أغوتا كريستوف في “الدفتر الكبير”: درسٌ مرير للكتابة العربية

فبراير 24, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار 23-2-2015

أغوتا كريستوف في الدفتر الكبير

في روايتها “الدفتر الكبير”، ترجمة محمد آيت حنّا، “منشورات الجمل”، تروي أغوتا كريستوف وقائع تمارين ولدين توأمين على القسوة في الحرب العالمية الثانية، في بلدة مجرية على حدود سويسرا، وعلى كتابة تلك القسوة كتابةً ماديّة عارية تماماً من أي مرجع أو سند أدبي، أسلوبي وثقافي وتعبيري، للكتابة.

يقترب غياب السند الأدبي والثقافي لهذه الكتابة العارية من أن يجعلها خروجاً بديهياً وغير مقصود على الأنواع والمصنّفات الأدبية والكتابية. مصدر الخروج هذا، أو علّته، هما جهل الكاتبة الخلاّق بماهية الأدب، الذي يمنحها الحرية والعفوية التامتين في الإقدام على كتابةٍ بكرٍ في وثائقيتها العارية من كل المؤثرات الأسلوبية والعاطفية والإيحائية والتعبيرية التي تحفُّ بالكتابة الأدبية.
تروي كريستوف في “الدفتر الكبير” فصولاً هي توقيعات روائية كثيفة لا تتجاوز الواحدة منها الصفحات الثلاث. يغلبُ الحوار المباشر على التوقيعات كلها، فلا يتخلّلها سوى استطراداتٍ إخبارية شديدة الإيجاز، كالحوارات نفسها. في هذا العرض للرواية، نستعير أسلوب الكاتبة التي تروي مقتطفات موجزة من حياة الولدين التوأمين اللذين أَرغمتِ الحربُ أمَّهما على إيداعهما لدى جدتهما في البلدة الحدودية. تصل الى بيت أمّها، فتقول لها: “ما عاد في وسعي إطعامهما”. الجدة لا تعرف حفيديها، فهي لم ترَهما من قبل. ابنتُها، والدة التوأمين، منقطعة عن أمّها “منذ عشر سنوات، لا زيارة ولا رسائل”. “والآن تذكّرتِ أن لديكِ أمّاً. جئتِ تطلبين مساعدتي”، تجيبُ الجدّة ابنتها التي تقول لأمها: “تعرفين لماذا. فأنا كنتُ أحبّ أبي”، الذي توفى منذ زمن بعيد.
يبدأ هذا الحوار ويستمر على مسمع الحفيدَين الواقفين خارجاً، “أمام حديقة بيت الجدة”، من دون أن يعلما مَن تكون. لأنهما كذلك، وبما أنهما الراوي في صيغة المثنى، و”ليسا سوى شخصٍ واحد ووحيد” – على ما تقول أمّهما في موضع آخر، رافضةً رغبة والدهما وإدارة مدرستهما الفصل بينهما – يسمّيان جدّتهما “الصوت الآخر” في الحوار الذي يسمعانه وينقلانه في مستهل الرواية. عن ذلك “الصوت” ينقلان أيضاً قوله لأمّهما: “أَلديهما (…) أبٌ؟ لستِ متزوجة، على حدّ علمي. لم يدْعُني أحدٌ الى زفافك”. تجيب الأم: “أبوهما ذهب الى الجبهة. ولا خبر عنه منذ أشهر ستة”. فيما الصوت الآخر يضحك ويقهقه، “انخرطتْ أمُّنا في النحيب” – يروي التوأمان – ثم “خرجتْ من المنزل رفقة امرأة عجوز، وقالت لنا: هي ذي جدّتكما. ستظلان معها بعض الوقت، الى حين انتهاء الحرب” التي “واردٌ أن تطول”، تقول الجدّة لابنتها: “سأدفع بهما الى العمل (…) هنا أيضاً ليس الأكل مجاناً”. بعدما “قبّلتنا (أُمُّنا) وانصرفت باكية./ ضحكتْ جدّتنا بصوت عالٍ (…)/ أخرجنا لسانينا استهزاءً بالجدة. ضحكتْ بصوت أعلى وهي تضرب على فخذيها”، يروي الولدان الحفيدان في ختام الفصل – التوقيعةِ الأولى، قبل اختفاء أمهما.

المعجم والكتاب المقدس
توقيعات “الدفتر الكبير” الروائية، مكتوبة كلها بهذا الاسلوب الحواري، الإخباري، اللاأدبي، الجاف والحديدي في واقعيته، والميت، على ما تسمّى رسوم “الطبيعة الميتة” في الفن التشكيلي. لماذا لكتابة أغوتا كريستوف الصفات؟ ندعُها هي نفسها تجيب على لسان التوأمين في توقيعة تمرينهما على الدراسة معاً، منفردين، طوال إقامتهما في منزل الجدة: معجم والدهما والكتاب المقدس، وحدهما كتاباهما في دروسهما الثنائية المنفردة، لـ”القراءة، تمارين الإملاء وتمارين الذاكرة(…) والتأليف” – الكتابة على “الدفتر الكبير” الذي تُعْلِمُنا كريستوف في كتاب سيرتها “الأميّة”، أنه المصدر الأول لأعمالها الروائية، وأنها هي نفسها أحد التوأمين، وأن معجم اللغة الفرنسية والكتاب المقدس هما أيضا كتابا تمارينها على الكتابة، بعد فرارها من بلدها في العشرين من عمرها، الى سويسرا، “أُميّة” تماما في اللغة الفرنسية التي كتبتْ بها رواياتها كلها، أثناء عملها المضني في مصنع للساعات.
لكن الأهم من هذا كله هو ما يروي التوأمان انه “قاعدة بسيطة” اعتمداها في “الحكم” على الموضوعات التي يكتبانها على “الدفتر الكبير”: لكي يكون “التأليف حقيقياً، أي أن يطابق الواقع، ينبغي أن نصف ما هو كائن فعلياً، أن نصف ما نراه، وما نسمعه، وما نفعله”.
مثلاً: ينبغي ألّا نكتب: “الجنديّ الوصيف لطيفٌ” لأنه “أعطانا أغطية”. فصفة اللطف هنا ليست “حقيقية”، لأن هذا الجندي قد يكون “شريراً” في سلوك آخر مع سوانا. لذا “سنكتب ببساطة: أعطانا الجندي الوصيف أغطية”.
مثل آخر: “ممنوع أن نكتب: الجدّة تشبه مشعوذة”، لأن تشبيهنا إياها بالمشعوذة، مطلقٌ، ولا يحدّد من أطلق عليها هذه الشبهة أو الصفة. علينا أن نكتب، إذاً: “الناس ينعتون الجدة بالمشعوذة”، ما دمنا نسمع الناس في البلدة يقولون إنها كذلك.
أما إذا كنا “نأكل الكثير من البندق”، فعلينا ألّا نكتب: “نحبُّ البندق”. فـ”فعل أحبَّ (هنا) غير مضبوط” و”تعوزه الدقة والموضوعية”.
الخلاصة من هذا كله: “الكلمات التي تصف الأحاسيس تظل مبهمة؛ والحري، إذا، الإعراض عنها، والانصراف الى وصف الأشياء، ووصف الآدميين ووصف أنفسنا، لنَقُلْ الانصراف الى وصف الوقائع وصفاً أميناً”.

درس أوّلي في الكتابة
يبدو هذا الدرس في الكتابة والتأليف، أولياً، بسيطاً، وبدائياً. لكنه في الكتابة العربية الراهنة، ومنذ “عصر النهضة الأدبية” على وجه العموم، مرير ومن أصعب الدروس، وأندرها استلهاماً واتباعاً ومناقشة في الأنواع الكتابية كلها، أدباً وصحافة وتأريخاً، وفي الاجتماعيات، وصولاً الى الشعر حتى. منذ أعلام تلك “النهضة”: جبران، المنفلوطي، نعيمة، الكواكبي، زيدان، الافغاني، المازني، العقاد، شوقي، وصولاً الى معظم أعلام الرومنطيقية في الشعر، وروّاد “الحداثة الشعرية”، والكتابة العربية غارقة في البلاغة والإنشاء اللفظي والسيولة العاطفيّة والتهويل اللغوي والخطابة الوعظية والأخلاقية، إلا في ما ندر. هذه حال السياسة أيضاً، وكذلك الخبر الكلام والخطابة السياسية التي لا وظيفة لهما إلّا تصحير السياسة والتستّر على وقائعها وتزييفها، فلم ينجلِ تحطيم بعض أصنامها وآلهتها وأقنعتها، أخيراً إلا عمّا نحن عليه اليوم: المجزرة وأنهار من الدم، وخراب عميم.
أخيراً، تحية لمحمد آيت حنا الذي استلهم درس كريستوف في ترجمته روايتها. وتحية أخرى لذكرى الشاعر الراحل بسام حجار، الذي ترجم روايتين للكاتبة ، وكان أسلوبها من مصادره الشعرية.

خريطة للحياة الليليّة في بيروت

فبراير 24, 2015

محمد أبي سمرا

المدن في 20-2-2015

كأنما شباب الفئات الوسطى تفتّحت في اجسامهم رغباتُ العيش، انتقاماً من ما فاتهم في الحرب -غيتي

منذ انتهاء الحرب في لبنان مطلع تسعينات القرن العشرين وحتى اليوم، أخذت الحياة الليلية في بيروت تتوزع وتتنقل حائرة بين منطقة وأخرى، وبين شارع وآخر.

قبل الحرب كانت منطقة الزيتونة والفنادق الفخمة في عين المريسة، مركزاً رئيسيا للحياة الليلية البيروتية، حيث الحانات والمرابع والملاهي الليلية. وامتداداً من هذه الزيتونة كان للحياة الليلية حضورها في منطقة رأس بيروت وشارع الحمراء، حيث دور السينما ومقاهي الرصيف الأحداث، لاسيما في الروشة. هذا بعدما أخذت تتراجع وتعتق مرافق الترفيه والحياة الليلية ودور السينما في ساحة البرج (الشهداء) ومتفرعاتها في وسط بيروت ومركزها، منذ الستينات.

كسليك الثمانينات
في الثمانينات وحتى اواسط التسعينات، شهد شارع الكسليك القريب من المعاملتين وجونيه على ساحل كسروان المسيحي، طفرة حياة ليلية مزدهرة، بعدما دمّرت الحرب وسط بيروت والزيتونة والفنادق، وحوّلتها ملجأ للمهجرين الذين توزعوا في منطقة رأس بيروت كلها، بعدما كانت موطن الحياة الليلية والترفيهية والكوزموبوليتية البيروتية، الأرقى في لبنان والشرق الاوسط في الستينات والنصف الاول من السبعينات.

كان ازدهار حياة الليل في الكسليك والمعاملتين وجونية، من مظاهر تقطّع أوصال لبنان ومناطقه ومدنه، وقيام مراكز “مدينية” جديدة في المناطق المسيحية البعيدة من خطوط التماس الحربية في بيروت التي أخذت “نخبة” من ساهريها تقصد مرابع كسروان الليلية في أوقات من هدنات الحرب، بعدما ضيّقت الميليشيات المسيطرة والمتقاتلة في بيروت الغربية طوال الثمانينات، الحياة الليلية وقلّصتها في رأس بيروت، وخصوصا بعد ظهور “حزب الله”، وتفشّي خطف الاجانب والمسيحيين عقب ما سمّي “انتفاضة 6 شباط” 1984.

ففي النصف الثاني من ثمانينات الشطر الغربي من بيروت، انكفأت الحياة الليلية البيروتية الى عدد قليل من المرابع والملاهي في شارع المكحول الضيّق المتعرج، والذي جرى تفجير أحد مرابعه آنذاك، فيما أخذت الحياة الليلية تزدهر في العمق السكاني المسيحي، على ساحل كسروان، حيث درجت تسمية “المناطق الحرة” في حمى ميليشيا “القوات اللبنانية” المنظمة والمسيطرة، والتي كان يهمّها أن ينشأ في عمق مناطقها مركز للحياة الليلية، يستقطب متطلبات السكان وسواهم من الشبان المقاتلين، للترفيه والسهر، بعيداً من خطوط التماس الحربية. وقد يكون كتاب شارل شهوان “حرب شوارع” أصدق تعبير عن أحوال الشارع المسيحي واهواء مقاتليه، ونمط الحياة الليلية الناشئة على ساحل كسروان الثمانينات، وصولا الى بعض بلداته الجبلية القريبة.

ليل الكحول والصخب
في مطالع التسعينات، مع توقف الحرب وانتهائها، دبت الحياة الليلية سريعاً وبقوة في شارع مونو أسفل منطقة الاشرفية المسيحية، وحول جامعة القديس يوسف، غير بعيد من وسط بيروت القديم المدمر. وبالتوازي مع نهضة مونو الليلية، ظهرت بعض المرابع الليلية في أطراف بيروت، حيث تكثر المعامل والأرض الزراعية أو الخالية. ومن أشهر تلك المرابع ملهى ال”Bo18″ الشهير في التسعينات، والذي أطلق نمطاً جديداً من الشهر الشبابي “المترف” والمغالي في حداثته الكحولية.

والحق ان النصف الثاني من التسعينيات وبدايات الألفية الثالثة، شهدا طفرة جديدة غير مسبوقة في نمط السهر الشبابي من الفئات المتوسطة. من السمات الجديدة لتلك الطفرة، الإسراف في احتساء الكحول والرقص على إيقاعات موسيقية صاخبة واستطالة أوقات السهر حتى قبيل الفجر بقليل. كأنما شبان وفتيات الفئات الوسطى اللبنانية، تفتّحت في اجسامهم ونفوسهم وتفجرت رغباتُ العيش وأهواء الليل، انتقاماً من ما فاتهم وحاصرهم في سني الحرب الطويلة، فهبوا يردمون تلك القطيعة أو الفجوة الزمنية التي عاشوها. كأن حمّى السهر ودبيبه في تلك الحقبة، كانا الوجه الآخر لحمّى الحرب ودبيبها، أو صدىً احتفالياً من أصدائها المبتعدة، ولطرد تلك الأصداء، عبر الإسراف في الليل والكحول والرقص الصاخب.

ليلان مختلفان
تُظهر المقارنة بين الحياة الليلية الشبابية في بيروت التسعينات، وتلك التي كانت سائدة في ستينيات وسبعينيات ما قبل الحرب، أن السهر والليل الشبابيين في الستينيات والسبعينيات، لم تكن الكحول حاضرة فيهما وطاغية، كحالها في التسعينيات وما بعدها. آنذاك، أي في الستينيات والسبعينيات، كان يغلب على الليل الشبابي ارتياد دور السينما ومقاهي الرصيف في شارع الحمراء. وقلما كان شبان وفتيات يرتادون ويرتدنَ الملاهي والمرابع الليلية لاحتساء الكحول، إلا في أعمار شبابية متقدمة، ومن بيئات اجتماعية محددة، وفي مناسبات خاصة، كأعياد رأس السنة وسواها من سهرات مناسبات ميلاد الصحب والكوبلات. وآنذاك لم تكن دارجة، مثلاً، عبارات “تعا نأخذ كأس”، “رايحين ناخذ كأس”، التي صارت على كل شفة ولسان ما بعد التسعينات. والأرجح أن ليل الكحول الشبابي شهد انطلاقته في مرابع وملاهي ساحل كسروان الليلية في الثمانينيات، وعاش طفرته الصاخبة مع انطفاء الحياة الليلية في الكسليك، وانتقالها الى شارع مونو في مطالع التسعينيات.

هجرات ليلية
لم تعمّر الحياة الليلية وتستمر طويلاً في مونو، فأخذت تنتقل شيئاً فشيئاً الى شارع الجميزة القريب، في مطالع الألفية الثالثة. قد يكون هذا الانتقال من علامات بحث جيل شبابي جديد عن حياة ليلية أقل صخباً. وفي الأثناء جرت محاولات كثيرة لإحياء حياة ليلية في شارع الحمراء، من دون أن يُكتب لها النجاح الفعلي، إلا قبيل قيام قوى 8 آذار باحتلال وسط بيروت الجديد طوال سنة ونصف السنة، ما بعد حرب تموز 2006، وما بعد الحملة العسكرية على بيروت في 7 أيار 2008.

قبل ذلك، أي منذ ما بعد العام 2000، بدأت تنشأ بعض المرابع والملاهي الليلية الصغيرة الجديدة، في محيط مجلس النواب في وسط بيروت الجديد. لكن هذه المرابع والملاهي سرعان ما أقفلت بعد حصول مضايقات للساهرين فيها، قامت بها عناصر من شرطة مجلس النواب التابعة للرئيس نبيه بري. وحتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما بعده بقليل، ازدهرت حياة ليلية سياحية بيروتية وخليجية في شارع المعرض وساحة النجمة وامتدادتها القريبة في وسط بيروت الجديد. لكن هذه الحياة سرعان ما انتهت نهاية مأسوية مع احتلال قوى 8 آذار ساحة رياض الصلح وبعض متفرعاتها، فأفقر شارع المعرض وساحة النجمة إقفاراً تاماً، ولا يزالان على حالهما حتى اليوم، لينتقل بعض من دبيب الحياة التي كانت فيهما الى أسواق بيروت الجديدة التي انشأتها “سوليدير” في مكان أسواق الطويلة، البازركان، الجميل، باب إدريس، وسواها في بيروت القديمة. أما الحياة الليلية الشبابية التي تقدم الكحول في وسط بيروت، فنشأت منذ سنتين أو ثلاثٍ مرابعها وملاهيها في شارع صغير للمشاة خلف مبنى صحيفة “النهار” الجديد في الوسط الجديد.

مار مخايل – الحمراء
تتركز الحياة الليلية البيروتية اليوم، ومنذ نحو سنتين أو ثلاث، في شارع مار مخايل، كامتدادٍ جديد لشارع الجميزة، وفي شارع الحمراء الذي نهضت حياته الليلية بقوة، وخصوصاً في ما سمي “زاروب الإتوال”، و”زاروب دانز”، وفي شارع المقدسي الموازي للحمراء. والنهضة هذه ساهمت فيها الثورة والحرب في سوريا، بعدما هجر الى بيروت وعَبَرَ فيها ألوف من الشبان والصحافيين والكتاب والشعراء السوريين والسوريات، الذين جعلوا من شارع الحمراء محجّة ومعبراً لهم أو محطة في إقامتهم البيروتية القلقة، وفي هجراتهم الى ديار الله الواسعة. ومنذ ما بعد العام 2005 والعام 2008، برزت ظاهرة جديدة في الحمراء ومتفرعاتها، تجلّت في إقدام بعض قدامى اليساريين على افتتاح حانات ليلية صغيرة، كيفما اتفق وبرؤوس أموال محدودة. فنشأت في هذه الحانات الصغيرة حياة ليلية “شبه يسارية” وشللية الطابع، ومن أعمار شبابية متقدمة أو ما بعد شبابية “عازبة”، ومتشعبة العلاقات والمصادفات الليلية، وغير مكلفة مادياً. أما الحياة الليلية الشبابية من أعمار صغيرة في الحمراء، فاستوطنت، أخيراً، في شارع المقدسي الموازي للحمراء.

في المقلب البيروتي الآخر تتركز الحياة الليلية الصاخبة، والأحدث في نمطها الشبابي، في شارع مار مخايل، حيث يكثر الشبان والفتيات من غير اللبنانيين (كما في الحمراء ايضاً)، مخالطين فتياناً وفتيات من الفئات الوسطى اللبنانية، والمسيحية منها خصوصاً. ولا تزال الحياة الليلية في مار مخايل تتمدّد مرابعها في اتجاه منطقة برج حمود والنهر، حيث يتكاثر سكن شبابي وطالبي من طلبة جامعة القديس يوسف غالباً، ومن العاملين والعاملات في المنظمات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني المحلية.

ومن مظاهر الحياة الليلية وتمدّدها وهجراتها في بيروت، ظهرت أخيراً حانات ومرابع في شارع بدارو الموازي لأوتوستراد سامي الصلح، والمتصل بمستديرة الطيونة على حدود الضاحية الجنوبية لبيروت.

أما أبرز ما يميز الحياة الليلية البيروتية اليوم عما كانت عليه في الستينيات والسبعينيات، فهو انفصالها التام عن دورة الحياة في دور السينما ومواقيتها، وعن ارتياد مقاهي الرصيف، واستغراقها في الكحول.

– See more at: http://www.almodon.com/culture/afd71336-dfc7-4b64-80f4-e7ad6f12e1d4#sthash.sbTDVuD4.VZQ8FfPO.dpuf

“التّحوّل” لكافكا في ترجمة جديدة: فنُّ الرعب الهزليّ المرير

فبراير 24, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 9-2-2015

التّحوّل لكافكا

ظهرت ترجماتُ أعمالٍ لفرانز كافكا (1883 – 1924) الى اللغة العربية في بيروت والقاهرة ودمشق وعمان، على نحو متقطع، وفي أوقات متباعدة، من أحدثها روايته القصيرة الشهيرة، المعروفة منذ الستينات في عنوان “المسخ”، في ترجمة جديدة وضع لها مترجمها الشاعر المغربي مبارك وسّاط عنواناً جديداً، “التحوّل”، عن “منشورات الجمل” (بيروت – بغداد، 2015). تُظهر المقارنة السريعة أن ترجمته أجود وأكثر دقة من تلك الصادرة في القاهرة، وفي العنوان نفسه، عن منشورات “العربي” (2014)، بتوقيع الدكتور خالد البلتاجي.

تكرار ترجمة عمل أدبي واحد، ضروري ومفيد، أدبياً وثقافياً، ولفن الترجمة، ومهنتها أيضاً. فالثقافة الغربية أرست تقليداً ثابتاً في تاريخها منذ بدايات عصر التنوير: ترجمة الأعمال الفنية الأدبية والفكرية الكبرى والأساسية أو التأسيسية، وإعادة ترجمتها من لغاتها الاصلية الى لغات أخرى، حتى غدت الترجمة وتكثيرها للأثر الفني الأدبي والفكري الواحد، عملاً ثقافياً أساسياً، كالتأليف الذي صارت الترجمة من ضروراته وضرورات ازدهاره.
أما في ثقافتنا العربية المعاصرة، فعلى مثال معظم نتاجاتها، لا تزال الترجمة عاجزة عن إرساء مثل ذلك التقليد الغربي. فالترجمة الى العربية تغلب عليها العشوائية والفجوات والتقطع والتشرذم في الاختيار، إضافة الى غياب الحساسية الفنية والفكرية والجمالية واللغوية لدى معظم المترجمين الذين يجهل كثيرون منهم الإطار الثقافي العام والخاص للأعمال التي يترجمونها. هذا، فضلاً عن الكثير من الترجمات الحرفية المغلوطة، والتأويلية والمبتسرة، التي تجعلها غير قابلة للقراءة.

العِلْم الكافكاوي
الروائي التشيكي – الفرنسي ميلان كونديرا، وهو من الخبراء المتأثرين بالفن الروائي الكافكاوي، خصّص فصولاً من كتابه “الوصايا المغدورة” لقراءة ترجمات أعمال كافكا من أصلها الألماني الى اللغة الفرنسية، ومقارنتها ونقدها.
في العربية لا نفتقر الى مثل هذه الأعمال فحسب، بل الى اعتبار الترجمة عملاً يستلزم خبرة وذائقة فنية وحساسية أدبية، تتجاوز المعرفة بأصول الصرف والنحو والأداء اللغوي في لغتين على الأقل.
المعروف ان الفن الروائي الكافكاوي يشكل محطة أو منعطفاً كبيراً في تاريخ الرواية الأوروبية والغربية عامة. حتى ان كونديرا يطلق على غزارة الاعمال النقدية المرجعية لأعمال كافكا في الثقافة الأوروبية، ما يسمّيه “الكافكالوجي”، أي “العلم الكافكاوي”، الذي ينتقده ساخراً متهكماً من اعتماده على شخصية كافكا وسيرته، الشخصية والعائلية، في قراءة فنّه الروائي وتفسيره. لذا لا تنجو من سخرية صاحب “الوصايا المغدورة” قراءات كل من ألبر كامو وأندره بروتون وجيل دولوز وفيليكس غاتاري وروجيه غارودي، الذين يعتبر كونديرا أنهم يقرأون أدب كافكا ويدرسونه “أخلاقيا” أو”فلسفيا”، وفي مرآة سيرته النفسية والعائلية والسوسيولوجية.

مصادفات القدر السيّئة
ميزة ترجمة مبارك وساط الجديدة لـ”التحول”، أنها منقولة عن لغتها الاصلية، الألمانية، التي نُشرت فيها، العام 1915، بعدما كان كافكا كتبها في نحو 20 يوماً ما بين 17 تشرين الثاني و7 كانون الأول 1912، على ما يُستخلص من رسائله، وفقاً للمترجم.
أما كونديرا فيشير الى أن كافكا ارسل مخطوطة “التحول” الى إحدى المجلات، فأبدى رئيس تحريرها الروائي النمسوي الكبير روبرت موزيل استعداده لنشرها شرط ان يختصرها مؤلفها. في هذا السياق يكتب كونديرا متحسِّراً: “آه، يا له من لقاء بائس بين كاتبين عظيمين!”، عاتباً في حسرته هذه على المصادفات السيّئة للقدر.

الرعب الهزلي
من ميزات الفن الروائي الكافكاوي أن شخصياته الروائية كلها تقريباً، بلا خصائص ذاتية أو “وجدانية” أو عاطفية داخلية تميّزها وتتفرد بها. هذا ما خصّص له روبرت ميزيل رواتبه الأساسية الضخمة في عنوان “كائن بلا خصائص”. وقد يكون فقدان الخصائص، أو الذاتية الشخصية للفرد، واغترابه عن نفسه، وقبوله بهذا الاغتراب، وتمتّعه المرير به، من المعاني الفنية الوجودية والكينونية العميقة في “التحول” التي يستهلّها كافكا بالجملة الآتية: “إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح، على أثر أحلام سادها الاضطراب، وجد أنه قد تحوّل، وهو في سريره، الى حشرة عملاقة”. على مدى 62 صفحة من الحجم المتوسط، ترسم “التحول”، بلغة مادية، موضوعية ومحايدة، “العالم” المكاني – الفيزيائي لهذه الحشرة “البشرية” العملاقة، وتصف علاقتها الجسمانية أو الفيزيولوجية المادية بجسمها الجديد، وبالأشياء من حولها. كما تصف حركتها في المكان داخل غرفة وأثاثاتها، في منزل عائلي يقيم في غرفه الثلاث، الى سامسا المتحول، أمه ووالده وشقيقته وخادمة. وباللغة الفيزيائية الخارجية نفسها، تصف الرواية أيضا دقائق العلاقة المتحولة بين الحشرة البشرية العملاقة وأفراد الأسرة. ويغيب عن هذا الوصف أي بعد فلسفي ورمزي وبسيكولوجي وسوسيولوجي وذهني وأخلاقي، ليحضر بدلاً من ذلك كله مزيج من الرعب والهزل، او الرعب الهزلي المرير، الكافكاوي بامتياز، الذي يرى كونديرا أنه يكشف عن الجوانب الغرائبية المجهولة من الوجود البشري. ذلك على مثال اللقاء الجميل العارض ما بين مظلة وآلة خياطة، وفقاً للشاعر لوتريامون والرسام ماغريت. وهو لقاء تخييلي فانتازي، ساحر وغير متوقع.
هنا تكمن شاعرية كافكا وفنيّته الروائية التي تقوم على تعليق كل “حكم أخلاقي على الوجود” (كونديرا) والعالم والعلاقات. فالرواية الكافكاوية، وكل رواية حقيقية أيضا، هي، في هذا المعنى، حيزٌ لتعليق أو استبعاد الأحكام الأخلاقية، ولحضور الومضات الفكاهية الساخرة المفاجئة التي تكشف عن العالم في غموضه الأخلاقي.
وإذا كانت الملاحم تخلو تماماً من الفكاهة والهزل، لصالح المأسوي، فإن الرواية تكشف عن الفكاهة والهزل باعتبارهما الابتكار العظيم للروح الحديثة، بحسب الشاعر أوكتافيو باث. كما تكشف أيضاً عن المتعة الغريبة الصادرة عن اليقين بأن لا وجود ليقين.
ما صلة هذا كله بغريغور سامسا المتحول الى حشرة “بشرية” عملاقة؟
لا يغادر قارئ “التحول” حدسٌ بأن المخيلة الروائية الكافكاوية تخلط الرعب بالهزل وبالغرائبي، على غرار ما تفعل الرسوم الكاريكاتورية، وأفلام الكرتون أو الصور المتحركة، حيث يسود التحرر الكامل من المسؤولية، والخروج على منطق الحياة وتسلسل حوادثها السببية، والفرق اللذيذ والمرير والواعي بين الوجود واللاوجود، بين الكينونة والعدم، بين العادي والمدهش.

دماء على جسد الجمهورية العلمانية: سعار الإسلام الجهادي ومقتلته الباريسية

فبراير 24, 2015

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار 17-01-2015

2

مقتلة “شارلي إيبدو” الباريسية، نتاج ومرآة لسعار إسلام جهادي في نسخة جديدة أشد ظلامية من سابقتها “القاعدة”. لا ريب في أن هذا السعار انبعث من أتون انهيار دول عربية ديكتاتورية وأمنية قام بينها وبين المنظمات الجهادية سفاح أمني عميق ومديد، له جذر فلسطيني وآخر سوري أسدي وثالث عراقي صدّامي. الجذور هذه قديمة وعميقة، أدت الى تدمير لبنان، ثم العراق وسوريا. ثم إن المقتلة الباريسية تذكّر بالفتوى الخمينية بذبح سلمان رشدي في خضم سعار الثورة الإسلامية الخمينية المحموم، في محاولتها إطلاق حركة جهاد عالمي، قصرته أخيراً على لبنان “حزب الله”، وسوريا الأسد، و”عراق ما بعد صدام حسين”، واليمن الحوثي. من سعار الإسلام الجهادي في اليمن وسوريا والعراق، ولد ما يسمّيه الفرنسيون “الجهاد الفرنسي”. لكن ماذا يبقى من فرنسية الأخوين كواشي سوى الجهاد الاسلامي، قبل مقتلتهما الباريسية وبعدها؟ لا شيء. لذا من الأفضل القول إنهما مجاهدان إسلاميان قضيا في فرنسا، حيث قاما بواجبهما المقدس.

من تسمية “الفرنسيين المسلمين” – وهي لابست، منذ سبعينات القرن العشرين، تزايد الهجرات المغاربية الى فرنسا وتوسعها، حتى بلغ عدد من تُطلق عليهم هذه التسمية ما بين 6 و7 ملايين نسمة من “المواطنين” الفرنسيين المسلمين، أو من حملة الجنسية الفرنسية – ولدت أخيراً تسمية “الجهاد الفرنسي”، أثناء تدفق مئات وربما ألوف من الإسلاميين الجهاديين من فرنسا الى سوريا. لكن هذه التسمية الجديدة لم تبرز بقوة وتصبح على كل شفة ولسان في فرنسا وأوروبا، إلا غداة مقتلة “شارلي إيبدو” الصادمة والمروعة، التي ارتكبها جهاديان فرنسيان، هما الأخوان شريف وسعيد كواشي، المتدرب أحدهما عسكرياً، الى تلقيه أصول الجهاد وفقهه، في “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” اليمنية.

بواعث الجهاد الفرنسي
البواعث أو الدوافع الفرنسية لجهاد الأخوين كواشي وسواهما من أمثالهما المهاجرين هجرة جهادية إلى سوريا وغيرها من ديار الإسلام ومنظماته الجهادية، تتعلق بالسوسيولوجيا وبسياسات الهوية والاندماج والثقافة والعمل والاجتماع المديني في الضواحي الفرنسية. لكن هذه كلها لا تكفي قط، وتظل هامشية وبلا معنى، في محاولات تفسير ظاهرة “الجهاد الفرنسي”. ذلك لأن كل قراءة لهذه الظاهرة بناءً على معطيات سوسيولوجية عامة وجمعية تتعلق بارتجاجات الهوية والتمايزات الاجتماعية والثقافية في داخل المجتمع الفرنسي، هي كناية عن إيجاد مبررات وذرائع للقتل الإجرامي العمد، الهوسي والمروع، الذي نفّذه الأخوان كواشي. هذا ما بدأ يظهر في بعض دوائر الإعلام والصحافة الفرنسية غداة مقتلة “شارلي إيبدو”، وتجلى في كلام إعلاميين وكتّاب وأصحاب صحف على ضرورة “احترام المقدسات”. فبينما طغى على ردود الفعل الفرنسية والعالمية على المقتلة، شعار “كلنا شارلي”، دار في بعض الدوائر نقاشٌ حامٍ حول نشر الرسوم الكاريكاتورية الساخرة من نبي الإسلام، أو عدم نشرها. فمنظمة “مراسلون بلا حدود”، دعت الى عدم نشرها، فيما قال رئيس تحرير صحيفة بريطانية “من يعطيني الحق في تعريض محررين وصحافيين للخطر؟”. هكذا امتنعت صحف ووكالات أنباء عالمية عن نشر الرسوم، في مقابل رأي آخر يقول إن عدم النشر “خيانة للمبدأ الذي قتل من أجله زملاؤهم”، وثالث يعتبر أن التهاون في مبدأ حرية التعبير تبرير للهجوم البربري. كما ذكّر بعض أصحاب الرأي في المسألة بالفتوى الخمينية بقتل الروائي سلمان رشدي قصاصاً له على كتابته “آيات شيطانية”، متسائلاً: ماذا كان سيعني لو عمد ناشر رواية رشدي الى سحب الرواية من الأسواق، بعد إقدام جهاديّ ما على تنفيذ الفتوى الخمينية بقتل الروائي؟! ثم ماذا يبقى من أوروبا ومن الحريات الأوروبية في حال الصدوع الى فتاوى الإرهابيين وأفعالهم؟!

سعار الإسلام الجهادي
لا ريب في أن المقتلة الباريسية الإرهابية حدثت في خضمّ سعار الإسلام “السياسي” والجهادي، المنبعث من أتون انهيار دول عربية “جمهورية” ديكتاتورية وأمنية، وزوال حدود بعضها، كما حدثت الفتوى بذبح سلمان رشدي في خضمّ سعار الثورة الاسلامية الخمينية، ومحاولتها إطلاق حركة جهاد عالمي. وهي اطلقته فعلاً حيث استطاعت الى ذلك سبيلاً، فصدّرت الثورة الاسلامية الى لبنان، وانشأت فيه “حزب الله” الشيعي الخميني الذي اطلق في خضم الحروب الأهلية الملبننة جهاداً لم يتوقف حتى الساعة، على مثال القول الشائع “أطلب العلم ولو في الصين”. فمجاهدو “حزب الله” ينتشرون منذ نحو سنتين من بيروت حتى كربلاء العراقية، مروراً بالبقاع وحمص وحلب ودمشق، من دون هوادة، وبناءً على فتوى دينية مذهبية حربية من الولي الفقيه الإيراني، شبيهة بفتوى قتل سلمان رشدي.
والحق أن سعار الاسلام الجهادي الجديد، ساهمت إيران وحزبها اللبناني في بعثه من أتون انهيار دول عربية “جمهورية” ديكتاتورية وأمنية، وزوال بعضها، وتشظي شعوبها ومجتمعاتها في حروب أهلية تشكل الجماعات والمنظمات الاسلامية السياسية والجهادية العابرة للحدود والبلدان اطرافاً أساسية فيها عقب ثورات “الربيع العربي”.
وقد بلغ هذا السعار ذروته في العراق واليمن وسوريا. ومن هذه الأخيرة امتد الى لبنان، متغذياً من شقاقٍ أهلي ومناطقي عميق، ومنبعثاً حروباً أهلية طائفية مذهبية (سنّية – شيعية وعلوية)، متقاطعة مع هجوم أمبراطوري ايراني حاملاً راية إسلام حركي أصولي مذهبي شيعي، ومجنّداً جماعات مذهبية شيعية في منظمات أهلية، عسكرية وأمنية مقاتلة: “حزب الله” في لبنان، العلويون وبقايا دولتهم الأسدية وميليشياتها في سوريا، الشيعة ودولتهم وميليشياتهم في العراق، والحوثيون في اليمن.
حيال هذه السياسات الإيرانية معطوفةً على فشل ثورات “الربيع العربي” وانجلائها عن تصدع الدول والمجتمعات بعد انحباس سياسي ديكتاتوري مديد، وجد “الإسلام السني” السوري والعراقي واللبناني واليمني أنه في العراء وفي حال من “المظلومية”. هذه الحال – خصوصاً في سوريا والعراق، حيث جرى تدمير المجتمعات والجماعات السنّية والشيعية، وتعرضت لمذابح واعتقالات واقتلاع وتهجير – شكلت البطن الخصبة لتوليد منظمات جهادية سنّية أشد مغالاة في ظلاميتها ودمويتها من “القاعدة” التي انبعثت بدورها وجدّدت شبابها في اليمن في مواجهة جماعة “أنصار الله” الحوثية العسكرية الزاحفة لاحتلال المدن والمحافظات اليمنية.

1

غزوة باريس المباركة
في الفرع اليمني لتنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب”، تلقّى أحد الأخوين “المجاهدين الفرنسيين” من اصل جزائري، شريف وسعيد كواشي، أصول الجهاد الاسلامي الفقهي والعسكري، أو فقه القتل والاجرام. فمنذ العام 2009 أمضى شريف كواشي سنوات متقطعة طالب علوم دينية في جامعة “الايمان” الاسلامية في صنعاء، ومتدرباً في معسكرات “القاعدة” اليمنية. في مقتلتهما الباريسية في 7 كانون الثاني الجاري، على مثال مقاتل “القاعدة” و”داعش”، توسّل الأخوان كواشي بثّ الصدمة والرعب والهلع في الديار الفرنسية “الجاهلية” التي يدين أهلها بالديموقراطية وهشاشتها وخفتها اللاهية في التعبير الفردي، الحرّ والساخر من كل سلطان، ومنه سلطان المقدّس. هذه هي رسالتهما الجهادية المقدسة التي منحتهما الحق في الانتقام والثأر من الحرية والديموقراطية “الجاهليتين”، لنيل رضوان ربّ العالمين، فيسكنهما فسيح رحمته وجناته، خالدين فيها أبداً، بعد رحيلهما عن الدنيا الفانية، شهيدَي المقتلة التي أنزلاها بمن سوّلت لهم أنفسهم ارتكاب معصية التطاول على نبي الاسلام وخاتم النبيين والمرسلين.
الأخوان “المجاهدان الفرنسيان” اللذان لقّنتهما “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” ازدراء “الجاهلية الفرنسية” التي ولدا ونشأا في كنفها، قد يكونان تساءلا اثناء التحضير لمقتلتهما: ما المانع من أن تصير باريس مثل الموصل والرقة؟ وقد يكون سؤالهما هذا من محفزات إرادتهما في الوصول الى مقر “شارلي إبيدو”، وفي إطلاقهما نيران رشاشاتهما على العاملين فيها. من المرجح أنهما تخيلا نفسيهما في جنة الموصل حقاً للحظات بعيد إنجازهما رسالتهما المقدسة، وفيما يردّد أحدهما “الله أكبر، الله أكبر”، أثناء إطلاقه النار على الشرطي الفرنسي من أصل مغربي، ليجهز عليه بعد إصابته ووقوعه على الرصيف.
غداة إنجاز الأخوين كواشي رسالتهما، بثّ “المسؤول الشرعي” في تنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب”، “الشيخ” حارث النظاري اليمني، تسجيلاً صوتياً سمّى فيه المجاهدَين بعدما برّأتهما مقتلتهما وطهّرتهما من فرنسيتهما ومن الرجس الفرنسي، ورفعتهما مجاهدَين شهيدَين ذوداً عن شرف نبي الاسلام وأمته. هذا بعدما ظنّ “أعداء رسول الله أن الله لن ينصر رسوله، فأتاهم الله من حيث لا يعلمون”. والحق أن مثل هذه اللغة والعبارات لا يكفّ كثرٌ من خطباء مساجد الجمعة عن تردادها في مساجد أحياء المدن الاسلامية وضواحيها. فالإسلام في هذه الخطب لغة أولى ثابتة ومقدّسة، لا يغيّرها الدهر في استعادتها كلام الأوّلين الثابت المقدس. واللغة هذه، كلماتها وأداؤها اللفظي، لا يختلفان قط عما يبثه “حزب الله” في شهدائه منذ شهيده الأول قبل عقود وحتى الآن.
أخيراً، لا بد من التساؤل في هذا السياق: ما الذي يبقى من فرنسية الأخوين كواشي سوى الجهاد الاسلامي، قبيل إنجازهما رسالتهما المقدسة وبعد إنجازها؟ الجواب: لا شيء. لذا ربما من الأجدى والأفضل القول إنهما مجاهدان إسلاميان قضيا في فرنسا، حيث قاما بواجبهما الجهادي المقدس.

“القاعدة”: زواج الجذور
هتاف “الله اكبر، الله اكبر” الذي ردّده أحد الأخوين كواشي بعد إنجازه وأخاه مقتلتهما، وخروجهما الى الشارع، هو نفسه الهتاف الذي ردده المتفرجون السعوديون على انزال قصاص الجلد بالمدوّن والناشط الحقوقي السعودي رائف بدوي. حدث ذلك بعد صلاة الجمعة 9 كانون الثاني الجاري، أي عقب يومين على مقتلة رسّامي “شارلي ايبدو” الذين أبادهم الأخوان كواشي قصاصاً لهم على فعلة هي نفسها الفعلة المتهم بها المدوّن السعودي: السخرية من الرموز الدينية، أي انتقاده جهاز “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.
في الشريط المصوّر لعملية الجلد، والمتداول على “فايسبوك” يتراكض رجال وشبّان وأطفال في الباحة الخارجية لمسجد الجفالي في جدة، ليشاهدوا الشاب وهو يُجلَد، بعد إحضاره من السجن حيث يمضي سنتين و7 أشهر، قصاصاً على ما دوّنه في موقع الكتروني باسم “الليبيراليون السعوديون”. الى سجنه، حُكم عليه أيضاً بأن يُجلد ألف جلدة، ينال منها كل نهار جمعة 50 جلدة. سمر شقيقته سُجنت مدة وأفرج عنها، لكن والدها تخلى عنها، أي رذلها، أو وأدها، رمزياً. وهي تربّي رضيعتها وحيدة، بعدما سُجن زوجها ومحامي أخيها. أما إنصاف زوجة المدوّن رائف بدوي فهربت الى كندا مع أطفالها الثلاثة.
في نهاية عملية الجلد المشهودة، يُسمَع صوت يقول “حلّت، حلّت الزيارة”، وسط هتاف “الله اكبر، الله اكبر”.
هذه الواقعة ومثيلاتها من أحكام الإسلام الوهابي الذي تعتبره دراسات وأبحاث كثيرة أحد المراجع الفقهية للتيار “السلفي” الذي تطورت فروع منه الى “السلفية الجهادية” التي تحاربها السلطات السعودية. أما حازم الأمين فيؤرخ ميدانياً لجذر فلسطيني قديم لـ”السلفية الجهادية” ولـ”القاعدة”، في كتابه “السلفي اليتيم”. الجذر ذاك، لابس الكفاح الفلسطيني المسلح في الأردن، منذ مطالع سبعينات القرن العشرين، وحمل لواءه الى أفغانستان، لاحقاً، عبدالله عزام، الفلسطيني. حرّكت مقتلة “شارلي ايبدو” ذاكرة سعود المولى، فكتب على صفحته في “فايسبوك” شذرة نموذجية عن ذلك الجذر في سيرة الفلسطيني شاكر العبسي الشهير لبنانياً. فبعد عمليات “أيلول الأسود” الــفــلـــسطينية الإرهابية في ميونيخ وسواها من خطف الطائرات المدنية وتفجيرها في نهاية الستينات، أرسلت حركة “فتح” شاكر العبسي لدراسة الطب في تونس العام 1973، لكنه ذهب الى ليبيا معمر القذافي، ودخل الكلية العسكرية الليبية، وتخرج فيها برتبة ملازم طيار في العام 1976. كأنه في هذا استبق عبقرية أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في 11 أيلول 2001 النيويوركي المرعب والرهيب. وفي العام 1983 انشقّ العبسي عن “فتح” مع أبو خالد العملة مؤسس “فتح الانتفاضة” الموالية لـ”سوريا الاسد” في البقاع والشمال اللبنانيين، إبان تأسيس الشيخ سعيد شعبان “إمارته الاسلامية” في طرابلس. وبالتعاون مع المخابرات السورية الأسدية اغتال العبسي قيادياً في منظمة التحرير الفلسطينية، وصار قائداً لـ”معسكر حلوة” التابع للعملة على الحدود اللبنانية السورية، حيث درّب أنواعاً مختلفة من الإرهابيين الإسلاميين، منهم جمال سليمان، قائد جماعة “انصار الله” التي خرجت منها “عصبة الانصار” في مخيم عين الحلوة الفلسطيني. وفي العام 2000 بدأ العبسي تعاونه مع أبي مصعب الزرقاوي. وغداة اغتيال رفيق الحريري العام 2005، كان “معسكر حلوة” الحدودي بقيادة العبسي يضم 80 مقاتلاً جهادياً إرهابياً، زحف بهم في العام 2008 الى مخيم نهر البارد قرب طرابلس، فكان ما كان هناك، قبل فرار العبسي وبعض معاونيه الى سوريا. وقد يكون اليوم أحد أمراء “داعش” في الصحراء العراقية السورية.

ذرى الجهاد الثلاث
قد يصحّ اليوم التأريخ لظاهرة الجهاد الاسلاموي، الدولي أو العالمي، بالتوقف في ثلاث محطات متلاحقة بلغت فيها جرائمه المنظمة ذرىً مشهودة وغير مسبوقة، آخرها مقتلة “شارلي إبيدو”.
المحطة – الذروة الأولى نجمت عن جهاد “الأفغان العرب” في أفغانستان إبان الحقبة الأخيرة من الحرب الباردة. فبعد انتهاء تلك الحرب بانهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان “الأفغان العرب” يجاهدون ضد احتلاله أفغانستان، انقلبوا الى الجهاد ضد “الشيطان الأكبر”، أي الولايات المتحدة الاميركية، وقاموا بـ”غزوة” 11 أيلول 2001 الإنتحارية المدوية في نيويورك وواشنطن. خطَّط لتلك “الغزوة” السعودي اسامة بن لادن والمصري أيمن الظواهري، المتأثران بـ”افكار” الفلسطيني عبدالله عزام الجهادية الإسلاموية في “قاعدة” الجهاد الأفغانية، ونفّذها جهاديون سعوديون في معظمهم، بينهم يمني ومصري ولبناني. وأدت المقتلة الى الاحتلال الاميركي – الدولي لأفغانستان الطالبانية، والى تشريد “الأفغان العرب”، وقيام الحرب الدولية على الإرهاب.
المحطة – الذروة الثانية نجمت عن الاحتلال الأميركي لعراق صدّام حسين في العام 2003. فبعد ذلك الاحتلال اتخذ مشرّدو “قاعدة الجهاد” الأفغاني العراقَ “قاعدة” جديدة لجهادهم، بقيادة سليل “القاعدة” الأفغانية، الأردني أبو مصعب الزرقاوي (أحمد الخلايلة)، الذي جعل الأنبار العراقية قاعدته وسمّاها “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” التي استمرت ما بين العام 2004 والعام 2006، وخبتْ واحتضرت بعد مقتل الزرقاوي. شهدت تلك الحقبة ظاهرة الذبح وقطع الرؤوس، وتزامنت مع عمليات جهادية إجرامية شهيرة في متروات الأنفاق بلندن ومدريد. لابست تلك الحقبة أيضاً ظاهرة الرسوم الكاريكاتورية الدانماركية الساخرة من الإسلام ونبيّه في العام 2005. استنهضت تلك الرسوم هبّة إسلاموية عامية في أرجاء العالم الإسلامي وجالياته المهاجرة في أوروبا خصوصاً، ونفخت فيها وغذّتها جماعات الاسلام السياسي وأجهزته كافة، الى جانب أجهزة “دول الممانعة” وجماعاتها الأهلية الموالية لسوريا الأسدية وإيران.
المحطة – الذروة الثالثة نشهدها ونعيشها اليوم متمثلةً في مقتلة “شارلي إيبدو” الباريسية المتناسلة من المحطتين السابقتين، لكن متوسلةً الثأر الإجرامي من رسّامي الكاريكاتور الفرنسيين. وذلك في خضم ظهور “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” المنبعث من مذابح بشار الأسد المستمرة للشعب السوري، ومن سفاح الدولة الملّية الديكتاتورية الإرهابية مع الإرهاب الجهادي الاسلاموي في عراق نوري المالكي وسوريا الأسد ولبنان “حزب الله”، بإدارة دولة الولي الفقيه الإيرانية. هذا السفاح عزَّزه الهجوم الإيراني الاستراتيجي في المشرق العربي من اليمن الى لبنان مروراً في العراق وسوريا، لملء الفراغ الذي أحدثه انهيار الدول الأمنية الاستبدادية العربية في خضم “الربيع العربي” وإطباق الجماعات الاسلامية على ثوراته. نجم عن ذلك كله، سعار الجهاد الارهابي في سوريا والعراق واليمن، جامعاً ما هبَّ ودبّ من الشبكات الجهادية الإرهابية العالمية في “دولة أبي بكر البغدادي” وخلافته الصحراوية بين الموصل العراقية والرقة السورية، وصولاً الى القلمون على الحدود اللبنانية، وتوغلاً في الديار الطرابلسية.

“الأميّة” أغوتا كريستوف تولد من الكتابة وعداوة 3 لغات

فبراير 24, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 4-02-2015

الأميّة

بعد الترجمة الرائعة التي أنجزها الشاعر الراحل بسام حجار لروايتَي أغوتا كريستوف، “أمس” و”الكذبة الثالثة”، أنجز محمد آيت حنا ترجمة لا تقلّ جودة لمجموعتها القصصية السيريّة، “الأميّة”، المنشورة لدى “دار الجمل” في مطلع 2015، استهلها بمقدمة تعرّف بالكاتبة وحياتها وأدبها، واختتمها بترجمة مقابلة صحافية معها، وبعددٍ من المقالات النقدية التي تتناول أدبها الروائي.

بتقشّفٍ صلب مثابر، ومن صميم قسوةٍ صامتة، جافة، كسيرة حياتها، تكتب أغوتا كريستوف جملها قصيرةً، مباشرة، وبدلالة دقيقة ثاقبة، واحدة في معناها الحاسم، من دون ظلالٍ ولا إيحاءات، ولا ميل الى الإنشاء وتعدد المعاني وتكثيرها. فهي تكتب من دون أن تكترث بالأسلوب أو الأسلبة، وضد سيولة اللغة والكلام. حتى أنها لا تكاد تروي، بل تحذف السرد الروائي، لتكتب على طريقة إميل سيوران شذرات أو توقيعات روائية، مستعيرة من الشعر كثافته وتقطيره، لتلغي شعريّته وتجعله كلاماً خَبَرياً خالصاً، طالعاً من صميم التجربة المادية العارية. وعلى الرغم من أن نصوص “الأميّة” مكتوبة كلها بضمير المتكلم الفرد، فإنها “لا تتموضع” في إطار روائي زمني ومكاني، على ما أشارت الناقدة مارتين لافال في مقالة لها عنوانها “غريبة الى الأبد”.

كاتبة العداوات الثلاث
تستهل كريستوف توقيعاتها القصصية الأولى في “الأميّة” على النحو الآتي: “أَقرأُ. الأمر أشبه بالمرض. أقرأُ كل ما تقع عليه يداي أو عيناي (…)/ أنا في الرابعة من عمري. الحرب (العالمية الثانية) بدأت لتوها./ كنا نسكنُ آنذاك في بلدة صغيرة، لا محطة فيها، ولا تتوفّر على الكهرباء، ولا المجاري، ولا خطوط الهاتف”. بلا شروح، ولا استطرادات، ولا تفسير، تُخبِرُ أن والدها كان “المعلم الوحيد في البلدة”. كلما أرادت أمها استبعادها من البيت عقاباً لها كانت ترسلها الى الصف الوحيد في مدرسة والدها، فيعطيها “كتاباً مصوراً” لتجلس في “أقصى القاعة”، حيث “أصابني مرض القراءة الذي لا شفاء منه”. في الرابعة عشرة من عمرها التحقت بمدرسة داخلية كانت في “منزلة ما بين الثكنة العسكرية والدير، ما بين الميتم والإصلاحية”. من اليتم والألم والقسوة والصمت في هذه المدرسة، وُلدِت الكتابة على “ما يشبه دفتر مذكرات”، متزامنةً مع تشرّد أسرتها: افتراقها عن أخويها ووالديها، فيما بات أغراب يسكنون منزلها العائلي في بولونيا نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد الاحتلال النازي الذي أعقبه احتلال روسي – سوفياتي.
في الحادية والعشرين من عمرها هربت مع زوجها وطفلها الرضيع لاجئة الى سويسرا، حيث ” ألفيتُ نفسي بالمصادفة المحض في مدينة يتحدث سكانها الفرنسية المجهولة تماماً بالنسبة لي”، “في ذلك اليوم من أواخر تشرين الثاني 1956، فقدتُ الى الأبد انتمائي الى شعب”، والى لغةٍ ايضاً. لكنها بعد 30 سنة من اللجوء والإقامة في سويسرا وفي
كنف اللغة الفرنسية، وُلدِتْ ككاتبة، من “عداوتها” لثلاث لغات – احتلالات: اللغة والاحتلال الألمانيان، ثم اللغة والإحتلال الروسيان – السوفياتيان لبلادها المجر، وأخيراً لغة
اللجوء الفرنسية التي رمتها لسنين في الخرس والصمت والعزلة.

عداوة ستالين والزواج والموت
“يوم وفاة ستالين ذهبَ الراقص الروسي رودولف نورييف، المنشق الشهير (لاحقاً)، الى خارج المدينة (قاصداً) البرّية (منتظراً) ان يحدث شيء عظيم، ان تستجيب الطبيعة للفاجعة. (…) كلا. لم تزلزل الارض الا ستة وثلاثين سنة بعد ذلك. (…) كان علينا انتظار كل تلك السنوات حتى يموت ابونا”، أي ستالين والنظام التوتاليتاري السوفياتي، مخلّفين ملايين الضحايا، ومُنزلين “افدح الضرر بالفلسفة والفن والادب في بلدان شرق أوروبا”. عن معسكرات اللجوء في سويسرا تكتب بأسلوبها المقتضب المتقشف: “اثنان منا عادا الى هنغاريا. شابان ذهبا ابعد، نحو الولايات المتحدة وكندا. اربعة آخرون ذهبوا ابعد وابعد، تجاوزوا الحدود الكبرى، كانوا من معارفي، وانتحروا إبان عامَي منفانا الأولين”.
هي العاملة في مصنع للساعات السويسرية، صارت حياتها
اشبه بـ”الصحراء. صحراء اجتماعية، صحراء ثقافية: ايام عمل كئيبة، أماسٍ صامتة،
حياة جامدة، بلا تغيير ولا مفاجآت ولا أمل”. هذا قبل تمكنها قليلاً من اللغة الفرنسية، وتدوين ما يشبه مذكراتها، مستعينةً بالقاموس.
بعد سنوات كثيرة “اتجوّل في برلين رفقة مترجمتي. نتوقف امام المكتبات. في الواجهات روايتي الثانية. وفي منزلي رواية “الدفتر الكبير” (الاولى) مترجمة الى 18 لغة”. جوابا منها عن سؤالٍ وهو عنوان لقصة “كيف يصير المرء كاتباً؟”، تكتب: “ينبغي في البداية أن تكتب، بالطبع. ثم ينبغي
بعد ذلك الاستمرار في الكتابة. حتى حين لا يثير الامر اهتمام احد”. لكنها في المقابلة الصحافية معها، المنشورة في “ملف” ختامي مرفق بترجمة “الأمية”، تجيب عن سؤال:
“كل الاشياء سواء، حتى الكتابة. لقد منحتني الكتابة الكثير، لكنها ما عادت تمنحني الآن شيئاً”. في موضع آخر من المقابلة تقول: “حين تصير لا شيء، فقط آنذاك تستطيع ان تصير كاتباً”. ثم تذهب أبعد: “لمَ على المرء ان يستيقظ صباحاً، ما دام كل شيء سيان؟”. هذه الكلمة الاخيرة هي ايضاً عنوان احد كتبها. وحين تسألها الصحافية: “مع ذلك لا تزالين ترغبين في الحياة؟”، تجيب: “ليست لديَّ ادنى رغبة في الموت. اجد الحياة قصيرة جداً. بعد الحياة سنكون ميتين طوال الوقت”. وتقول ايضا: “تزوجت مرتين. اسوأ ما في حياتي هما زوجاي. أمقتُ الزواج. انا سعيدة لأنني خرجت سالمة من التجربتين. احب الرجال كثيراً عندما لا يكونون ازواجاً”. واخيراً: “احبّ أن أنام، لأنني اعلم اني سأحلم”. لكن في “المقابل تأتيني الكوابيس ايضاً: أُلفي نفسي في المدرسة (الداخلية) او متزوجة”.

التشاؤم العدمي الفطري
الأرجح ان تشاؤم اغوتا كريستوف العدمي أفدح مما لدى البولوني المنشق عن النظام السوفياتي والهارب الى فرنسا، اميل سيوران، الذي يكتب تشاؤمه العدمي في صيغ فلسفية وجودية، بينما تترك كريستوف تشاؤمها العدمي بلا صوغ، بلا تصريح. تستلُّهُ خفيّاً راعفا من التجربة الوجودية العارية او “الفطرية”، على ما يشير مترجم “الأميّة” في مقدمته، من دون تقليب معانيه على وجوه شتى.
لكن من هي أغوتا كريستوف؟
إنها من صنف كتّاب أوروبا الشرقية والوسطى المنشقين والمهاجرين من بلدانهم التي تلقت أقسى مآسي القرن العشرين، أي الاحتلاليين النازي والروسي – السوفياتي. وهي ولدت العام 1935 في قرية تشيكفاند المجرية، وهجرت بلدها ولغتها، شأن بيكيت وكونديرا وسيوران، وأقامت في مدينة نيوشاتل السويسرية، حيث وجدت نفسها في “وضع امرأة أميّة”، قبل أن تتبنى
اللغة الفرنسية، “مثل طفل يتعلم لغة ما” وهي في العشرين. تشرّبت الفرنسية والكتابة بها لتغرق في “النسيان” و”تمحو”. وصفها ناشرها الفرنسي في “دار سوي” الباريسية، في
نعيه لها بعد وفاتها العام 2011، بأنها “الوارثة الشرعية لأدب كافكا”.
اليوم، بعد ترجمة أربعة من كتبها الى العربية، يعكف مترجم “الأميّة” و”الدفتر الكبير” على ترجمة اعمالها الأخرى، لتنشرها تباعاً “دار الجمل”.

الإغراء العربي في صوره المتعدّدة… في مديح نساء الإعلانات

فبراير 24, 2015

محمد ابي سمرا

المدن في 14-01-2015

الإغراء العربي في صوره المتعدّدة... في مديح نساء الإعلانات - See more at: http://www.almodon.com/culture/97e42add-7c6e-466f-a31c-2a68036fa588#sthash.poxHm7BZ.dpuf

من لون حبة كرز نبيذية وشكلها، ولدت رغبتُه المراهقة، فيما هو يحمل حبّة الكرز تلك، الى مدرسته، ليقدمها الى تلميذة اسمها مريم، هام بها وباسمها على مقاعد الدراسة في صف السرتفيكا. ضدّاً للقسوة والعنف في حياته البيتية والمدرسية، ولدت رغبتُه المراهقة، المتخيلة المفارقة. كان من فتيان المراهقة المديدة وشبانها في بيروت النصف الثاني من ستينات القرن العشرين والنصف الاول من سبعيناته، قبل أن يأخذهم نداء الحرب لاستكمال تيههم في صحراء تلك المراهقة المديدة.
في تلك الصحراء كانت البنات هاجساً وثنياً أو شبه دينيّ، لهروبٍ وخلاصٍ مستحيلين. كان الدين الوثني الجديد – وهو ما سيعلم أولئك الهاربون، لاحقا، أنه ما يسمى الحداثة – قد وَلَّدَ رغبة عمياء للهروب من الولادة من أمهات قديمات، عديمات الأنوثة، كالحياة البيتية والأسرية.حبة الكرز النبيذية الانثوية تلك، لم تكن للأكل، بل للزينة  والترف والاناقة. وهذه مؤنثة وأنثوية كلها، ضداً للامهات في حركاتهن وأزيائهن وكلماتهن، وفي حضورهن ووجودهن كله. صحراء المراهقة المديدة، دينُها والتيهُ الوثني فيها، من صنائع حداثة وتحديث بصري وشكلاني، مَدارهما ومِدادَهما البنات والنساء في حضورهن الأنثوي، والتعلّق بهنّ، في محاولة مستميتة للولادة الجديدة منهن، من أنوثتهن المحدثة الرقيقة المترفة.

التائهون في صحراء تلك المراهقة، كان توقُهم الى الحداثة الأنثوية المترفة ينطوي على رغبتهم في الولادة من نساء عذراوات، يغدقن عليهم الأمومة التي أغدقتها مريم العذراء على يسوع المسيح. أمومة هي مزيج غامض من لون الكرز النبيذي والزرقة البحرية والضوء القمري واسود الليل والنجوم. مزيج غامض من الطمأنينة الطفلية البلا جنس ومن دم الأنوثة الزهري الذي يدهم البنات عند بلوغهن.

إنه دم البلوغ الزهري الذي روت امرأة دمشقية أن أمها، مع نسوة من قريباتها وجيرانها في الحارة، أقمن له في بيت أهلها احتفالاً أحرقن فيه زغب عانتها والجلد تحته، بملعقة كبيرة من حديد متجمّر يستعمل لتحريك البن الأخضر في أثناء تحميصه في البيوت.

                                ******
في صحراء مراهقتنا المديدة، قبل أن نبيعها للحرب في بيروت، عبدنا صور نساء الإعلانات، وكلمات شعرية وأدبية صنعنا منها البوماً للصور، وعبدنا أيضا أصواتاً رصّعنا بها الصور. هي الصور، ولا شيء غير الصور، ما صنعت رغباتنا ومخيلاتنا العاطفية والجنسية المحدثة ضدّ أمهات ولدن قديمات مسنات في زمن دهري يجهل الصور والمرايا. أمهات بلا أنوثة ولا مرايا، قاسيات على اطفالهن قسوتهن على أنفسهن. وحدها الصور والمرايا تصنع الأنوثة المحدثة التي تهنا توقاً لامتلاكها في صحراء مراهقتنا المديدة.”متنا غرقاً في أحلام اليقظة. متنا غرقاً في غربتنا حول الشمس. هل رأت التلميذة ذات المريول الازرق جمجمتي بين الحفريات”. هذا ما كتبه الشاعر حسن عبدالله في قصيدة له عن “صيدا”. كنا، نحن التائهين في صحراء مراهقتنا المديدة، نقرأ هذه القصيدة وسواها من أمثالها، كأنها إنجيلنا اليومي لعبادة الصور:

صورٌ فوتوغرافية بالأسود والأبيض الضوئي والرمادي، ثم بالألوان الطبيعية، لفتيات ونساء إعلانات على صفحات مجلات فنيّة ونسائية وترفيهية، وعلى الشاشات التلفزيونية والسينمائية.
كلمات على صفحات كتب، تبعثُ في مخيلاتنا الوليدة من الحداثة الأنثوية، صوراً، ظلالَ صور بعيدة نائية، وتفتقد الحسيّة البصرية الملونة المترفة لنساء وفتيات الإعلانات.أصوات لمغنيات ومغنين لا تنشر كلماتها المغنّاة في أسماعنا سوى صورٍ لنساء كنساء الإعلانات.

هن نساء الصور إذاً، أوثان شهواتنا في صحراء مراهقتنا السرابية المديدة التي ولّدت مخيلاتنا ورغباتنا وحداثتنا وكلماتها المنتشية نشوة مثليّة بالفتيات والنساء من حولنا: بسفورهن، بأزيائهن على أجسامهن وجلودهن، بتنانيرهن وفساتينهن المنحسر قماشها الماجن الأنيق عن سيقانهن، عن وبر سيقانهن، عن أعالي صدورهن. بثيابهن كلها خالية من أجسامهن على حبال الغسيل، في العتمة الباردة في خزائنهن البيتية، خلف زجاج الفيترينات المشعّة بالأضواء المسائية على الأرصفة.

امرأة دم البلوغ الزهري المحترق مع زغب الأنوثة والجلد تحته في مراهقتها الدمشقية، روت أيضاً أنها في نضوجها النسوي البيروتي، لم تلبس بناطيل الجينز سوى مرات قليلة. أهملتها شوقاً الى عري ساقيها وتلامس فخذيها التلقائي تحت الفساتين والتنانير التي يتلاعب الهواء بقماشها الرقيق. كأنما من ذلك العري الخفيّ، الماجن المترف، أخذت تطلع ضحكاتها المقهقهة في مجون تلقائي طائش. مجون لا تدري إن كان ينطوي على أثر من انبهارها بمشهد مارلين مونرو في صورة لها شهيرة، حينما فُوجئت بطيران فستانها الأبيض الفضفاض عالياً كفراشةٍ في الهواء وسط الشارع. هذا، فيما هي، مارلين مونرو، تتدارك بيديها عري فخذيها الفاتن كضحكاتها الاستعراضية الخجولة الماكرة التي لا يعلم أحد إن كانت طالعة من عريها العلني في الشارع، أم من تعرّض عريها لعدسة الكاميرا الإعلانية.

******

فتيان وشبان المراهقة المديدة في ستينات بيروت وسبعيناتها من القرن العشرين، في كهولاتهم يتجرّؤون على مديح نساء الإعلانات المغفلات المجهولات، توقاً الى حداثة وثنيّة وصورية لا تزال بيروت تحتفي بها، بالرغم من اكتهال حداثتها التي هيهات أن تتجاوز استعراض الأزياء والسيارات.
ألا فلنحتفي بهذه الحداثة تداركاً لقسوة الذكورة العمياء الزاحفة من الصحراء القريبة.

سيرة سمير جعجع لندى عنيد: مرآة لمأساة المسيحيين

يناير 25, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 24-01-2015

سمير جعجع

تشكل هذه السيرة فصلاً من مأساة مسيحيي لبنان، الموارنة تحديداً، منذ عشية “اتفاق القاهرة” في العام 1969، حتى “اتفاق الطائف”. وهي، اضافة الى ما رواه أسعد الشفتري وبول عنداري عن “السنوات الكالحة”، تنبّه الى أن ليس هنالك من سير واعترافات عن الحرب رواها قادة ميليشيات ومقاتلون من الأطراف الآخرين غير المسيحيين.

كتبت ندى عنيد سيرة قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع، باللغة الفرنسية، قبل أن تنقلها دانيال صالح الى العربية، وتنشرها دار “نوفل” في عنوان “سمير جعجع: حياة وتحديات” في إصداراتها للعام 2015. وهي وضعت كتاباً عن حياة أنطوان نوفل، مؤسس “مكتبة أنطوان”، ضمنته تاريخ المكتبة في لبنان. هذا ما أوردته على الصفحة الأخيرة من كتابها عن سمير جعجع، وذكرت أيضاً أنها سجلت له 18 ساعة من الأحاديث، واستعانت بأبحاث أجرتها “لمواكبة قصته الشخصية وتحديد الاطار السياسي والتاريخي الذي دارت فيه”. في الصفحة الاولى من الكتاب شكرت الذين ساعدوها وتعاونوا معها لإنجازه، ومنهم من يبدو أنها حصلت على شهاداتهم: بيار أبو ماضي، إدمون رزق، كريم بقرادوني، سمير فرنجية، روجيه ديب، إيلي كيروز، إدي أبي اللمع، ستريدا جعجع، رجا الراسي، طوني عون، عيسى غريب، وأسعد الشفتري. وهؤلاء تقول إنهم “حركوا ذكريات” تتعلق بزمن صاحب السيرة وحوادثه.

السيرة بين صاحبها وكاتبها
في مقدمتها للكتاب تذكر عنيد أنها بدأت بمشروع تأليفه بعد خروج سمير جعجع من السجن في العام 2005. في بداية أحاديثه معها “أبدى بعض التحفظ”. لكنه “شيئاً فشيئاً راح يتكلم بصراحة متزايدة” و”تبدّد تحفظه”، بعدما تجاوز مسألة “أن يكون، مرة جديدة (أي بعد السجن والمحاكمات والاتهامات الموجهة إليه فيها) الوحيد الذي يجد نفسه، بين أطراف الصراع، مضطراً لتبرير مسار عسكري وسياسي خاضه وسط الحرب وضراوتها”. تشير الكاتبة ايضاً الى أن السيرة التي كتبتها غير “مأذونة، بالمعنى المعهود” لهذه الكلمة، “لأن سمير جعجع لم يطرح أي شرط مسبق، ولم يُعِدْ قراءة النص، ولم يوافق عليه أو يُدخل عليه أي تعديلات قبل” نشره. وذلك للقول إنها هي راوية السيرة ومؤلفتها، من دون تدخل صاحبها، إلا في ما رواه لها مشافهةً، قبل قيامها بالكتابة والتأليف اللذين أنجزتهما على نحوٍ مستقل عنه.
الكاتبة في توكيدها هذا إنما تشير إلى مسألة بديهية، مبدئياً، في كتابة السير التي تفترض، أصلاً، خيارات لا تحصى من أشكال التأليف وأساليبه، ومن طبيعة العلاقة بين صاحب السيرة والكاتب المؤلف. والحق أن هذه العلاقة، على اختلاف أنواعها، لا تنجو من الالتباس والتعقيد اللذين يلابسان دائماً رواية كل خبر عن الحوادث والاشخاص وأدوارهم. فما يقوم به كاتب السيرة ومؤلفها ينطوي على عمل تأريخي مداره ومحوره مَن تُروى سيرته التي يمكن روايتها على أشكال وأساليب تفوق الحصر. منها السهل، الذي يخلو من العمل التأريخي والتأليفي، حينما يكتفي الكاتب بتدوين ما يرويه الراوي، صاحب السيرة. لكن حتى في هذه الحال لا تنجو الرواية من تدخل صاحب السيرة، في سياق خبره عن الحوادث، وما دام الخبر، كل خبر عن حادثة ما، ينطوي أصلاً على ترجمة وتعليل وإعمال للنظر والتفكير والرغبة، لتحويل الحادثة الى خبر عنها، له منطقه المنفصل والمختلف عن منطق وقوعها.
في هذا السياق لا بد من الاشارة الى أن ندى عنيد بالغت في التخفيف من صلة صاحب السيرة بكتابتها وتأليفها، إذ كان يكفي أن تذكر أنه لم يضع شروطاً مسبقة عليها، وعزف عن قراءة سيرته التي كتبتها، قبل نشرها. هذا مع العلم أن من الصعب على مَن يعهد الى كاتب وضع سيرة له – وخصوصاً إذا كان من أمثال سمير جعجع وفي موقعه من الحوادث التي يرويها أو تُروى عنه – ألاّ يقرأ سيرته بعد كتابتها، وقبل دفعها الى النشر. نضرب صفحاً عن هذه التوكيدات والمبالغات التي ساقتها الكاتبة في مقدمتها، منقادةً برغبتها الفائضة في التشديد على استقلالها في عملها، وعلى تحملها هي المسؤولية الأدبية عما روته، وإضفائها الصدقية عليه. ذلك أن ندى عنيد في عملها الكتابي التأليفي، نجحت عموماً في إضفاء طابع “روائي – درامي” على السيرة وأسلوبها وتقطيع فصولها. فهي وظفت ما رواه لها سمير جعجع من وقائع حياته وتجربته في سياقات وفصول متشعبة ومتقاطعة تنمّ عن حساسية روائية – تأريخية في الكتابة وتأليف السيرة.
لا بد من الاشارة هنا الى أن كتابة السير تفترض علاقة شديدة التعقيد بين صاحب السيرة، وروايته الأولية الشفهية المبعثرة، وبين مَن يقوم بتسجيلها ويتدخل في روايتها وسياقاتها وتعيين أدوار الفاعلين في حوادثها، ويقارن الرواية الأولية بسواها من الشهادات. هذا قبل الشروع في نقل المادة الأولية من اللغة الشفهية الى اللغة الكتابية، وهو عمل يتضمن، الى جانب الترجمة من لغة الى أخرى، جملة من أعمال دقيقة مضمرة، تؤدي، أخيراً، الى تأليف السيرة وفق منطق وخيارات كتابية، مستقلة ومختلفة عن منطق الرواية الشفهية. المنطق والخيارات الكتابية، هما من صنيع المترجم – الكاتب أو المؤلف، قدر ما هما ايضاً من صنيع الراوي الاول، صاحب السيرة. الصنيع المزدوج هذا، يندمج أو يندغم فيه راويان تقوم بينهما علاقة تواطؤ وصراع واستدراج وتورط وتوريط واستعمال أقنعة وإزالتها. وفي حال الإقرار بهذه العلاقة المعقدة بين الطرفين، يمكن فن كتابة السيرة أن يتحقق على الوجه الذي بالغت الكاتبة في الاشارة اليه في مقدمة كتابها.

المسيحيون بين اتفاقين
تشكل سيرة سمير جعجع فصلاً من مأساة المسيحيين، الموارنة اللبنانيين تحديداً، منذ نهايات ستينات القرن العشرين، عشية توقيع “اتفاق القاهرة” بين قيادة الجيش اللبناني وزعيم منظمة التحرير الفلسطينية المسلحة، ياسر عرفات، في العام 1969.
مذذاك، بدأ “القلق” يساور سمير جعجع الفتى المولود في 25 تشرين الأول 1952 “لعائلة مسيحية متواضعة ربّته على ايمان قوي، مكّنه من تحمل الحرمان”، فـ”عرف الجوع والبرد في حي المجادلة الشعبي المكتظ على تخوم بيروت”، قبل انتقال عائلته للاقامة في عين الرمانة، حيث خالط في مدرسة فرن الشباك الرسمية تلامذة من “أنصار الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي”، فـ”أخافته” عقائدهم، كما “أقلقت الخلايا الطلابية لحزب الكتائب” اللبنانية. فهو “لم يكن يتقبل (قط) الإلحاد الذي كان يجاهر به الشيوعيون”، ولا يتقبل ايضاً “دعمهم الصريح للوجود الفلسطيني المسلح في لبنان”. لذا أخذت “مشاجرات شرسة بالحجار والعصي تدور بانتظام” بين الشيوعيين والقوميين السوريين من جهة، والكتائبيين من جهة أخرى. ثم نظّم الكتائبيون “محاضرات اسبوعية لإبعاد خطر” تلك العقائد “عن البلد (…) فلم يفوّت سمير أياً من تلك المحاضرات”. كان “نحيلاً صموتاً متكتماً”، فـ”لفت انتباه كريم بقرادوني، مسؤول مصلحة الطلاب في الكتائب”. بعد مدة قصيرة، كان ذلك الفتى النحيل في عداد الطلاب الكتائبيين الذين أخذوا يتدربون عسكرياً لمرتين في الشهر، في مخيمات قرب بكفيا.
وإذا كان “اتفاق القاهرة” الذي أطلق حرية السلاح الفلسطيني في لبنان، قد أدى الى تسلح شبان وفتيان مسيحيين، فإن “اتفاق الطائف” في العام 1989، وضع خاتمة لحرب أهلية ملبننة أدت، في ما أدت اليه، الى هزيمة “القوات اللبنانية” بقيادة سمير جعجع، والجيش اللبناني بقيادة ميشال عون (أي “الارادة المسيحية”)، كما الى هزيمة المنظمات الفلسطينية المسلحة وخروجها من لبنان الذي احتله الجيش السوري، وفرض عليه وصاية أمنية وسياسية، واعتقل سمير جعجع وسجنه في 21 نيسان 1994، حتى العام 2005.

خطّان متوازيان للسيرة
على خطّين متوازيين كتبت ندى عنيد سيرة جعجع: مسيرة حياته بين “اتفاق القاهرة” و”اتفاق الطائف”، أي سيرته القتالية والسياسية في “القوات اللبنانية”، وصولاً الى قيادتها، حتى اعتقاله. أما الخط الثاني فيروي يوميات حياته في سجن وزارة الدفاع، وما تعرض اليه من تعذيب ومهانات ومحاكمات، حتى إطلاقه بعد 11 سنة. لكن الكاتبة المؤلفة تمزج أحياناً بين خطَّي السرد، فتستدعي وقائع ومحطات من سيرة جعجع الحربية والسياسية وترويها في سياق روايتها عن أوقات سجنه.
يتضمن الكتاب معلومات عن مصير “القوات اللبنانية” بعد “اتفاق الطائف” الذي تكتب عنيد في تمهيدها للسيرة، أنه “سمح لنا بالخروج من دوامة العنف للشروع في اعادة بناء حياتنا”. فـ”أقصينا بمعظمنا (…) أحقادنا ومخاوفنا وأخفيناها في زاوية بعيدة من نفوسنا، وكتمنا الكثير”، و”تصرفنا جميعاً وكأن كل ما حصل لم يحصل”. حتى ما حلّ بقائد “القوات اللبنانية” وأنصاره “لم نعره ما يستحق من أهمية وانتباه، لأن أمير الحرب ذاك (…) كان يجسد السنوات الكالحة التي كنا نسعى بأي ثمن لمحوها من ذاكرتنا”. وفيما “بات في وسعنا أن نجوب بلداً بدأنا للتو باستكشافه من شماله الى جنوبه (…) مأخوذين بفرحتنا”، كان “ستة آلاف قواتي يوقفون في وزارة الدفاع، بالتزامن مع اعتقال سمير جعجع. وحين أطلق سراحهم كانوا مذعورين مدمرين جسدياً ونفسياً”. وقد يكون ما روته عنيد في الفصل الثاني من كتابها عما كان يحدث في “أقبية وزارة الدفاع”، يشكل وثيقة عن القسوة التي تعرض لها “القواتيون” وعائلاتهم. فـ”بعضهم لم يعد سوى ظلٍ (…) أقام حوله جداراً من الصمت عزل نفسه خلفه، والبعض الآخر غادر البلاد الى غير رجعة”. وعدد هؤلاء يبلغ “عشرين ألفاً من مقاتلين ومسؤولين ومناصرين. ومن أصل 8600 مقاتل و50 ضابطاً من “القوات، تمت الموافقة على ضم بضع مئات” ودمجهم في الأجهزة الأمنية وقوات الجيش”.
سيرة سمير جعجع كما روتها ندى عنيد، اضافة الى ما رواه أسعد الشفتري وبول عنداري عن “السنوات الكالحة”، تنبّه الى أن ليس هنالك من سير واعترافات عن الحرب رواها قادة ميليشيات ومقاتلون من الأطراف الآخرين غير المسيحيين.
لكن هل تساهم الروايات والاعترافات في التخفيف من حال الاستنقاع والتعفن التي نعيشها اليوم؟

فادي طفيلي “يقتفي أثر” جثّة متحلّلة في زقاق البلاط

يناير 25, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 21-01-2015

اقتفاء اثر

“مرويات في المدينة والأمكنة والأحياء”، عنوان فرعي لكتاب فادي طفيلي، “اقتفاء أثر”، الصادر عن “أشكال ألوان” في بيروت، 2015. الكتاب يحوي 5 فصول منها: “الخريطة العمياء” لجثة متحلّلة في زقاق البلاط، و”فاصل المدينة الميتافيزيقي” عن مقبرتي “الباشورة” و”روضة الشهيدين”، و”عشبة برّيّة مسترخية على جدار” عن حي الخندق الغميق.

يفتتح فادي طفيلي “اقتفاء أثر” العمران والبشر في حي زقاق البلاط البيروتي بخبر مجهول المصدر “عن ملابسات العثور على جثة مشوّهة، قيل إن الرجل (صاحبها) كان قد تعرّض لمواد متفجرة هشّمت أعلى جسده على نحوٍ كامل، وجعلته أشبه بكومة لحم رخوة ومبعثرة”. الخبر الثاني عن “الذين خطفوه (المجهولين بدورهم) واقتادوه من شارع
محاذٍ لمدرسة الإرسالية الإنجيلية، التي كان يعلّم فيها اللغة الإنكليزية ويبشّر بالإنجيل على نحو جامح” في زقاق
البلاط. “بعد مضي نحو أسبوع على اختفائه (…) سرَتْ في أوساط التلاميذ (…) شائعة مجهولة المصدر، تفيد بأن
الذين اختطفوه” فجّروا “جسده الكبير” بوضعهم “رزمة من الديناميت في فمه”. وكان المدرّس والمبشر الإنجيلي “أستاذ” الراوي – الكاتب “في المدرسة الإنجيلية من العام 1979 حتى اختفائه وظهوره (في الحي) جثّة ممزقة عام 1981″. وهو ايضاً “غريب” في العقد الخامس من عمره، و”لم يُعرف له أبناء أو أخوة أو زوجة أو أقارب”، كي يستردّوا جثته بعد قتله، على ما كتب عباس بيضون في قصيدة له: “حين قتلوا الصديق استردّوه/ هكذا سيعيدونني الى أهلي”.
أما مقتفي أثر جثة هذا الغريب، أي الراوي الكاتب فادي طفيلي، تلميذه، فمصاب بما يمكن تسميته امحاء الذاكرة. فقبل تعرّفه الى المدرّس كانت ذاكرته “شبه فارغة ومخدّرة”، بفعل ما يحسب أنه “الهلع” الطفلي الذي لابس تهجيره وأهله “من منطقة (أصابها) التطهير الطائفي” في حرب السنتين (1975 – 1976)، ليحلوا في زقاق البلاط منذ العام 1977. آنذاك كان هذا الحي البيروتي العريق “يشهد (بدوره) تطهيراً طائفياً، على نحوٍ أكثر تنويعاً وتقنّعاً وفوضوية”.

مطاردة الأشباح
صاحب الذاكرة الطفلية التي محاها هلع التهجير، سرعان ما لابس ذاكرته هلع آخر متسرّب إليها من أطياف جثة مدرّسة كُتِمَ خبرها في الحي، وتُركت لسريان الشائعات والتهاويم. ومن نواةٍ مسكونةٍ بالهلع والكتمان والتهاويم، يكتب فادي طفيلي “سيرته” و”سيرة” العمران والبشر في زقاق البلاط، مطارداً الجثة وأطيافها كما تطارده، فيُدخِلها مدار الكتابة السردية، كمن يحاول الشفاء من عارض هجاسيّ أو سرسابي ألمّ به منذ الطفل. لكن هذه الكتابة الطالعة من تلك النواة السرية المعتمة في “ذاكرة شبه فارغة ومخدّرة”، تجعل الجثة ذريعة داخلية لإحياء الذاكرة والمخيلة، أو الذاكرة المتخيلة التي تحوّل المخاوف والهلع والتهاويم والأطياف والهواجس الدفينة وأشباح الراحلين والموتى والمشاعر المكتومة، حقائقَ مادية ملموسة، وخرائط مرئية للعمران وبشر العمران في الأماكن، كما تحوّل هذه كلها أطيافاً وأشباحاً تهوّم في الأماكن نفسها، كتهويم أرواح الراحلين والموتى في المقابر وحولها. في عمله المزدوج المتناوب هذا، هَلِعاً صامتاً وكالعميان، يقتفي فادي طفيلي الأثر ويرسم خرائطه في المكان صروحاً عمرانية اقتُلِعَ منها ساكنوها وأصحابها خائفين هلعين وفي صمت مريب، فاحتل تلك الصروح بشرٌ أشداء أقاموا فيها فوضى “اجتماعهم” الحربي الشرس الذي لم يُبقِ من آثار البشر المقتلعين الهاربين سوى أطيافٍ وأشباح. هذا من دون أن تتوقف جثة المدرّس عن بثّ أشباحها في الحي متلبّسة “زواياه وأزقته الصغيرة، كأنها تمارس فعل انتقام مثابر”، “صامت وشامل” من قدامى الاشخاص الذين بقوا مقيمين في الحي، كاتمين “خبر الجريمة” ومحاولين “نفيه ونسيانه طوال سنين”. من هؤلاء يكتب الراوي الكاتب صاحب “اقتفاء أثر” زقاق البلاط وبقايا صروحه العمرانية المهجورة وأطلاله التي “يتأكلها الغبار في مدينة التحولات الجارفة” منذ نشوء ذلك الحي “واحداً أوائل أحياء بيروت” الجديدة في حقبتها العثمانية الأخيرة.
فادي طفيلي، قدر ما هو راوي هواجس وذاكرة مكتومة ومسكونة بالأشباح والاطياف المهوِّمة في “اقتفاء اثر”، هو ايضاً راوي وقائع وتحولات عمرانية واجتماعية من تاريخ زقاق البلاط الذي “غدا في القرن التاسع عشر حياً للقصور وبيوت القناصل الأجانب والولاة ومتسلّمي بيروت ومشتى لمتصرفي جبل لبنان”. هذا قبل ان يصير في حرب السنتين “فضاء مدينياً ممسوساً، حافلا بالعيش المضطرب وبالجماعات المسلحة وبهياكل القصور البورجوازية وبقاياها وبالبيوت القديمة وأبنية حقبة الستينات المرفّهة”.

هشاشة البورجوازية
الحق أن نشأة زقاق البلاط وعمرانه ما بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى عشايا الحروب الملبننة (1975) مروراً بمحطتها الصغيرة في العام 1958، يبدوان في سرديات طفيلي مرآة لهشاشة
البورجوازية اللبنانية وأخلاطها القومية والعرقية والطائفية، ولسرعة تخلّيها عن ذاتها وعما تنشئه من عمران واجتماع، حيال كل طارئ مستجد. كأنها في هشاشتها وتخلّيها هذين شتاتُ أو نتفُ جماعات أتت بها سككُ الهجرات وموجاتها من ديار اقتُلعتْ منها في أوقات حروب وتطهير عرقي، فحلّت في عاصمة ما سمّي “ملجأ الاقليات المضطهدة”، وأقامت على عجل قصورها وصروحها العمرانية والمعمارية الجديدة المترفة واجتماعها “الكوزموبوليتي” في ظل نفوذ القناصل والبعثات التعليمية والتبشيرية الغربية الوافدة الى بيروت المزدهرة والمتوسعة خارج اسوارها القديمة، منذ عشيات صيرورتها عاصمة لولاية عثمانية في العام 1888، حتى ستينات القرن العشرين. فطوال هذه الحقبة لم يستقر ما بُني في زقاق البلاد على حال، بل ظل يستقبل وافدين ويودّع وافدين أقدم منهم. وقد تكون الجالية الأرمنية الوافدة واقامتها ونشأتها كبورجوازية جديدة متلبننة في زقاق البلاط وجواره، المثال الأنصع لهشاشة البورجوازية اللبنانية بفئاتها كلها في الحي وفي الأحياء البيروتية المجاورة، ولسرعة تخلّيها عن موطن نشأتها واقامتها، وتفرّقها أيدي سبأ خارج لبنان. هكذا “تَخلِفُ جماعاتٌ جماعاتٍ وتجتاحها، وتملأ جماعاتٌ فراغ جماعاتٍ أخرى مغادرة”.
لذا يوحي كل شيء في زقاق البلاط بأن “الحياة الجارية”
فيه ليست “سوى حياة ثانية تقوم على مسرح حياة سبقتها”. كأن كل “قادم جديد” يبدو شبيهاً بـ”مختلسِ منزلِ راحلٍ غادرَ قبل قليل تاركاً خلفه
في بيته المتروك رائحة عطرة”، حتى ظهور شبح تلك الجثة و”تغلغله في تفاصيل أمكنة اخذت تتحلّل بصمت وكتمان، حتى صبيحة 6 شباط 1984″. فبعد تلك الصبيحة “خُلعت ابواب مئات الشقق في بنايات زقاق البلاط”. ووسط “سلسلة متصلة من الذعر وأخبار الاغتيالات والتصفيات وعمليات الخطف (…) دخل مسلحون صالون المزين النسائي الأرمني، وأردوه وغادروا بهدوء”. هذا فيما كان “احد مسؤولي المسلحين يحطم بنفسه باب شقة في بناية المطرانية الارمنية (…) كأنه يصفّي حساباً شخصياً وثارات قديمة تغلي في شرايينه”. هكذا حدثت “حركة نزوح ارمني كثيف من زقاق البلاط ومحيطه”، فلم يبقَ من 30 الف أرمني سوى بضع مئات، لم يبقَ منهم أحد اليوم على الارجح.

“شعوب الشعب اللبناني” لحازم صاغية وبيسان الشيخ : الحرية السياسية المتوحشة على مثال حربي

يناير 25, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 13-01-2015

شعوب الشعب اللبناني

في كتابهما “شعوب الشعب اللبناني – مدن الطوائف وتحولاتها في زمن الحرب السورية (“دار الساقي”، بيروت، 2015)، يجمع حازم صاغية وبيسان الشيخ تحقيقات واستطلاعات ميدانية قاما بها “بين اوائل العام 2013 واواسط 2014 في مناطق (من) لبنان”، فبلغت “13 جولة صحافية، بدأت بطرابلس وانتهت بمرجعيون، ونُشرت (تباعاً) في صحيفة الحياة”. قادهما الى ذلك “اقتناع بأولوية العمل الميداني”، وسأم من “تهالك افكار كبرى” متقادمة صارت من سقط الكلام الذي يطرح على الوقائع والخبر عنها والتأريخ لها، قناعاً صفيقاً من اكاذيب وغرضيات وخرافات تؤدي الى الجهل في “فهم ما يجري حولنا وتحت اقدامنا”، على ما اشار الكاتبان في مقدمة الكتاب.

يجمع هذا العمل شذرات من معرفة واسعة بالتاريخ الاجتماعي و”السياسي” والانتخابي النيابي والعائلي والحزبي، وبالصراعات والمنازعات والتحولات، في المناطق اللبنانية وحواضرها أو مدنها وبلدانها المحلية، وخصوصاً المسيحية (زغرتا وبشري وزحلة والبترون وجزين) منذ القرن التاسع عشر حتى نهايات القرن العشرين وبدايات الالفية الثالثة.
تشكل الحروب الأهلية الملبننة، بعواملها الاقليمية، الفلسطينية والسورية والعربية، معطوفة على العوامل الداخلية المحلية اللبنانية العامة، بؤرة أساسية حاسمة في تأليف الكاتبين بورتريهات ولوحات بانورامية موضعية للتحولات التي عاشتها المناطق اللبنانية، وصولاً الى أثر الحرب السورية الراهنة في هذه المناطق.

العائلات والفيض الجماهيري
شذرات السرد التأريخي الموضعي المتقطع لأحوال الاجتماع “السياسي” الأهلي المحلي على المدى الطويل، تمازجها روايات متقطعة لعشرات الأشخاص من أهالي المناطق والمدن والبلدات التي تُروى وقائع من تواريخها المحلية ومحطاته وتحولاته. ويخلص صاحبا هذا العمل الى أن ما يضرب المجتمع اللبناني من “انهيارات” و”تفتّت” راهنين، “ينحطان به الى سوية شعوب يصعب أن تجتمع على شيء كما تجتمع على تناقضاتها” التي ينجم عنها شظايا “تواريخ محلية، بعضها القليل مشترك، وبعضها الكثير متنافر”. التواريخ المتشظية هذه، هي ما يرويها كتاب “شعوب الشعب اللبناني” الذي تقوم البنى العائلية والقرابية مقام الركن من الاجتماع والسياسة فيه، لحيازة القوة والتصدر والسلطان في الأحياء السكنية والهيئات والأطر المحلية في القرى والبلدات والمدن، وفي العمل والوظائف العامة والانتخابات النيابية، وفي الانتساب الى غرضيات حزبية يُفترض أنها تتجاوز الانقسامات العائلية والقرابية.
حتى اواخر الستينات من القرن العشرين ظل هذا الركن للاجتماع والسياسة قادراً على تصريف الانقسامات والنزاعات والتنافس في الأطر المحلية، وفي مؤسسات الدولة والحكم، لكن على مثال تسويات ومساومات ومناكفات عائلية وأهلية موقتة، من دون أن تخلو من “حروب صغيرة” دامية (كما في زغرتا وبشري، وبين أهدن وبشري، مثلاً). لكن هذه التسويات والمساومات التي نفر منها فؤاد شهاب في عهده الرئاسي (1958-1964)، وحاول تأطيرها في أجهزة الدولة والحكم وفشل في محاولته، سرعان ما انفجرت في خضم ولادة ما يمكن تسميته فيضان الظاهرة الجماهيرية المنفلتة والمتذررة طوفاناً في المدن وضواحيها، ما بعد حرب 1958 الطائفية. فطوال الستينات والسبعينات نشأت تلك الظاهرة الجماهيرية واصطفافاتها الأهلية والمناطقية المحتقنة في المدن والضواحي، وما إن داخلها ولابسها انتشار سلاح المنظمات الفلسطينية، حتى انفجرت حرباً أهلية طائفية، ارتدّت من ضواحي المدن الى البلدات والقرى في المناطق. وكان أن تولّى نظام حافظ الأسد إدارة “السلم الأهلي” اللبناني “البارد”، فأداره على مثال اصطفافات وحروب أهلية مخابراتية هاجعة بين الطوائف والمناطق وفي مؤسسات الدولة والحكم، تاركاً لـ”حزب الله” و”حركة أمل” خوض حروب بالوكالة عن سوريا وإيران ضد إسرائيل، طوال التسعينات حتى حرب “الوعد الالهي” في 2006.
وفي خضم هذه الحروب سيطرت المنظمتان الأهليتان المسلحتان على الطائفة الشيعية وحوّلتها خزاناً عسكرياً لمجتمع حرب لا تتوقف عن بعث الشقاق الأهلي والطائفي بين الجماعات اللبنانية. وهو الشقاق الذي توسع واشتد في خضم مشاركة “حزب الله” في الحرب السورية، دفاعاً عن نظام بشار الأسد.

مرجعيون بلا سياسة
كتاب “شعوب الشعب اللبناني” يروي وقائع هذا المسار المديد وتحولاته ومنعطفاته التفصيلية كما عاشتها وانخرطت فيها المناطق اللبنانية وأهاليها: في صيدا وطرابلس وكسروان وزغرتا وبشري والنبطية وجزين وبعلبك وزحلة وصور والبترون والشوف، وأخيراً في مرجعيون التي “تكره السياسة”، على ما ورد في عنوان الفصل الخاص بها من الكتاب. “مقت” مرجعيون السياسة يتغذى من مصادر كثيرة، منها أنها دفنت “الأمّيّ الأخير” فيها في العام 1932، ومنها أن “شعبها” في معظمه في بلاد الاغتراب، ولم يبقِ الدهر من آثاره في البلدة سوى بيوت القرميد الجميلة المهجورة إلا من رجال ونساء مسنين منفردين. هل الهجران من الديار وحده يشفي اللبنانيين من تناسل حروبهم، ومن الاجتماع والسياسة على مثال حربي؟! وهل كراهية السياسة والنأي منها، هما سبيل اللبنانيين الوحيد الى الخروج من فوضى حريتهم السياسية المتوحشة على المثال الحربي؟

النساء بلا مثال حربي
وحدهن النساء في لبنان يعشن خارج هذا المثال. لذا يلاحظ كاتبا “شعوب الشعب اللبناني” أن “النساء اللواتي يتحدّثن في الشأن العام، نادرات”. والحق أن هذه الملاحظة يمكن حملها على خلاف ما حملها عليه الكاتبان، ما دام ما يقومان بالسؤال عنه واستنطاق رواياته من الشهود والرواة الكثيرين، هو الاجتماع “السياسي” الأهلي الذي تقوم “حروب الاستتباع” مقام الركن من السياسة فيه.
فالمنوط بالنساء في المجتمعات العربية، ومنها المجتمع اللبناني، وإن على تفاوت واختلاف، هو تجديد النسل والنسب والعصبية. وهذه، مع الهوية وحيازة القوة والسلطان، هي مادة السياسة التي تُنحّي النساء الى دور أرحام صامتة أو خرساء، يناط بالرجال تلقيحُها وحرثها واستنباتها، لإقامة الاجتماع على مثال حربي، حتى في أزمنة السلم.
وإذ كان للنساء في لبنان من دور يتجاوز الأرحام الخرساء، فإنه دور فني وجمالي محدث، تزامنت ولادته مع هبوب نسائم الحداثة الغربية على المشرق، فتلقفها المسيحيون قبل سواهم من الجماعات. وفي بيروت تخالطت وتهجّنت شعوب وأقوام وجماعات، كانت الحروب والهجرات، قد فككتها على نحو أدى الى ولادة مدينة وفردية “موقوفتين”.
جاء ذلك مخالفاً لسياسة القوة والسلطان والاجتماع على مثال حربي. فما تنشئه الحداثة والمدنية والفردية – حتى الموقوفة والجهيضة – يستمد مادته ومثاله من الهشاشة والاصطناع والرغبة والتخييل وجماليات التعبير الفني والأزياء والمزاج الشخصي والحياة الخاصة. وهذه كلها تنأى عما يؤرخ له ويرويه كتاب “شعوب الشعب اللبناني” روايات متشعبة، تستعيد ملامح من مجتمع “لبنان الصغير” و”دولة لبنان الكبير”، وصولاً الى “لبنان الحزب الإلهي” السائر حثيثاً الى “دولة” قوامها الحرب والاستتباع، لإتمام “الزحف” الإيراني الجهادي “المبين” في العراق وسوريا واليمن. وهو زحف توتاليتاري يستنهض نظيره ومكافئه الجهادي في “دولة خلافة” صحراوية وسواها من إمارات الجهاد الحربي.
لكن نأي الكتاب عن اقتفاء أثر المثال الخارج على مثال سياسة القوة والسلطان والحرب، ليس من عيوبه، بل هو توكيد لقوة ما يؤرخ له ويرويه ويستطلع حضوره الحي في مجتمعات الشعوب اللبنانية في أزمنة الحرب والسلم.

 

في مديح نساء الإعلانات

يناير 25, 2015
محمد أبي سمرا
المدن في 14-01-2015
في صحراء مراهقتنا، قبل أن نبيعها للحرب في بيروت، عبدنا صور نساء الإعلانات
من لون حبة كرز نبيذية وشكلها، ولدت رغبتُه المراهقة، فيما هو يحمل حبّة الكرز تلك، الى مدرسته، ليقدمها الى تلميذة اسمها مريم، هام بها وباسمها على مقاعد الدراسة في صف السرتفيكا. ضدّاً للقسوة والعنف في حياته البيتية والمدرسية، ولدت رغبتُه المراهقة، المتخيلة المفارقة. كان من فتيان المراهقة المديدة وشبانها في بيروت النصف الثاني من ستينات القرن العشرين والنصف الاول من سبعيناته، قبل أن يأخذهم نداء الحرب لاستكمال تيههم في صحراء تلك المراهقة المديدة.
في تلك الصحراء كانت البنات هاجساً وثنياً أو شبه دينيّ، لهروبٍ وخلاصٍ مستحيلين. كان الدين الوثني الجديد – وهو ما سيعلم أولئك الهاربون، لاحقا، أنه ما يسمى الحداثة – قد وَلَّدَ رغبة عمياء للهروب من الولادة من أمهات قديمات، عديمات الأنوثة، كالحياة البيتية والأسرية.

حبة الكرز النبيذية الانثوية تلك، لم تكن للأكل، بل للزينة  والترف والاناقة. وهذه مؤنثة وأنثوية كلها، ضداً للامهات في حركاتهن وأزيائهن وكلماتهن، وفي حضورهن ووجودهن كله. صحراء المراهقة المديدة، دينُها والتيهُ الوثني فيها، من صنائع حداثة وتحديث بصري وشكلاني، مَدارهما ومِدادَهما البنات والنساء في حضورهن الأنثوي، والتعلّق بهنّ، في محاولة مستميتة للولادة الجديدة منهن، من أنوثتهن المحدثة الرقيقة المترفة.

التائهون في صحراء تلك المراهقة، كان توقُهم الى الحداثة الأنثوية المترفة ينطوي على رغبتهم في الولادة من نساء عذراوات، يغدقن عليهم الأمومة التي أغدقتها مريم العذراء على يسوع المسيح. أمومة هي مزيج غامض من لون الكرز النبيذي والزرقة البحرية والضوء القمري واسود الليل والنجوم. مزيج غامض من الطمأنينة الطفلية البلا جنس ومن دم الأنوثة الزهري الذي يدهم البنات عند بلوغهن.

إنه دم البلوغ الزهري الذي روت امرأة دمشقية أن أمها، مع نسوة من قريباتها وجيرانها في الحارة، أقمن له في بيت أهلها احتفالاً أحرقن فيه زغب عانتها والجلد تحته، بملعقة كبيرة من حديد متجمّر يستعمل لتحريك البن الأخضر في أثناء تحميصه في البيوت.

                                ******
في صحراء مراهقتنا المديدة، قبل أن نبيعها للحرب في بيروت، عبدنا صور نساء الإعلانات، وكلمات شعرية وأدبية صنعنا منها البوماً للصور، وعبدنا أيضا أصواتاً رصّعنا بها الصور. هي الصور، ولا شيء غير الصور، ما صنعت رغباتنا ومخيلاتنا العاطفية والجنسية المحدثة ضدّ أمهات ولدن قديمات مسنات في زمن دهري يجهل الصور والمرايا. أمهات بلا أنوثة ولا مرايا، قاسيات على اطفالهن قسوتهن على أنفسهن. وحدها الصور والمرايا تصنع الأنوثة المحدثة التي تهنا توقاً لامتلاكها في صحراء مراهقتنا المديدة.

“متنا غرقاً في أحلام اليقظة. متنا غرقاً في غربتنا حول الشمس. هل رأت التلميذة ذات المريول الازرق جمجمتي بين الحفريات”. هذا ما كتبه الشاعر حسن عبدالله في قصيدة له عن “صيدا”. كنا، نحن التائهين في صحراء مراهقتنا المديدة، نقرأ هذه القصيدة وسواها من أمثالها، كأنها إنجيلنا اليومي لعبادة الصور:

صورٌ فوتوغرافية بالأسود والأبيض الضوئي والرمادي، ثم بالألوان الطبيعية، لفتيات ونساء إعلانات على صفحات مجلات فنيّة ونسائية وترفيهية، وعلى الشاشات التلفزيونية والسينمائية.
كلمات على صفحات كتب، تبعثُ في مخيلاتنا الوليدة من الحداثة الأنثوية، صوراً، ظلالَ صور بعيدة نائية، وتفتقد الحسيّة البصرية الملونة المترفة لنساء وفتيات الإعلانات.

أصوات لمغنيات ومغنين لا تنشر كلماتها المغنّاة في أسماعنا سوى صورٍ لنساء كنساء الإعلانات.

هن نساء الصور إذاً، أوثان شهواتنا في صحراء مراهقتنا السرابية المديدة التي ولّدت مخيلاتنا ورغباتنا وحداثتنا وكلماتها المنتشية نشوة مثليّة بالفتيات والنساء من حولنا: بسفورهن، بأزيائهن على أجسامهن وجلودهن، بتنانيرهن وفساتينهن المنحسر قماشها الماجن الأنيق عن سيقانهن، عن وبر سيقانهن، عن أعالي صدورهن. بثيابهن كلها خالية من أجسامهن على حبال الغسيل، في العتمة الباردة في خزائنهن البيتية، خلف زجاج الفيترينات المشعّة بالأضواء المسائية على الأرصفة.

امرأة دم البلوغ الزهري المحترق مع زغب الأنوثة والجلد تحته في مراهقتها الدمشقية، روت أيضاً أنها في نضوجها النسوي البيروتي، لم تلبس بناطيل الجينز سوى مرات قليلة. أهملتها شوقاً الى عري ساقيها وتلامس فخذيها التلقائي تحت الفساتين والتنانير التي يتلاعب الهواء بقماشها الرقيق. كأنما من ذلك العري الخفيّ، الماجن المترف، أخذت تطلع ضحكاتها المقهقهة في مجون تلقائي طائش. مجون لا تدري إن كان ينطوي على أثر من انبهارها بمشهد مارلين مونرو في صورة لها شهيرة، حينما فُوجئت بطيران فستانها الأبيض الفضفاض عالياً كفراشةٍ في الهواء وسط الشارع. هذا، فيما هي، مارلين مونرو، تتدارك بيديها عري فخذيها الفاتن كضحكاتها الاستعراضية الخجولة الماكرة التي لا يعلم أحد إن كانت طالعة من عريها العلني في الشارع، أم من تعرّض عريها لعدسة الكاميرا الإعلانية.

******

فتيان وشبان المراهقة المديدة في ستينات بيروت وسبعيناتها من القرن العشرين، في كهولاتهم يتجرّؤون على مديح نساء الإعلانات المغفلات المجهولات، توقاً الى حداثة وثنيّة وصورية لا تزال بيروت تحتفي بها، بالرغم من اكتهال حداثتها التي هيهات أن تتجاوز استعراض الأزياء والسيارات.
ألا فلنحتفي بهذه الحداثة تداركاً لقسوة الذكورة العمياء الزاحفة من الصحراء القريبة.

 


تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 1,285 other followers