الخلاص الصوفي: بشير الجميل وميشال عون

ديسمبر 25, 2015
محمد أبي سمرا
المدن في 22-12-2015
الشاعر والمسرحي فادي أبو خليل صورة من أرشيف الشاعر خالد المعالي
(إلى فادي أبوخليل)

يبدو لي أن أجواء الفيلم اللبناني “كتير كبير” لميرجان بو شعيا، وشخصياته ولغتها، مستمدّة من مجتمع شباب “القوات اللبنانية” في ضواحي بيروت الشرقية في ثمانينات القرن الماضي. وتحديداً ممّا آلت اليه الحرب و”القوات” بعد اغتيال مؤسّسها وقائدها ومثالها ونجمها الشاب بشير الجميل. آنذاك كان بوشعيا (ولد في منتصف الثمانيات) لا يزال طفلاً بعدُ. والأرجح أنه مِن صور طفولته في تلك الحقبة إستعاد مادة فيلمه في محاكاة بارودية وفانتازية، ليختتم المشهد الأخير من الفيلم بمحاكاة الأحوال اللبنانية الراهنة.

ما أوحى لي بأن فيلم “كتير كبير” يحاكي تلك الحقبة وصورها، هو الصداقة التي جمعتني بالشاعر والممثل اللبناني فادي أبو خليل عندما كان شاباً حمله قلقُه وعزلتُه وغربتُه في الأشرفية و”بيروت الشرقية” ما بعد حرب السنتين (1975-1976) على الانسلال اليومي إلى بيروت الغربية منجذباً إلى طلب نمطٍ من الحياة اليومية المدينية الحرة والمنفلتة والفوضوية والممتلئة في شارع الحمراء ومقاهيها ومكاتب صحفها. والحق أنه أخذ يهرب من الأشرفية وهامشيته وعزلته فيها ليطارد صوراً لبيروت الستينات والنصف الاول من السبعينات، من دون أن يعرفها ويعيشها إلا في مخيلته وتهاويمه الفنية المفارقة، وحالماً بأن يستيعدها ويعيشها ويكتب الشعر ويشارك في أعمال مسرحية وسينمائية. هذا بعدما صوَّرت له مخيلته وصوّر له مزاجه أن الحياة في الأشرفية وبيروت الشرقية على حال من الفراغ والخواء الممتلئين بالانتظام او الانضباط الاجتماعي النمطي غير القابل للاحتمال لأمثاله الهامشيين والمتمردين تمرداً فنياً وشخصياً على مجتمع الحرب الذي صنعته “القوات اللبنانية” في البيئة المسيحية.

المخرج ميرجان بو شعيا

وممّا رواه لي فادي أبو خليل، الهارب حياتياً وثقافياً الى بيروت شارع الحمراء، تزودتُ بصور عن نماذج من شخصيات مجتمع الحرب في البيئة المسيحية إبان حرب السنتين وما بعدها. وكان الشاعر شارل شهوان قد صوَّرَ بدوره وجوهاً من حياة شبّان مجتمع حرب السنتين المسيحي في كتابه القصصي الاستثنائي “حرب شوارع”. هذا فيما كان الشاعر أنطوان أبو زيد يكتب وينشر قصائد عزلاته الروحية والمادية في ذلك المجتمع، وكذلك نصوصه النثرية عن تلك العزلة في “حي الغيلان” شبه الزراعي على أطراف الدكوانة والنبعة. قبل أن يسجّل في كتابه “المشّاء” لهاثه اليومي في خواء إجتماعي بين الجبل والساحل. أما الشاعر الكبير وديع سعادة فكان في تلك الحقبة نفسها يكتب سيرته شعراً جديداً باهراً يقترب من ملحمية مأساوية يائسة تعود بداياتها إلى الحرب العالمية الأولى، راوياً سيرة عظام الموتى والذين طحنوا العظام ليدفعوا عنهم الموت جوعاً.

طوال وقت مشاهدتي “فيلم كتير كبير” لم يغب عن مخيلتي طيف فادي أبو خليل وسيرته التي انتهت باختفائه أو بعودته إلى أهله في ذلك الخواء قبل سنوات كثيرة. وكثيراً ما فكرتُ أن فيلم بو شعيا طالع من مخيلة أبو خليل الشخصية والسينمائية. كما أنه يتقاطع مع بعض ما روته انديرا مطر في نص كتبته أخيراً في العدد ما قبل الأخير من “ملحق النهار” عنوانه “النبعة: الشوارع للشهداء والسطوح للأعراس”، مستعيدة شذرات من سيرة مجتمع التهجير والحرب المسيحي في النبعة. وذلك بعد اغتيال بشير الجميل الذي عاش المجتمع المسيحي اللبناني، صعود نجمه الحربي والسياسي الصاعق ووصوله إلى رئاسة الجمهورية، كحلم صوفي للخلاص. لكنّ اغتياله بعد أقل من شهر على انتخابه رئيساً، سرعان ما حوَّلَ ذلك الحلم صدمةً هستيريةً صاعقة، تحولت بدورها شعوراً مديداً باليتم السياسي والزعامي. وهو اليتم الذي استغلّه الجنرال ميشال عون وجعله بحروبه الخلاصية العشوائية المدمرة، وسيلةً للوصول إلى رئاسة الجمهورية. وكان إن انجلت حروبه تلك عن تدمير حافظ الأسد القصرَ الجمهوري اللبناني وفرار الجنرال منه إلى فرنسا، تاركاً لبنان والمجتمع المسيحي والقوات اللبنانية في حال من اليتم والتصدّع والضياع والسواد الكبير، ولقمة سائغة ابتلعها دكتاتور دمشق.

لكنَّ هذا كله لم يخمد الطموح الشخصي العاري، الوقح والهستيري، لجنرال الحروب الخاسرة إلى رئاسة الجمهورية، بعد غيابه 15 سنة عن لبنان الذي أعادته اليه “ثورة الأرز” فانقلب عليها محوِّلاً نسله السياسي وجمهوره المسيحي الوصولي مطيّةً لحزب الحروب الداخلية والإقليمية الدائمة في لبنان وعلى لبنان، علّ هذا يوصل الجنرال العجوز المتصابي إلى قصر بعبدا الرئاسي، ليورّثه على المثال الأسدي لولده المستعار بالمصاهرة.

كل هذه المقدّمات والاستطرادات للقول ان فيلم “كتير كبير” يصوّر وجهاً من مجتمع الحرب ونماذج من شخصياته ومآلاتها في البيئة المسيحية اللبنانية. وهو مجتمع أُرغِم على دخول الحرب مدفوعاً بطهرانية عبادته وطن الأرز اللبناني عبادةً صوفية خلاصية. وفي هذا النوع من الحروب تختلط الطهرانية والصوفية الخلاصية بالعنف والدم والقتل والتدمير والحرب والتهجير والهجرة والانهيار الاجتماعي والاخلاقي، وصولاً إلى انهيار حلم الخلاص بعد اغتيال بطله ونجمه الساحر بشير الجميّل. إذاك لم يبقَ من الحلم سوى العنف شهوة الوصول العنيفة إلى السلطة مختلطة بالإغتيالات والمكائد والإغتصابات والمخدرات والصفقات، على المثال الذي جسّده ايلي حبيقة ونقيضه التائب توبة أخلاقية أسعد الشفتري. وفي خضم ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته عاش المجتمع المسيحي إحباطات أحلامه الصوفية متنازعاً بين هذين النموذجين النقيضين اللذين كانا يجتمعان في شخصية بشير الجميّل المتمرّد على بيئة التسويات العائلية والأهلية التي نشأ عليها لبنان السياسي حتى عشايا الحروب الأهلية الملبننة.

واذا كان قائد “القوات اللبنانية” الأخير سمير جعجع قد أُدخِل السجن في مطالع التسعينات فإن القوات عاشت بعده مآسي تمزقها متنازَعة بين نماذج شتّى. كثيرون اختاروا الفرار والهجرة، وسواهم اختاروا الرهبنة طريقاً الى الغفران والخلاص. فادي أبو خليل وسواه من أمثاله الكتّاب والشعراء ومجموعة نادي انطلياس الثقافية وبقايا “حركة الوعي” الطالبية الجامعية اختاروا الكتابة والشعر والصداقة سبيلاً إلى العيش على هوامش مجتمع الحرب وخياراته المأساوية المريرة التي دفعت البعض إلى الجريمة والمخدرات فيما استأنف كثيرون النضال السلمي ضد احتلال جيش حافظ الأسد ووارثه لبنان.

أمّا الجنرال ميشال عون فاختار المزج الرقيع بين سوقية ايلي حبيقة ووصوليته وبين صوفية بشير الجميل الخلاصية، لإنشاء سلالة سياسية وصولية علّها تمكّنه من الفوز بقصر بعبدا الرئاسي. هذا فيما كان “حزب الله” طوال ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته وحتى الساعة يصنع للطائفة الشيعية في خضمّ مجتمع الحروب والتهجير والقتل مثالاً جديداً هو مثال مجتمع الشهداء الحسيني الكربلائي والعاشورائي للخلاص الصّوفي الاستشهادي.

دائما تنطوي طهرانية الخلاص الصوفي على عنف تطهيري وسوقيّة مبتذلة. وفيلم بو شعيا يصور العنف والسوقية بعد زوال حلم الخلاص الطهراني.

– See more at: http://www.almodon.com/culture/f1d64839-ea27-4fe9-89a0-2c7c7e304f05#sthash.K7afINa2.dpuf

نساء بلا أثر – مقطع من رواية

ديسمبر 25, 2015

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 19-12-2015

لوحة لريم الجندي

في طريق مهجورةٍ أسير نحو مبنى قد يكون لمطار. امرأة أعرفها وتعرفني، لكنني لست متأكدة من وجودها الى جانبي، ولا من حملِ كلٍّ منا حقيبة سفر يتعبني ثقلها. كأنما في مكاني أمشي على قلق من تأخرنا عن موعد إقلاع طائرتنا الغامض. أشعر بوجود المرأة خلفي، بعيدةً، فيما أتسلق بصعوبة وخوفٍ سلّماً عمودياً ثابتاً ينتهي أعلاه بما قد يكون مدرّج ملعبٍ رياضيّ غير مرئي. يؤرّقني استبطاني فكرة أنّ المرأة في رعايتي، ومنظِّمةَ رحلتي ودليلي في مدينة تواطأنا، بلا كلام، على أن نعود اليها. فكرة العودة هي الحقيقة الأقوى حضوراً في هذه الرحلة الغامضة، لكنّ الأقوى منها هو يقيني بأنني ما من مرة عدتُ ولن أعود الى مكان غادرته، ولم تراودني قطُّ رغبةٌ في استعادة زمن أو وقت مضى وانطوى وصار ورائي. وها أنا، قبل إدراكي نهاية السلّم، أكاد أهوي، فأستيقظُ من نومي ومنامي في سريري.

خلف ستارة النافذة في غرفة نومي، شمسيٌّ طازج ضوء النهار، دافئ ولا حرارة فيه، كخفّة الراحة والوئام في حواسي وجسمي الممدّد على السرير. تؤنسني فكرة وجود امرأة في بيتي، ولا يقلقني غموض وجودها، ولا إن كانت غادرتْه أم لا تزال هنا، نائمةً أو صاحية. فكرةُ أنها كانت هنا ورحلتْ من دون أن تعلمني، تؤنسني أيضاً، ولا تثير أسفي. لا، لستُ ممن يحبُّ الأشخاصَ في حضورهم، كما في غيابهم. فما أحبّه في مَن يدخلون هم الى حياتي، وفي مَن أُدخِلهم أنا اليها، هو مقدرتي ومقدرتهم على التخلي، بلا جهد ولا ألم.
لكنني ها أنا أنهضُ من سريري بإرادة غريبة عن نهوضي المعتاد. الضوء النهاري في الغرفة خافتٌ، والى الجهة الأمامية العارية من جسمي، يصل مشرّباً برقّة قماش الستارة الشفاف المتهدِّل في انسداله أمام النافذة. تلك الإرادة تنبّهني الى أنّ جسمي ممتلئ بحضوري الذي تفيض منه أصداء رغبة في أن يستقبله أحدٌ ما. وهذه أيضا حال الوقت والبيت والأشياء حولي. برخاء حركةٍ لاإرادية من يدي، ألمُّ طرفَي الروب المدعوك، أضمُّ قماشةً على وسطي، متسائلة كيف استطعتُ النوم فيه! أخرج من غرفة نومي الى المطبخ، فأتناول من البرّاد زجاجة ماء أعبُّ منها جرعات طويلة. من مدخل جانبيّ بلا باب بين المطبخ وغرفة مرسمي الصغيرة في أقصى البيت، ألمحُ المرأة، سارة، نائمة على ذاك المقعد القديم الذي يتحول سريراً صغيراً، لا أتذكر أنّ أحداً نام عليه من سنين كثيرة. أدخل الى المرسم، أقف الى جانب سارة: جسمها مغطّىً كلّه بلحاف خفيف، إلّا رأسها الغارق في وسادة رخوة من تلك الكثيرة المتروكة مبعثرةً على الكنبة الكبيرة في الصالون. لا أكاد أسمع تنفُّسَها البطيء، قبل أن أخرج متجهةً الى الصالون، عابرةً الممرّ الضيق الذي يتوسط بيتي، لكنني أعرّج الى الحمّام في نهاية الممر، فأفرِغُ مثانتي، أتحسس ذلك الألم الخفيف اللذيذ، جرّاء انهمار البول، ويعقبه رخاءٌ ممتع بعد انتهاء انهماره.
على الكنبة الكبيرة في الصالون أتمدَّد، أرفع رجلَيَّ، أمدُّهما، وأُريح قدمَيَّ على ظهر الكنبة. من ستارة النافذة الكبيرة يصلني الضوء النهاري أقوى قليلاً مما في غرفة النوم، فأتحسّس دفأه الخفيف يتسلّل ناعساً الى جلد ساقيَّ الممتدّتين خارج فتحة الروب الأمامية. أحدّق في الضوء الخافت على جلدهما، فتبدوان لي طويلتين في استرخائهما. هل هما طويلتان حقاً ودائماً؟ أم أنهما تتراءيان لي هكذا الآن، استجابةً مني لتلك الفكرة الفانتاسمية القديمة التي قرأتُها في كتاب نسيتُ اسمه كما نسيتُ اسم مؤلفه الذي ذكر أن طول ساقَي المرأة وفخذَيها كان يضفي عليها سحراً يجعلها صعبة المنال؟ أنا نفسي أعلم يقيناً أنني لستُ ولم أكن صعبة المنال. لكن هل كان الآخرون ولا يزالون يرونني كذلك؟ في بعض من دوائر فناني بيروت وكتّابها وصحافييها، شاع أنني فاسقة، وأَستسهلُ ما أريد وأرغب، على ما قال الشاعر المتهكم ساخراً من انحطاطهم، ومن الصورة التي أشاعوها عني. لم أكن أعبأ بتلك الصورة، ولا سعيتُ في تغييرها أو تغيير سلوكي. ومذ رحلتُ عن بيروت لم أشعر قطُّ بأن أحداً يتذكرني، بل صرت منسيّةً تماماً كأني لم أكن.
الفكرة الفانتاسمية عن طول ساقيَّ المسترخيتَين على الكنبة تشعرني برغبة في أن تمرّر يدان غير يديَّ على جلدهما ملامساتٍ بطيئة مسكونةٍ بأصداء دعة الستارة الشفيفة المنسدلة أمام النافذة، قربي. قبل أن تلوح مني التفاتة الى أرض الصالون، وأرى ثيابي وثياب سارة مبعثرة مهملة على أرضه، أدرك أن رغبتي هذه والفكرة الفانتاسمية مصدرهما مخيلتي البصرية. كأنما لعينَين خفيتَين أو لعدسة كاميرا غير مرئية، تمدّدت على الكنبة مسترخية مستسلمة لمتعة أن يلامس الضوء النهاري جلدي.
من طيف مشهدي هذا، ينبجس مشهدٌ للمرأة التي كانت تجلس عاريةً ليتدرب على رسمها طلاب الرسم الشبان في معهد الفنون في بيروت، من دون طالباته. آنذاك – أتذكرُ كأنني أروي لشخص يجلس قربي – كنتُ قد علمتُ أن استثناء الطالبات من هذه الدروس التدريبية، حدث استجابةً لعرف محافظ مستجد فُرِضَ في المعهد فرضاً، وجرى تبريره وتقنيعه بمقولة أكاديمية وفنية: في تاريخ الفن التشكيلي كان العري، عري أجسام النساء في فن الرسم، شاغل الرسّامين الرجال، وصنيع شبقهم الفاسق ومخيلاتهم الماجنة. فكيف يُعقل، إذاً، أن تتدرب طالبات الرسم في معهد للفنون على رسم نساء عاريات، وما الفائدة من تدرُّبهنّ هذا؟ ثم ما الذي يحدث في قاعة المعهد التي يتدرب فيها معاً طلاّبه وطالباته على رسم امرأة تجلس لهم ولهنّ عاريةً، وتعرض عوراتها ومفاتنها لأبصار الشبّان الشبقة المفترسة، ولأبصار الفتيات المنكسرة الذليلة؟ أليست هذه حفلة مجون جماعي في وضح النهار؟، قال مرةً مدير المعهد.
لكن بعد مضيّ سنتين على تدريسي في المعهد، استُلحق إقصاء الطالبات عن حضور ساعات التدريب على رسوم العري، باتفاق إدارته مع المتنفذين من طلبته المتديّنين تديّناً جديداً، على أمرٍ أثار استهجاني وسخريتي: يجب أن تغطّي المرأة – الموديل جسمها العاري بنقابٍ أسود شفاف ينسدل فضفاضاً من رأسها حتى قدميها، أثناء جلوسها على كرسي صغير واطئ، ليرسمها الطلبة المتدرّبون المنتشرون أمام لوحاتهم في القاعة الواسعة.
بعد مدة قصيرة من انتظام الدروس على هذه الحال، تبيّن أن الطلبة المتديّنين يرسمون امرأة واقفة ترتدي التشادور الذي لا يسفر من جسم المرأة إلا عن كفّيها ووجهها المستدير، منتفخ الخدين بلونهما العاجي المحنّط. أما الطلبة الشيوعيون فرسموا المرأة – الموديل كما هي في جلستها تحت النقاب الأسود الشفاف. لكن أحدهم رسم نقابها بلون زهريّ مائيّ يشفُّ بوضوح عن عانتها، ووضع في فمها موزةً صفراء تخرجُ من ثقب في النقاب الزهري. نهار اكتمال اللوحة، وبعد قهقهات صاخبة أطلقها رفاقه الشيوعيون، نشب بينهم وبين المتديّنين عراكٌ انسللتُ في بدايته هاربة من القاعة، ثم غادرت المعهد.
في النهار التالي روى لي طالب شيوعي ما حدث بعد هروبي: استمر العراك في القاعة أكثر من ربع الساعة، وأدى الى تمزيق رسوم المتدربين كلها، قبل تحطيم المشاجب الخشبية التي تُثبَّتُ عليها، فاستعمل المتعاركون خشبها عصيّاً في تضاربهم الذي انتهى بفرار الشيوعيين من القاعة في الطبقة الثالثة الى الكافيتيريا تحت الأرض، تتبعهم صرخات المتدينين. أما المرأة – الموديل، فركضتْ عاريةً هلعة لترتدي ثيابها، حيث تعوَّدت أن تخلعها عنها وتتركها في حمّام جانبي قرب القاعة. لكن طالباً متديّناً تشبَّث بشعرها على مدخل الحمّام، وأخذ يجرُّها على الأرض وسط تدافع رفاقه وتسابقهم لركلها بأقدامهم. أخيراً سحبها المتشبّث بشعرها الى داخل الحمّام، وأغلق بابه عليها، فلم يُخرجها منه سوى مدير المعهد بعد وصول خبر العراك اليه، وحضوره الى القاعة مع جمع من الأساتذة والموظفين الإداريين، فأيقظوها من إغمائها وساعدوها في ارتداء ثيابها، ثم أوصلها أحد المدرّسين الشيوعيين في سيارته الى بيتها.
لم تنتهِ الحادثة عند هذا الحد. فبعد أيام قليلة اختُطف الطالب الذي قال الطلبة المتدينون في المعهد إنه أهان فاطمة الزهراء. وبعد أسبوع على اختطاف الطالب الشيوعي، عُثر عليه ليلاً مرمياً على شاطئ رملي مهجور في بيروت. كان عارياً تماماً، وحليق شعر الرأس تماماً، وكذلك شعر العانة، وعلى فروة رأسه الدامية محفورة آيات قرآنية: قل أعوذ بربّ الفلق. من شرّ ما خلق. تبَّت يدا أبي لهبٍ وتب. سيصلى ناراً ذات لهب. صدق الله العظيم.

لم أنتبه الى أن يد سارة تلامس إحدى ساقَيَّ بحركة ناعمة متباطئة، فيما هي تستمع اليَّ في شرود، إلّا بعدما أبعدتْ يدَها من ساقي، وأرجعت الى الخلف جذعها في جلوسها قربي جانبياً على حافة الكنبة. قالت إن شيوعيين يكبرونها سنّاً في قرية أهل والدها جنوب لبنان رووا لها حوادث تشبه ما أرويه، ولا تصدّق أنني أحفظ آيات من القرآن نقلاً عن شخص سمع غيره يقولها في شجار حصل قبل ثلاثين سنة في بيروت. في نبرة متعجّبة مستنكرة تسألني: كيف ومن أين لكِ أن تحفظيها وتتذكريها وتلفظي كلماتها وحروفها بكل الدقة والوضوح هذين؟ كأنّكِ لستِ أرمنية غريبة عن لغة الضّاد والقرآن!
أُخبرُها بأنني شغِفْتُ بأصوات مشايخ التجويد القرآني وأدائهم، وأسمّي لها عبد الباسط عبد الصمد، محمد صديق المنشاوي، مصطفى إسماعيل، أبو العنين شعيشع، ومحمد رفعت، ثم أسألها: أتعرفينهم، هل استمعتِ اليهم؟ وأروي لها أنني طوال أكثر من سنة سبقتْ رحيلي عن بيروت، داومتُ، مع صديقتي عذراء الشهداء، على السهر في بيوت أصدقاء لها كانوا ينتشون طرباً ووجداً في سهراتهم بأصوات مشايخ التجويد هؤلاء، فانتقلتْ اليَّ عدوى طريقة استماعهم وشغفهم بتلك الأصوات. كما أنني حملتُ في حقيبة سفري من بيروت الكثير من تسجيلاتهم، وظللتُ لسنتين أو ثلاث أدعو أصدقاء لي من جنسيات مختلفة، لنستمع اليهم في سهرات متباعدة، هنا في بيتي. لا، لا أصدق – تصرخ سارة، متفاجئة، ثم ترشقني قائلةً بنبرة شاتمة ضاحكة: كافرة، أرمنية كافرة، فإلى جهنم وبئس المصير. كم زجاجة من الويسكي كنتم تشربون في تلك السهرات الماجنة، مستمتعين بدوني بتلك الأصوات الإلهية الرخيمة تتلو آيات التهديد والوعيد بالويل والثبور؛ أيها الكافرون؟!
تقوم عن الكنبة بحركة سريعة ساخطة، فألمح على وجهها المبتسم أصداء حركتها المسرحية المرحة، وأنتبه الى أنها ترتدي ثوباً أسود بلا أكمام ينسدل فضفاضاً طويلاً، كقماش الستائر، على جسمها الممتلئ. من أين أتتْ بهذا الفستان؟ – أفكر – وأتذكر أنني منذ زمن بعيد تركتُه مع تسجيلات مشايخ التجويد في خزانة صغيرة في مرسمي، أضع فيها ثياباً وأشياء لم أعد أستعملها ونسيت وجودها وخرجتْ من حياتي: كالرسّام القبطي الذي هاجر أهله قديما من مصر، وتعرّفت اليه في باريس، بعد مدة من رحيلي عن لوس أنجلس، وإقامتي في بيتي هذا، فأهدى إليَّ هذا الثوب. كان يحب، كلما أمضى ليلةً عندي، أن أرتديه له، بعد مغادرة الساهرين. لكنه أخذ يرجوني كي أرتديه في حضورهم، فاستقبلتُهم به مرة، وانتهتْ سهرتنا تلك بأن تجامعنا امرأتين وثلاثة رجال، هنا في الصالون، حيث أنظرُ الى سارة ترقص الآن على أداء عبد الباسط عبد الصمد يتلو من اللابتوب الذي شغّلتْهُ على طاولة السفرة، آية: مرج البحرين يلتقيان، فبأي آلاء وبكما تكذّبان.
ما من مرة سمعتُ عبد الباسط ينشد هذه الآية، إلّا تخيلت نوراً قمرياً ينبثق من صوته كزبد موج هادئ بطيء يغمر قدميَّ دافئاً خفيفاً متلاشياً على شاطئ رملي في طرف صحراء مقفرة تتراءى لي من عبارة آلاء ربكما تكذبان. لا أفقه من معنى هذه العبارة سوى معنيي كلمتي ربكما وتكذبان، لكن مجرّدين منفصلين عن دلالتيهما اللتين أجهلهما في سياق العبارة التي ترد فيها الكلمتان. أنظر الى سارة تؤدي بجسمها ويديها حركات راقصة على أداء الآيات المتلاحقة: كلُّ من عليها فانٍ، ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام، فبأي آلاء ربكما تكذبان. يذكّرني رقصها بمشهد المرأة الارجنتينية التي ما من أحد سواها بادر الى الرقص ودعاني اليه في سهرات استماعنا الى منشدي القرآن، هنا في صالون بيتي. استجبتُ لها ورقصت معها مرتديةً الثوب الذي ترتديه سارة الآن. كنا ثملين تقريباً، والسهرة قد شارفت نهايتها حين بدأت الأرجنتينية ترقص، فتجدّدت سهرتنا، ورقصنا جميعاً، نحن المرأتين والرجال الثلاثة، كل على هواه، لكن في حركات بسيطة تجاري أداء صوت المنشد من آلة التسجيل، فظلّ صوته يتردّد في سمعي طوال وقت جماعنا على الكنبة والسجادة الصغيرة على أرض الصالون.
في سهرات بيروت، وهنا في فرساي، ما مرة فكّر أحد في معنى أي كلمة وعبارة يؤديها مشايخ التلاوات القرآنية. فما من مرة سأل أحدٌ أحداً من الساهرين والساهرات عن معنىً أو تفسير أو دلالة لهذه الكلمة أو تلك، ولا لأي من العبارات. هنا في فرساي، غالباً ما كنتُ أبادر الى إسماع مدعويَّ تلاوات المنشدين في الفصل الأخير من سهراتنا، بعد استماعنا الى أنواع من موسيقى الشعوب وأغانيها. بعضهم كان يستغرب أداء المنشدين المنفرد، ويدهشه تنوع طبقات الصوت وتجانسها، من دون أن يعلم ما يعلمه آخرون من أن ما نستمع اليه هو كلام الله في قرآن المسلمين. لكن من تكرّرت دعوتي إياهم، أخذوا يلحّون في طلب هذا المنشد أو ذاك من الذين استمعوا إليهم في سهرات سابقة. أما الأرجنتينية فكانت مدعوّتي للمرة الاولى حين بادرت الى الرقص، وقالت إنها للمرة الأولى تستمع الى ذلك النوع من الغناء. وحين غادرت بيتي في آخر الليل أهديت إليها عدداً من تسجيلات المنشدين، لكنني لم أعد أراها قط بعد ذلك.
الساهرون الكثيرون في بيوت أصدقاء عذراء الشهداء في بيروت، وحدهم من دون الساهرات القليلات دائماً، كانوا يطلقون نشوات وجدهم الطروب بأصوات المنشدين وأدائهم. كانت الأصوات تغمرهم وتلتهمهم، أو تملأهم وتأخذهم وتذيبهم ولهاً. وفي الفواصل الصامتة بين تلاوة الآيات، كانوا يطلقون صرخات ولههم وحركاته الصاخبة. دائماً كنت أتخيّل أن في ذوبانهم وجداً خلاصيّاً مريراً، ومنتشياً لذةً بتلك المرارة، متخيّلين أنهم يسبحون في فضاء تراثٍ سحيق القدم، غامض، متجمّد، ويعيدون إحياءه متوسلين أصوات المنشدين مجرّدةً مما تؤديه من معاني الكلمات والعبارات ودلالاتها. بعد وقت غير قليل من رحلات ذوبانهم، كانت الساهرات تُجارينَهم في استجابتهن الى ذلك الذوبان، لكن من مسافة وبلا وجد خلاصيّ منتشٍ بلذة المرارة المسكرة.
لا تزال سارة ترقص وسط الصالون. يذكّرني رقصُها بشعوري أنني كنتُ أجنبيةً بين أصدقاء عذراء الشهداء، وغريبةً عن نشواتهم، أستقبلُ أصواتَ المنشدين من دون اكتراث ببواعث انتشائهم ومصدره. في حضوري بينهم واستماعي معهم، لم يكن الصوتُ والأداء يلتهمانني. أستمتعُ بأنني منهم ولستُ مثلهم، وأتعرّف اليهم، مندهشةً من اندماجي في طقسهم، ومن أنني أتعرّف الى نفسي بينهم كما لم أعرفها من قبل. لكنني بعد عدد من سهراتي معهم انتبهتُ الى أنهم، هم أيضاً مثلي تقريباً، يقيمون فواصل بين نشواتهم، فيخرجون منها بين حين وآخر مندهشين مقهقهين من ذهابهم بعيداً فيها. بينهم للمرة الأولى في حياتي رحتُ أقعد على سجادة أو بساط أو فراش ممدودة على الأرض. وسرعان ما ألفتُ القعود المنخفض، هكذا، لصقَ الأرض، موقنةً أنّه من صلب الطقس الحميم المتقشف في غرفٍ داخلية خالية تقريباً من الأثاث، حيث يحيون سهراتهم البيتية التي تهيأ لي، أخيراً، أن تكرارها ينطوي على شيء من بلادتهم الحسية العقيمة.
كانوا في نهايات دراساتهم الجامعية، ومن شلل اليسار الجديد، أو غير التقليدي. وعلمتُ أنهم على خلافٍ وتنابذ عقائدي مقيمَين مع الحزب الشيوعي السوفياتي، منذ سنوات سبقت بداية الحرب في لبنان. أنا الأكبر منهم سناً بما بين خمسٍ وعشر من السنوات، والغريبة عن دائرة علاقاتهم وأجوائهم، راقني وأراحني أنني لم أنتبه مرة الى أن أيّا منهم أظهر لي رغبته الخاصة بي، أو حاول استمالتي إليه. عذراء الشهداء كانت على صلات متفاوتة بهم في حياتها الجامعية، قبل أن تنتسب الى الحزب الشيوعي وأتعرّف اليها. أصغرهم سناً كان يهواها هوىً عذرياً مزمناً، معذّباً ينطوي على حقد غامض عقيم، كتعلّقه المتيّم بها، وكغرامها بشهداء الحزب. لذا كانت تتردّد في أوقات متباعدة الى سهراتهم، مدفوعةً بشهوتها لأن تكون معذِّبة شخص ليس من الحزب، على ما قالت لي مرة، مضيفةً إنه يحيا غارقاً في حبّه إياها، كغرقه في شقاء جبنه عن تحقيق رغبته الهواميّة في أن يكون شهيداً.
كانت مترددة خائفة حين دعتني للمرة الأولى الى سهراتهم، فرجتني ألّا أخبر أحداً من الرفاق في خلية مثقفي حزبنا. عن قلة اكتراث معتاد مني، استجبتُ رجاءها، أنا من لم تكن بي رغبة أصلاً، بل أنفر من أن أكون صلةَ وصلٍ وناقلةَ أخبار بين الدوائر المتباعدة لحياتي وعلاقاتي.
علمتُ في سهرتنا الأولى أنهم انسلخوا عن حياتهم النضالية المتصلة بهوامش علاقاتٍ وأعمال حربية في منظمات فلسطينية مسلحة. وانتبهت الى إدراكهم غير الواعي بأنهم، لوداع أنفسهم وسنوات حياتهم تلك، يحيون سهرات الوجد البيتية. فأخذتُ أصرّ على عذراء الشهداء أن نذهب الى حيث يسهرون غالباً في بيت يقيم فيه متيّمُها مع أخته الكبرى المطلّقة، وحدهما، بعد رحيل والديهما الى قريتهم الجنوبية. القصيدة التي كتبها في تتيُّمِهِ بها، وقرأها لنا في إحدى السهرات، جعلتُ عنوانها إسماً آخر لصديقي: زهرة الإيديولوجيا. بهذا الإسم رحتُ أناديها كلما رغبتُ اليها أن نذهب الى سهراتهم، فتجيبُني أن السهرة الليلة عند خندق المواجهة، بعدما روت لي أن متيّمَها كان – كلما وقف على درج مدخل الجامعة خطيباً في جمعية عمومية طالبية – يستهلُّ كلمته في تحريض الطلاب على الإضراب والتظاهر، بالقول: نحن اليوم في خندق مواجهة مع الدولة.
أقطع شرودي المسترسل في استعادة مشاهد من تلك السهرات البيروتية، بأن أتلفت الى سارة قائلةً: أما ضجرتِ من الرقص، هكذا، إنني جائعة، ألا تحبّين أن نتناول طعام الغداء في مطعم باريسي: لحم وبطاطا ونبيذ، لكن بلا منغا. لا، لا، بلا بطاطا – تصرخ، فيما هي تلمُّ ثيابها عن أرض الصالون، وتركض نحو الممر، قائلةً: سريعاً أستحمّ، انتظريني، لا تتحركي؛ أحبّ مطاعم باريس.

.

كيف ولماذا يترجِم العرب اليوم؟

ديسمبر 25, 2015
محمد أبي سمرا
المدن في 16-12-2015
معرض الكتاب علي علوش
تتكشّف متابعة نشاط ترجمة الكتب ومحاولة قراءة عدد لا بأس به منها، عن ظاهرة مأساوية محزنة وتبعث على الكمد: الغالبية الساحقة من الكتب المترجمة، وخصوصاً البحثيّة والفكرية، غير قابلة للقراءة بالعربية. وإلى جانب الطفرة في نشر الرواية في أسواق النشر العربية، تتكاثر، منذ سنوات، ترجمة الكتب من لغات أجنبية: الانكليزية والفرنسية غالباً، والألمانية أحياناً. أكثر دور النشر نشاطاً – بالمقاييس العربية للنشاط في مجال الترجمة – هي الدور المصرية واللبنانية، والسورية ما قبل الثورة على نظام الأسدين. بعض من هذه الدور يقوم بأعمال مشتركة في مجال النشر والترجمة، لاسيما بين دور لبنانية وعراقية وجزائرية. لكن غالباً ما تكون بيروت مركز عملها الأساسي. فالعاصمة اللبنانية لا تزال مركزاً حيوياً للنشر وشبكات توزيع الكتب منها الى العواصم العربية. بعض الترجمات يحظى بمساعدات وتسهيلات مالية وحقوقية من هيئات ومؤسسات ومنظمات ومراكز ثقافية أجنبية، خصوصاً الكتب الأدبية والفكرية.

والغريب أن ظاهرة عدم قابلية الكتب المترجمة للقراءة مسكوتٌ عنها في عملية تواطؤ يشترك فيها المترجمون والناشرون والعاملون المتابعون في الصحافة الثقافية، وصولاً إلى القرّاء أنفسهم. ومنهم الباحثون في مجالات المعرفة والأساتذة الجامعيون والعاملون في مراكز أبحاث متخصصة، وهؤلاء غالباً ما يقومون بأعمال الترجمة أو يشرفون عليها.

قبل محاولة التفكير في ما يدعو العرب إلى الترجمة، لنحاول أولاً وصف كيف بترجمون، بناء على تجربة شخصية مريرة ومحبِطة، في قراءة كتب متنوعة مترجمة الى العربية. تُظهِر هذه التجربة أن المترجمين غالباً ما يفتقدون تجربةً وخبرةً وحساسيّة كتابيّة بالعربية. أي أنهم ليسوا  قطّ كتّاباً، بل لم يسبق لمعظمهم أن مارس نوعاً من الكتابة أو اختبرها قبل شروعه في ترجمة كتاب ما، تحت طلب ناشر ما. بعضهم قد يكون كابد عناء كتابة أطروحة جامعيّة، أدّت به الى التدريس في الجامعة، والى هجرانه الكتابة نهائيا. هذا إذا اعتبرنا إعداد الأطروحات الجامعية عملاً كتابياً فعليّاً. ويجهل المترجمون أصول الكتابة السليمة والتي تؤدي معنىً واضحاً وقابلاً للفهم في اللغة العربية. وهم يفتقدون أيضا أي ذائقة لغوية كتابية، إلا في حال كتابة ما لا يتطلب جهدا ذهنيا وثقافيا ولغويا يتجاوز الكتابة المدرسية. ففي أعرافهم ليست الكتابة حرفة ولا ذائقة ولا فناً يتطلب خبرة وممارسة في المجال اللغوي والتقافي، قراءةً وكتابةً، بل هي عمل يجيده لك من تعلم تعليماً مدرسياً وجامعياً.

قد يجيد المترجمون القراءة في اللغة الأجنبية التي يترجمون منها، لكن معرفتهم بها غالبا ما تقتصر على ما حصّلوه منها في التعليم المدرسي. وهم حين يترجمون، يقومون بنقل الكلمات – كل كلمة بذاتها ومستقلة عن الأخرى –  نقلاً حرفياً من اللغة الأجنبية إلى العربية التي لا تتجاوز معرفتهم بها، وخبرتهم فيها، القراءة المدرسية وفي أوقات الفراغ. والترجمة الحرفية، أي نقل المعنى القاموسي للكلمات من لغة الى لغة أخرى، هي في أحسن الأحوال ترجمة ببغائية. المترجم في هذه الحال لا يستوعب معنى الجملة التي يترجمها استيعابا كليّاً، وفي السياق الذي ترد فيه، بل يكتفي بنقل المعنى العام القاموسي لكل كلمة بمفردها، من دون أي معرفة بالإطار الفكري للكتاب المترجم. هكذا غالباً ما يتحول النص المترجَم، نصاً لكلمات مرصوفة متتابعة لا معنى لها، أو أن معناها عشوائي واحتمالي في أحسن الأحوال. كلمات مفككة وجمل أكثر تفككاً لا يعلم كاتبُها كيف وأين تبدأ وتنتهي. كأنما النص في هذه الحال أشبه بلوحة كلمات ببغائيّة.

لا يكلّف المترجم نفسه عناء قراءة ما ترجمه. والأرجح أنه سيجده غير قابل للفهم والقراءة أو لفهم عشوائي تقريبي غائم، كأنه كُتِب أثناء النوم. أما أخطاء الصرف والنحو والإملاء فهيهات أن ينتبه لها لتداركها وتصحيحها. وغالباً ما تجد في جملة واحدة من سطر أو اثنين أو ثلاثة، عدداً كبيراً من أسماء أو أدوات الوصل التي لا نعرف تصل ماذا بماذا، وعدداً مماثلاً من الضمائر التي يصعب إدراك لمن تعود وماذا تضمر.

والمترجم ليس في الأصل قارئا لمؤلفات الكاتب الذي يقوم بترجمة كتاب من كتبه، ولم يكن قد سمع بعنوانه وباسم كاتبه، قبل أن يطلب منه صاحب دار للنشر تعهّد ترجمته. ودور النشر التي تُصدر هذه الكتب المترجمة غالباً ما لا تراجعها. معظم الدور العربية (وخصوصاً في بيروت) تخلو من جهاز تحريري يراجع النصوص المترجمة ويختبر قابليتها للقراءة. الكثير من الدور يقتصر العمل فيه على أصحابها الأفراد، مع سكرتيرة مكتب لتلقي الاتصالات الهاتفية والطباعة على الكومبيوتر. الأخطاء المطبعية لا تصحّح. أما الأخطاء اللغوية والصياغية فما الجدوى من تصحيحها في نصٍ تستحيل قراءته ويصعب فهمه؟

وعلى الرغم من هذا كله يتزايد نشر الكتب المترجمة إلى العربية!

تدعو هذه الظاهرة إلى تساؤل مرير: كيف ولماذا يستمر النشاط في ترجمة الكتب إلى العربية ما دامت سلعة رديئة أو مغشوشة يُفترض بالقراء ألاّ يقبلوا على شرائها بعد تجاربهم السيئة معها واكتشافهم عدم قابلية معظمها للقراءة! الأمر الذي ينطوي على هدر للجهد والمال والوقت وشعور بالإحباط. هذا سؤال عقلاني يصعب أن يحظى بجواب شافٍ في المعايير والتقاليد العربية الفوضوية السائرة، حيث تسود حالة من التواطؤ وعدم الاكتراث وتبادل المصالح النفعية المادية والآنية العارية من اعتبارات ومعايير مهنيّة وأخلاقية. والحال هذه تؤدي الى غياب تكوّن دوائر للرأي العام أو للعلانية العامة التي يجري فيها تبادل الرأي والنقد وصناعتهما في الشؤون والمجالات المختلفة. والأرجح أن هذا الغياب هو ما يترك الحياة والمنتجات الثقافية المتداولة خارج أي اعتبار عقلاني أو معقلن وقابل للمساءلة والنقد. لذا يعمل كلٌ على هواه ووفق آليات ومعايير ومصالح داخلية خاصة قوامها السكوت والتواطؤ لتحصيل فوائد آنية سريعة في مجال الترجمة والنشر، من دون حسيب ولا رقيب.

قد يقول قائل اليوم في هذه المسألة: كيف لمن يشرب البحر أن يغصَّ بالساقية؟ أي أين نحن اليوم لنُجري حساباً نقدياً لمسألة جزئية وتفصيلية مثل رداءة ترجمة الكتب، فيما العالم العربي والتقافة العربية غارقين في مآزق وجودية كبرى؟!

يكتسب هذا السؤال معناه من حال التمزق والتحلل والحروب الأهلية الإقليمية والدولية الدموية والمدمرة الدائرة في أرجاء بلدان عربية كبرى وأساسية. لكن أليس من صلة ما، ولو بعيدة وخفيّة وتفصيلية، بين الحال العربية الراهنة وأشكال تدبير (تدمير) شؤوننا السياسية والاجتماعية وإدارتها وتنظيمها، وأشكال إنتاج حياتنا وثقافتنا في مجالات العمران والإقتصاد وإدارة المؤسسات العامة والخاصة، ومنها مؤسسات صناعة الكتب وترجمتها؟ – See more at: http://www.almodon.com/culture/0c39e5c4-b5dd-44a9-ab14-f707d7b0a37f#sthash.O4MHMO0i.dpuf

من الشيوعية الى الحسينية

ديسمبر 25, 2015
محمد أبي سمرا
المدن في 9-12-2015
من مسيرات أربعين الحسين في العراق غيتي
في بدايات ظهور الحركة الإسلامية الشيعية الخمينية في لبنان وتحلّقها حول لسانها وخطيبها السيد محمد حسين فضل الله في مسجد الحسنين في بئر العبد، قبل سنوات قليلة من إعلان “حزب الله” بيانه التأسيسي إلى “أمّة المستضعفين في الأرض” من جامع الغبيري في ضاحية بيروت الجنوبية العام 1985، أخذ الصديق الروائي حسن داوود يتحدث عن رغبته في كتابة رواية يحاول أن يجسِّدَّ فيها حدسه الروائي عن الطبيعة الرحميّة الحميمة لعلاقة كل عائلة شيعية بأهل بيت النبي محمد وبفاجعة كربلاء وبالحسين بن علي بن أبي طالب، حفيد النبي. ومما ظلَّ الروائي الصديق يردده آنذاك، قبل أن يكتب روايته ويضيّعَّ مخطوطتها في باريس، قولُه إن صلة كل عائلة أو أسرة شيعية بأهل البيت يجسّدها شعور العائلة الرحمي الدفين بأن لديها حُسَيْنَها وزينبها الكربلائيين.
قبل ذلك بسنوات، أي في نهايات حرب السنتين في لبنان (1975 -1976) كان داوود قد أشار إلى السينمائي اللبناني مارون بغدادي بأن يحرص، في فيلم تسجيلي يعدُّه عن الجنوب وأهله وطقوس حياتهم اليومية، على تصوير مشاهدَ تتصل بالمجالس الحسينية الكربلائية التي يحييها الشيعة في ذكرى عاشوراء في مدينة النبطية الجنوبية. صُوِّر الفيلم وعُرض آنذاك في إطار المهرجانات الدعائية والدعوية لـ”نضال الحركة الوطنية اللبنانية” في حروبها العروبية والفلسطينية واليسارية على “الانعزاليين” اللبنانيين المسيحيين و”النظام اللبناني الرجعي العميل”. وكان من مشاهد الفيلم الأبرز تلك التي صَوَّرت امرأة في النبطية تدعى حسيبة، اشتهرت بإنشادها الكربلائي العاشورائي في المجالس الحسينية في المدينة الجنوبية. هذا إضافة إلى مشهد آخر من الفيلم يصوِّر تصويراً متباطئاً موكب تشييع أحد “الشهداء الوطنيين التقدميين” الجنوبيين، فيما مطرب أو مغني “الحركة الوطنية” المعتمد آنذاك، مارسيل خليفة، ينشد قصيدة للشاعر “الوطني التقدمي” حسن عبدالله يقول مطلعها: “أجمل الامهات التي انتظرت/ ابنها وعاد/ عاد مستشهداً/ فحملتْ شمعتين ووردة/ ولم تنزوِ في ثياب الحداد”. وأنشد خليفة في الفيلم قصيدة أخرى كان الشاعر عباس بيضون قد كتبها في العام 1973 أو 1974 عقب مصرع الشاب اليساري الغيفاري علي شعيب في هجوم مسلح مع مجموعة من رفاقه على بنك أوف أميركا في وسط بيروت التجاري بهدف إرغام إدارة المصرف على تحويل أموال للجيش المصري أثناء خوضه حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973. ومما ورد في القصيدة وأنشده خليفة على خلفية تشييع الشهيد في الفيلم: “يا علي/ نحن أهل الجنوب/ حفاة المدن/ نروي سيرتك على أصفى البرك والأودية”.

هذه القصائد وسواها التي أنشدها خليفة وتحوّلت بصوته مع الفيلم أيقونات ثقافية تعبوية حربية “وطنية وتقدمية”، لم يكن أحدٌ يحدسُ آنذاك بأنها سرعان ما ستمهِّد الطريق لثقافة عبادة الشهداء التي ستنبعث حسينيّة كربلائية عاشورائية وتنشقُّ انشقاقاً دموياً على صُنّاع الأيقونات السابقة ومروِّجيها وحزبهم الأكبر آنذاك: الحزب الشيوعي اللبناني الذي اغتالت مجموعاتٌ سرّية ظلامية لصيقة بالحركة الإسلامية الخمينية الوليدة، عدداً من قادته وكوادره في أواسط ثمانينات القرن العشرين. وخطفت عدداً من الرعايا الأجانب، منهم الباحث الشاب الفرنسي المستعرب ميشال سورا الذي قضى أو قُتل في معتقله من دون أن تظهر جثته في حرش القتيل في الضاحية الجنوبية، إلا في أواسط التسعينات. آنذاك كانت قد صارت النسوة “الزينبيّات” (نسبة الى السيدة زينب، شقيقة الحسين)، هنَّ “أجمل الأمهات” والأخوات الشيعيات اللواتي لا يخرجْنَ الى الشوارع إلا مُكْتَنَفَاتٍ بالسواد الكربلائي العاشورائي الدائم أو الأبدي، حتى “ظهور المهدي، عجّلَ الله فرجه”، “لئلا تُسبى زينب مرتين” في دمشق وسوريا الثائرة ضد الطغيان الدموي المدمّر لحافظ وبشار الأسد.

اليوم، ومنذ عشايا الذكرى السنوية لعاشوراء واربعينها المنصرمة قبل أيام في مشاهدها المليونية الكربلائية في العراق، لم تعد صورة الإمام الحسين تقتصر على كونه شهيداً مظلوماً في الأدبيات الحسينية لـ”حزب الله”. بل تحوَّل قائداً عسكرياً وسياسياً في فيلم “وثائقي”  انتصاري عنوانه “التجربة العسكرية والسياسية للإمام الحسين”، وتبثه “المنار”، القناة التلفزيونية لمجتمع حزب الحروب الدائمة، “إحياءً لمحلمة الصبر والشهادة والإيثار”، وفقاً للإعلان التلفزيوني الدعائي والدعوي للأيام الكربلائية الراهنة. صوت المذيع في الإعلان يطلع جهورياً أسطورياً وتنبعث منه أصداء عالم ماورائي يُفترضُ أن تبثَّ في روع أهل مجتمع الحرب الدائمة المؤمنين رعباً خلاصياً أليفاً ومروعاً، فيما هو يقول لهم: “إلى أرض الطُّفُوفِ (جمع الطَّف الكربلائي)/ تَترحُ لهوفنا (جمع لهفة)/ وسيوفنا تسطعُ (أين الآن سوى في سوريا، نصرةً للأسد وقتلاً وتشريداً لأهلها؟)/ هيهات هيهات… (منا الذَّلَّة)/ فالوحي هنا والموعد دنا (في أرض سوريا طبعاً)/ والحسين سيّدُ الانتصارات (على من يا ترى سوى الشعب السوري؟)”.

لكنَّ الشاعر اللبناني محمد العبدالله كان في رثائه شاباً جنوبياً قُتل في إحدى الغارات الإسرائيلية على قريته الجنوبية قبل بدء الحرب في لبنان العام 1975، قد كتب قصيدةً يخاطب فيها الشاب القتيل قائلاً له: “أَضربُ في رملك (أي أتبصّرُ في سيرتك فأرى أنك): كبرتَ على نواح الطَّفِ وتاجر عاشوراء”. وها هم تجّار عاشوراء اليوم يُفرغون البلدات والقرى الجنوبية وأحياء ضاحية بيروت الجنوبية من شبّانها ليشاركوا في تدمير الديار السورية وقتل أهلها في حماية الطائرات الروسية وبتمويل من ولاية الفقيه الإيرانية. وبسبب انشغال “حزب الله” في مهمته المقدّسة هذه في سوريا، ترك لخَدَمِهِ في حركة “أمل” أن يزداد عددهم وتشتد عزيمتهم وشكيمتهم في الكثير من الأحياء الشعبية البيروتية.

– See more at: http://www.almodon.com/culture/77fd641a-17e4-492c-833e-2b77f5d40af8#sthash.KhrIYibb.DJTslVVU.dpuf

حياة وآلام اللبنانيين اليومية بين أوبئة النفايات والاهتراء السياسي

سبتمبر 20, 2015

محمد أبي سمرا

القدس العربي 29-08-2015

29qpt989

منذ أواسط تموز/يوليو الماضي وحتى اليوم، يغرق اللبنانيون في نفاياتهم وفي قيظ صيف شحّت فيه أوقات التغذية بالطاقة الكهربائية المقنّنة والغارقة إدارتها وتجهيزاتها في اهتراء وفساد ونهب ماليين مزمنين. ووسط أكوام النفايات وروائحها، وشدة القيظ، والتردي في سائر الخدمات العامة وقطاعات العمل والمؤسسات الحكومية وتدهور الأحوال المعيشية، اشتد الدبيب المزمن لتنافر ونكايات القوى السياسية وزعمائها ودهاقنتها، وبلغ تمزق الرأي العام والجماعات الأهلية حدّ الهذيان.

مناخ التظاهرات المسموم

في هذا المناخ المحتدم والمتعفن بالمسموم، تداعى شبان وشابات من ناشطي المجتمع المدني، وأطلقوا على وسائل التواصل الاجتماعي حملة سموها «طلعت ريحتكم». أي فاحت رائحتكم أيها السياسيون والزعماء ودهاقنة الحكم «الفاسدين». ودعت الحملة الناس إلى التظاهر احتجاجاً في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت. وفي تظاهرتهم الأولى 22 آب/اغسطس الجاري، رُفعت صور السياسيين والزعماء اللبنانيين للتشهير بهم وبفسادهم وتقاسمهم مغانم الدولة والحكم. لكن دعاة الحملة الناشطين استثنوا صورة السيد حسن نصرالله من الإشهار والتشهير. وقد يكونون فعلوا ذلك خوفاً منه ومن حزبه المسلح المقاتل في سوريا إلى جانب نظامها الأسدي. وربما تداركاً منهم لخلافاتهم الداخلية، اذ قد يكون فريق من مطلقي الحملة يُجِلّ ما يسمى «المقاومة» و»سيدها» وإمامها وخطيبها، ويرفعه فوق ترهات السياسة والحكم وغرق البلاد في نفاياتها المتراكمة في الشوارع.
عدد لا يستهان به من ناشطي الحملة كانوا قد عمدوا إلى الاستثناء نفسه، عندما أطلقوا في العام 2011 حملة ما سمي «اسقاط النظام الطائفي» في لبنان، نسجاً على منوال الثورات العربية في بداياتها المجيدة آنذاك. وبعد عدد من تظاهرات الحملة تلك، انقسم الناشطون واشتبكوا وتضاربوا في ما بينهم وسط احدى التظاهرات على خلفية تضارب الشعارات وصور الزعماء المرفوعة تشهيراً. وكان السيد حسن نصرالله محور خلافاتهم، قبل تفرقهم أيدي سبأ. أما في أمسية التظاهرة الاولى من حملة «طلعت ريحتكم»، فقد تصادم المتظاهرون ورجال الأمن الموزعة أمرة أجهزتهم على أقطاب سياسيين وحكوميين يتبادلون النكايات ويتقاسمون مغانم الدولة. وتحول محيط مجلس النواب، الواقع ضمن حماية جهاز الشرطة التابع لأمرة رئيس المجلس نبيه بري، وكذلك محيط السرايا الحكومية القريبة التابع جهاز شرطتها لوزارة الداخلية ورئيس الحكومة، ساحات للكرّ والفرّ والتراشق بالحجارة والعبوات الزجاجية والقنابل المسيلة للدموع التي أطلقها رجال الشرطة مع الرصاص المطاطي والرصاص الحي أحياناً في تلك الليلة. هذا فيما سهر اللبنانيون حتى منتصف الليل في بيوتهم أمام شاشات محطات التلفزيون التي نقلت في بث مباشر حي وقائع الصدامات، وسط غبطة المذيعين والمذيعات في استديوهات المحطات، وغبطة المراسلين والمراسلات الميدانيين. فبدت إدارات محطات التلفزيون اللبنانية أشد حماساً من المتظاهرين، كأنها في عرس مشهدي تحتفي بصوره وتتنافس تنافسا محموماً على زيادة أعداد المشاهدين في سبقٍ إعلامي مشهود بين المحطات المتناحرة.
مياه وغيوم كثيرة جرت في التظاهرات والصدامات واكتنفتها. وسرت شائعات وأقاويل وانقسامات وخلافات حول ما حدث، ومن بادر إلى الصدام، وما هي أهواء المشاركين. ولم توفّر الانقسامات المتظاهرين المدنيين والسلميين من دعاة الحملة وجمهورها. فإلى الحملة الأولى «طلعت ريحتكم» ودعاتها، ظهرت في التظاهرات اللاحقة حملة جديدة عنوانها «بدنا نحاسب». أي نريد محاسبة السياسيين والحكام. أحد منظمي الحملة الأولى اتهم علناً أمام كاميرات محطات التلفزة، شرطة مجلس النواب بالمبادرة إلى الاعتداء على المتظاهرين مساء السبت 22 آب/اغسطس. أما بعد التظاهرة الثانية الكبرى (قدّر عدد المشاركين فيها بـ10 آلاف) مساء الأحد 23 آب/اغسطس، فسرعان ما اندلعت الصدامات أيضاً، بعدما اخترقت زمر من فتيان الشوارع الفوضويين والعنيفين صفوف المتظاهرين المدنيين والسلميين، وصولاً إلى مقدم التظاهرة، محاولين نزع الأسلاك الشائكة، فاصطدموا برجال الشرطة خلفها، والتابعين لوزارة الداخلية وأمرة رئيس الحكومة. وذلك للوصول إلى السرايا الحكومية. وكما في الليلة السابقة دارت المجابهات المتلفزة في ساحة رياض الصلح ومتفرعاتها. ونقلت الصور مشهداً لواحد من رجال الشرطة يجلس أرضاً يبكي منهكاً ومنهاراً.
في نهاية الاثنين والثلاثاء توعّد منظّمو الحملتين المنقسمون باستكمال عزمهم التحرّك والتظاهر بعد ظهر السبت 29 آب/اغسطس الجاري. ولردم هوة خلافاتهم وانقساماتهم، بل لتجنبها وتركها تعسُّ وتتفاقم في الخفاء، لتنفجر لاحقاً، سمّى كثيرون من الدعاة المنظّمين زمر فتيان الشوارع العنيفين القادمين من الأحياء الشيعية والمختلطة طائفياً والقريبة من وسط بيروت التجاري الجديد، بـ»المندسّين». وذلك تجهيلاً لهويتهم الأهلية والطائفية، بعد اختراقهم جمهور التظاهرة المدني السلمي بهويتهم هذه، وتصادمهم مع رجال شرطة السرايا الحكومية. وخلف كلام بعضٍ من دعاة الحملات ومنظميها عن «حرية أشكال التعبير وتباينها» أثناء التظاهرة، جرى التستّر على العداء الطائفي المحموم الذي تكنّه تلك الزمر الرعاية العنيفة للسرايا الحكومية ورئاسة الحكومة. هذا بعدما كانت شرطة مجلس النواب هي التي بادرت إلى العنف ضد المتظاهرين المدنيين والسلميين في تظاهرة مساء السبت في 22 آب/اغسطس. والمعروف أن جهاز شرطة المجلس النيابي، تعود امرته وعصبته الأهلية الغالبة إلى رئيس المجلس الذي يواليه أيضاً جمهور الأحياء التي توافد منها فتيان الشوارع العنيفون الذين اخترقوا تظاهرة مساء الأحد في ساحة رياض الصلح، وباشروا الصدام مع شرطة السرايا الحكومية. والفتيان الرعاع هؤلاء وزمرهم موطنهم أحياء خندق الغميق وزقاق البلاط، وهم من جمهور حركة «أمل» و»حزب الله» الشيعيين. وهم أنفسهم قاموا قبل مدة بحرق أكوام النفايات، والإغارة بها وتكديسها أمام دارة رئيس الحكومة تمام سلام في حي المصيطبة القريب من أحيائهم. ثم إنهم لم يخفوا انتماءهم الشيعي، بل اشهروه أثناء اختراقهم تظاهرة مساء الأحد، عراة الصدور الموشومة والمزينة بقلادات معدنية لامعة تمثل سيف الإمام علي بن ابي طالب، ذو الفقار الشهير. هذا فوق شتائمهم البذيئة وهتافاتهم المعتصبة مرددين: «شيعة، شيعة، شيعة»، و»الدم الشيعي عم يغلي غلي». وقد شوهد وسُمع ذلك واضحاً في ساحة التظاهر، وبثت شاشات التلفزيون وشبكة التواصل الاجتماعي صورة أشد وضوحاً. وعلى الرغم من هذا كله أصرّ بعض منظمي الحملات على ادراج هذه الأفعال والمظاهر في خانة «حرية التعبير وتنوع أشكاله واختلافها» بين جماعات المتظاهرين الذين رفعوا شعار «إسقاط النظام الطائفي».

صور الأوبئة والطواعين

على أي وجه وصورة يمكن اليوم، إذاً، التمثيل على حال اللبنانيين هذه؟ ربما صار من الصعب العثور على تشبيه أو صورة جامعة تكثّف الكناية عما يعيشه اللبنانيون في حياتهم اليومية المهترئة، وفي تدبيرهم شؤون معاشهم وخدماتهم العامة وإدارتها، وفي تصريفهم خلافاتهم ومنازعاتهم المتناسلة، جماعات أهلية وطاقم حكم وزعماء سياسيين – إلا باستحضار أطياف صور مما عاشته ممالك وسلطنات وأقوام وشعوب حلّت بها الأوبئة والطواعين في أزمنة غابرة، يعود بعضها إلى العصور الوسطى في المشرق.
مثل هذه الصور حاضرة في كتابات ومرويات تأريخية كثيرة عن المدن المشرقية (دمشق، حلب، والقاهرة) في عهد المماليك ومؤرِّخه الأشهر المقريزي. وهي حاضرة أيضاً في مؤلفات عبد الرحمن الجبرتي، ايام حملة نابليون بونابرت العسكرية الفرنسية على الديار المصرية. أما اليوم فعلى الأرجح ان عراق ما بعد ديكتاتورية صدام حسين، وسوريا ديكتاتورية حافظ وبشار الأسد، قد تجاوزا تلك الصور التراثية الغابرة. لكن ظلال أو أشباح صور الطواعين الضاربة والمتفشية اليوم في الديار المشرقية (من اليمن وصولا إلى لبنان، مروراً بالعراق وسوريا) لم تعثر بعد، بالرغم من تفاوتها، على مؤرخيها ورواة أيامها، إلا في ما ندر من الكتابات والتحقيقات الصحافية، غير العربية غالباً. هذا على الرغم من مرور عقود على دبيب الطواعين والاوبئة، الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، في الديار اللبنانية، منذ بدايات الحروب الأهلية الملبننة في العام 1975. وإذا كانت تلك الحروب قد توقفت قبل عقد ونصف العقد، لتتولى الوصاية السورية الأسدية إدارة شؤون لبنان ودولته في حقبة ما سمي «إعادة البناء والأعمار» طوال عهد حكومات رفيق الحريري، فإن أشباح الطواعين والأوبئة المادية والمعنوية والأخلاقية والسياسية التي تهدد لبنان اليوم، هي وليدة الحقبة الحريرية ـ السورية الأسدية التي انتهت باغتيال الحريري في طرف وسط بيروت المعاد بناؤه وإعماره وإحياؤه، قبل ان تغرق سوريا الأسد بالدم والدمار. وها هو لبنان بدوره يغرق منذ الاغتيال الكبير في العام 2005، في استنزاف إرث دولة اتفاق الطائف (1990) الصورية المعلقة في فراغ اجتماعي كبير، بعدما أُعيد ترقيقها وإدارتها على مثال إقطاعات أهلية لا جامع بينها سوى إذعانها الخائف والمتواطئ للوصي السوري الأسدي، ويتصدرها زعماء لا جامع بينهم سوى تطاحنهم على النفوذ والسلطان ونهب المال العام للدولة الصورية بالتواطؤ مع الوصاية السورية الأسدية.

نفايات عسكرية قاتلة

ما جرى وصفه أعلاه من حملات وتظاهرات لا تزال تتناسل احتجاجاً على غرق الديار اللبنانية في النفايات، ليس سوى وجهٍ من وجوه غرق لبنان الدولة والمجتمع في متاهات الانقسامات والنكايات الأهلية التي يحاول الناشطون إخفاءها ببراءة ما يسمونه المجتمع المدني، فيما دهاقنة السياسة والإعلام والمال يتربصون بهذا المجتمع الضعيف المرهق وبناشطيه ومتظاهريه السلميين.
وإلى النفايات والكهرباء ومتاهات الانقسامات ودبيبها مع الطاعون المعنوي والأخلاقي، ووقاحة النهب والتطاحن السياسي عليه بين الزعماء وحاشياتهم، وفيما كانت تظاهرة الاحتجاج تتعرض لعنف أجهزة الشرطة في ساحة رياض الصلح، كان مخيم عين الحلوة الفلسطيني قرب صيدا، يعيش حالاً من تناسل الأوبئة والطواعين العسكرية شبه الاجرامية فيه. فبعد ظهر السبت 22 آب/اغسطس، كانت حركة «فتح» الفلسطينية في المخيم تشيّع قتيلاً سقط برصاص رفيقه في ما سمي «حادث فردي»، فأطلق مسلحون «مجهولون» النار على أحد مقدمي «فتح» في الجنازة. أصاب الرصاص مرافقيه الثلاثة، منهم الملقب أحدهم بـ «العجل». فاندلعت اشتباكات عشوائية بين مقاتلي «فتح» ومسلحي الجماعات الاصولية الإسلامية المتشددة، وامتدت إلى معظم أرجاء المخيم وأحيائه البائسة. استمرت الاشتباكات 15 ساعة متواصلة، فسقط فيها 3 قتلى وجرح 20 آخرون معظمهم من «فتح»، ودمرت منازل ومحال تجارية وسيارات، وتعطلت شبكتا الهاتف والكهرباء، فيما نزح عدد كبير من سكان المخيم هاربين في الليل سيرا على أقدامهم في اتجاه مدينة صيدا.
ليست هذه الحوادث سوى غيض من فيض الأوبئة والطواعين المتناسلة في الديار اللبنانية. وهي مرشحة للتفاقم والانتشار على القارب في الأيام المقبلة. إنه قدر لبنان على شفير المقاتل في المنطقة كلها.

كائنات العزلة” لعبد القادر الجنابي مديحٌ لروعة أن تكون وحيداً

سبتمبر 20, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 25-08-2015

عبد القادر الجنابي

يخلط عبد القادر الجنابي الترجمة والتأليف باختياره منتخبات نثرية وشعرية لكتاب وشعراء كثيرين، في الفرنسية والانكليزية والعربية، فيضع كتاباً في مديح العزلة وأحوالها ومعانيها ودلالاتها، عنوانه “كائنات العزلة – أنطولوجيا شعرية شخصية”، من منشورات “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” البيروتية، 2015. على صفحة الغلاف الأخيرة تعريف بالكتاب: “إنه ديوان جديد في بابه”: “جوقة شاعرية (…) حيث عزلة الشعر والحلم تنتشلنا من وحدتنا المفجعة”.

يفتتح الجنابي كتابه هذا معترفاً نثراً: “مرت أيام لم أرَ فيها أحداً، لم أتحدث مع أحدٍ، ولا حتى مع نفسي”. لا يشير الى أن ما يكتبه مقدمة. وبعد صفحاتٍ ثلاثٍ نثرية، ينتقل فجأة الى شكل شعري لكتابته، يستمر حتى الصفحة العشرين. نقرأ في الصفحة 12: “لا أريدُ الوحدة،/ تابوتاً يؤويني/ بل العزلة،/ حيث لا رابط يغويني”.

شبهة الإنسان الميت
هذا التمييز بين العزلة والوحدة يمثّل هاجساً أساسياً في ما يقتطفه الجنابي وينتخبه لكتّاب وشعراء كثيرين، بعد أن يكتب نصاً نثرياً يتقصى فيه مفهومه للعزلة التي “ما إن تهبُّ مروحةٌ يدوية” في غابتها – على ما يكتب أندره بروتون – “حتى نتوهم أننا في فردوس”. يتساءل الجنابي: “من هو أجدر بالعزلة من الشاعر؟”، ثم ينقل عن ريلكه أن الشاعر هو رجلها وابنها، وهي التي “تصقلُ الموهبة”، وفقاً لغوته. أما بابلو نيرودا فيرى أن “الشاعر، لابساً الحداد، يكتب بيد مرتجفة وحيداً كلياً”. والعزلة لتوماس مان “تولّدُ فينا الأصيل، والجمال غير المألوف”. وهذا تشارلز بوكوفسكي يوهنه “النهار الذي يمرُّ من دون عزلة”. حتى “الشاعر الجماهيري والشعبوي”، يضيف صاحب الأنطولوجيا، يحتاج الى عزلة كافكوية: “ليس كمتنسكٍ، وإنما أشبه بإنسان ميت”. و”من دونها”، على ما تضيف مارغريت دوراس “لا نعمل أي شيء… لا نرى أي شيء”. وهي، وفقاً لاوكتافيو باث، “التركيز وتنقية الشعور بالإحساسات الداخلية”. وإذ كان قد ورد في حديث نبوي أن “ما من أحد إلا وله شيطان”، فإن الجنابي يضيف أن “شيطان الشاعر هو عزلته”. أما “كايميلي ديكنسن التي حبست نفسها في غرفة وهي في الثلاثين وبقيت حبيسة فيها حتى مماتها، فلم تترك ورقة واحدة تخرج من غرفتها المغلقة” التي اكتُشفت فيها “ألفا قصيدة، وألف رسالة”.

العزلة والجموع
تعريفات العزلة التي “روّجها لاهوتيون، حزبيون، اجتماعيون، إصلاحيون”، يرى الجنابي أنها ساعدت في ايجاد “تبرير نظري للسيطرة على القطيع والحدّ من حرية الفرد، وفي الحقيقة، من حرية الجموع”. لكن في مقابلة طويلة نشرتها معه مجلة “مواقف” في سبعينات القرن الماضي، كان المفكر السوري الراحل أنطون مقدسي، قد قال ان البشر في الأزمنة الحديثة يتمتمون أهواءهم ورغباتهم الشخصية، فيما هم يمشون وسط الجموع في المدن كلها، في دمشق وبيروت، كما في باريس ونيويورك!
أما المفكر الالماني الياس كانيتي في كتابه “الحشد والسلطان”، فذهب مذهباً آخر في تصنيفه أنواع الحشود، وفقاً للشعوب والأمم والحقب والأزمنة الاجتماعية – السياسية. غير أن الجنابي يرى أن المرء “في العزلة فقط يثبت أن الحرية أمر لا يمكن استئصاله” ضداً لـ”الجماعية العبيدية ولمّ الشمل القبائلي”. ولفريدريك نيتشه “نصيحة” في هذا المجال: “سارع الى عزلتك، يا صديقي”.

بين العزلة والوحدة
لكن هذه النصيحة النيتشوية لا تلقى صدى لدى الشعراء والكتاب العرب الذين “يطيب لهم أن يُنعتوا بالكبار، العظماء”، على ما يلاحظ صاحب أنطولوجيا العزلة.
ذلك لأنهم “احتفظوا دائماً بنافذة صغيرة على ميدان العوام، وظلّ الإحساس بالمنافسة هو محفّزهم على الكتابة. وما شعورهم بالوحدة، الوحشة، سوى علامة على الشعور بالحسد والغيرة”. لذا يعيشون عزلة “سببها جرح نرجسي أو إحساس بعظمة لم تكافأ”.
انطلاقاً من هذا التصنيف، لا يورد الجنابي أي مقتطف في منتخباته للكتّاب والشعراء العرب المعتبرين كبارا أو عظاماً، سوى جملة واحدة لمحمود درويش. وهو يعتمد توضيح الفيلسوف بول تيليش لتمييز الفرق بين العزلة والوحدة: فالوحدة تعبير عن “الألم الناتج من (كونك) وحيداً”. أما “العزلة (فهي) للتعبير عن روعة أن تكون وحيداً”. على هذا الاساس ليست هذه الانطولوجيا “الصغيرة” تجميعاً لـ”نصوص عن المشتقات السلبية للعزلة (الوحشة، الوحدة، الرثاء، الضياع، القلق، المنفى… الخ)”، بل أرادها صاحبها “تقاسيم شعرية محضة في ميلاد القصيدة في الشاعر، هذا الكائن الذي يخترق الحشد بعزلته مبتهجاً بما تمنحه هذه العزلة من أنا استبصارية”.

قمر بورخيس
قد يكون أجمل مقتطف في الكتاب للشاعر خورخي لويس بورخيس: “كم من عزلة في هذا الذهب./ قمر الليالي ليس القمر عينه/ الذي شاهده آدم الأول./ فقد ملأتْه قرون السهر الإنساني الطويلة/ بنحيب قديم. أنظري فيه. فهو مرآتك”.

مرايا كفافي
لكن قسطنطين كافافي، مبهر أيضا في مقتطف شعري له: “الثانية عشرة والنصف. كم سريعاً مرّ الوقت/ منذ أن أشعلتُ مصباحي في التاسعة(…)/ ظهرَ لي خيال جسدي الغضّ وجعلني استرجع/ عطور الغرف المغلقة/ ملذات سالفة(…)/ شوارع يصعب الآن التعرف عليها،/ ملاهي أُغلقت كانت تضجّ بالحركة،/ ومسارح ومقاهي كان لها وجود في ما مضى./ وأيضاً جاءني خيال جسدي الغضّ/ بذكريات مؤلمة:/ حداد العائلة، فراقات، وأناس أعزاء،/ وبمشاعر الأقارب، مشاعر الموتى/ التي لم تُقدّر حق التقدير…/ الثانية عشرة والنصف. كم سريعاً مرّ الوقت./ الثانية عشرة والنصف. كم سريعاً مرت السنوات”.

وحدة سنغور
اما ليوبولد سنغور، فيترجم له الجنابي قصيدة، كأنها مستلّة من مشهد على طرق مقفرة في فيلم من أفلام الغرب الاميركي: “أنا وحيد في السهل/ وفي الليل./ أنا أعمدة التلغراف/ الممتدة طوال الطرق/ المقفرة”.

سيادة الرعاع
أخيراً في مقتطف غير موقّع، وقد يكون كتبه الجنابي نفسه، وتركه مغفلاً، نقرأ: “حين يتسيّد الرعاع المشهد، تصبح حياتك في خطر. لا إنقاذ لها إلّا بالثنائي، وليس بالتداني. أدخل عزلتك، واقفل بابها باحكام”.
هل هذه حالنا اليوم: سيادة الرعاع؟

اسطنبول بين الأكواريوم السياحي والطوطميّة الإسلامية

سبتمبر 20, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 15-08-2015

1

تركيا اليوم، هي الوجهة السياحية العالمية الأولى في الشرق الأوسط، بعد تراجع مصر في هذا المجال. تبرز تركيا “العدالة والتنمية” الأردوغانية، في السياسات الاقليمية والدولية الشرق أوسطية، وخصوصاً في ما يتعلق بالمأزق السوري المأسوي الدموي، قطباً إقليمياً رئيسياً راجحاً. لكن هذه القطبية تضع تركيا في مأزق داخلي، يكشف عن تهافت السياسات الإقليمية والدولية. في رحلة لأيام عابرة في اسطنبول ومرمريس، تدافَع خليطٌ من المشاهدات والانطباعات والمعطيات حول السياحة في تركيا، ودورها السياسي والأمني في سوريا، ومأزقها الداخلي. اضافة الى حضور السوريين، ولقاء بالصديق الكاتب ياسين الحاج صالح، المقيم في اسطنبول.

من يطلُّ على جادة الاستقلال من مرتفع ساحة “تقسيم”، تطالعه غابة من رؤوس البشر متحركةً على مدى البصر بين أبنية قديمة غير عالية على الجانبين. قوة مغناطيسية للنهر البشري تجذب الواقف عند منبعه من الساحة الفسيحة، ناظراً إليه، قبل أن يبتلعه خفقانه المستطيل بعد خطواته الأولى فيه. يستسلم العابر ويسلّم للخفقان جسمَه الذي يصغر، يتضاءل، ويذوب حتى الاختفاء أو الامّحاء في دبيب الحشود الراطنة بلغات لا تحصى. ضجيج داخلي عميق، مختنق رتيب وثقيل، يتصاعد من النواحي والجهات، ويخيّم كثيفاً وسميكاً فوق غابة الرؤوس المتحركة. كأنما المنضوي في الحشد وضجيجه، يدخل في بطن حوتٍ ضخم. لكن الضجيج لا يعلو ولا يصخب، في صدوره عن ملايين الهمهمات التي لا تخفت ولا تكلّ ولا تتلاشى إلا في ساعات الفجر والصباح المبكرة. ضجيج أو دبيب مبنّج وغير مسموع لألوف الأقدام، مترسّب في القاع، وربما تمتصّه حجارة الغرانيت السوداء الفاحمة التي ترصف الجادّة. يتحسّس الجسمُ إيقاع الدبيب، فلا يسمعه، بل يمتلئ سمعه بخفقان النهر الرتيب المؤلف من الأصوات، من دوّامات الأصوات والكلام وحركات الأجسام في مشيها مشياً بطيئاً متعرجاً في نهرها المتدفق بعرض نحو 15 متراً، هي عرض جادة الاستقلال.
لا تهدأ أمواج البشر المتدفقة مزدحمةً متهاوية، متمهلة ومسرعة، بإيقاعات متفاوتة متباينة، ذهاباً وإياباً بلا فواصل، في هذه الجادة المخصصة للمشاة بطول أكثر من 3 كلم، مستقيمة بانحناء وانخفاض قوسيين بسيطين في وسطها، وامتدادها من ساحة “تقسيم” الكبرى، وربما الأكبر في اسطنبول، الى ساحة داخلية صغيرة تتفرع منها شبكة شوارع صغرى وأزقة للمشاة أيضاً، منحدرة على إحدى تلال المدينة السبع على طرفي آسيا وأوروبا، يفصل بين بعضها مضيق أو رواق البوسفور المائي ومتفرعاته الصغيرة.
الآن، بعد مضي أيام على المشي مراتٍ وسط حشود تلك الجادة، يحضر في الذاكرة مشهدُها البانورامي المُباعِد ومن خارجها، أقربَ الى مشهد قبائل من النمل البشري، كل داخل فيها يسعى ويتوق الى الاستغراق في صوفية الحشد والجموع الآنية العابرة، والى تلاشيه في الوقت والزمن، وتلاشي الوقت والزمن. لكن صوفية الجمع هذه مفككة، ذاتية، فردية، مدينية، حرّة، على النقيض من صوفية الحشد السلطاني، العصبية، العدوانية، الحربية، القاتلة، والمدمرة غالباً.

الشارع – المعرض
السائح أياما ثلاثة في اسطنبول، هارباً من مستنقع الانحلال والتحلّل الماديين والمعنويين والأخلاقيين في العمران والحياة اليومية والأماكن العامة، على الطرق والشوارع والأرصفة وفي النظام العام، في بيروت ولبنان، تبهره متانة التنظيم، حيويته وقوته، البديهية والتلقائية، على النمط أو المثال الأوروبي في “عاصمة” تركيا، التاريخية والاقتصادية والسياحية. في المرة الأولى والثانية، مُبهرٌ هو المشي ذهاباً وإياباً في تدفق النهر البشري في جادة الاستقلال، بينما تتردد في الحواس والوعي والمخيلة أصداء عقود من الجوع البيروتي واللبناني الكئيب الى المدينة والتمدين، الى انعقاد مشاهد ونمط حياة مدينية غير مختلة، موقتة وفوضوية دائماً، وصلت الى الانحلال الزريّ شبه المكتمل أخيراً. لكن هذا الانبهار أثناء السير وسط أمواج نهر المشاة في الجادة الاسطنبولية، لا يُخمِدُ ذلك الجوع ولا يطفئه، إذ يشعر السائر للمرة ما بعد الثانية في الجادة، أنه في معرض أو أكواريوم بشري ضخم.
على جانبي هذا الأكواريوم، تصطفّ متاجر الألبسة الجاهزة من ماركات عالمية شتى: المصنّعة في تركيا، وفقاً لتصاميم دور الأزياء الأوروبية ومواصفاتها المعولمة، والمستوردة جاهزةً من بلاد المنشأ الأوروبي، والمصممة والمصنوعة محلياً في تركيا. تتخالط هذه المتاجر مع مطاعم الفاست فود المعولمة، وكذلك المطاعم التي تقدم مآكل وأطباقاً من المطبخ التركي الغني المتخم بدهون لحم الضأن (الأغنام) المنتشرة قطعانها في أرجاء هضبة الأناضول الضخمة المترامية. وكان المؤرخ الفرنسي الكبير الراحل فرنان بروديل قد أحصى في كتابه “المتوسط والعالم المتوسطي” ما تستهلكه اسطنبول من أطنان اللحوم والزبدة والسمن، عندما كانت عاصمة عالمية أمبراطورية في القرن السادس عشر. لا يزال المطبخ التركي الاسطنبولي اليوم، يستحضر أصداء ذاك التراث، بعد تحديثها لتُناسب عصر السياحة المعولم الذي تقدم مطاعمه لحم الضأن مطحوناً بدهونه الوفيرة، مشوياً على الفحم، أو مطبوخاً مع أصنافٍ من الخضر في مقدمها الباذنجان المزدهرة زراعته في سهوب هضبة الأناضول الغنية بمياه الينابيع والأمطار والثلوج. لكن الخضر والفاكهة المتوسطية أو الشرق أوسطية بأنواعها الكثيرة، وفيرة الانتاج وعالية الجودة في الأسواق التركية. وهي الى جانب اللحوم، أساسية في المطبخ التركي الغني بالمحاشي. أما لحم البقر أو العجل، فلا يبدو أنه حاضر في هذا المطبخ، وربما يقتصر استهلاكه على أسياخ الشاورما العارمة المعروضة في المطاعم.
للحلويات التقليدية، المهجّنة والمستحدثة بعشرات الأصناف والألوان، مهرجانها في مطاعمها ومتاجرها في جادة الاستقلال وسواها من الشوارع. أشهرها مطعم – متجر “حافظ مصطفى” على مدخل الجادة لناحية ساحة “تقسيم”. زحام الزبائن في هذا المطعم – المتجر، وخصوصاً من السياح العرب والخليجيين، في الذروة طوال النهار وحتى ساعة متأخرة من الليل. والداخل إليه في أي وقت يُتْخَمُ، إذ تصدُّه زحمة الآكلين وضجيجهم الصاخب، عن تناول أي قطعة حلوى من أكداس أصنافها الفاخرة المعروضة بوفرة هائلة. قالت لبنانية تقيم وتعمل في اسطنبول منذ سنة تقريباً، بعدما دعتنا الى محل “حافظ مصطفى” المهرجاني، إن قطعة الحلوى التي طلبتها وشرعت في تناولها، يدخل في تحضيرها لحم الدجاج المطحون. لراحة الحلقوم الملوّنة والمطيّبة بعصائر الفاكهة المختلفة ونكهاتها، إضافة الى حلويات الملبن المحشوة بالجوز واللوز والمطيّبة بالبهارات على أنواعها، مهرجانها الاستعراضي في محال جادة الاستقلال و”تقسيم” وغيرهما من الساحات والشوارع.
أما البوظة المصنوعة على الطريقة التقليدية، فتقدم على نحو فولكلوري استعراضي في المحال المخصصة لها على جانبي جادة المشاة. فعلى مداخل تلك المحال يقف خلف البرّادات عمّال في زيّهم الفولكلوري الشامي أو التركي التقليدي المزركش، فيُخرجون فجأة وسريعاً من فجوات البرّادات أمامهم، كتلاً من البوظة الملونة. زنة الكتلة منها تزيد على الرطل (2,5 كلغ)، يفرزها العاملون بملاعق معدنية كبيرة، ثم يلوّحون بها عالياً في الهواء الطلق أمام أبصار الزبائن والعابرين. هذا قبل أن يعيدوا الكتل الى البرادات في حركاتٍ راقصة، فيخاف العابرون من انفلاتها من الملاعق وسقوطها على رؤوسهم أو بين أقدامهم على الارض. لكن كتل البوظة الراقصة في الهواء لا تسقط إلا في مواضعها في فجوات البرادات، فيما يضرب عاملو البوظة الفولكلوريون المدرّبون بملاعقهم الكبيرة أجراساً معلّقة عالياً فوق رؤوسهم على مداخل المحلات، فيُجفِلُ رنين الأجراس الصاخبُ المفاجئ الزبائنَ والعابرين. لا ينتهي مهرجان البوظة الفولكلوري عند هذا الحد، بل يتجاوزه الى ملاعبة العاملين زبائنهم. فبعد أن يقدموا لهم قطع البسكويت المخروطية فارغةً كي يضعوا لهم فيها مقادير من البوظة، سرعان ما يخطف العاملون من بين أصابع الزبائن القطع المخروطية التي يلصقون بها ملاعقهم المحملة بوظة، ثم يرفعونها عالياً، قبل أن يعيدوها الى أيدي الزبائن المتفاجئين بخفة الحركة اللاهية المتكررة لمرتين أو ثلاث.
تكثر على جنبات جادة الاستقلال وفي وسطها بسطات صغيرة لبائعي الكستناء المشوية على الجمر، والموضّبة بإتقان، ساخنةً وجاهزة للأكل، على صفيح البسطات الصغيرة. والحق أن كستناء هضبة الأناضول المشوي صيفاً، لذيذ الطعم، كالذرة المشوية أو المسلوقة في طناجر كبيرة يتصاعد منها بخار من على عرباتٍ يوقفها الباعة الجوالون ويتنقلون بها وسط الحشود المتدفقة بإيقاعات وأمزجة وسحنات ولغات كثيرة، لكن لا أثر فيها للتنافر ولا للتدافع. كأنما هنالك ضابط إيقاع خفيّ ينظّم تلقائياً انسياب حشود المشاة المختلطة المتهادية في الاتجاهين على طول الجادة وعرضها. تتكاثر على جنبات الجادة أيضاً عروض فنّ الشارع الحيّة العابرة، يؤديها أفرادٌ أو مجموعات صغيرة من عازفين على آلات موسيقية، يتصدرها الأكورديون الذي يكثر الأطفال بين عازفيه. هناك أيضاً فرق من مؤدّي القدود الحلبية السوريين المتكاثرين في اسطنبول. وللكرد والترك والعراقيين والسوريين وسواهم، حضورهم في عروض الشارع هذه. قد تكون أبرزها تظاهرات المحتجين الصغيرة الذين يعرضون صوراً وشعارات، ويوزعون بيانات ومنشورات، هي غالباً كردية وتركية، يسارية الهوى والتوجه والمطالب.

3

المعضلة الكردية
المعضلة الكردية الداخلية المديدة في تركيا، تخالطها اليوم ومنذ سنوات ثلاث أو أربع على الأقل، المسألة السورية ومآسيها التي يشكّل فرعها الكردي السوري هاجساً كبيراً في السياسات التركية وانقساماتها الداخلية، بين التيارات القومية والإسلامية واليسارية التركية، وامتداداتها الكردية. تزايدت هذه الانقسامات إبان حروب كوباني (عين العرب) الكردية السورية على الحدود التركية، وتدميرها دفاعاً عنها من هجمات تنظيم “داعش” ومحاولاته اجتياحها. تسارع مأزق السلطات التركية و”حزب العدالة والتنمية” التركي الاسلامي، في أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة في تركيا، وخصوصاً بعدما أظهرت هذه الانتخابات قوة التحالف الكردي واليساري التركي الذي فاز حزبه، “حزب الشعوب الديموقراطي”، بزعامة صلاح الدين دميرطاش (الكردي التركي)، بـ13 في المئة من أصوات الناخبين في عموم تركيا، وبكتلة نيابية بلغ عدد أعضائها 80 نائباً في البرلمان التركي الجديد. هذا الأمر أثار حفيظة “حزب العدالة والتنمية” الحاكم في أنقره بزعامة رجب طيب أردوغان، وحرمه من الأكثرية النيابية التي تخوّله تشكيل الحكومة الجديدة منفرداً.
السياسة التركية لـ”العدالة والتنمية” ورجب طيب أردوغان في سوريا، والاصطفافات الجديدة في الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة، وتعرجات المعضلة الكردية المتشعبة والمزمنة في تركيا مع مستجدّها السوري، هي العوامل المتشابكة التي حملت الحكومة التركية المستقيلة بعد الانتخابات، والمستمرة موقتاً في الحكم برئاسة أحمد داود أوغلو، على توسل الحرب الجوية على “داعش” في سوريا وعلى “حزب العمال الكردستاني” في جنوب تركيا الشرقي وفي شمال العراق وجبال قنديل، والشمال السوري الكردي، حيث يسيطر “حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي” و”وحدات” ما يسمى “حماية الشعب الكردي” المسلحة بزعامة صالح مسلم، كواجهة كردية سورية لـ”حزب العمال الكردستاني” التركي بزعامة السجين عبدالله أوج ألان، المعتبر حزبه إرهابياً في تركيا، والمدرج على لائحة الارهاب الأميركية.
الحرب الجوية التركية – المزدوجة، بل المثلثة، التي تشنّها اليوم حكومة أردوغان وأوغلو، بمقايضة أميركية لقاء استعمال الطائرات الأميركية قاعدة إنجرليك التركية في حربها على “داعش” – هدفها خلط الأوراق في الداخل التركي، لإجراء انتخابات نيابية جديدة، بعدما تعذّر تشكيل الحكومة التركية في أعقاب الانتخابات قبل نحو شهرين اثنين. وقد تذرّعت الحكومة التركية في حربها هذه بما اعتبرته “تهديداً للأمن القومي التركي” جراء التفجير الانتحاري الدموي بالناشطين اليساريين الكرد في مدينة سوروتش التركية الكردية الحدودية، أثناء حملتهم الاحتفالية لإعمار كوباني الكردية السورية. الحرب الجوية التركية هذه، قوّضت سنوات من المفاوضات والهدنة بين “حزب العمال الكردستاني” اليساري والعسكري وشبه الستاليني، المتحصنة قيادته الميدانية في جبال قنديل العراقية الكردية، وبين السلطات التركية، في محاولة جادة قادها “حزب العدالة والتنمية” بزعامة أردوغان، لمنح الكرد الأتراك (أكثر من 15 مليون نسمة) حقوقهم المدنية ودمجهم الاجتماعي والثقافي في نسيج المجتمع التركي، لقاء تخلي حزبهم عن السلاح، بعدما عاشوا عقوداً من القمع والتمييز، مكتومين في جمهورية كمال أتاتورك القومية العسكرية القوية المتماسكة.

4

سياسات ودول متهافتة
لكن، أيّ منطق هذا الذي دفع السياسات الأردوغانية الى شن حرب جوية على الكرد الأتراك الذين تعرضت جماعة يسارية منهم في مدينة سوروتش الى تفجير انتحاري انتقامي قتل وجرح العشرات منهم في مجزرة يقال إن منفذها من انتحاريي “داعش”؟! إنه منطق السياسة الذرائعية غير المنطقي والشائع اليوم في السياسات الدولية للقوى الكبرى أو العظمى والإقليمية. وهي سياسات موضعية أو بالمفرّق، متضاربة، لا يجمعها جامع سوى منطق القوة والمصالح الاقتصادية القومية المعولمة. كما أنها تغذي الحروب الأهلية وتتغذى منها، وتبعثها، وتقوّض الدول وكياناتها السياسية وتدفعها في مسارات أدت وتؤدي الى تفككها جماعات أهلية عصبية متحاجزة أو متناحرة. هكذا تندفع سياسة “العدالة والتنمية” الأردوغانية الى شن حرب جوية على جماعة قومية في تركيا، هي الكرد الأتراك، كي تقوّي موقع الحزب الحاكم في انتخابات نيابية مبكرة!
الحق أن مثل هذه السياسة، شديدة التدافع والتهافت في آنيتها القصيرة النَفَس والنظر. مثال هذه السياسة وموطنها الأبرز في العالم، ما يدور اليوم في الشرق الأوسط ودوله الفاشلة وشعوبه المفككة المتحلّلة، لتتناهبها حروب أهلية عاصفة ومدمرة. الحروب هذه أهلية وداخلية، قدر ما تستثمر فيها وتتوسل بها دول إقليمية لا تزال، بالرغم من أزماتها واضطرابها وتشققاتها الداخلية القومية والوطنية، متماسكة قوية على الصعيد الإقليمي (إيران، السعودية، تركيا، ومصر). الحروب إياها تستثمر فيها وتتوسل بها أيضاً القوى الدولية العظمى. فتتراكب وتتداخل وتنعقد سلسلة من الاستثمارات في هذه الحروب التي ليست حروباً أهلية إلا بقدر ما هي إقليمية ودولية: من اليمن إلى ليبيا، مروراً بالعراق وسوريا والمذابح اليومية فيهما، وصولا إلى جنوب تركيا الشرقي، ولبنان في بؤسه، ومصر الأشد بؤساً.
هذا كله في بلاد وديار أُنزل فيها القول القرآني: “خلقناكم أمماً وشعوباً لتعارفوا”، فإذا بالأمم والشعوب والجماعات والأحزاب والعصابات الإجرامية في هذه البلاد والديار، تقلب ذاك القول إلى ضده ونقيضه: إنما نحن أمم وشعوب لنتقاتل ونتذابح.
أما تركيا “حزب العدالة والتنمية” الإسلامي، فقد تكون دخلت في عظام أمبراطوري مستجد، يسابق عظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو الفارسية الشيعية، وينافسه. لعل ما يحدو تركيا “العدالة والتنمية” الأردوغانية في طموحها وعظامها هذين، رغبتها في تصدّر الشعوب والجماعات السنّيّة المشرقية المتصدعة والخائفة والمشتتة، وسواها من الجماعات السنّية في آسيا الوسطى المتذمرة من الهيمنة الروسية. الرغبة هذه، المماثلة للطموح الإيراني الفارسي، تتغذى أيضاً من الماضي الأمبراطوري العثماني، غير البعيد زمناً. هناك في تركيا ما لا يلجم هذا الطموح ويقيّده: الغياب السياسي للقوى الليبيرالية الديموقراطية التركية الحديثة، الحاضرة بقوة على الصعيد الاجتماعي وفي مشهد الحياة الاجتماعية وتنظيمها في الجمهورية التركية الحديثة التي تتصدر المشهد السياسي فيها اليوم التيارات والقوى الإسلامية، والقومية، واليسارية الفائتة أو العتيقة، المتضاربة والمتصارعة في توجهاتها السياسية.

5

المدينة وسحرها
بعد ظهر الإثنين 20 تموز الماضي، شيئاً فشيئاً تحولت الحشود السياحية في جادة الاستقلال حشوداً متظاهرة، احتجاجاً على السياسات الحكومية التركية في سوريا، مباشرةً عقب التفجير الانتحاري الدموي في سوروتش قبل ظهر النهار نفسه. استمرت التظاهرة حتى المساء، هاتفةً ضد أردوغان وحكومة داود أوغلو، ورافقتها صور عبدالله أوج ألان وشارات حزبه وصور ضحايا المجزرة الـ32 من الناشطين الكرد. علمنا أن المتظاهرين خليط من الكرد واليساريين الأتراك ومناصري “حزب الشعوب الديموقراطي”.
كان مثيراً وساحراً اختلاط السياحة والترفيه والتسوق بالحشود المتظاهرة في مشهد واحد وشارع واحد للمشاة. بدا أن رواد الشارع – الجادة العابرين وأصحاب المتاجر والمقاهي والمطاعم والعاملين فيها، متعوّدون على مثل هذا الاختلاط، أقلّه منذ سنتين، حينما شهدت ساحة “تقسيم” وجادة الاستقلال وسواهما من الشوارع القريبة، تظاهرات واسعة استمرت قوية ومتقطعة أكثر من أسبوع، احتجاجاً على حكومة “العدالة والتنمية” برئاسة أردوغان، بعدما قررت إنشاء مجمّع تجاري ضخم في حديقة غيزي العامة المحاذية للساحة. المتظاهرون آنذاك، على الرغم من عنف هراوات الشرطة وخراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع، أحبطوا المشروع، ونجت الحديقة على التلة من التجريف التجاري. هذا ما أتاح لنا في النهار التالي لتظاهرة جادة الاستقلال في 20 تموز الماضي، أن نستمتع باستراحة رخيّة لساعة في هواء الحديقة الطلق المنعش، تحت صفاء زرقة سمائها البهي. كنا عائدين من رحلة نهارية في اسطنبول الآسيوية، عابرين عرض البوسفور في عبّارة، ذهاباً وإياباً، تهبُّ علينا نسائم مائية، منعشة، يعادل نقاؤها نقاء مياه الرواق البحري الذي تمخره العبّارات، كوسيلة نقل عام من أماكن متفرقة ومحددة على شاطئ المضيق، مرة كل نصف ساعة، من الصباح المبكر حتى ساعة متأخرة من الليل.
ما يضفي سحراً مضاعفاً على اسطنبول، وعلى التنقل بين تلالها المنفصلة بالأروقة المائية، هو تنوع وسائل النقل اليومي العام في المدينة، كثافتها وانتظامها وسهولة استخدامها: من العبّارات المائية تمخر البوسفور، إلى نفق للمترو تحته، إلى جسور معلّقة فوقه. ومن شبكة واسعة للأوتوبيسات، إلى الترامواي الكهربائي الفخم، إلى خطوط المترو فوق الارض، إلى سيارات التاكسي العمومية. ففي الانتقال بين نواحي اسطنبول وتلالها، تطالعك متاهة من المشاهد المتنوعة من العمران المتآخي مع أخضر الطبيعة وزرقة الماء، وشوارع للمشاة تفوق الحصر في كل ناحية. توزع المدينة العالمية الكبرى على تلال متقابلة بين الأروقة المائية، يجعلها مختلفة تماماً عن المدن المنبسطة أو المسطحة التي لا يريك التنقل والعبور فيها سوى أجزاء متقطعة ومتتابعة من مشاهدها. أما التنقل في اسطنبول، فيشعرك بأنك تحلّق طائراً بين متاهة أجزائها المنتشرة والمرئية كلوحات عمرانية فسيفسائية على تلال تحوطها متاهة أخرى من الأروقة المائية.

6

الدين والكحول
قبل مدة قصيرة شهدت جادة الاستقلال تظاهرة للمثليين جُبهت بالغاز المسيل للدموع الذي جُبهت به في المساء التظاهرة الاحتجاجية الكبرى في 20 تموز الماضي. لم تكن القنابل أُطلقت عندما غادرنا الجادة إلى متاهة الشوارع والأزقة المخصصة للمشاة والمتفرعة من ساحة صغرى على الطرف الآخر للجادة. كنتُ أحمل زجاجة من البيرة، فجلستُ إلى طاولة على رصيف مطعم صغير للمآكل التركية يكثر فيه السياح الأوروبيون. عندما شاهد الشاب العامل في المطعم زجاجة البيرة على الطاولة أمامي، قال إن تناول الكحول محرّم في مطعمه. حملتُ الزجاجة وابتعدتُ خطوات، ثم جلستُ على درجات مدخل بناية قريبة. قبالتي على مدخل مطعم حديث الطراز، كانت تقف فتاة عارية الساقين في شورت أسود، تحمل في يدها زجاجة بيرة. بعد وقت قليل عدتُ إلى الطاولة في مطعم المآكل التركية الشعبية المتهاودة السعر والمحببة لدى السياح الأوروبيين، فلفتُّ الشابَ العامل إلى تفرد مطعمه في الامتناع عن تقديم الكحول وتحريم تناوله في المطعم. قال بعربية أعجمية حاقدة النبرة إن متناولي الكحول ومقدميه هم بلا دين. بدت عبارة “بلا دين” من الكلمات القليلة التي يجيد لفظها بالعربية. وعندما أشرتُ إليه بأن مطعمه محاط من كل جانب بمقاه ومطاعم ومرابع ومتاجر صغيرة تقدم الكحول وتبيعه، كرّر قائلا إنهم كلهم بلا دين.
كانت ساعة تقريباً قد مضت على مغادرتي المطعم وسيري متباطئاً في شوارع المشاة القريبة الهادئة، متفرجاً على واجهات متاجر تعرض سلعاً متنوعة من المصنوعات الحرفية التقليدية التركية الفخمة والمصممة بأساليب ومواصفات حديثة. فجأةً سمعتُ انفجارات متباعدة، ولمحتُ في شارع قريب مشاة يتفرقون مسرعين. انتزعتني الأصوات والمشهد من المكان وزمنه، وأرتني كل شيء من حولي على سمت وشكل مختلفين تماماً، كأنني انتقلت إلى زمن ومكان آخرين، وحدثت فجوة مفاجئة في وعيي وذاكرتي. دخلتُ، في حال من الحيرة والريبة، وكمن يصحو من منام، إلى مقهى في شارع صاعد بدا خالياً إلا من أشخاص قليلين قلقي الحركة في أعلاه. فجأةً بدا لي المقهى الخالي إلا من فتاتين وشابين جالسين خلف واجهته المشرعة بلا زجاج يفصلها عن الرصيف، أنيقاً بهيّ الجمال في هدوئه. أمام الأربعة كؤوس من البيرة، وهم بدوا غير مكترثين قط بالانفجارات المسموعة وبالحركة المتوترة في أعلى الشارع، أو كأنهم يخمدون مشاعرهم حيال ما يحدث. قال شاب منهم إن ما ينفجر هو قنابل غازية لتفريق المتظاهرين إلى متفرعات جادة الاستقلال، وإنهم متعودون على مثل هذه الحادثة وهذا المشهد في مناسبات كثيرة. في نبرة محايدة باللغة الإنكليزية، انتقد الأربعة سياسات حكومة “العدالة والتنمية” وأردوغان، معتبرين أنها محابية لـ”داعش”. قال أحدهم أيضاً إن أردوغان لو لم يكن محابياً لـ”داعش” لأقفل الحدود السورية – التركية من زمان. وصلت موجة طفيفة من الهواء المحمّل الغاز إلى رصيف المقهى، فاستمر الأربعة على عدم اكترائهم، وقالت فتاة إن الأمور ستعود إلى طبيعتها بعد قليل. صديقة لبنانية فتنها جمال اسطنبول التي تزورها للمرة الأولى، قالت للفتاة في ما يشبه التمني أو الرجاء: إن عليكم الحفاظ على اسطنبول. كأنما خلف قولها هذا استحضرت مصير بيروت ولبنان المأسوي المريع، فأجابت الفتاة: نحاول، نحاول قدر الإمكان.
أما أنا فقد انتبهتُ إلى سروري المفاجئ بزوال الطابع السياحي لعلاقتي بالمدينة والمكان والأشخاص والأشياء من حولي، وتبدده. قبل مغادرتنا المقهى، فكرتُ أن أقول للفتاة شيئاً ما عن سروري ومعناه وأسبابه، لكنني لم أفعل. غير أني في عصر النهار التالي، عدتُ إلى المقهى، طامعاً بتكرار لحظات الأمس التي أخرجتني من الأكواريوم السياحي. وحيداً تناولتُ كوباً من البيرة، جالساً خلف الواجهة المشرّعة على الرصيف. قبل أن أغادر، أصرّت الفتاة نفسها – وهي تعمل في المقهى وتديره – على تقديم كوب البيرة مجاناً لي، كأنها في إصرارها هذا تردُّ على ما لم أقله لها في لقاء الأمس.

7

السياحة المعولمة
هل مؤسف ألا ينكسر أكواريوم الزمن السياحي الضخم الذي أمضيتُ ثلاثة أيام وسط حشوده وخلف زجاجه في اسطنبول، سوى في لحظات واوقات غير متوقعة، أولها تظاهرة احتجاجية وتفريقها المعتاد بالهراوات والغاز المسيل للدموع، ولقائي العابر في تلك اللحظات المتوترة، أربعة اشخاص اسطنبوليين في مقهى في احد الشوارع الصغيرة للمشاة والمتفرعة من جادة الاستقلال؟
الأكواريوم او الزمن السياحي، اعني ان تمشي وتتنقل في شوارع، تجلس في مقاه ومطاعم، تتصفح وجوهاً عابرة، تبصر الاماكن والاشياء والبشر، وتسجل حواسك المشاهد في الذاكرة والمخيلة، كأنك مخدر وسط حشود وجموع مخدرة مثلك، ومثلك تلهث في الاماكن والاوقات نفسها، وفي مشاهد متكررة، معدّة ومؤلفة مسبقاً، كما تعدّ وتؤلّف وتصوّر مشاهد الكارت البوستال والالبومات التذكارية، واشرطة الفيديو الدعائية عن الفنادق والعطور والسلع وشركات الطيران والوكالات السياحية والمواقع الاثرية والمهرجانات الفولكلورية.
الأكواريوم او الزمن السياحي، اعني ايضاً ان تجتاح الصناعة السياحية المعولمة، العالم والمدن والحواس والأماكن والمخيلة والعلاقات، وتلتهمها على نحو يزيل الحدود بين الواقع وصوره الفوتوغرافية والافتراضية.
في هذا الاكواريوم او الزمن او المعرض الكبير في الهواء الطلق، ينتظم البشر وحركاتهم وملابسهم ورغباتهم واهواؤهم، وحتى سيلان الدم في عروقهم، انتظاماً موحداً او شبه موحد، كأنهم نسخ متكررة تتحرك وسط ديكور مشهدي زاهٍ لزمن فندقي معدّ لرخاء فائض. فيضٌ مرهق من رخاء مبذول بلا حساب لاستهلاك المتعة المشهدية.
انها الصناعة السياحية المعولمة لحشود معولمة، تركت خلفها حياتها واعمالها ومشاغلها وبيوتها ومجتمعاتها وهمومها وعلاقاتها ومشاعرها، وجاءت لتسرح في زمن ديكوري فندقي تولّت شركات ووكالات كبرى إنشاءه واعداده وتوضيبه كاملاً، لا اثر فيه للمسات خاصة، ويصعب العثور فيه على اي شيء خاص ولحظة خاصة.
يبدو ان اسطنبول من المدن العالمية الكبرى التي قطعت شوطاً كبيراً في هذا المجال، مجال الصناعة السياحية المعولمة. قد يكون هذا بدأ فيها وفي سواها من المدن العالمية، في اواسط ثمانينات القرن العشرين، مع انطلاق السياحة الجماهيرية متزامنةً مع بدء الحقبة الجديدة للعولمة الاقتصادية والسياسية، ما بعد الزمن الحديث. وربما يعود اندراج اسطنبول في خريطة السياحة الجماهيرية المعولمة الى موقعها الجغرافي الذي رأت فيه الصناعة السياحية الاوروبية ضالتها في مدينة مشرقية أوروبية، تاريخية عريقة، فأدرجتها على الخريطة العالمية للسياحة.
لكن هذا كله تزامن ايضاً مع انفتاح تركيا السياسي والاجتماعي (بعد خراب بيروت)، ومع بداية قفزاتها الاقتصادية الكبرى، على قاعدة حراك وتحوّل اجتماعيين اخرجا فئات تركية واسعة من محافظتها الثقافية والاجتماعية، ومن انكماشها على المكبوت او المكتوم من اسلامها التقليدي المحافظ، بفعل التحديث القسري، القومي والجمهوري، الذي فرضته الكمالية الاتاتوركية، وعمّمته بقوة على فئات الشعب التركي. الفئات التركية الواسعة المنكمشة على محافظتها واسلامها وتقليديتها في الحقبة الكمالية وما بعدها، هي التي شهدت حراكاً اقتصادياً صاعداً، وشكلت القاعدة الاجتماعية والسياسية العريضة لـ”حزب العدالة والتنمية” الاسلامي، وسواه من احزاب اسلامية سابقة منحلة، قبل ان يتصدر “العدالة والتنمية” المشهد السياسي بزعامة رجب طيب اردوغان الذي قاد حزبه الى الحكم، بعد فوزه برئاسة بلدية اسطنبول.

8

الاستثمار الاردوغاني
اجتمعت هذه العوامل كلها وتضافرت سريعا منذ اواسط ثمانينات القرن العشرين، فوصل “حزب العدالة والتنمية” الى السطلة بفعل انتخابات ديموقراطية، وعلى قاعدة تحديث اجتماعي واقتصادي عريض، ممزوج بثقافة اسلامية اجتماعية، غير حركية ولا سياسية، حدودها الدولة والقومية التركيتان. سرعان ما قفزت تركيا اقتصادياً، على نحو جعلها شبيهة في بعض الوجوه بنمور شرق آسيا، لكن في العالم الاسلامي المتوسطي او الشرق اوسطي. اسلامية “العدالة والتنمية” الاجتماعية والثقافية، ونهوضه الاقتصادي بتركيا، ووصوله الى الحكم في انتخابات ديموقراطية، وجدت فيها السياسات الغربية، والاميركية خصوصاً، ضالتها ورغبتها في ظهور مثل هذا الاسلام غير الحركي وغير السياسي ولا المتزمت.
غير بعيد من الصواب، ان يكون ما تقدم، هو العامل الحاسم في العظام التركي، الاقليمي الأمبراطوري، الذي يداعب مخيلة الرئيس رجب طيب اردوغان، الشخصية والسياسية، راغباً في إزاحة صورة كمال اتاتورك الطوطمية وامجاده من التاريخ والمخيلة التركيين، ليصير هو نفسه، ليس طوطم تركيا الجديد فحسب، بل طوطم العالم الاسلامي في الشرق الاوسط، وخصوصا مع انطلاق الربيع العربي المغدور، الذي لا يتصوره (اردوغان) الا ربيعاً اسلامياً.
في الثورات العربية استثمر اردوغان بقوة في احزاب جماعات “الاخوان المسلمين” العربية (على معنى الجغرافيا البشرية وليس على المعنى القومي والوطني). هذا بعدما ركبت هذه الجماعات موجة الثورات في تونس ومصر وليبيا. وكان الاستثمار الاردوغاني الأوسع والأقوى، في حزب “الاخوان المسلمين” المصري الذي وصل الى الرئاسة والبرلمان والحكم، قبل ان تلفظه سريعاً وبقوة، الوطنية الشعبية والجيش المصريان، في ثورة شعبية عارمة، ليخرجه الجيش من الرئاسة والسلطة خروجاً دموياً وفي ما يشبه انقلاب عسكري. هذا ما اغضب اردوغان وقوّض احلامه الطوطمية الاسلامية الاقليمية التي لم يبق له منها سوى الثورة السورية التي يبدو انه اعتبرها شأناً تركياً داخلياً، ما دامت الحدود السورية التركية، تمتد على مسافة 900 كلم، وما دام الشريط الشمالي السوري، موطن الكرد الاساسي في سوريا، متصلاً اتصالاً عضوياً بموطن المعضلة الكردية في تركيا. وهي معضلة كان اردوغان وحزبه قد عزما على حلّها حلاًّ سلميا في مسار استمر نحو 10 سنين، سرعان ما قوّضه اردوغان اخيراً، تحت إلحاح خوفه من نشوء اقليم او كانتون كردي سوري، على غرار الاقليم العراقي، بعدما شرّع حدود تركيا السورية، او غض الطرف عن حركة مجرمي “الجهاد الداعشي” الاجرامي عبر تلك الحدود.
بعدما سطّر الكرد ملحمتهم الدموية المدمرة ضد تنظيم “داعش” في كوباني، واعتمدتهم السياسات الاميركية رأس حربة اساسية في حربها على التنظيم الارهابي في سوريا والعراق، تذرّع اردوغان بالتفجير الانتحاري المروع في سوروتش، وحرّر قلقه وخوفه من الكرد، واطلقهما حرباً جوية على “حزب العمال الكردستاني”. الحرب هذه أهلية وداخلية في تركيا، قدر ما هي اقليمية، شأن الحرب في سوريا وفي اليمن.

9

ياسين الحاج صالح
قد يكون صحيحاً ان الحرب الجوية الاهلية في تركيا بعيدة مسافة عن “الاكواريوم السياحي” التركي الضخم والمعولم في اسطنبول وعلى الشواطئ التركية الغربية والجنوبية الجميلة والبهية على المتوسط. لكن ما الذي يحول دون اقدام “حزب العمال الكردستاني” على ارتكاب مجزرة في قلب اكواريوم اسطنبول السياحي؟ فالحزب الكردي الستاليني العسكري العتيق لديه رجال ونساء، شاب شعر رؤوسهم من كثرة ما اختبأوا في ظلام مغاور الجبال التركية والعراقية، على ما سمعتُ مرةً من صديق سوري كردي في ديار بكر، عاصمة الكرد في تركيا، بدايات السماح للكرد فيها بإحياء مهرجان ثقافي في العام 2004، للتعبير عن قضيتهم المكتومة في تركيا طوال عقود.
خارج أكواريوم اسطنبول السياحي، التقيتُ الكاتب الصديق ياسين الحاج صالح. كان لقائي الأول به حضورياً أو وجهاً لوجه، فلم أسأله إن كانت السجون السورية الأسدية هي التي شيّبت شعره الأملس، أم ان مآلات الثورة في بلده أشعلت الشيب مجدداً فيه. على ثلاثة أكواب من البيرة مع صديقة لبنانية، التقينا في مقهى قادنا إليه ياسين في شارع صغير للمشاة، متفرّع من جادة الاستقلال. تحدثنا عن زوجته سميرة الخليل وصديقتها رزان زيتونة وسواهما من أصدقائهما المختطفين المغيبين منذ نحو سنتين، فيما زعيم إحدى الكتائب الحاكمة في غوطة دمشق الشرقية، يقيم عروضاً عسكرية، ويزور اسطنبول ويلتقي ضباطاً من أجهزة الأمن التركي.
في مهجره الاسطنبولي يحاول ياسين مع أصدقاء من أمثاله السوريين الإقامة والعيش والتواصل مع ناشطين ومثقفين وكتّاب وباحثين أتراك وغير أتراك في مدينة لا تزال تتيح للسوريين التنفّس والتنقّل أكثر من سواها من المدن العربية، وخصوصاً بيروت الغارقة في التحلّل وفي تدابير حكومية عشوائية حيال اللاجئين السوريين. في أثناء اللقاء، وصلت إلى المقهى شابة سورية يعرفها ياسين، وهي مقيمة في اسطنبول منذ مدة، آتية من الولايات المتحدة لنصرة الثورة في بلدها.

منتدى “هامش” الثقافي
الشابة نفسها، جلست في عصر النهار التالي في الممر أمام مدخل مركز منتدى “هامش”، مع أطفال سوريين، وشرعت في تسليتهم بتعليمهم الرسم، فيما أهلهم يحضرون ندوة في المنتدى الذي تأسس في اسطنبول في الذكرى الثالثة للثورة السورية، بمبادرة من 7 أعضاء سوريين وأتراك، بينهم ياسين الحاج صالح.
من أهداف منتدى “هامش” مساعدة السوريين في اسطنبول على إحياء علاقات بالمدينة والبلد المضيف، وبالمثقفين والصحافيين والكتّاب والناشطين الأتراك، وإقامة ندوات وجلسات حوارية ونشاطات ثقافية مشتركة. فالمنتدى منفتح على السوريين والأتراك وسواهم من جنسيات مختلفة في مدينة عالمية كبرى. الندوة التي أحياها المنتدى في مركزه عصر نهار الأربعاء 23 تموز الماضي، وحضرها جمع صغير من سوريين وأتراك وعدد من أوروبيين، ولبنانيان اثنان، تحدّث فيها بالإنكليزية الباحث والأستاذ الجامعي التركي خليل ابرهيم يغنون، وقام ياسين الحاج صالح بترجمة محاضرته إلى العربية فورياً، وموضوعها “جذور العلاقة القلقة بين الإسلامية والقومية في تركيا”.

تحولات الإسلام التركي
تساءل يغنون عن هوية “حزب العدالة والتنمية”: أهي إسلامية محافظة، أم إسلامية قومية تركية، أم إسلامية ما بعد حداثية؟ في تسعينات القرن العشرين بدأت مناقشات تركية حول هوية هذا الحزب، ثم تجدّدت في 2011 مع انطلاق الثورات العربية. وتناولت المحاضرة المسار الطويل المتعرج للإسلام الاجتماعي والسياسي التركي، ومنعطفاته منذ انحلال الامبراطورية العثمانية. فمصطفى كمال أتاتورك، وزعامته وحكمه المشخصان، سحقا الحركة الإسلامية التركية. ونفى أتاتورك محمد عاكف، زعيم هذه الحركة، بعد ترجمته بعض مؤلفات سيد قطب وأبو الأعلى المودودي إلى التركية، واعتباره القومية عودة إلى الجاهلية.
تساءل المحاضر عن أسباب نجاة تركيا من المصير العربي المدمّر، على الرغم من أنها عاشت تمزّقات عميقة منذ الحرب العالمية الأولى، حتى عشايا وصول “حزب العدالة والتنمية” بزعامة أردوغان إلى الحكم، فأشار إلى أن الحركات الإسلامية التركية في مسارها ومنعطفاتها، تميزت بالمزج بين القومية والإسلام. وهذا ما لم تفعله قط الحركات الإسلامية العربية، وفي طليعتها جماعة “الإخوان المسلمين” المصرية الأمّ على الصعيد العربي. واعتبر يغنون أن الناصرية المصرية والبعث في سوريا والعراق، هما اللذان مزجا القومية العربية بالإسلام، في الديكتاتوريات الأمنية والعسكرية.
اللافت في محاضرة الباحث التركي هو حديثه عن إعادة فتح ما يسمّى مدارس الأئمة التركية في العام 1949، بعد مضي 16 سنة على إقدام كمال أتاتورك على غلقها ومنعها. مع الإنطلاقة الجديدة لهذه المدارس، أرسلت الفئات الإجتماعية التركية التقليدية المحافظة أبناءها بكثافة للتعلم فيها، فتخرّجت فيها أجيال متدينة محافظة، كان في عدادها جيل نجم الدين أربكان، عبد الله غولن، ثم جيل رجب طيب أردوغان. وأشار الباحث التركي المحاضر إلى أن نهاية السبعينات من القرن العشرين وانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، شكّلا منعطفاً ونهضةً للحركات الإسلامية في تركيا وسواها من البلدان، وأديا إلى بداية عولمتها. لكن الإسلام التركي – بمزجه الحيوي الدائم بين القومية والإسلام، معطوفاً على متانة الدولة والقومية التركيتين على خلاف القومية العربية والإسلام العربي – نجا من المصير العربي الإسلامي البائس المدمّر. غير أن يغنون ختم كلامه بقوله إنه غير متفائل حيال أوضاع تركيا الراهنة ومستقبلها القومي والإسلامي في خضم المنازعات والحروب الاقليمية الدولية المفتوحة على الغارب.

الطريق إلى فتحية
في رحلة في باص للنقل العام من مدينة مرمريس وشاطئها السياحي على المتوسط، إلى مدينة فتحية على مسافة نحو 150 كلم، بدا الريف التركي الساحلي الجبلي في آن واحد، زاهراً في طبيعته وعمرانه البلدي والزراعي، لكن المتمدن والحديث. مررنا بقرى وبلدات تشبه في تنظيمها العمراني والمعماري مشاهد المستعمرات الإسرائيلية. فالعامل التنظيمي المشهدي في عمران هذه القرى والبلدات حاضر بقوة لافتة في تلاؤمه مع الطبيعة المحيطة، على نمط ومثال أوروبيين متوسطيين تقريباً. ليس من منزل واحد إلا مسقوفاً بالقرميد الأحمر، تعلوه تجهيزات تخزين الطاقة الشمسية، من دون أن ترتفع هذه البيوت أكثر من طبقتين اثنتين. حتى التصاميم المعمارية لهذه المنازل والمسافات بينها ومواقعها وأشكالها متماثلة، لا أثر فيها لأي ملمح فوضوي. كأنما أذواق مشيّدي البيوت وأصحابها، متفقة تلقائياً على تشييدها متناسبة متجانسة مشهدياً، من دون قسر خارجي أو قانوني يجبرهم على ذلك. من دون أن يعني غياب القسر، عدم وجود قوانين ومخطّطات توجيهية للبناء، بل للاشارة الى أن الأهالي يلتزمون التزاماً مزمناً ومن تلقاء أنفسهم القوانين والمخططات العامة، ويعتبرونها لمصلحتهم وللصالح العام في وقت واحد. تماماً على خلاف ما هي عليه أحوال اللبنانيين في عمرانهم التخريبي للطبيعة والبيئة ولنمط العيش في مدنهم وبلداتهم وقراهم.
كان وصولنا إلى مدينة فتحية المحلية، خروجاً من الأكواريوم السياحي الطاغي في مرمريس. ففي فتحية، يقل عدد السياح. منشأتها المدينية ودورة الحياة اليومية فيها، منظمة. لكن الطابع البلدي والمحلي التركي فيها هو الحاضر في اماكنها العامة وأسواقها، حيث يبدو الزمن الاجتماعي ونمط العيش غير سياحيين. الزمن وتراكمه ماثلان ومرئيان في الأشياء والأماكن وعلاقات الناس العابرة، على خلاف ما هي عليه الحال في الأكواريوم السياحي الذي يوقف الزمن ويدرجه في جدّة وآنية دائمتين متواصلتين.

سياحة طائفية
إلى حشود السياح الأوروبيين في اسطنبول ومرمريس، تحضر أيضاً حشود كبرى من السياح العرب. أعداد اللبنانيين بينهم ضخمة لا يستهان بها. ويقال إن أربعين طائرة من شركات طيران تكثر التركية بينهما، تتنقل يومياً، منذ الموسم السياحي الصيفي البادئ قبل مدة قصيرة من عيد الفطر الأخير، بين مطار بيروت ومطارات تركيا الكثيرة. لكن من يمضي أياماً قليلة وسط الحشود السياحية في مرمريس واسطنبول، لا بد أن يلاحظ شيئاً من التجانس الطائفي بين السياح العرب واللبنانيين الذين يقلّ بينهم المسيحيون والشيعة، بل يندرون.
ففي مركب سياحي أمضينا فيه 5 ساعات من النهار في خلجان مرمريس، كانت غالبية ركابه الساحقة من اللبنانيين المسلمين السنة، إلى قلة قليلة من الأردنيين. جرياً على عاداتهم المقيمة في بلدهم، شارك الأردنيون اللبنانيين، هرجهم ومرجهم في المركب السياحي، كأنهم في عرس، لم يكن ينقصه سوى المفرقعات والأسهم النارية التي أطلقها اللبنانيون بكثافة مروعة في مطلع هذا الصيف، فور إذاعة نتائج امتحانات الشهادة المتوسطة والثانوية، وفوز أبنائهم فيها. الأغاني الهابطة على أنواعها كانت تصخب على المركب طوال الرحلة، وسط السكون البحري الصافي في الخلجان المحوطة بجبال وتلال خضراء تنحدر مباشرة الى الشواطئ المرئية فيعانها الصخرية بالعين المجردة. سياح المركب معظمهم عائلات وأقارب وجيران، مع أبنائهم وأطفالهم. صناعات التجميل والماكياج حاضرة بقوة على وجوه النساء والفتيات. وكلما كان المركب يتوقف وقتاً قصيراً قرب شاطئ عامر بسكون أزلي، كان ركابه يحتشدون فوضوياً متزاحمين للقفز في الماء، فيعلو الصراخ مختلطاً بالأغاني الصاخبة في المركب. وكادت الرحلة أن تنتهي بضحية، على غرار الضحايا التي تكاثر سقوطها أخيراً في الديار اللبنانية. فأحد السابحين أخذ يشجع قريباً له بأن يقذف طفله الصغير إليه من المركب. وبعد قليل من التردد، قذف القريب الطفل الى الماء من علوّ اكثر مترين تقريباً، فغاص الطفل عميقاً في المياه، قبل أن يطفو خائفاً هلعاً بعد لحظات. كان مكان سقوطه في الماء بعيداً أمتاراً عن والده الذي حاول الوصول إليه، فيما الطفل يزداد هلعاً في تخبطه وبلعه كميات من الماء، وسط صراخ أمه وأقاربه على المركب في الأعلى. استمر الأمر على هذه الحال دقيقتين أو ثلاثاً قبل ان يتمكن الأب من الوصول الى طفله، هلعاً خائفاً بدوره. وحين وصل إليه وأمسكه كان منهكاً، وعانى الأمرّين في السباحة مع الطفل، قبل وصوله الى الدرج الممدود من المركب الى مياه الخليج في الأسفل.
إنها فوضى اللبنانيين القاتلة، أو على شفير الهاوية.

“بيت المستقبل” الجديد في سرايا بكفيا مؤسسة ثقافية لبنانية لـ”مشروع مارشال عربي”

سبتمبر 20, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 15-08-2015

1

قبل نحو شهر ونيف، انعقد في سرايا بكفيا مؤتمر افتتاحي أطلق نشاط “بيت المستقبل” الجديد الذي تحوّل مؤسسة ثقافية بحثية تعنى بوضع ابحاث ودراسات لرسم سياسات مستقبلية عامة في العالم العربي، ولتشخص احتمالات معالجات للمعضلات والمشكلات السياسية والاجتماعية في البلدان العربية. ما هي أهداف هذه المؤسسة الجديدة، وما هو برنامج عملها، وكيف تنفذ هذا البرنامج؟

تكثر في العالم الحديث، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية، مراكز ومؤسسات بحثية لاستطلاع محاور السياسات العامة، رسمها وترشيدها في خياراتها، وتزويد مراكز صنع القرار وسواها من الدوائر السياسية، الآراء والمعلومات والتحليلات. لا وجود تقريباً لمثل هذه المراكز والمؤسسات في لبنان، ما خلا الدولية منها، التي تتولى جهات ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية إدارتها ووضع برامجها. وهي تتخذ من بيروت مقراً إقليمياً، وتتعاون مع خبراء وباحثين وأكاديميين لبنانيين ومن بلدان عربية أخرى. أما في القاهرة مثلا، فشهيرة مسألة تضييق السلطات المصرية على المنظمات ومراكز البحث الدولية غير الحكومية، واتهام المصريين المتعاونين معها بالتآمر أو بما يشبه الخيانة الوطنية أو القومية. لعل هذا وليد “الريبة” العربية والإسلامية المزمنة من الأجانب والغرب، واتخاذها أشكالا هذيانية في النظام الناصري، وفي سواه من الأنظمة العسكرية العروبية في كل من سوريا والعراق، اللذين لم ينجلِ انهيار النظامين البعثيين فيهما إلا عن كارثة لا تزال تتناسل فصولها. في حقبة سيطرة هذه الأنظمة على مجتمعاتها، اكتفت منظماتها الحزبية العقائدية ببث إيديولوجياتها وخرافاتها الشمولية عن العالم والسياسة والاجتماع والأوطان والوطنية، وحوّلت نخبها الضعيفة أصلا إما جماعات من الببغوات والمصفقين لطغيانها، وإما طردتهم إلى المنافي، وإما جعلتهم نزلاء السجون والمعتقلات.
وإذا كان لبنان الحر والديموقراطي مؤهلا في تلك الحقبة (1950– 1975) لاستضافة منظمات ومؤسسات ومراكز بحثية دولية إقليمية، فإن هذه لم يزدهر نشاطها ويتوسع إلى خارج أوروبا والغرب، إلا مع بدايات حقبة العولمة في ثمانيات القرن الماضي. أي عندما كان لبنان غارقاً في معمعة حروبه الأهلية الإقليمية ودوّامتها المدمّرة وظلامها. لذا استضافت عمان، والقاهرة المتفلتة نسبياً من الشمولية الناصرية في السنين العشر الأخيرة من حقبة الرئيس حسني مبارك المديدة، بعضاً من مقارّ تلك المنظمات والمراكز البحثية الدولية.
لكن هذه الاستضافة لا تغني قط عن ضرورة نشوء مراكز ومنظمات ومؤسسات بحثية متخصصة، وطنية محلية وإقليمية الطابع والاهتمامات وبرامج العمل والتوجه، وخصوصاً في هذه المرحلة من انهيار الدول والمجتمعات العربية المشرقية، ومنها لبنان الذي يتخبط اليوم، دولة ومجتمعاً، على شفير الانحلال، وفي حرب اهلية باردة مقنَّعة على إيقاع الحروب الإقليمية المجاورة العاصفة وأصدائها. فإذا بالمصير اللبناني مرتبط أكثر من أي وقت مضى بما يحدث في المنطقة.

مشروع مارشال عربي
بناء على هذه المقدمات، أعيد إحياء “بيت المستقبل” الذي كان يُعنى بالتوثيق والأرشفة وجمع المعلومات، قبل أن تدمّره “حرب الإلغاء” في نهاية ثمانينات القرن العشرين. لكن إحياءه اليوم جاء على خلاف ما كانت عليه أهدافه وأعماله في الماضي. فهو تحول مؤسسة بحثية برنامجها الأساسي لبناني– إقليمي، وعربي – دولي، يعنى بمقاربة المشكلات والمعضلات الراهنة الكبرى في المنطقة، في إطارها الدولي المعولم. وذلك في خضم هذه العواصف التي يصعب التنبؤ بنهاياتها وخواتيمها، لكن يمكن التفكير راهنا وفي خضمها بما يمكن إعداده والتحضير له في انتظار هدوئها. المقاربة الراهنة والمستقبلية المعتمدة، استعارت عنوانها مما حصل في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية: التفكير في وضع خطوط عامة وعريضة لـ”مشروع مارشال عربي من أجل مستقبل أفضل للشرق الأوسط”، بالشراكة والتعاون مع مؤسسات ومراكز بحث عربية ودولية، غير حكومية.
فانطلاقاً من أنه صار من الصعب التفكير في المسائل والمشكلات والمعضلات المتراكمة في لبنان بمعزل عما حدث ويحدث في المشرق العربي والشرق الأوسط وعلى المستوى الدولي، وضع “بيت المستقبل” الجديد برنامجاً أو خطة عمل مركبة لنشاطاته في ما يتعلق بتشخيص الأوضاع الراهنة في البلدان العربية، لبحثها وتحليلها ودراستها، بهدف وضع وجهات نظر متعددة تساعد في إيجاد السبل الممكنة للتصدي للمشكلات والمعضلات في المستقبل، بعد أن تضع الحروب أوزارها. في هذا المعنى، “بيت المستقبل” الجديد هو منظمة أو مؤسسة بحثية ثقافية لبنانية غير حكومية، تعنى بالشؤون اللبنانية والعربية والدولية، وتتعاون مع منظمات ومؤسسات عربية ودولية مماثلة، لمقاربة معضلات المنطقة ومشكلاتها، وذلك عبر إحياء ورش عمل بحثية مغلفة، ومناقشات وندوات ومؤتمرات وحلقات دراسية مفتوحة، يشارك فيها خبراء وباحثون واختصاصيون وأكاديميون وأصحاب رأي، قد تخرج بتوصيات ووجهات نظر، تفيد صنّاع القرار والمؤثرين في المجتمعات والسياسات العامة، خارج المفهوم السلطوي. هذا على ما ذكر سام منسى، مدير “البيت” في مقره الجديد في بكفيا. هناك خطة عمل سنوية يضعها خبراء واختصاصيون يتعاونون مع “البيت”، ويعملون على تنفيذها، بهدف مساهمة الأبحاث والدراسات المتخصصة في ترشيد السياسات، انطلاقاً من معرفة فعلية وواقعية بالمشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
يتعاون “بيت المستقبل” في برامجه مع “مؤسسة كونراد أديناور” الأميركية غير الحكومية، و”مركز توليدو للدراسات” في مدريد، إضافة إلى مؤسسات ومراكز بحث دولية أخرى، تعنى بوضع استشارات استراتيجية. إلى سام منسى، تشرف مجموعة من الخبراء والأكاديميين على وضع البرامج والندوات وورش العمل البحثية، منهم المسؤول عن هذه البرامج الدكتور حسن منيمنة ومدير “مؤسسة ميدل إيست التراناتيف” في واشنطن، ورجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، صاحب شركة “أوراسكم” للإتصالات، والدكتور سامي عون مدير “مرصد الشرق الأوسط والعالم العربي” في جامعة كيبيك الكندية، والدكتور جو ميلا الباحث والأكاديمي المعروف ومدير “الجامعة الكاثوليكية” في باريس سابقاً.
من منجزات “بيت المستقبل” الجديد حتى الآن – إلى مؤتمره الافتتاحي في مقره ببكفيا، في مشاركة نخبة من الخبراء ورجال الرأي وصنّاع القرار في بلدان عربية وأوروبية وفي أميركا – إحياؤه طاولة بحث مستديرة تناولت دور وسائل الإعلام وحرية التعبير والشفافية في العالم العربي، وندوة حول إقصاء النخبة الفكرية والثقافية من المجتمعات العربية، وكيفية تمكين هذه النخبة لتستعيد حضورها في هذه المجتمعات. ألقى مدير “معهد ناكسيس الدولي” روب ريمن المداخلة متسائلاً عن جذور إقصاء النخبة العربية الفكرية لصالح نخبة المال والسلطة.
من العناوين التي يُعد “بيت المستقبل” لندوات ومحاضرات وورش عمل حولها في المستقبل القريب، ذكر سام منسى:
– مدى قابلية الجماعات اللبنانية للعيش معاً، ووفقاً لأي تطلعات وقواسم مشتركة؟
– جذور الإرهاب، الأقليات، والأمن القومي في الشرق الأوسط.
– اللاجئون في لبنان وفي البلدان العربية.
– مسألة التقاضي الاستراتيجي الذي يرسي معايير قانونية وحقوقية في البلدان العربية، لتساعد المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني في طرح القضايا السياسية والاجتماعية الساخنة من زاوية حقوقية في هذه المجتمعات.

3

طيف “الندوة اللبنانية”
في سياق ما يطمح اليه “بيت المستقبل” الجديد، قد يحضر من الستينات اللبنانية طيف “الندوة اللبنانية” التي كانت في زمنها ملتقىً لنخبة من رجال الفكر وصنّاع القرار، لإحياء ندوات دورية هدفها التفكير في شؤون الدولة والمجتمع اللبنانيين في تلك الحقبة الجديدة الناهضة من تاريخ لبنان، التي وضعت الحروب الأهلية الملبننة خاتمة لها ولـ”الندوة” نفسها، بعدما جعلها الراحل ميشال أسمر مشروع حياته، بجهد شبه فردي عصامي، لا يعرف الكلل ولا الملل.
ليس التذكير بـ”الندوة اللبنانية” في هذا السياق، إلا من باب الاستدلال، ورصد الفروق بين زمنين لبنانيين وعربيين، وبين أشكال التفكير والنشاط الملائمة والمعاصرة لكل حقبة وزمن. كما من باب الاستدلال إلى ما يمكن أن تؤول إليه نتائج هذه النشاطات، على الرغم من اختلاف أزمنتها وسياقاتها ومضامينها.
يحضر في هذا السياق عدد من الأسئلة حول مدى قدرة النشاطات البحثية وورش العمل الفكرية والندوات، على التأثير المباشر وغير المباشر في ترشيد السياسات العامة وتزويد صنّاع الرأي والقرارات معطيات ووجهات نظر، في البيئات السياسية والاجتماعية اللبنانية والعربية الراهنة؟
هل من بيئة سياسية واجتماعية عربية في زمن التفسخ والانحلال والإحتراب الأهلي هذا، لديها تطلبٌ فعلي وحقيقي ملموس، لتزويدها، وتزويد صنّاع الرأي والقرار فيها، معطيات ومعلومات ووجهات نظر يمكن الاسترشاد بها في إيجاد حلول للمشكلات والمعضلات؟ ثم، من هم صنّاع الرأي والقرار في المجتمعات العربية المحتربة اليوم؟ يحضر في هذا السياق مثلاً السيد حسن نصرالله الخطيب التلفزيوني للحزب الخميني وجمهوره. ويحضر ايضاً النائب سعد الحريري زعيم “تيار المستقبل”. كما يحضر ثالثاً زعيم التيار العوني، الجنرال ميشال عون، صاحب الوقفات التلفزيونية الاسبوعية الغاضبة مطالباً بـ”حقوق المسيحيين”. ناهيك عن زعيم الجماعة أو الحركة الحوثية اليمنية وخطيبها التلفزيوني ايضاً في صعدة. أما في العراق وسوريا فحدِّث ولا حرج عن أمراء كتائب مسلحة يتجاوز عددها الألوف.
تحضر مثل هذه الأسئلة والأسماء، للإشارة إلى أن مسألة ترشيد السياسات تحتاج أولاً إلى وجود سياسات ومجتمعات وقوى اجتماعية وسياسية ورجال يملكون زمام أمرهم وقرارهم، ولديهم فكرة ما عن الصالح العام وشؤونه واحتمال تدبيرها تدبيرا سياسياً. ألسنا نعيش اليوم في معمعة ما دون اجتماعية وسياسية؟ وقد تكون السياسة في المجتمعات العربية المحتربة اليوم، مؤجلة إلى وقت قد يأتي يوماً ما. وربما هذا ما يُعدّ له “بيت المستقبل” منتظراً حلول ذلك اليوم العتيد.

5

السرايا الجميلة في بكفيا
تبقى الإشارة إلى مقر “بيت المستقبل” الجديد في سرايا بكفيا ذات الطراز المعماري التراثي اللبناني الجميل. كانت السرايا مقراً أو مركزاً لقائمقامية جبل لبنان الشمالية (المسيحية) ما بين 1860 و1862، في عشايا إنشاء متصرفية جبل لبنان، وجعل سرايا بعبدا مقراً لها ولمتصرفيها طوال أكثر من 50 سنة من الاستقرار اللبناني. وقد أُبرم بين إدارة “بيت المستقبل” الجديد وبلدية بكفيا، اتفاق لاستعمال السرايا مقراً لنشاطات المؤسسة الثقافية الجديدة التي تكفلت مصاريف ترميم السرايا وتجهيزها، بعد حصولها على ما مكّنها من ذلك من جهات قطرية مانحة.
نافذة:
تحول “بيت المستقبل” مؤسسة بحثية تعنى بمقاربة المشكلات والمعضلات الراهنة والمستقبلية في لبنان والعالم العربي، وفقاً لبرنامج عمل سنوي يتضمن سلسلة من الندوات وورش العمل البحثية والمؤتمرات والحلقات الدراسية المغلقة والمفتوحة.

6

جهاز للخلاص من النفايات

سبتمبر 20, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 08-08-2015

لوحة لمنصور الهبر

لوحة لمنصور الهبر

توصل الدكتور جميل ريمه بعد اختبارات وتجارب عملية في مختبر كلية العلوم في الجامعة اللبنانية، إلى تصنيع جهاز لمعالجة النفايات يتخلص من مضار معالجتها بالطمر والحرق والتخمير. بلدية عين إبل بدأت تستعمل الجهاز منذ سنة، ودولة أنغولا، بالتعاون مع الإتحاد الأوروبي، تبنت المشروع الجديد، وسجل ريمه اختراعه في 150 دولة حول العالم.

عاد جميل ريمه الى لبنان في العام 1984، بعد حصوله على شهادة دكتوراه في الكيمياء الفيزيائية من احدى جامعات فرنسا، فعمل مدرساً في كلية العلوم – الجامعة اللبنانية – الفرع الثاني. جذبته الأعمال التطبيقية في المختبر، اكثر من التدريس النظري، جرياً على تقاليد الجامعات الغربية في مجال اختصاصه. لذا عمل على تجهيز المختبر في كلية الجامعة لإنجاز الممكن من أبحاث تطبيقية مع طلابه وطالباته. منذ العام 2000 تكاثرت زياراته البحثية لجامعات اوروبية وأميركية ومختبراتها، منكباً على الاهتمام بطرق معالجة النفايات الصلبة التي تعتبر معضلة عالمية، لأن الطرق التقليدية السائدة في معالجتها، تنطوي دائماً على آثار بيئية وصحية سلبية وسيئة وخطيرة.
فطمر النفايات ينجم عنه سائل ملوّث ومضرّ، يتسرب الى المياه الجوفية ومياه البحار، ويلوّثها. أما الحرق المستعمل على نطاق واسع في أوروبا وأميركا، فينجم عنه غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي يؤدي الى أمراض سرطانية خطيرة. الطريقة الثالثة المعروفة في معالجة النفايات، هي التخمير الذي تترتّب عليه أيضاً أضرار بيئية وصحية، مصدرها الروائح الكريهة المنبعثة من مراكز التخمير.

اكتشاف معالجة سليمة للنفايات
في مختبرات الفرع الثاني لكلية العلوم بالجامعة اللبنانية، تركزت أبحاث ريمه التطبيقية على ايجاد طريقة جديدة صديقة للبيئة، لا تترتب عليها آثار صحية سيئة، في معالجة النفايات الصلبة. من طلابه استمرت في العمل معه، كارن عساكر، بعد تحصيلها شهادة دكتوراه في الكيمياء الفيزيائية من فرنسا.
شرح ريمه العمل الاختباري الذي اتبعه، انطلاقاً من ان النفايات الصلبة تحوي نوعين اثنين من المواد: مواد عضوية وماء. بدأ في البحث عن طريقة لفصل المواد العضوية عن الماء، فتوصل الى ذلك في أبحاث واختبارات، اتبعها بأخرى غايتها إعادة المواد العضوية الى اصلها، وهو الفحم. فـ90 في المئة من المواد العضوية تتكوّن من الكربون والأزوت، وهما مادتان اساسيتان في نمو الحياة على الارض.
للوصول الى عملية الفصل، صنع ريمه مع طلابه مفاعلاً اختبارياً صغيرا في المختبر الجامعي، سعته 10 ليرات، تمكّنه مواصفاته المعدنية من تحمّل درجة حرارة عالية تفوق 1500 درجة مئوية، ومن تحمّل ضغط كبير جداً. وُضعت في المفاعل كمية معينة ومدروسة من النفايات الصلبة، وشُغّل على درجة حرارة بلغت 450 درجة وقوة ضغط بلغت 15 كيلوبات، اضافة الى تزويده مادة محفّزة (كاتاليزير). ادت العملية الى تحويل ما تحويه النفايات من ماء الى بخار يمكن تحويله مياهاً مقطرة غير ملوثة. اما المواد العضوية فحوّلها الجهاز او المفاعل الى فحم، وذلك عبر عملية تحطيم الذرات (الأتوم) المكوِّنة للمواد العضوية والمؤلَّفة من ذرات الكربون المترابطة بواسطة الأوكسيجين او الهيدروجين. عملية تحطيم الذرات هذه، بواسطة الحرارة والضغط والمادة الغازية المحفزّة والصديقة للبيئة، هي التي تؤدي الى تحويل المواد العضوية في النفايات الى فحم مفيد، يمكن استعماله للوقود وتوليد الطاقة. العملية هذه لا تحتاج الى فرز النفايات وتعريبها، وكل 10 كلغ منها (بحجم 10 ليترات) ينجم عن معالجتها في المفاعل 3 كلغ من الفحم الذي لا تنجم عن احتراقه مادة الرماد، ويمكن استعماله للتدفئة وتشغيل معامل توليد الطاقة الكهربائية ومصانع الترابة والاسمنت والحديد، كما في تشغيل مفاعل معالجة النفايات.
صنّع ريمه، بمساعدة مؤسسات بحثية ومختبرات خارجية، جهازاً أكبر حجماً في مختبر كلية العلوم بالجامعة اللبنانية، يستوعب طناً واحداً من النفايات الصلبة ويعالجها بالطريقة المكتشفة والمختبرة في مدة 15 دقيقة فقط.
ولأن هذا الإكتشاف يعتبر ثورة في مجال التقنيات ومعالجة النفايات، سجّل الدكتور جميل ريمه اكتشافه هذا في مكتب بلجيكي دولي يعنى بتسجيل براءات الاختراع لحمايتها، فسجل المكتب هذا اختراعه في 150 دولة حول العالم.

عين إبل – أنغولا
عرف متعهد معالجة النفايات في بلدة عين إبل الجنوبية، فارس غسطين، عبر وسائل الإعلام، بالاكتشاف الجديد، فاتصل بجميل ريمه واتفق معه على تصنيع جهاز سعته 3,5 طن لمعالجة نفايات عين إبل التي كانت تعالج بطريقة الطمر المضرة والملوثة. أُنجز تصنيع الجهاز، ومنذ سنة بدأ تشغيله ليعالج كل 3,5 من أطنان نفايات البلدة في ساعة واحدة، أي ما يعادل 70 طناً في اليوم.
نجحت التجربة في عين إبل، وهي اليوم في طريقها الى أنغولا عبر هيئات في الإتحاد الأوروبي. ذلك أن ريمه أسّس مع قريب له مهاجر في أنغولا، شركة لتصنيع أجهزة معالجة النفايات حسب الطلب. مقر الشركة الجديدة المعروفة باسم “ريمه للتصنيع” هو لبنان، ولها فرع في بلجيكا، حيث يجرى تصنيع جهاز ضخم بمواصفات اوروبية مدروسة، لمعالجة 400 طن من نفايات أنغولا في اليوم الواحد.

الخلاص من مطمر الناعمة
ماذا في لبنان؟ نسأل جميل ريمه، فيجيب بعملية حسابية بسيطة: شركة “سوكلين” تتقاضى 150 دولاراً لمعالجة طن واحد من نفايات بيروت الكبرى بطريقة الطمر المضرة في الناعمة. في الجهاز الجديد المكتشف والمجرّب، تكلف معالجة الطن من النفايات وبطريقة صديقة للبيئة ومفيدة اقتصادياً، ما بين 4 و6 دولارات فقط. لكن هذه الكلفة تنخفض وتتلاشى مع الوقت، إذ إن الفحم الناتج من عملية المعالجة الجديدة يباع ويغطي كلفة تصنيع الجهاز وتشغيله في مدة معينة، لتصير عملية بيع الفحم مربحة اقتصادياً.
بعملية حسابية اجمالية لما تتحمله خزينة الدولة اللبنانية لقاء قيام “سوكلين” بمعالجة نفايات بيروت الكبرى، يفيد جميل ريمه أن الـ2500 طن التي تطمرها “سوكلين” في الناعمة يومياً، تكلّف: 2500 طن × 150 دولاراً للطن الواحد × 365 يوماً = 136 مليون دولار تتكبدها خزينة الدولة في السنة الواحدة. بأقل بكثير من كلفة معالجة نفايات بيروت الكبرى في سنة واحدة، يمكن تصنيع جهاز ضخم لمعالجة هذه النفايات بطريقة صديقة للبيئة والصحة العامة ومربحة اقتصادياً. ذلك أن كلفة تصنيع الجهاز وتشغيله على نحو دائم، سرعان ما تغطّى، وتدرّ أرباحاً اضافية دائمة من عملية بيع الفحم الناجم عن عملية المعالجة الرشيدة.
يختم جميل ريمه كلامه بالحديث عن لا مركزية معالجة النفايات التي يتيحها الجهاز الجديد. إذ يمكن بلديات المناطق بالتعاون مع جهات مانحة، أن تستخدم أجهزة لمعالجة نفاياتها بطريقة سليمة ومربحة، وتنتهي بذلك مأساة المطامر والتلوث البيئي والمضارّ الصحية الناجمة عن معالجة النفايات في لبنان.

“حقيبة بالكاد تُرى” لشذا شرف الدين: مشاهد ولحظات عابرة من سيرة برلينية

سبتمبر 20, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 29-08-2015

حقيبة بالكاد تُرى  لشذا شرف الدين

صدرت لشذا شرف الدين مجموعة قصصية في عنوان “حقيبة بالكاد تُرى”، لدى “دار الساقي”، 2015، هي الكتاب الثاني لها بعد كتابها “فلاش باك”، حيث مشاهد ولحظات عابرة من سيرة برلينية مضت وانقضت في مجتمع الصداقة الهامشي في العاصمة الألمانية.

في قصة “برلين”، زيارات متأخرة”، وهي الأولى في المجموعة، تصوّر الرواية لحظات وداعية لمهجرها البرليني. انها لحظات من لقائها الأخير بمُساكِنِها أو صديقها أو زوجها هناك، لا فرق. وهو مثلها مهاجر من موطنهما الأول المشترك، وغير الأوروبي، الى برلين. تروي القصة أيضاً لقاءات أخيرة بأصدقاء وصديقات برلينيين هامشيين مأخوذين بنزعات فنية وثقافية، أقرب الى الهوايات، من دون أن تنحو بهم وبهنّ نحو الاحتراف المهني. الامر الذي يُبدي الفن والثقافة لديهم تعبيراً عن أسلوب حياة وعلاقات، أكثر من كونهما مساراً وعملاً منتظمين يؤديان أو قد يؤديان الى حرفة أو مهنة متصلة يترتب عليها عائد مادي ومعنوي، شخصي واجتماعي عام. وقد يكون هذا المنحى عنصرا أو عاملا في هامشيتهم التي تصوّرهم أقرب الى مهاجرين قلقين في مدينتهم برلين.

مجتمع الصداقة الهامشي
لكن أمثال هؤلاء كثيرون، بل يشكلون فئات وجماعات واسعة في المدن والمجتمعات الأوروبية المعاصرة الراهنة التي انتزعت البشر، منذ بدايات العصر الصناعي، من الطبيعة والهويات الجمعية، فهجّنتهم وأدخلتهم في مسارات ومصائر أخذت تزيل بينهم الحواجز والفروق العرقية والوطنية والجنسية، على نحو لا رجعة فيه. حتى الطبيعة التي كانت في المجتمعات الأوروبية مصدراً خارجياً للتهديد والخطر في “زمن البطء القديم”، حسب الروائي ميلان كونديرا، جرى تهجينها والسيطرة عليها سيطرة تامة، ليصبح الخطر في تلك المجتمعات واقعة داخلية شاملة، بيئية وصحية ووجودية في زمن العولمة ومجتمعاتها التي وصفها المفكر الالماني المعاصر أولريش بك (1944 – 2015) بـ”مجتمعات المخاطرة”. وذلك في كتاب أساسي له وسمه بهذا العنوان، وشرح فيه نظريته في العولمة ومظاهرها وما يترتب عليها في مجالات البيئة والمعرفة والاجتماع والسياسة والاقتصاد والعمل، وفي الحياة والعلاقات الأسرية والفردية والعاطفية، وفي أشكال التنظيم الاجتماعي والتعبير والاحتجاج. فالحداثة، والعولمة بعدها، جعلتا البشر جميعاً يعيشون حياتهم على الكوكب وسط الخطر والتهديد الجماعيين والفرديين والشخصيين الدائمين. كما جعلتاهم يعيشيون أيضا في الموقف العابر، وفي هجرات دائمة، على معنى انحلال الهويات الجمعية العامة، وانعتاق الأفراد منها ومن الطبيعة انعتاقاً راسخا، إراديا وغير إرادي. وقد شمل الانعتاق أيضاً مغادرة الانتماء والإقامة المستقرين، للعيش في دبيب هجرات واسعة من بلد الى بلد، ومن هوية فردية وشخصية الى أخرى، وصولا الى الرغبة والجنس والحياة الجنسية.
هذه هي حال شخصيات قصة “برلين، زيارات متأخرة”. وهي شخصيات تبدو كأنها سليلة متأخرة لجيل ثورة الطلاب والشبان في أوروبا الستينات والسبعينات من القرن العشرين. فالثورة تلك كانت قد رسّخت في وعي فئات واسعة من الجماعات والأفراد صورا وقيما ومعاني للعالم والذات والنفس، جعلتهم أقرب الى شخصيات فنية تسعى منعتقة من أثقال قيم مجتمع العمل والمردودية المادية والمعنوية الذي هجروه الى ما يمكن تسميته “مجتمع الصداقة” والإلفة الحميمة والهامشية. وهو المجتمع الذي أتاح لأولئك المنعتقين الهامشيين، ولمن هم من سلالتهم الثقافية، اللقاءَ بالروائية المهاجرة الى برلين من بلدها غير الأوروبي، ومصادقتها في سنوات إقامتها البرلينية. كما أتاح للمهاجِرة الانتماء الى دائرتهم في نمط العيش والهواية والعمل الهامشي. ففي برلين الرواية وأصدقائها ما من شيء “يستدعي العجلة”. فما إن “تطأ قدماك أحد مرافقها (حتى) تصاب بخدر ناعم وتحسب أنك وصلتَ الى المحطة الأخيرة الممكنة في هذا العالم”. ذلك أنها “مدينة لا ثابت فيها سوى إخمادها طموح ساكنها، وجعله يحسب أن ما من شيء ينقصه”. وكلما عادت المهاجِرة الى برلين وأصدقائها فيها، بعد زياراتها بلدها الأول غير الأوروبي، “يتذكر الجميع أنني – تروي المهاجِرة العائدة – كنتُ في بلاد الغربة لسنة كاملة، فيسألونني عما إذا كنت لا أزال أنوي البقاء هناك في الغربة”. وفيما هم يتناولون البيتزا والنبيذ، يتبادلون أحاديث عابرة تتصل بمجتمع المخاطرة وثقافته في الطهي التي “تقتل المواد الحيوية” في المآكل التي تحضّر في “الماكروويف”. لكن هذا “الحديث لا يدوم طويلاً، فحماستهم لتذوق البقلاوة التي جلبتُها معي (من بلاد الغربة) أكبر مما للتحدث في ما لا طائل منه، وأكرره كل سنة، وهو أنني لا أعرف “ولا أعلم إن كنت سأبقى في “بلاد الغربة”، بحسبهم، أي بلد الراوية الأول، بحسبها.

الفن والمثليّة والموت
في مجتمع الصداقة البرليني الهامشي هذا: “نتكلم، نأكل، ندخن، نسمع الموسيقى – تروي الراوية المهاجرة – (و) يَعترفُ أحدنا بشيء حميم، نتابع الأكل، ينتقد أحدنا تصرّف آخر يجلس أمامه، وقد يعتذر الآخر، ثم نكمل السهرة من دون أن يكون لهذا الانتقاد أي تبعات مزعجة”. وهذا على خلاف ما هي عليه الحال في مجتمعات الهويّات والنميمة والعلاقات العصبوية والشللية المتناسلة بلا هوادة، ضداً لمجتمعات الفردية والخيارات الشخصية الحرة، حيث تعترف “سيمونة، صديقة بِتينا الجديدة، بأنها لا تعرف تماماً ماذا تريد، ولا حتى إن كانت مِثليّة فعلاً أم أن مِثليتها تقتصر على حبّها لصديقتها الجديدة”، التي تقول إنها “تعبت من الحياة في المدينة وتود الانتقال الى إحدى ضواحيها الهادئة”، علّها تتمكن من رسم لوحات معرضها المرتقب الذي لم ترسم منه “شيئاً منذ شهرين تقريباً”. أما “غيورغ، (فـ) يؤكد أن ما يهمه في الحياة هو أن يكتب الشعر، وأن تؤمّن له الدولة زجاجة النبيذ اليومية”. فهو “عاطل دائم عن العمل”، و”لا يهمّني أين أعيش”، طالما أنه “لا يستوحي” ما يكتبه “من العالم الذي يحيط” به، بل “من اللغة نفسها”. وهناك أيضاً فيليب ولوتسيا وطفلهما يوهان الذي يستفيق من نومه، و”يدخل المطبخ (الذي) هو الصالون وغرفة الجلوس وغرفة الطعام في برلين”، فتترك لوتسيا شلة الأصدقاء الساهرين في مطبخها، للاعتناء بطفلها. هذا بعدما يكون فيليب – و”هو راقص سابق يعمل بين وقت وآخر موديلاً لطلاب الرسم في إحدى كليات الفنون” – قد دخّن “عشرين صاروخاً” من حشيشة الكيف “في اليوم تقريباً”، وأمضى “وقته بين نيتشه وكارل ماركس وفوكو الذي اهتدى إليه أخيراً”، فيما “يُمضي ساعات الليل (المتأخرة) منشغلاً بألعاب الكومبيوتر، ويشن الحرب على البوليس”. أما هربرت الغائب عن السهرة – اللقاء، فقد “أصيب بالإيدز قبل عشر سنوات، وتدهور وضعه الصحي منذ الليلة الفائتة”. لذا تذهب الراوية المهاجرة الى زيارته في صبحية الغد، فيقول لها إنه ما كان لـ”يفهم عذابات القديس أنطوان لولا هذا المرض… إنه جهنم على الأرض”. وهو الذي حمله على تسمية “جسمه المساحة التي يعيش حولها. ولم يعد يعرف تماماً معنى الكلام، وصار يمشي بعقله ويفكّر برجله”. هذا بعدما “أراد أن يصبح راهباً في شبابه. ولو لم يُغرم بأحد الرهبان لما ترك الرهبنة”، ليذهب في رحلات من جبل الى جبل، حيث يعتزل أشهراً في مغارات “لا يفعل شيئاً سوى القراءة وغزل الصوف”.

بورتريهات للحميم العابر
أخيراً تمضي الراوية ليلة مع فؤاد في بيتهما البرليني المشترك، حيث “جئتُ كي أفرز أغراضي، تلك التي أردتُ أخذها معي الى بيروت”، بعد انفصالهما العاطفي وفسخ إقامتهما المشتركة. يحضّر فؤاد غداءً مشتركاً، يتبادلان أحاديث عن المبنى والبيت وما حدث فيهما من تغيرات في غياب الراوية التي تروح تتفقد مواضع الأشياء والأثاثات والمقتنيات البيتية، قبل ذهابهما معاً الى حضور فيلم في صالة سينما قريبة. ولأن الوقت كان متأخراً بعد خروجهما من السينما، “سألتُ فؤاد – تروي الراوية – إن كنت أستطيع النوم عنده”، أي في منزل إقامتهما المشتركة الطويلة المنتهية. في الغرفة التي كانت غرفة عملها، وحوّلها فؤاد “للضيوف”، “حضّر” لها “الفرشة”، حيث “تخيّلتُ – تروي – أن الأشياء، أشياءنا، استغربت رؤيتي نائمة هناك”، ثم تحارُ الراوية: “كيف أفسّر لها أنني لم أعد صاحبتها، وأنني ضيفة فحسب”.
في مشاهد اللقاءات البرلينية الوداعية هذه وسواها من المشاهد في قصص الكتاب الأخرى، تروي شذا شرف الدين لحظات وعلاقات ومصادفات ولقاءات وأجزاء من سير أشخاصٍ وأمكنة وشؤون صغيرة عابرة. كأنها في هذه المشاهد ترسم بورتريهات للحميم العابر من أوقات شخصياتها وأعمارهم العابرة بخفة على الهوامش. كأنهم ضيوف في حياتهم وعلى العالم. وهذا ما لا يُتاح عيشه إلا في مجتمعات الحرية والفردية والخفة العابرة.


تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 1,301 متابعون آخرين