لبنان، في مطلع قصيدته “صيدا”: “حضروا في الأرض/ وجدوا امرأة تزني/ رجلاً ينفض عن خنجره الدم/ حفروا في الرض وجدوا فخاراً صلصالاً… لحناً جوفياً منسرباً من أعماق البحر/ خطأ وجدوا سيارة/ قصفت طائرة مركبة الفرعون/ حفروا في الأرض/ وجدوا رجلاً يحفر في الأرض”.
هذه الشهادة الكتابية تتجاوز مسألة “الثورات وشبابها” في إطارها السياسي – الاجتماعي، الى الحقل الثقافي – الفني، وأساليب الكتابة التي حفّزتها الثورات نفسها. هذا يعني أن الثورة ليست فعلاً سياسياً واجتماعياً فحسب، بل هي وعي وتحسّسٌ جديدان للعالم والوقائع، وعلى صعيد المخيلة الفنية الكتابية ايضاً، وصولاً الى المفاجئ وغير المتوقع، كما هي الثورة نفسها، على ما يكتب محمد خير في شهادته: “غير الممكن هو ما دفعنا للنزول (الى الشوارع)، ضد حسابات الورقة والقلم (…) شيء سحري لا نعرفه أو ربما تعويذة ما لا تتخلّق إلا عندما ننزل جميعاً ونصفع الأبواب وراءنا: إنزلواااا! النداء الأشهر عبر التويتر، كلما واجهت الثورة اعتداءً أو تحرشاً أو حتى شائعة”. الثورة، إذاً، وليدة عوامل كيميائية شديدة التركيب والغموض، كتلك التي تتداخل على نحو غامض في الكتابة الفنية في هذه الشهادة الجزئية الشخصية عن يوميات الثورة المصرية.
الشهادات الأخرى مختلفة الأساليب الكتابية ايضاً، من صنعاء “ساحة التغيير” كتب جمال جبران قصة “شاب من قبيلة يمنية جاء للأخذ بثأر إبن عم له سقط في الساحة نفسها، فنسي ثأره بعد أيام، إذ لم يجد من يثأر منه، فسكن في ساحة الثورة التي تحولت مدينة جديدة داخل مدينة صنعاء. وينقل جبران عن الشاب، طالب الثأر، قوله: “كنت أرى شباب القبائل أمثالي، شباب قبائل بينهم ثارات قديمة، وهم يتقدمون معاً بصدور عارية صوب زوايا (الساحة) التي ينهمر منها الرصاص، هاتفين: سلمية سلمية”. هذا الهتاف نفسه هو عنوان شهادة الصحافي والناشط السوري محمد دحنون الذي كتب سيرة جزئية لنجم الثورة السورية في داريا، غياث مطر، صاحب فكرة توزيع الورود وعبوات المياه على رجال الأمن والجيش، والذي “سيعتقل في 26 أيلول مع صديقه يحيى الشوربجي، ويعود بعد 3 ايام جثة هامدة الى اهله. جثة تنقصها حنجرة”، مثل مغني الثورة في حماة ابرهيم القاشوش. اما الروائية والناشطة اليمنية بشرى المقطري، فكتبت شهادة ملحمية عن “مسيرة الحياة” الملحمية المروعة، التي سار فيها ألوف المتظاهرين مسافة 256 كلم من مدينة تعز إلى صنعاء. “تعز التي خرجت من صيرورة العماء لتشق طريقها في ليل الحديد والنار (…) فتضمخت سماؤها بالدماء (…) وأُحرقت ساحتها وجرفت جثث ابنائها وسحلت في ميادين الحرية”. هذا ولـ”دوار اللؤلؤة” في البحرين حصته من الشهادات، بقلم المدون والباحث والصحافي علي أحمد الديري.

“إستشراق” شبابي

دراسة ميسون سكرية عن “خطاب العولمة والشباب في العالم العربي”، غزيرة المعطيات والمصادر، في تناولها نظرة المؤسسات والمنظمات الدولية والدراسات في الولايات المتحدة الاميركية، إلى مسألة الشباب في البلدان العربية. تلقي باللائمة على هذه النظرة ومنهجها وبرامجها، لأنها ترى انها تنطلق من “أجندات” غايتها “إعداد الشباب للعمل في منظومة الاقتصاد العالمي” بغية “خلق الشخصية النيوليبيرالية التي تتحمل مسؤولية فقرها وبطالتها”. كأن مشاكل الشباب العربي ومآزقه كلها وليدة هذه النظرة التي تصفها الباحثة بـ”الاستشراقية”. ذلك لأن النخبة الشبابية العربية المعولمة تشارك “الحكومات والمجموعات الدولية والولايات المتحدة المفاهيم”. الأمر الذي يحوّل شبان هذه النخبة مستشرقين محليين، يروّجون لرؤية نمطية للثقافة العربية (… متبنين) وجهة نظر النخب الرأسمالية العالمية”، من دون النظر الى “الفوارق والمظالم الاجتماعية البنيوية” في المجتمعات المحلية.
ما يفقد هذه الدراسة شيئاً من اهميتها، هو حصرها مشكلة الشباب كلها في هذه المسألة التي قد تكون جزءاً من المشكلة. كأن تقول مثلاً إن المأزق الاقتصادي الكبير في الدول العربية ينحصر في العولمة أو الاقتصاد النيوليبيراي، وأن مأزق الثقافة العربية وليد الفكر الاستشراقي. النظرة هذه تجديد لأخرى سابقة ترد “تخلف” المجتمعات العربية السياسي والاقتصادي الى “التجزئة” و”الاستعمار” و”نهب الثروات والموارد” المحلية. والحق ان هذه النظرة تبرز جلية في عدد لا باس به من مواد مجلة “بدايات” في عددها الأول، تماماً على خلاف الشهادات الكتابية التي نشرتها لشبان الثورات.

الشباب والنساء في مهبّ الثورات العربية

أبريل 1, 2012

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 31-03-2012

ماذا يعني قتل عشرات من شبان “الإيمو” في العراق، وتزويج فتاة قاصر من مغتصبها في المغرب، ومطاردة مئات من الشبان المصريين سائحة أجنبية ترتدي تنورة قصيرة في السويس، وفحص عذرية شابات الثورة المعتقلات في القاهرة، وتمرد طالبات الثانويات في اليمن، وضياع بعض طالبات السكن الجامعي في الجزائر، وعملهن بائعات هوى؟

هل جدّدت الثورات العربية المتلاحقة والمتزامنة سياقات الحوادث والظواهر السياسية والاجتماعية المتفرقة والمتباعدة، وغيّرت من دلالاتها في ما يتعلق بأحوال مجتمعات تسلطت عليها جماعاتها الحاكمة، وأغرقتها في الركود والتمزق، وسجنتها خلف جدران الكتمان والصمت؟
قد لا تكون الحوادث والظواهر المعنية جديدة وغير مسبوقة. لكن الجديد أن الثورات عرّضت المجتمعات والسلطات في بلدان الثورات وسواها من البلدان العربية، للانكشاف، وألقت الضوء على الحوادث والظواهر فيها، وجدّدت النظر اليها وغيّرت أطر تناولها وسياقاتها ودلالاتها. ذلك ان حقبة سياسية – اجتماعية مديدة تتهيأ للأفول. أما مصاعب المرحلة الانتقالية هذه، عسرها وتعثرها، وإحباطات الفئات المدنية والشبابية السبّاقة في إطلاق الحركات الاحتجاجية وتصدرها، وصعود تيارات الاسلام السياسي وجماعاته المختلفة وتصدرها المشهد العام، فهي من المسائل المرشحة للنظر والمناقشة والتبصر والتفكير راهناً، وربما على المدى الطويل. أما اولئك الذين ينظرون الى الثورات كحدث خلاصي، فجائي وناجز، ويدفعهم عدم وضوحه وترجحه وغموضه الى التشكيك في جدواه، ويأخذهم التحسر المرضي والرجعي على ما فات وانقضى، راغبين في توقيف الزمن ولجم التحولات السياسية والاجتماعية، وتفصيلها على مقاس نظرتهم الخلاصية ومواقعهم وأدوارهم، فيفوتهم أن ما حدث يستحيل الرجوع عنه، وأن رغباتهم تتماهى مع الاهتراء والاستنقاع المديدين اللذين سبقا الثورات.


في مهب هذه الحقبة الوليدة ومخاضها، هل من سياقات وأطر واضحة المعالم لتناول الحوادث والظواهر الاجتماعية المتدافعة، ومقاربة دلالاتها ومقارنتها في مرايا الثورات العربية؟
على سبيل المثال والتجريب والاختبار، ننتقي هنا اخباراً ومتابعات صحافية موسعة عن بعض الحوادث وردود الفعل عليها، في مصر والمغرب والجزائر واليمن والعراق، لنقدّم عرضاً موجزاً لها، ونكتشف بعض المعاني والدلالات المشتركة بينها. في العراق اثار قتل عشرات من شبّان “الإيمو” في بغداد وبابل استنكار المنظمات المدافعة عن حقوق الانسان، على ما كتبت خلود العامري (“الحياة”، 12 آذار، 2012). “الإيمو” مصدرها كلمة “إيموشن” الانكليزية، أي العاطفة أو المشاعر الجياشة. وهي تطلَق على جماعات من الفتية والشبان والفتيات المراهقين الذين يهتمون بالملابس والعطور والاكسسوارات، ويتبادلون القبل علانية ويستمعون الى موسيقى الروك والراب، ويرتادون أماكن ومقاهي خاصة بهم، تعبيراً عن ابتعادهم من التقاليد والعادات المحافظة في مجتمعهم القاسي والعنيف في العراق، وفقاً لما كتب شاكر الانباري (“المستقبل”، 18 آذار، 2012). وكان شبان “الإيمو” قد ظهروا قبل سنتين أو ثلاث في مدينة طرابلس اللبنانية، وأثاروا لغطاً في مجتمعها المحافظ. أما ظهورهم اليوم في مدن عراقية فأدى إلى تعرّض بعضهم للقتل بأسلوب شنيع، من طريق سحق رؤوسهم بحجار كبيرة من الاسمنت. وزارة الداخلية العراقية اشارت الى مقتل 56 شاباً منهم، فيما بلغ عدد القتلى 90 في إحصاءات أخرى. حامت الشبهات حول “عصائب أهل الحق” الشيعية، الممولة من ايران، التي انشقّت عن “التيار الصدري”، وبدأت تنشط في الشارع العراقي في الشهور الاخيرة، وتتصرف كوصي على التقاليد الاجتماعية والدينية، بعدما سمح لها رئيس الوزراء نوري المالكي بإقامة استعراض علني، لإشراكها في العملية السياسية. لكن معلومات اخرى أكدت ان الاتهام يشمل ضباطاً أمنيين عراقيين يناصرون “التيار الصدري” و”عصائب أهل الحق”. لذا اصدرت وزارة الداخلية العراقية بياناً ينفي عنها الشبهات، ويحذر من “التجاوز على الحريات العامة في قمع ظاهرة الإيمو والترويج لها”. التحذير موجّه الى ناشطي حقوق الانسان والصحافيين الذين سلّطوا الضوء على الظاهرة وعلى جرائم القتل المروعة لشبانها. وأكد صحافيون تلقيهم رسائل تهديد تحذّرهم من تناول الظاهرة والجرائم.
لا يبدو أن حملة قتل شبان “الإيمو” تفاعلت على نطاق واسع ومشهود في العراق، برغم ضخامتها. فالمجتمع العراقي مرهق ومحطم، ولا يزال مسرحاً يومياً للتفجيرات والقتل العشوائي الممنهج. عدوى الثورات العربية التي اطلقت بعض التظاهرات الشبابية في مدن عراقية، سرعان ما جرى إخمادها بالقوة والحصار. هذا على خلاف المغرب الذي شهد تظاهرات واحتجاجات واسعة أدت الى تعديلات دستورية لا يستهان بها، انبثقت عنها حكومة تمثل فيها الاسلام السياسي تمثيلاً راجحاً. قوة المجتمع المدني وحراكه النشيط في المغرب ما بعد الثورات، أطلقا حملة واسعة من الاحتجاجات على حادثة انتحار فتاة قاصر (16 سنة)، بعد إجبارها على الزواج من مغتصبها، على ما تقتضي أعراف وقوانين قضائية تحمي المغتصب من العقاب في حال قبوله الزواج من المغتصَبة، في إطار ما يسمّى “ستر الفضيحة”. حملات الاعتراض والاحتجاج شملت تنظيم تظاهرات وتوقيع عرائض وتحرّك جمعيات حقوقية وحملات تضامن شعبي ووقفات امام البرلمان المغربي، وإقامة ندوات ومناقشات واسعة، لإعادة النظر في قوانين الأسرة التي تعفي المغتصب من العقاب وتمنحه حق الزواج من ضحيته.
برغم الاختلاف بين الحادثتين، العراقية والمغربية، وحجم كلٍّ منهما ووقعها وردود الفعل عليها، فإن القاسم المشترك بينهما، بروز مسألة حقوق الإنسان، وخصوصاً في الاوساط الشبابية التي يبدو ان الثورات ألقت الضوء عليها، وإن على نحو متفاوت بين العراق والمغرب.

في مصر تزدحم الحوادث والظواهر المتدافعة في مجتمع الحقبة الانتقالية المضطربة وبرلمانها الانتقالي الذي هيمنت عليه قوى الاسلام السياسي “الإخواني” والسلفي، ذي الثقل الانتخابي والاجتماعي الكبير في بلاد النيل، وحيث لا تزال السلطات التنفيذية الانتقالية في يد الجيش، وهذا ما أحبط الحركة المدنية والشبابية التي أطلقت الثورة وتصدّرتها. الإسلام السلفي المصري الذي أخذت الغفوة بعض نوّابه في الجلسة الأولى لبرلمان ما بعد الثورة، يتزايد نشاطه بقوة لافتة في المجتمع الأهلي. وهو يصدّر نجوم دعاته إلى كل من تونس ولبنان، لإقامة لقاءات ومهرجانات دعوية. وجدي غنيم من أشهر هؤلاء النجوم الذين شنّوا حملة تكفير واسعة ضد المسلمين الذين شاركوا في تشييع البابا شنودة الثالث القبطي المسيحي الى مثواه الأخير. الحملة هذه تتزامن مع استمرار السلفيين في دعمهم المجلس العسكري المتهم بقضية “فحص العذرية” التي اعتمدها سياسة رادعة ومذلّة للشابات المشاركات في الثورة. القضية هذه حملت بعض الشابات الجريئات من المعتدى عليهن على مقاضاة الأجهزة الامنية والعسكرية. هيئات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية غير الحكومية التي ناصرت الشابات ودعمتهن، تعرضت، أخيراً، لحملة شعواء، واتهمت بأنها غير قانونية وتتلقى مساعدات من الخارج، واعتقل بعض ناشطيها الأميركيين في القاهرة، وذلك لإثارة “المشاعر الوطنية” المصرية التي تشكل مناهضة السياسات الغربية عاملاً من عواملها. وهذا ما أضعف الناشطين المدنيين في جمعيات حقوق الانسان، وأسقط في أيديهم في جبههم الحملة الاعلامية المناهضة للأجانب ولقضية “فحص العذرية”.
لكن إحدى الشابات الناشطات سجلت بالصوت والصورة ما سمّته قصيدة في عنوان “فحص عذرية”، فبثّت الشريط على موقع “يوتيوب”، مستلهمةً ما فعلته الناشطة أسماء محفوظ عشية الثورة المصرية. تقول الشابة في قصيدتها التي كتبتها بالانكليزية وترجمتها الى العربية:
“مشفتش الخوف في عنيَّ/ ففتحت رجليَّ تدوّر عليه هناك؟!
شفت إيه لما بصيت؟!/ سمعت آهات المظلومين؟
شفت جثث الشهدا؟/ شفت – بلا مؤاخذة – حد بيبصلك بعين قوية؟
حسيت بإيه لمّا تف عليك؟/ شفت إيه لما بصيت؟
شفت جنين الحرية في الشهر الثالث؟/ شفت ما شا الله باسم الله عافيته الزاي؟
خوّفك إللي شفتو؟ أنا لو كنت محلّك بخاف.
أنت مقتنع فعلاً إنك أهنتني وكسرت عيني؟!
أنت غلبان قوي/ أنا مفيش حاجة في الدنيا عيزاها غير إنك تفهم الإصرار والغضب اللي جوايا/ ومفيش مكان في الدنيا صغير تشوفو أوضح من مطرح ما كنت بتبص… هناك جو اوي… فبص براحتك… بص وخاف… خاف أوي”.
تزامن بث هذا الشريط وكلماته في صوت الشابة، مع حادثة تناقلت الخبر عنها مواقع الكترونية مصرية كثيرة، إضافة الى صحف 16 آذار 2012. حصلت الحادثة في مدينة السويس، عندما قام عشرات من الشبان بتعقب سائحة دانماركية شابة ترتدي قميصاً وتنورة قصيرة جداً، أثناء سيرها في شارع سعد زغلول. أطلق الشبان الذين عاكسوا السائحة سيلاً من التعليقات والتحرشات، فلجأت الى متجر للملابس. لكن المطاردين تزايد عددهم في الشارع، فبلغ المئات. هذا حمل صاحب المتجر على الاتصال بالشرطة، فحضرت الى المكان وحدة كبرى من عناصرها، لكنها لم تستطع إخراج السائحة من المتجر، إلا بعد إطلاقها قنابل الغاز المسيلة للدموع لتفريق الحشود التي ملأت الشارع. نقل رجال الشرطة الفتاة الى مصفحة، وهي تبكي وفي حال من الدهشة والانهيار، حتى وصولها الى الفندق الذي تنزل فيه.
هل من حاجة الى استنطاق دلالات هذه الحوادث وصدورها عن هوس تناولته كلمات قصيدة “فحص عذرية”؟ هوس محوره الأنوثة وسفور المرأة، وهتك كرامتها الشخصية لفحص عذريتها حفاظاً على شرف الأهل، إذا كانت من ديارنا وأهلنا وحرمة لنا، والتهامها اذا كانت غريبة وأجنبية. الهوس هذا، أليس هو نفسه محور التدين السلفي والإخواني؟ لكن الجديد أن الحوادث الناجمة عن هذا الهوس، صارت اليوم مداراً للمناقشة العلنية المتنازعة بين قوى المجتمع وهيئاته، من دون أن تتمكن السيطرة المطلقة للسلطات من التلاعب بالحوادث ومواراتها خلف ستار من الخوف والتخويف.


في برنامج حوار تقدمه إذاعة “بي بي سي” اللندنية، وتناولت حلقة من حلقاته مسألة تزويج الفتيات من مغتصبيهن، اتصل بالإذاعة شخص سعودي، فاعتبر أن ارتياد الفتيات المرابع الليلية هو ما يؤدي الى اغتصابهن، واقترح قفل منتديات السهر الليلي للقضاء على ظاهرة الاغتصاب. وفي تحقيق صحافي عن أحوال الطالبات الجزائريات من نزيلات المسكن الطالبي الجامعي في الجزائر العاصمة، روى التحقيق الذي كتبته فتحية زماموش (“الحياة”، 12 آذار 2012) بعضاً من حالات ضياع طالبات وفدن من الأرياف للدراسة الجامعية ونزلن في المسكن الطالبي. في الصورة المرفقة بالتحقيق ظهرت عشرات من طالبات المسكن محجبات، فيما تنقل مقتطفات من سيرة ثلاث طالبات وقائع “انحرافهن” و”اضطرارهن” أو “انزلاقهن” الى العمل بائعات هوى، نتيجة انسلاخهن عن البيئة الريفية وحضانة الأهل، وتعرضهن لظروف الحياة المدينية “القاسية”. إحداهن تقول إن الحياة في حي السكن الطالبي الجامعي تشبه الحياة “في غابة”. وهي اضطرت الى أن تعمل نادلة في مقهى للحصول على نفقات معيشتها اليومية. أما الطالبة الأخرى فروت أنها تعمل بائعة هوى في حانة ليليلة، وتتعاطى المخدرات، فيما روت طالبة ثالثة “فائقة الجمال”، أنها “تصطاد الشبان والرجال الذين يركنون سياراتهم الفارهة ليلاً قرب بيت الطالبات”.
نسجاً على منوال اعتبارات صاحب الرأي في حوادث الاغتصاب، يجب الكف عن تعليم البنات وقفل المسكن الطالبي الجامعي في الجزائر، للخلاص من ظاهرة “انحراف” الطالبات بعد عملهن في النوادي الليلية التي دعا المتصل السعودي بالـ”بي بي سي” الى قفلها أيضاً. هذا يعني أن الحجر على النساء وإخراجهن من التعليم والعمل والحياة العامة، هما اللذان يعصمان المجتمع من “آفاته” كافة، ما دام خروج المرأة من محجرها أو محرمها الأسري والعائلي هو الباعث الوحيد على “الآفات” كلها. أما في اليمن – الذي اعتاد كثيرون من الرجال السعوديين على القيام برحلات سياحية فيه، والزواج من فتيات منه صغيرات عذراوات، زواجاً “سياحياً” موقتاً، ثم يتركونهن لأهلهن ويعودون الى ديارهم – فإن طالبات المدارس الثانوية اليمنية يتابعن اليوم ما يُعرف بـ”ثورة المؤسسات الهادفة الى تغيير قيادات متهمة بالفساد”، وفقاً لتحقيق صحافي كتبه علي سالم من مدينة تعز (“الحياة” 12 آذار، 2012). الصورة المرفقة بالتحقيق تظهر جمهرة من الطالبات اليمنيات المحجبات يسرن في تظاهرة ترفع لافتات تقول إن “تعيين بلاطجة مديري مدارس من اسباب فشل التعليم” و”مدرسة أسماء قررت إسقاط المديرة”. مثل هذه “الانتفاضات الطالبية” المستمرة في اليمن ضد إدارة المؤسسات التعليمية، قد تؤدي على المدى البعيد الى خلخلة ثقافة طاعة أولي الأمر التي يعتبرها باحثون من أركان الاستبداد الاجتماعي. وهو الاستبداد إياه الذي يُرغم فتيات يمنيات على زواج شبه اغتصابي من رجال سعوديين يسوحون سياحة جنسية في اليمن.

هذه الوقائع الجزئية في بلدان الثورات العربية وسواها، ليست جديدة. لكن إلقاء الضوء عليها وفتح أبواب عرضها وتقصيها ومناقشتها على نطاق واسع ومستفيض، قد يكون من نتائج الثورات ومراحلها الانتقالية الراهنة. ذلك أن المجتمعات العربية اليوم في حال من الحراك يصعب وقفه ولجمه والتكهن بمساراته في المدى القريب. أما اللافت في هذه الوقائع فهو ان مدارها يتمحور حول الحراك الشبابي والظواهر الشبابية، ومسألة حقوق النساء وأوضاعهن في المجتمعات العربية الثائرة والموقوفة في مهب الثورات.


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 1,228 other followers