بول أوستر في “حكاية الشتاء” سرد لاهث ضد كل انتماء

مايو 9, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 29-04-2014

2

في “حكاية الشتاء” يتخذ بول أوستر ضمير المخاطب المفرد لرواية ما يمكن أن يكون يومياته ومذكراته وسيرة حياته بتواريخها اليومية الدقيقة والتفصيلية، زمنيا ومكانيا، لكن في أسلوب روائي، بل مكتمل الروائية. الراوي في الرابعة والستين من عمره، وفي العام 2011 تحديدا. في ختام ما يرويه يكتب: “كم صباحاً تبقّى من عمرك؟ أُغلِقَ بابٌ وفُتِحَ بابٌ آخر. أصبحتَ في شتاء العمر”. أما في مستهل ما يرويه فكان قد كتب: “من المستحسن أن تضع حكاياتك الخيالية جانباً (…) وتحاول أن تدرس بدقة ذلك الشعور بالعيش داخل هذا الجسد منذ أول يوم في حياتك تعود بك ذاكرتك إليه”. وهو يسمّي ما يكتبه، “بياناً من المعلومات والحقائق الحسّيّة” أو “فينومينولوجيا التنفس”.

قد يكون كتاب “حكاية الشتاء” من أحدث كتابات الروائي الأميركي النيويوركي من أصل بولوني. فهو صدر في اللغة الانكليزية العام 2012، ونشرته في العربية، مطلع العام الحالي، “شركة المطبوعات للتوزيع والنشر” في بيروت، وأنجزت ترجمته اللائقة هالة سنّو. ومن أهم أعمال أوستر الروائية السابقة، “ثلاثية نيويورك” التي تُرجمت الى العربية أيضاً. والى الرواية كتب أوستر الشعر، ووضع سيناريوات لعدد من الأفلام السينمائية، كما أنجز ترجمات لأعمال أدبية فرنسية الى الانكليزية. فهو درس الأدب المقارن في جامعة كولومبيا، وأقام خمس سنوات في باريس، وأعماله حاضرة في اللغة الفرنسية.

اقتفاء الزمن والمكان
في “حكاية الشتاء” يكتب أوستر بإيقاع لاهث، متوتر وسريع، كأنه يسابق الزمن، على الرغم من وهن الرابعة والستين في الجسم والذاكرة والحواس، وربما في سباق مع ذلك الوهن الذي يتحول في الكتابة الى عكسه أو ضده: تدفق محموم في سرد الحوادث الصغيرة المتكررة النافلة، والاستثنائية الصادمة والمفجعة. لكنه دائماً سرد متحرر، منساب في اقتفائه كثافة الحياة اليومية للجسم في مراحل عمره. وقد يكون ضمير المخاطب المفرد “أنت”، هو ما يمنح هذه الكتابة حريتها القصوى المنعتقة من التقيّد في سياقٍ روائي، ونظام مرسوم لظهور الشخصيات وسرد الحوادث. فحادثة نافلة وعابرة في السادسة أو العاشرة من عمر الراوي، تستحثّ ذكرى في الثلاثين أو الأربعين من عمره. الحوادث هذه كلها تُسجّل وتُروى مثبتة بتواريخها الدقيقة. كأنما الكاتب يستعين بدفاتر مذكراته أو يومياته المؤرخة حوادثها ووقائعها زمنياً ومكانياً على النحو أو المثل الآتي: “إنه شهر حزيران العام 1959. أنت في سن الثانية عشرة وبعد أسبوع سوف تتخرج مع زملائك في الصف السادس من المدرسة الابتدائية التي ارتدْتها منذ كنت في الخامسة. وهو يوم بديع، خير مثال على ألق نهايات الربيع”.
أحياناً، في سياقات السرد اللاهث، يضع أوستر مصنّفات إحصائية مرقّمة بالأماكن التي ارتادها وتنقل بينها، وبالرحلات الجوية التي قام بها. في مصنّفات الأماكن نقرأ: “إحدى الشقق في مبنى قرميدي مرتفع بعض الشيء. العمر من صفر الى سنة ونصف السنة. ذكرياتك معدومة، ولكن حسب ما سمعت لاحقاً في طفولتك تمكّن والدك من توفير الايجار بإعطائه مالكة الشقة جهاز تلفزيون: رشوة فرضتها الأزمة السكنية التي عانتها الدولة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية”. يظل الراوي يثبت مصنّفات حياته السكنية حتى الرقم 9: “غرفة كبيرة وغرفة أصغر الى حد ما (…)، من الثانية والعشرين حتى ما قبل عيد ميلادكَ الرابع والعشرين بأسبوعين، أي سنة ونصف السنة. أقمتَ في هذه الشقة مع صاحبتك، كانت تجربتكما الأولى في العيش مع شخص من الجنس الآخر من دون زواج”.

السيرة العائلية والذاتية

1

فجأةً في الصفحة 122، وفي سياق اقتفاء أثر الأماكن والحوادث والرحلات واللقاءات، يتوقف الراوي متسائلاً: “تودّ أن تعرف من تكون؟ وبما أنه ليس ثمة شيء تقريباً يهديكَ إلى الجواب، تسلّم جدلاً بكونك نتاج هجرات جماعية أزلية هائلة العدد، قائمة على الغزوات وأعمال الاغتصاب والخطف (…) وليكن في علمكَ أنك لست الشخص الوحيد الذي ارتحل وصال وجال. فقد دأبتْ قبائل بشرية على الترحال في أنحاء الأرض على مدى عشرات ألوف السنين”.
هنا تبدأ السيرة العائلية والذاتية للراوي بول أوستر، المتحدر من أجداد يهود في أوروبا الشرقية: بولونيا، أوكرانيا، مينسك، وارسو، وصولا الى تورنتو، والولايات المتحدة الاميركية: “لكن من يعلم أين كانت تلك الأشباح، التي لا أسماء لها، تجولُ قبل قدومها الى مدائن روسيا وبولونيا والامبراطورية النمساوية المجرية؟”، يتساءل الراوي، ثم يكتب أيضاً: “طوال حياتكَ أضفى عليك مواطنون من بلاد أجنبية مختلفة، جنسيات شتى، جازمين أنك إيطالي ويوناني وإسباني ولبناني ومصري وحتى باكستاني، لأنك لا تعلم شيئاً عن المكان الذي جئت منه”. هذا من دون أن يكتب: إنها أميركا، قارة استقبال الهجرات والمهاجرين من شتّى أصقاع الأرض. لكنه يذهب أبعد من مسألة الانتماء الى بلد الهجرات والمهاجرين، فيوسِّع رؤيته الى هذه المسألة التي يرى أنها “زائفة”، كزيف الانتماء الى عرق بعينه ووطن بعينه. ذلك لأن مسالة الانتماء “لا تجلب إلا الخزي والعار على كل من يسأل عنها”.
هكذا يعود الراوي الى رواية حوادث حياته الشخصية التي تقاسمها مع أشخاص آخرين تركوا بصماتهم في حياته: والدته، والده، بعض أقاربه، الفتيات والنساء اللواتي توثّقت صلاته بهم. لكن الأمّ، أمّه، تحتل موضعاً بارزا في السرد: “الثالث من شباط، أي بعد يوم واحد فقط على عيد ميلاد والدتك” الثاني والعشرين، جئتَ الى الدنيا “قبل اليوم المحدد بتسعة عشر يوماً. وعندما سحبكَ بالملقط الطبيبُ من جسدها المخدّر، كان منتصف الليل قد انقضى قبل ثلث الساعة، أي بعد تاريخ ميلادها بأقل من نصف الساعة. لذلك داومتما على الاحتفال بعيد مولدكما معا، وحتى الآن، أي بعد مرور تسعة أعوام على رحيلها، لا مناص من التفكير فيها كلما أعلنت الساعة انقضاء الثاني من شباط وقدم الثالث منه”.

الأمّ والزوجة
تحتل أمُّ الراوي وزوجته الثانية أجزاء واسعة ومتقطعة من السرد في كتاب “حكاية الشتاء”. كأنه في هذا يستبدل مسألة “الانتماء الزائف” الى أصل وعرق ووطن، الى “نسب” أنثوي مباشر، وحاضر هنا والآن، في اعمار الناس الأفراد المباشرة. بأسلوبه الكتابي اللاهث يصف الراوي مشهد جثة أمه “الممددة على السرير” مخاطباً نفسه: “سبق أن شاهدتَ جثثاً عديدة (…)، لكن ولا واحدة (منها) كانت جثة والدتك. امتقاع بشرتها المزرقّة، عيناها نصف المغمضتين(…) جريدة الأحد مبعثرة حولها، رِجل عارية متدلية على حافة السرير، رغوة بيضاء متجمدة على جانب فمها(…) وإحساس غامض بالذعر ينمو في داخلك”. وإذ يذكر استحالة انهمار الدموع من عينيه، يروح يحصي المناسبات الكثيرة المماثلة في حياته. منها فتى قربه حينما كان في الرابعة عشرة. ضربت صاعقة الفتى وقضت عليه، “فقعدتَ – يخاطب الراوي نفسه – الى جانب جثته وراقبتها طوال الساعة (…) في مرج مغمور بالامطار”. لكن الغريب، في المقابل: “تدمع عيناكَ عندما تشاهد أفلاما معينة، كما انهمرت دموعك على صفحات كتب عديدة”. أما الموت، أو جثث الميتين، فـ”تجرِّدُكَ من أي عاطفة أو انفعال أو شعور أو كل ما له صلة بقلبك”.
لا يشير بول أوستر الى أن “الحزن الأدبي” أو الفني، غالباً يمسّنا على نحو أقوى وأشدّ بكثير مما تمسُّنا حوادث الواقع المحزنة، على ما كتب مرةً أحد كبار الأدب والفنون.

العامّيُّ العبثيُّ الساخر يجترح الضحك من اليأس والقنوط

مايو 9, 2015

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 18-04-2015

2

ريمون جبارة الممثل اللامع في الحركة المسرحية اللبنانية الحديثة طوال ستينات القرن العشرين، صار في مطلع السبعينات أحد ألمع الكتّاب والمخرجين المسرحيين البنانيين في تلك الحركة. مزج في مسرحه بين الروح العامّية اللبنانية الهزلية الساخرة، وثقافة الاقتباس من المسرح اليوناني الكلاسيكي، ومن المسرح الأوروبي العبثي الحديث. ثم أضاف إلى هذا المزيج شخصيات من القصص الديني، دافعاً سخريته العامّية العبثية إلى حدود السخرية الدنيوية من فكرة الخلاص في المعتقدات الدينية.

ساخر ومتهكم هو ريمون جبارة في معظم أعماله المسرحية، وفي حياته وتعليقاته الصحافية في “ملحق النهار” الأسبوعي. إنه شخص مطبوع بالسخرية والتهكم اللاذعين، السليطين أحياناً، بل مفطور عليهما، ومفتون بهما، بلا هوادة ولا سأم. لكن سأمه مما هي عليه أحوال الناس، يشكل عاملاً من العوامل الداخلية والتكوينية في سخريته المتهكمة، من دون أن يبحث لهذه الأحوال، ولا لسأمه وبرمه، عن أسباب ومبررات وشروح لبيان دوافعها. فالسخرية والتهكم لديه بديهيان، وأصلٌ في حساسيته ونظرته ورؤيته للحياة، وفي أسلوبه التعبيري المسرحي وغير المسرحي.

عبثية دنيوية
الجذر الثابت لعبثيّة جبارة هو السخرية. عبثُه ألوانُه كثيرة، تتلبَّسه فيوزّعها في أعماله المسرحية على أدوار وشخصيات متباينة ومتعارضة في مصادرها ومراجعها وحضورها على الخشبة. يستلّ عبثيته ويستلهمها من ثقافات وأزمنة ثقافية – اجتماعية متباعدة ومختلفة، قديمة وراهنة، أسطورية ورمزية وواقعية، ومن نثر الحياة اليومية: من المسرح الإغريقي والقصص الديني وخرافات الأولين، من ذاكرته وحياته ويومياته البلدية والقروية اللبنانية، من تجربته الطويلة في المسرح اللبناني الحديث في الربع الثالث من القرن العشرين، ومن احتكاكه اليومي بنمط العيش المديني (بيروت) وثقافتها في الحقبة نفسها.
ينطوي مسرحه على تذمر وسخط لا أثر فيهما للعلنية والخطابية، تجعلهما السخرية هادئتين وخفيتين وعبثيتين، أو تفضيان الى العبثية، بلا صخب. فعبثيّة صاحب “من قطف زهرة الخريف” ليست موقفاً يُعلَنُ ويُقال انطلاقاً من وضع وحال جزئيين محددين، بل هي مدار لرؤيته الساخرة المتألمة، التي لا تطرب أو لا يُطربها الألم، فتخفيه في قاع السخرية: من الدنيا وأهلها، آلهتها وأنبيائها وملوكها وعوامِّها، من قسمتها وأقدارها، ومن معاييرها الأخلاقية، الدينة والدنيوية، على هذه الأرض وفي العالم الآخر، إذا كان لهذا الأخير من وجود.
كأن صاحب “لتمت دسدمونة”، أول أعماله المسرحية (1970)، خُلِقَ ليعيش ويشرف على رحيله المتباطئ متذمراً ساخطاً وعبثياً، حتى النفَس الأخير والثمالة، لكنْ موقناً بلا جدوى التذمر والسخط اللذين كأنهما قدره العبثي الصامت، ورسالته التي لا أمل في أن تفضي إلى أي غاية. مَن هذه حاله، في شخصيته، في نظرته إلى العالم والبشر والمجتمع وأحوال الناس من حوله، وفي التعبير عن هذه الأحوال، يستحيل أن تبقى نفسه ويبقى شخصه خارج دائرة السخرية المريرة السوداء، حتى العبث. لكنه عبث يحاول انتزاع الضحك من معدن اليأس والقنوط. في هذا المعنى يبدو مسرح ريمون جبارة دنيوياً في مقاربته الرموز الدينية والقصص الديني والتراث الديني، وفي إيمانه بالرسالات الدينية، وبفكرة أو أسطورة الخلاص الديني. مصدر رؤيته الدنيوية للدين، ليس الإلحاد. فرؤيته هذه لا تفضي به إلى الإلحاد، أو إلى عدم الإيمان. إيمانه ونظرته إلى الوجود لا أدريان، مستمدان من تجربة العيش الدنيوي الوجودي، هنا والآن، بلا مراجع فلسفية ولاهوتية وثقافية.

الشّك والكلبيّة

1

حين يستدعي ويستحضر إلى مسرحه شخصيات من القصص الديني ومن المسرح الإغريقي القديم، يستحضرها ويُخرجها من سياقها المرجعي اللاهوتي والتراجيدي، وينزع عنها طابعها الديني والأسطوري والمقدس، ليدرجها في إطار دنيوي راهن، وأحياناً بلدي ومحلي. وهو في هذا يستعير كثافتها الأسطورية ورمزيتها وقوتها في المعتقد والذاكرة الشعبيين، كي يجعلها مداراً لمقاربة أخلاقية دنيوية، فيطرح عليها أسئلة وجودية راهنة ومريرة، ليبيّن أن العبث يضرب جذوره في المقدس وفي العالم، منذ بدايات الخلق.
العبث في مسرح صاحب “قندلفت يصعد إلى السماء”، ليس فلسفياً، بل هو وليد تجربة عيش شخصي وعام في العلاقات الإجتماعية، ووليد العمل في المسرح نفسه، ما دام المسرح لصيقاً بحياة ريمون جبارة التصاقاً عضوياً، ويشكل مدار خبرته الثقافية والمهنية. هذا على الرغم من تذمره الدائم من القدر الذي ساقه إلى العمل في المسرح، وفصله عن فطرة العيش والعمل في الأرض والريف. لكن رغبته في العودة إلى تلك الفطرة، لا تخلو أو لا تنجو بدورها من سخريته العبثية التي يرى أنها تطبق على حياة الإنسان، ولا شيء سواها يكشف عن أحواله وأفعاله. المسرح بدوره لا ينجو من السخرية، وكذلك دوره وجمهوره. فكل شيء يقع تحت نظر هذا المسرحي، معرّض لسخريته الضاحكة المريرة.
قد يكون الشكّ هو الباعث على هذا كله. كأن لا أدرية جبارة حيال الايمان والدين، ونظرته الدنيوية، هما مصدر الشك لديه: في البشر والأعمال والتعاملات بين الناس الذين يبدون في مسرحه منقادين قدرياً إلى سلوك كلبيّ أو شبه كلبيّ، لا خلاص ولا مخرج لهم منه. كأن الكلبيّة من ضرورات العيش وأنانياته التي يصعب أن تنتظم الحياة وتستمر من دونها. أما الأخلاقيات والقيم العليا أو المتعالية، دينية ودينوية، فليست سوى قناع صفيق لصغائر العيش. لذا جعل صاحب “صانع الأحلام” الكشف الدائم عن تلك الأقنعة مداراً أساسياً لأعماله المسرحية كلها.

السخرية من التراجيديا
ومع أن الخير أقرب إلى أن يكون مستحيلاً، وأسطورة حنين إلى عود أبدي في مسرح ريمون جبارة، فإن مسرحه نفسه يخلو تقريباً من الصدام بين الخير والشر، خلوّه من التراجيديا. هو مهجوس بالصدق والخير والعيش في وئام، لكن هجسه هذا لا يؤول سوى إلى حلم مستحيل أو بعيد المنال، والى القول إن وقائع العيش تكذّب ذلك الحلم الذي يحتاج إليه البشر كخرافة أو أسطورة، مدارُها ومِدَادُها الحنين الذي يخفف من لا أخلاقية الانغماس في قسوة الوقائع. هذا ما يغيّب التراجيديا من مسرح جبارة. فهي في تعريفها الأوّلي صدام بين الخير والشر، بين الواجب الأخلاقي المتعالي وانفلات الأهواء والرغبات الدنيوية، وبين الميثولوجيا والواقع.
وبما أن الكشف الساخر عن السلوك الكلبيّ الذي يتحكم بتعاملات البشر تحكماً شبه قدري، هو مدار مسرح صاحب “تحت رعاية زكور”، فإن مسرحه معاكس للمسرح التراجيدي الذي يسخر منه غالباً، ومن أدواره وشخصياته التي يرى أنها تنطوي أصلاً على أبعاد ميثولوجية تقنّع الواقع والسلوك الفعليين. أما استعاراته شخصيات تراجيدية من المسرح الإغريقي والقصص الديني، واستدخالها في مسرحه، فينطويان على القول إن العالم الحديث والأزمنة الحديثة خلت من التراجيديا. هذه أصلا مقولة معروفة وشائعة في أبجديات النقد المسرحي والروائي، وتشكل مفتاحاً أساسياً لفهم الفنون الحديثة. لكن مسرح جبارة لا يخلو من المواقف التراجيدية فحسب، بل إنه غالباً ما يشكّك في أصل هذه المواقف في أزمنتها القديمة، من دون أي حنين إلى تلك الأزمنة التي يعرّض شخصياتها التراجيدية للسخرية.
إذا كان صاحب “زرادشت صار كلباً” لا يصرّح مسرحُه بهذا كله، فإنه يستبطنه خلف عمله التأليفي لنصوصه المسرحية، ويستلّه من تجربة عيشه الفطرية الحية، من دون غوص أو تبحّر في المصادر الفلسفية والثقافية. لذا يمكن القول إن خبرته في التركيب المسرحي تظهر في مقدرته الحدسية والتجريبية على استدعاء شخصيات من المسرح الإغريقي ومن القصص الديني، وإدراجها في زمن اجتماعي راهن، غالباً ما يكون محلياً وعاميّاً في لغته الشفوية المحكية، وفي مصادره ومعانيه.
قد تكون هذه الظاهرة ملازمة لتجارب المسرح اللبناني الحديث، وخصوصاً في نشأته الأولى التي اعتمدت على الترجمة والاقتباس من المسرح العالمي، الإغريقي القديم غالباً، وصولاً إلى المسرح الأوروبي، والعبثي منه على وجه الخصوص. لكن ريمون جبارة اعتمد في اقتباساته أسلوباً معاكساً: أخرج الشخصيات المقتبسة من المسرح الإغريقي ومن القصص الديني، من أطرها في مصادرها الأصلية، ونزع عنها الصبغة التراجيدية والطابع المقدس، وألبسها لبوساً محليّاً وعاميّاً، بل منحها أدواراً من هذا النوع، وعرّضها لسخريته العامية المحلية أو البلدية في سياق مسرحه. ثم إنه قدّم شخصيات ميثولوجية دينية وتراجيدية إغريقية، وأخرى حديثة ومبتذلة، على قدم المساواة: مندوب حزب، ومندوبة صحافية، ومندوبة جمعية خيرية، ومؤلف مسرحي ووالده، وبيك وزعيم سياسي. ساوى بين هؤلاء في حضورهم ومواقفهم وكلامهم على خشبة المسرح، وبين النبي ابرهيم وابنه اسحق (اسماعيل) وزوجته، وأوديب وسواه من شخصيات المسرح الإغريقي، وصولاً إلى استحضاره الله، على ما فعل في “تحت رعاية زكور”. إضافة إلى هذا كله، أخرج هذه الشخصية أو تلك من دورها، وألبسها دوراً آخر مناقضاً للأول في مشاهد المسرحية نفسها وفصولها.

بيروت النهضة الثانية
ما هي العوامل التي ساهمت في تكوين شخصية ريمون جبارة كممثل مسرحي وصاحب أعمال مسرحية، كتابةً وإخراجاً، في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، وفي أي إطار اجتماعي – ثقافي تكونت شخصيته هذه ونمتْ؟
في قرنة شهوان، القرية المتنية في جبل لبنان، ولد ريمون جبارة العام 1935، وتفتحت حواسه وتفتح وعيه، إبناً لأسرة من العامّة في بيئة مسيحية (مارونية تحديداً)، في أواخر حقبة الانتداب الفرنسي على لبنان. آنذاك، أي في ثلاثينات القرن العشرين وأربعيناته، كانت ظواهر وعوامل قد تضافرت ولعبت دوراً بارزاً في طبيعة الحراك الاجتماعي لتلك البيئة: الإقبال على التعليم كان قد قطع شوطاً واسعاً وتوسعت قاعدته. أما تيار الاغتراب والهجرة الخارجية الى الأميركيتين، فكان قد مضى نحو أقل من قرن على تدافع موجاته المتفاوتة، من دون توقف. الى ذلك كان الانفكاك، المتفاوت بدوره، عن نمط الحياة الريفية، والاتصال بنمط العيش المديني البيروتي والإقامة في بيروت، قد قطعت شوطاً، بعد عقود على خروج الريف المسيحي في المتن وعاليه وبعبدا والشوف من الزمن والعلاقات الاقطاعية، ونشوء فئات متوسطة وعاميّة مسيحية متحررة نسبياً من تلك العلاقات. هذا إضافة الى انخراط أبناء فئات اجتماعية متنوعة، ومنها العاميّة، في المهن والأعمال الحرة المحدثة، وفي الوظائف العامة في مؤسسات الدولة اللبنانية الانتدابية، والاستقلالية تالياً.
كانت هذه الظواهر والعوامل مجتمعة قد بدأت تفضي الى “تمدين” الريف المسيحي القريب من العاصمة بيروت، والى اتصاله بها اتصالاً وثيقاً. في هذا الإطار الاجتماعي ظهرت نخبة ثقافية وفنية لبنانية جديدة، كان لأبناء الفئات العامية المسيحية حضور بارز فيها، وفي ما سمّي “النهضة الثانية” في لبنان الستينات والسبعينات من القرن العشرين. وكان لريمون جبارة العامي المسيحي حضوره ودوره في تلك “النهضة” الثقافية والفنية، كما كان إبناً لها في وقت واحد.
في وجهٍ من وجوهها كانت “النهضة” الثانية، استكمالاً واستئنافاً لما سمّي “النهضة الأولى”، “الأدبية والتحررية”، في مصر ولبنان النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، وخروجاً عليها في بعض من وجوهها الأخرى. ففي حين كانت “النهضة” الأولى “أدبية” و”إنشائية” و”رومنطيقية” في نتاجها الأدبي الغالب، وكان موضوعها الأساسي الخروج على اللغة العربية القاموسية “المتخشبة” و”الميتة” في العبارة والتعبير، واستهدفت التحرر الاجتماعي والتعبيري والاستقلال السياسي عن الأمبراطورية العثمانية المنهارة أصلاً، وكذلك الانفتاح على الأفكار والعلوم الغربية، فإن “النهضة” الثانية اللبنانية والبيروتية، وظّفت ثمار “النهضة” الأولى ومناخ الحرية والليببرالية والاستقرار السياسي في لبنان الخمسينات والستينات، في إنشاء دوائر جديدة محدثة للعلانية العامة السياسية والثقافية والفنية والإعلامية. وكان لاندفاع الديكتاتوريات العسكرية والأمنية وسيطرتها على أنظمة الحكم وعلى المجتمعات العربية في تلك الحقبة (مصر الناصرية، وسوريا والعراق البعثيين)، وخنقها الحريات العامة، السياسية والثقافية والإعلامية، دور بارز في “النهضة” اللبنانية الثانية في بيروت التي تحولت قبلة أنظار النخبة السياسية والثقافية والإعلامية والفنية العربية الهاربة من سطوة الديكتاتوريات العسكرية العربية.
نهوض الشعر الحديث الحر وقصيدة النثر، والصحافة وحلقات مقاهي المثقفين والصحافيين والفنانيين، والفنون الشعبية الفلولكورية الغنائية والمسرحية ومهرجاناتها، وبدء البث التلفزيوني، ورغبة “لجنة مهرجانات بعلبك الدولية” في إنهاض حركة مسرحية جديدة وحديثة يساهم فيها الكتاب والمثقفون والشعراء؛ هذا كله، شكّل الملامح الأساسية لـ”النهضة” الثقافية والفنية في لبنان وبيروت الستينات والسبعينات. في إطار هذه “النهضة” نشأ ريمون جبارة الشاب، وكان إبناً لمظاهرها المتداخلة في دوائر العلانية العامة المدينية الناشئة في بيروت، وخصوصاً في مجال التمثيل والمسرح.

الهجرة الى التمثيل

3

كان لأبناء الفئات المتوسطة، والعامية المسيحية التي صدر عنها جبارة، حضورهم البارز والفاعل في تلك الدوائر، بعدما أصابهم نصيب متفاوت من التعليم، والانخراط في “مهن” فنية وثقافية وصحافية مزدهرة ومتوسعة في بيروت الربع الثالث من القرن العشرين. أمضى جبارة سنوات قليلة من طفولته وفتوته تلميذاً في مدرسة “راهبات القلبين الأقدسين” في قريته، قرنة شهوان. مثل كثيرين سواه من أبناء الفئات العاميّة والمتوسطة المسيحية، شملته فرق التمثيل المدرسية. لكن أسرته سرعان ما انتقلت الى الأشرفية في بيروت، بعدما بدأ والده العمل حاجباً في دائرة السجل العقاري. وحين يستعيد جبارة محطات من سيرته، فإنه ساخراً متهكماً يروي أن “كثيرين اغتنوا من ذلك العمل”، فيما أنهى والده عمله “حاجباً” فقيراً، “لأنه ينتمي الى سلالة الحمير في العائلة”.
في “مدرسة الحكمة” في الاشرفية، ظل ريمون الفتى وأخوه على عاداتهما القروية. في طريقهما من بيتهما الى مدرستهما واظبا على “إلقاء التحية على كل من يصادفهما في الطريق”، فينظر اليهما الناس “مستغربين مستهجنين”. مرض والده وفقره أديا به الى ترك المدرسة قبل نيله الشهادة الثانوية. يروي أنه عمل في “أكثر من مكان” ليعيش، معتبراً أن “الفن” الذي احترفه لاحقاً “لا يغني عن جوع”. في العام 1954، وكان في الـ21 من عمره، حزم حقائبه وهاجر الى البرازيل، ملتحقاً بأقارب أمه المغتربين هناك. لم يمكث في ديار الاغتراب سوى 11 يوماً، عاد بعدها في باخرة الى لبنان. في رحلته البحرية يروي أنه “أبحر طوال 11 يوماً في عيني صبية إيطالية تدعى مارتشيلا، بعد صعودها الى الباخرة في ميناء جنوى الإيطالي”. وفي بيروت “غرق في علم المساحة في مدرسة مهنية بمبنى سينما كابيتول”، أو بناية العسيلي في ساحة رياض الصلح. لم يجد المغترب الفاشل والهارب سريعاً من مغتربه البرازيلي عائداً الى بلده، سوى الدائرة التي عمل فيها والده حاجباً، أي دائرة السجل العقاري، ليعمل فيها مسّاحاً عقارياً. ساخراً، يسمّي تلك الحقبة من حياته “الحقبة الطوبوغرافية”، ويتذكر أنه اجتاز، مرة، المسافة بين الناقورة وعديسة سيراً على قدميه. لكنه هجر “الحقبة الطوبوغرافية” هذه، بعدما أيقظت في نفسه ذكرياتُ الأدوارِ المسرحية المدرسية التي أداها في فتوته القروية، هوى التمثيل والمسرح الذي يقول إنه ظل “طيّ الكتمان، خشية عدم تقبل” محيطه لأن يكون “ممثلاً”. خالدة سعيد في مؤلفها عن “الحركة المسرحية في لبنان: تجارب وأبعاد، 1960 – 1975″، تنقل عن جبارة أنه كان يقيم في قرنة شهوان، عندما أتاه صديق له، وأخبره بأن “مخرجاً قادماً من فرنسا – وهو من قرية الفريكة القريبة من قرنة شهوان – عازم على تأسيس مدرسة للمسرح”. هكذا شاءت الأقدار أن يتحقق هوى التمثيل لدى ريمون جبارة، وأن يهاجر إليه هجرته الثالثة، بعد هجرته مع عائلته من قريته الى الأشرفية، وهجرته العابرة الى البرازيل.

البداية ممثلاً لامعاً
كان الشاب العامّيّ المسيحي، الفقير الحائر، في الخامسة والعشرين من عمره، عندما بدأ رحلته في التمثيل المسرحي. خالدة سعيد تنقل عن مروان نجار، الكاتب والمخرج المسرحي ومؤلف المسلسلات التلفزيونية لاحقاً، أنه مع جبارة الذي يسمّيه “المجنون”، حاولا في العام 1957 مسْرَحة “قدموس” لسعيد عقل، مع أنطوان ملتقى وفؤاد حداد، الكاتب والصحافي المعروف بـ”أبو الحن”، الذي اغتيل في خضم ما سُمِّي “ثورة 1958″ العروبية الناصرية في لبنان، وأصاب الاغتيالُ أيضاً الصحافي وصاحب “الحياة” آنذاك، كامل مروة. “الثورة” نفسها وحوادثها الأهلية الدامية، أدت الى عدم تقديم “قدموس”، “ووزعت” العاملين على مسرحتها “كلاً في طريق”، حتى سمعوا في العام 1960 أن مخرجاً آتياً من فرنسا ويعمل في التلفزيون، وراغباً في تأسيس فرقة للعمل في المسرح. كان ذلك المخرج منير أبو دبس الذي عهدت اليه “لجنة مهرجانات بعلبك الدولية” إنشاء “معهد التمثيل الحديث” و”فرقة المسرح الحديث” في لبنان. هكذا تحلّق حول أبو دبس ومشروعه شبّان وشابات من أصحاب الهوى والرغبات والأعمال في الحرف الفنية المحدثة. والحق أن أفراد الغالبية الساحقة من العاملين في فنون المسرح المختلفة لما يُعرّف بالحركة المسرحية اللبنانية الحديثة في الستينات والنصف الأول من السبعينات، كانت لكلٍّ منهم سيرته وحضوره في المعهد والفرقة هذين. في الدائرة الأساسية الضيقة حضر ريمون جبارة ممثلاً لامعاً أولاً، ثم كاتباً ومخرجاً مسرحياً ثانياً.
ترى خالدة سعيد أن جبارة “يتوسط المجال المسرحي اللبناني، وتاريخه” منذ نشأته العام 1960. بدأ ممثلاً في المسرحيات التي أعدّها وأخرجها منير أبو دبس: في “الذباب” لجان بول سارتر، لعب دور إجيست. في “أنتيغون” لعب دورو كريون. مع أنطوان ملتقى لمع في دور ريتشارد الثالث في المسرحية التي تحمل الإسم نفسه، ثم في دوره في مسرحية “عرس الدم”، وفي أدائه شخصية راسكولينكوف في مسرحية “الجريمة والعقاب”. أما في شخصية ديب الخادم في مسرحية “لعبة الختيار” من تعريب إدوار أمين البستاني ولبننته، عن بن جونسون، وفي إخراج برج فازليان، فكان “دوره لا يُنسى”، بعدما افتُتِحت بتلك المسرحية العروض الاولى في “مسرح بيروت” في عين المريسة، في العام 1965. أما المسرحيات السابقة التي شارك فيها جبارة ممثلا، فعُرِض بعضها في “مسرح بعلبك” الذي أنشأته في القنطاري “لجنة مهرجانات بعلبك” لتقديم أعمال مدرسة المسرح وفرقتها التي كان مقر تدريباتها في شارع بلس قبالة الجامعة الاميركية في بيروت.
وشارك جبارة ممثلاً في دورين أساسيين، في كل من “الزنزلخت” من تأليف عصام محفوظ وإخراج برج فازليان، و”وصيّة كلب” التي عرّبتها ولبننتها لطيفة ملتقى عن أريانو سواسونا، ثم أخرجتها في العام 1972.

الهجرة من الترجمة
في جدول بالأعمال المسرحية التي قدّمها منير أبو دبس بين 1961 و1970 (أثبته نبيل أبو مراد في كتابه “المسرح اللبناني في القرن العشرين”)، هناك 15 مسرحية مترجمة عن المسرح الإغريقي والأوروبي الحديث، شارك ريمون جبارة ممثلاً في ما لا يقلّ عن خمس منها. هذا يعني أن المسرح اللبناني الحديث في نشأته وبدايات نهضته اعتمد على الترجمة والاقتباس. ويبدو أن كوكبة المنتسبين الى “معهد التمثيل الحديث” و”فرقة المسرح الحديث” بإدارة أبو دبس، بدأت ذائقتهم المسرحية تنشأ وتنمو، أداءً وتمثيلاً وأدواراً، بناء على مشاركتهم في تلك الأعمال المترجمة والمقتبسة شخصياتها وأدوارها ومناخاتها وأفكارها من المسرح الإغريقي الكلاسيكي والأوروبي المحدث. وقد ترك ذلك بصماته على تكوّن الممثلين وفهمهم للمسرح، كما أدى الى تشرّبهم الأدوار المقتبسة التي تدرّبوا عليها وأدّوها، وإلى تطبّعهم بها، حتى صارت لصيقة بشخصياتهم وأدائهم كممثلين، وبثقافتهم ومخيلتهم المسرحيتين.
مثل كل حركة ثقافية وفنية جديدة، سرعان ما خرج من كوكبة العاملين في “فرقة المسرح الحديث”، بعض أقطابها. كان في طليعة الخارجين أنطوان ولطيفة ملتقى اللذان أسّسا في العام 1961 “حلقة المسرح اللبناني”، فوضعا لها نظاماً في الإدارة والتدريب، وانتسبت إليها كوكبة من المسرحيين، وقدمت أعمالها الأولى في راشانا، حيث كان ميشال بصبوص، المشارك في الحلقة، عازماً على إقامة مهرجانات سنوية للرسم والنحت والمسرح في بلدته. أما الأعمال المسرحية الـ14 التي قدّمتها “حلقة المسرح اللبناني بين 1962 و1973، فكانت 13 عملاً منها مترجماً ومقتبساً، وشارك ريمون جبارة ممثلاً في عدد منها.
الخروج الثاني من كوكبة “فرقة المسرح الحديث”، كان قطبه ريمون جبارة نفسه الذي أسس في العام 1965 “فرقة المسرح الحر”، مع برج فازليان وأندره جدعون ومادونا وكريستيان غازي وصلاح مخللاتي. المسرحية الأولى التي قدمتها هذه الفرقة هي “لعبة الختيار” المقتبسة أيضاً، أدى فيها جبارة دوراً أساسياً، اعتبر “محطة في تاريخ المسرح اللبناني الحديث”. لكن جبارة الممثل البارز طوال ستينات القرن العشرين المطبوعة معظم أعمالها المسرحية بالترجمة والاقتباس، انتقل في العام 1970 إلى التأليف والإخراج، فقدّم من توقيعه عمله الأول “لتمت دسدمونة” على “مسرح بعلبك” في القنطاري. هذا العمل استلّ جبارة نصّه وشخصياته من أطياف الأدوار التي أدّاها ممثلاً ومن أجوائها، مُدخِلاً عليها لمساته الخاصة. والحق أن ريمون جبارة، مؤلفاً ومخرجاً مسرحياً في أعماله الاولى، استلهم الكثير من الشخصيات والأدوار المترجمة والمقتبسة التي أداها في تجربته الطويلة ممثلاً. لكنه طبعها في كتابته المسرحية بطابع جديد، صابّاً استلهاماته على شخصيات من القصص الديني والمسرح الإغريقي، فألبسها لبوساً وأدواراً خاصة، وطبعها بسخريته التهكمية العبثية، مع العلم أن مسرح العبث الفرنسي كانت بصماته شديدة الحضور في الاقتباسات والترجمات التي اعتمدها المسرح اللبناني طوال الستينات.
يبدو أن ريمون جبارة صبّ جهده في التأليف المسرحي على الخروج من تجربة الاقتباس والترجمة، فقام بتقديم شخصيات من القصص الديني والمسرح الإغريقي في قالب محلي أقرب الى الشعبية والعاميّة “المثقّفة”، وخصوصاً في “تحت رعاية زكور”. لكنه في الأعمال التي كتبها وأخرجها صبّ رؤيته الساخرة والعبثية للوجود، على فكرة الخلاص الدينية التي تحيّره إلى حدّ التشكيك فيها بأسلوب مستلّ من الفطرة الشعبية التي يرى باختين في كتابه الكبير عن رابليه وعصره، أنها في الركن من الفكاهة والسخرية.
وإذا كان الأدب اللبناني في “النهضة الاولى” قد تعرّض بالنقد لطبقة الإكليروس وأصحاب المراتب والمناصب والمقدّمين، وخصوصاً مع جبران خليل جبران، فإن هذا النقد الرومنطيقي والأدبي والإنشائي والخطابي تحوّل سخرية لاذعة في كتابات مارون عبود، مثلاً. ويبدو أن هذه الحساسية النقدية الساخرة حاضرة لدى ريمون جبارة حضوراً فطرياً، فوظّفها في تأليفه المسرحي، مزاوجاً بين الروح الشعبي المحلي الساخر، ورؤيته العبثية للوجود المستلة من المسرح العبثي الذي خبر أدواره ممثلاً، ومن تشكّكه في فكرة الخلاص الديني. بحسب قراءة خالدة سعيد، يبحث جبارة “عن العصب المأسوي الذي ينتظم تاريخ الأساطير والمعتقدات (…) ليفتح المأسوي على الهزلي والعبثي”، من دون أن “يكفّ عن شد المقدس إلى الدنيوي، وعن تفكيك الأسطورة وإعادة بنائها”. أما نبيل أبو مراد في قراءة لرؤية جبارة فيرى أنه “يعتبر الوجود في الحياة مشروعاً فاشلاً (…) والقانون بوجهيه، السموي والأرضي، شيئاً مخيفاً”. أما “الإنسان فمسحوق بين” هذين القانونين – السلطتين”.

العاميّة العبثية
لكن ما هي مصادر سخرية ريمون جبارة وعبثيته، أو سخريته العبثية؟ وكيف زاوج فيها بين الروح المحلية الشعبية أو العاميّة اللبنانية وبين شخصيات استلّها من المسرح اليوناني الكلاسيكي ومن المسرح الأوروبي العبثي الحديث ومن القصص الديني؟
كتب جبارة أعماله المسرحية بالمحكيّة اللبنانية التي تحمل، أصلاً، في تركيبها وقيمها وحقلها الدلالي والتعبيري، مخزوناً ثقافياً عاميّاً، له تراثه وحضوره في الأدب الشعبي اللبناني للمجتمع المسيحي الجبلي. الفكاهة والهزل والسخرية لها حضورها البارز في الأدب الشعبي هذا. الأرجح أن ريمون جبارة، إبن البيئة العامية المسيحية في الجبل، تشربت ذاكرته وذائقته اللغوية والتعبيرية ما يتضمنه ذلك الأدب من روح هزلي وفكاهي ساخر، ينصبّ جزء بارز منه على أصحاب المراتب والمقدمين وطبقة الاكليروس من رجال الدين، على ما هي عليه الحال في الأدب الشعبي اللبناني أو الشفوي، والأدبي الفصيح، وفي النماذج الأدبية التي تزاوج بين الشفوي والفصيح في أدب مارون عبود على وجه الخصوص. لكن جبارة، في كتابته المسرحية، ثقَّف العامية الهزلية الساخرة، بأن أدخل إليها خبرته وتجربته ممثلاً مسرحياً، وكذلك الثقافة التي حصّلها من مشاركته الفاعلة في حلقات المسرح اللبناني الحديث الذي استمد ثقافته ونصوصه المسرحية من الاقتباسات والترجمة عن المسرح اليوناني الكلاسيكي والعبثي الأوروبي. في تثقيفه الروح الهزلية العامية الساخرة، أو في استدخاله العامية الساخرة الى الثقافة المسرحية اليونانية والأوروبية العبثية، توصل جبارة إلى نصّ مسرحي لبناني مهجّن أو هجين، أنشأ مساحة وسطى تمتزج فيها قيم الثقافتين: العامية اللبنانية الهزلية الساخرة، والعبثية التهكمية الثقافية التي خبرها في تجربته المسرحية، ثم أضاف الى هذا المزيج العبثي الساخر، أو دفعه الى حدود السخرية الدنيوية من فكرة الخلاص في المعتقدات الدينية. لذا ليس من باب المصادفة أن تكون عناوين عدد من المسرحيات التي كتبها ذات مرجع ديني، مثل “شربل” (1977) و”محاكمة يسوع” (1980) و”قندلقت يصعد الى السماء” (1981). وقد يكون الجديد الذي قدّمه جبارة في أعماله، هو العامية العبثية، أو العبث العامي الساخر حتى اليأس والقنوط. وبلغ عدد ما ألّفه 9 مسرحيات، وتجاوز عدد ما أخرجه الـ15 مسرحية. أما “زرادشت صار كلباً (1978)، و”دكر النحل” (1982)، و”من قطف زهرة الخريف” (1992)، و”بيكنيك على خط التماس” (1997)، و”مقتل إن وأخواتها” (2012)، فقد ألّفها وأخرجها، بعدما كان اقتبس “صانع الأحلام” (1985). هذا إضافة الى أنه أخرج للاخوين رحباني “المؤامرة مستمرة” (1980)، و”صيف 860″ (1981)، لمنصور رحباني (1988).

الساخر من حياته
لكن نشاط جبارة في مسيرته الطويلة لم يقتصر على التمثيل والتأليف والاخراج. ذلك أنه كان حاضراً وفاعلاً في المنتديات المسرحية والثقافية اللبنانية. ففي العام 1974 ترأس “دار الفن والأدب”، الذي أنشأته جانين ربيز. وبين 1986 و1990 ترأس مجلس إدارة “تلفزيون لبنان”، وتولى فيه منصب المدير العام أيضاً. لكنه غادر إدارة التلفزيون ليصاب بشلل نصفي، لم يوقفه عن العمل والانتاج المسرحيين. هذا بعدما كان ترأس “مجلس المتن الشمالي للثقافة”، و”مؤتمر المسرح اللبناني” في العام 1982. منذ العام 1969 ظل مدرّس مادتي التمثيل والإخراج في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية، حتى العام 1990، لكنه لم يتوقف عن التدريس في جامعة الكسليك إلا في الفترة الأخيرة من حياته التي لم يتوقف عن السخرية منها، معتبراً أن “السعيد في الحياة هو المخبول”، ومردداً: “أتمنى أن أموت وأنا نائم”.

اللادولة أو العدالة الانتقالية

مايو 9, 2015

محمد أبي سمرا

 ملحق جريدة النهار في 11-04-2015

1

في أيّ إطار وسياق يمكن الكلام اليوم على حركة المجتمع المدني وتجاربه ونشاط منظماته غير الحكومية المحلية والدولية، الحقوقية وللتنمية الاجتماعية والسياسية في لبنان، وذلك بعد مضي 40 سنة على بدء الحروب الأهلية الملبننة و25 سنة على توقفها، من دون مرحلة انتقالية ترسي آليات للمحاسبة وللتعامل مع إرث العنف والانتهاكات، وللعدالة وإنصاف الضحايا والمصالحة، ولبناء الدولة على أسس سليمة؟ وإذا كانت “ثورة الأرز” اللبنانية، المدنية والسلمية، تحت شعار “حرية، سيادة، إستقلال”، في شباط وآذار 2005، قد عجزت عن إطلاق آليات للمحاسبة والعدالة الانتقالية في ما يتعلق بحقبة الاحتلال السوري وبحقبة الحرب المديدة التي أدت الى ذلك الاحتلال، وتمكنت فقط من تحقيق مطلب إنشاء محكمة دولية خاصة باغتيال رفيق الحريري؛ فهل من المنتظر بعدُ أن يتمكن اللبنانيون من فتح ملفات العنف السياسي وإرثه المديد الذي لا يزال يتهددهم حتى الساعة؟

ثورات “الربيع العربي”، المدنية والسلمية البادئة في 2011 – وهي في بواعثها العميقة ثورات للحرية والعدالة والكرامة – أُجهضت في مهد مراحلها الانتقالية لإرساء العدالة والمحاسبة في مصر وليبيا واليمن، وتحولت جحيماً في سوريا قبل أن تصل الى تلك المرحلة. وذلك بسبب الضعف السياسي للقوى المدنية في هذه البلدان، معطوفاً على انتهازية حركات الاسلام السياسي، وعلى تمكّن ما يسمى “تيار الممانعة” الأسدي – الإيراني وذراعه العسكرية في لبنان، من إجهاض “ثورة الأرز” أولاً، ثم تحويل الثورة السلمية السورية الجَسورة جحيماً للقتل والتدمير.

مآسي شبّان الثورات
القوى المدنية في “ثورة الأرز” وفي ثورات “الربيع الربيع” – وهي قوى شبابية في بؤرها الاساسية – حلمت في بدايات الثورات بإطلاق منظمات فاعلة في ثنايا المجتمع المدني المحلي، تعضدها وتساعدها وترشدها منظمات دولية غير حكومية، في مجالات الحقوق المدنية والانسانية، والعدالة الانتقالية. لكن حضور شبّان تلك الثورات سرعان ما تلاشى في لبنان بعد تفكيك “مخيم الحرية” في ساحة الشهداء/ الحرية في بيروت.
في مصر تمكّن النظام العسكري الجديد من تشتيت “ائتلاف شبّان الثورة”، والزج بأبرزهم في السجون. هذا فيما عشرات الألوف من شبّان سوريا الذين تظاهروا طوال أكثر من سنة في ملحمة لا مثيل لها في النضال السلمي والإعلامي والمدني في مواجهة القتل اليومي، لم يبق منهم أحد في سوريا، إلاّ في المقابر ومعتقلات التعذيب المروع والمميت. أما شبّان الثورة اليمنية المدنية والسلمية، بعد خروجهم الجَسور على العصبيات القبلية المسلحة، فقد غيّبتهم والتهمتهم الثورة المضادة المنعقدة في رعاية إيرانية، بين “أنصار الله” الحوثيين والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح. مَن بقي منهم ناشطاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يعيش حائراً خائفاً ومحاصَراً بين القصف الجوي السعودي والترويع الحوثي اليومي في الجغرافيا السكانية اليمنية القبلية.

إرث الحرب

2

“المركز الدولي للعدالة الانتقالية” الذي تأسس في العام 2001، تحت شعار “المحاسبة عن انتهاكات حقوق الانسان” و”مساعدة المجتمعات على التصدي لإرث العنف والحرب”، وعلى “إعادة البناء”، أحيا في لبنان، بتمويل من الإتحاد الاوروبي، عدداً من ورش العمل، وأصدر دراسات وتوصيات وأبحاثاً بين العامين 2013 – 2014. شارك في إنجاز الورش والدراسات عدد من منظمات المجتمع المدني، باحثون وأكاديميون في لبنان. نجم عن ذلك تأليف فريق استشاري، واعلان توصيات في ما يتعلق بمسائل العدالة الانتقالية. ساهم في المشروع كلٌّ من جامعة القديس يوسف، و”مركز دراسات العالم العربي المعاصر” فيها، ومؤسسة “فريدريش إيبرت”. من أهم توصيات المشروع “إنشاء لجنة مستقلة لإجراء عملية بحث شاملة عن الحقيقة في شأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان والقانون الدولي، المرتكبة منذ اندلاع الحرب في لبنان سنة 1975، حتى يومنا هذا”.
أصدر المركز أربعة تقارير مرجعية في ما يتعلق بالعدالة الانتقالية في لبنان:
– إرث لبنان من العنف السياسي: مسح للانتهاكات الجسيمة في سنوات الحرب. يوثّق هذا التقرير معلومات عن حوادث العنف التي شهدها لبنان ما بين 1975 و2008، حسب مراحل الحرب ومنعطفاتها.
– عدم التعامل مع الماضي: أي تكلفة على لبنان؟
– كيف يتكلم الناس عن حروب لبنان: دراسة حول تجارب سكان بيروت الكبرى وتطلعاتهم.
– مواجهة إرث العنف السياسي في لبنان: برنامج للتغيير.
بناء على قراءة هذه التقارير، وفي مناسبة الذكرى الـ 40 لبدء الحرب والذكرى الـ 25 لانتهائها، نقتفي هنا بعضاً من ملامح جيل حرب السنتين الأوليين من الحرب.

جيل حرب السنتين

3

كانت الحروب الأهلية البادئة في لبنان في 13 نيسان 1975، في وجه اجتماعي عميق من وجوهها وبواعثها، وليدة بيئات أهلية ضعيفة الصلة بنشوء لبنان ودولته الحديثة (1920)، وبقاعدتها الاجتماعية ومؤسساتها ونظامها السياسي. استبطن ذلك الضعف مركّباً معقّداً، من عناصره شعور تلك البيئات (مسلمة في غالبيتها) بالحيرة والقلق والغربة والإهانة، وصولاً الى الضغينة المبيتة والمعلنة، حيال لبنان الوطن والدولة، حسب الظروف والتحولات السياسية والاجتماعية الداخلية والاقليمية الخارجية.
عن تنامي ذلك المركّب وتحولاته وأشكال التعبير عنه في بيئاته الأهلية ومن جيل الى جيل، نشأ أخيراً جيل فتيّ وشاب في المدن وضواحيها المتوسعة، يعاني من قطيعة واقتلاع ولاانتماء في بيئاته الأهلية التقليدية الذاوية والخاوية التي صدر عنها، من دون أن تقوى الأطر المجتمعية الوسيطة المحدثة للدولة اللبنانية ومؤسساتها على استيعابه وإدراجه في نسيجها وهيئاتها الاجتماعية والسياسية والتمثيلية.
إنه جيل حرب السنتين الأوليين من الحرب (1975-1976)، الناشط منذ عشياتها في نهاية ستينات القرن العشرين، بحثاً عن ردم هوة قطيعته المزدوجة، وعن تصريف قلقه وتذرره ولاانتمائه وضياعه وغربته، خارج بيئته الأهلية وأطرها وعلاقاتها وثقافتها التقليدية الضامرة، وخارج الأطر الوسيطة للدولة ومؤسساتها ونظامها السياسي والتمثيلي التي كانت عاجزة عن استيعابه وإدراجه فيها، بسبب ضعفها وجمودها وعدم استجابتها للتطورات الاجتماعية المستجدة. في بحثه هذا وتوقه الى الحضور والفعل، عمل ذاك الجيل على مزج نشاطه الإيديولوجي والثقافي الفانتاسمي أو الهوامي- المكتسب من انخراطه في التعليم وفي هوامش الحياة المدينية – بالعمل “السياسي” الحركي العروبي واليساري الهوى، وخصوصاً في أطر الحياة الطالبية المتوسعة قاعدتها في الثانويات والجامعات. لكن ذلك النشاط لم يلبث أن انزلق نحو العمل المباشر العنيف والمسلح، المنبعث من ضغينة ذلك الجيل على لبنان الوطن والدولة. وقد تغذّى ذلك الانزلاق من تمرّد اللاجئين الفلسطينيين وإنشائهم، غداة هزيمة حزيران العربية الناصرية والبعثية في العام 1967، منظمات عسكرية غذّتها واستعملتها الأنظمة العربية المهزومة وسواها (مصر الناصرية، سوريا والعراق البعثيان، ليبيا القذافية، والسعودية النفطية الملكية) في حروب بالوكالة ضد إسرائيل، عبر الأردن ولبنان، وفي حروب أخرى مخابراتية في ما بين تلك الأنظمة نفسها.
استهون ذلك الجيل اللبناني، المثلوم “الأبوة” السياسية والاجتماعية، في نشاطه التمردي على قطيعته المزدوجة، استلهام التمرد الفلسطيني المسلح، فاتخذه مثالاً، بل باشر الالتحاق به وبشعاراته وأهدافه، مع توسع منظماته المسلحة ونفوذها في الجغرافيا اللبنانية (وخصوصا في الجغرافيا والبيئات المسلمة)، وصولاً الى انتشار سلاح الحرب الأهلية الملبننة وتنظيماتها وأحزابها وشللها ومتاريسها وخنادقها في تلك البيئات، قبل منتصف سبعينات القرن العشرين.

هل كان السلاح قدراً؟
اليوم، وفي استعادة تأملية سريعة لأحوال ذلك الجيل، جيل حرب السنتين وعشياتها، تحضر التساؤلات الآتية:
هل كان قدراً محتوماً أن يتخذ النشاط التمردي لذلك الجيل صيغة العمل العنيف المسلح في توقه الى الحضور والفعل، وفي تأطيره نشاطه خارج مؤسسات الدولة اللبنانية ونظامها السياسي التمثيلي الجامد والمغلق والمفتقر إلى الحيوية والتطور؟
ألم يكن في وسع ذلك الجيل أن يجد لنشاطه التمردي وللبنانيته الضعيفة المثلومة، وسائل وسبلاً ومسارات وأطراً “مدنية” غير عنيفة ولا مسلحة، تنأى عن التمرد الفلسطيني العروبي المسلح، فلا تستجيبه وتلتحق به وتنخرط فيه، فيستهدف (الجيل) في نشاطه العمل على “إصلاح” مؤسسات الدولة اللبنانية وتوسيع أطرها وتطويرها، لتتمكن من استيعابه، ويتمكن من الاندراج فيها؟ وذلك بدل أن يكون (الجيل نفسه) جسراً ومطيّة للسلاح الفلسطيني في تدميره الدولة والمجتمع اللبنانيين، وبدل أن يتوهم ذلك الجيل أنه يستعمل السلاح الفلسطيني مطيّة “نضالية” لتحقيق أهدافه اللبنانية الموهومة؟
في المقابل، هل كان قدراً محتوماً أن يأتي ردّ فعل جيل فتيّ وشاب في البيئات الأهلية المقابلة، غير المثلومة اللبنانية (مسيحية في الغالب، ومنضوية عضوياً في الدولة اللبنانية ونظامها السياسي)، على تمرد جيل حرب السنتين العروبي واليساري (المسلم غالباً)، رداً عنيفاً ومسلحاً وشبه ثأري، في مقابل ضغينة الجيل الآخر على لبنان ودولته؟
ألم يكن في وسع ذلك الجيل اللبناني (المسيحي غالباً) أن يبتكر رداً آخر، غير عنيف ولا مسلح، أي “مدني” على تمرد الجيل المقابل؟

“تمرُّد” سلمي مجهض

4

أسئلة استعادية واستدراكية من هذا النوع، تحتاج الى أمثلة واستحضار تجارب محدّدة، ولو جزئية، للعثور على احتمالات أجوبة تمثّل عليها نشاطات جماعات وفئات من كل من الجيلين المتقابلين.
في هذا السياق تحضر تجربة في البيئة المسيحية، “حركة الوعي – جبهة الشباب اللبناني” وشبانها الناشطون في أطر الحياة الطالبية والشبابية، الجامعية خصوصاً، وفي كليات الجامعة اللبنانية تحديداً، كما في الجامعة اليسوعية، في نهاية ستينات القرن العشرين والنصف الأول من سبعيناته. فطلاب تلك الحركة وشبّانها، كانوا في وجه من وجوه حركتهم ونشاطهم “متمردين” على بيئاتهم المسيحية الأهلية التقليدية، بعدما أبعدهم منها كلٌّ من التعليم، والمدينة بدرجة أضعف وأقل. فإلى صدورهم عن بيئات وفئات اجتماعية عاميّة مسيحية، ومتوسطة في ما ندر، اختاروا لنشاطهم “الاحتجاجي” على بيئاتهم التقليدية وعلى جمود النظام السياسي اللبناني ومؤسسات الدولة، أطراً ومسارات “مدنية” وسلمية وغير عنيفة. الأرجح أن ذاك الخيار كان بديهياً، لأن نشاط تلك الحركة الطالبية والشبابية لم يكن في طبيعته يستهدف الخروج على الدولة، بل إصلاحها، وجعل نظامها أكثر عدالة وتطوراً.
الباعث “العامّي” المسيحي في نشاط “حركة الوعي” حفّزه التعليم الجامعي في المدينة على الخروج السلمي من أطر العصبيات الأهلية العشائرية والعائلية ومنازعاتها الدامية في بعض البلدات والقرى والمناطق اللبنانية المسيحية، ولا سيما زغرتا وبشري.
هذه الميزات كلها حملت ناشطي الحركة الشبّان على اتخاذ موقع ثالث، في الحياة الطالبية الجامعية، مخترقاً التقسيم الجامد بين اليمين واليسار، مضمونه الغالب مطلبي ويستهدف إصلاح مؤسسات التعليم، لكنه ذو بعد وطني شامل. الموقع ذاك توسط المسافة بين متمردي جيل حرب السنتين اليساري والعروبي الأهواء، والجيل المقابل اللبناني المسيحي “اليميني” الذي اعتمد في ردّه على انتشار السلاح الفلسطيني ومستتبعاته اللبنانية اليسارية والعروبية، نهجاً عنيفاً ومسلحاً، دفاعاً عن الفكرة والنظام اللبنانيين، وكان “شوفينياً” على الرغم من دفاعيته. هذا ما أدى إلى ظهور عدوّين أخذا يتكافآن في عنفهما وصولاً إلى خنادق الحرب.
لكن ذلك الموقع الوسطي السلمي و”المدني” لـ”حركة الوعي”، سرعان ما أخذ يحاصره العدوّان المتكافئان في مجابهاتهما الحامية. وفي خضم ذلك الحصار أعلنت “حركة الوعي” توقف نشاطها رسمياً بعدما اشتدت المجابهات في عشيات الحرب، وصولاً إلى بداياتها التي أدت إلى تفكك الحركة الوسطية واختناقها، واختفائها الكلي.

استحالة كبح الحرب
في المقابل، يصعب أن نلمح مثيلاً منظوراً لـ”حركة الوعي” على أطراف الحركة اليسارية والعروبية وحواشيها، في سيرها الحثيث نحو اعتمادها العنف والسلاح سبيلاً متمادياً في نشاطها وتمردها، وصولاً إلى الحرب على قاعدة النضال الفلسطيني المسلح.
فهنالك شلل ومجموعات طالبية يسارية سبقت خنادق الحرب ومتاريسها في التقنُّع بالعمل الطالبي المطلبي، لإخفاء انضوائها في العمل الفلسطيني المسلح. من هذه المجموعات ما سُمّي في مطلع السبعينات “أنصار الثورة” الذين كانت أجهزة “فتح” تدير نشاطهم الطالبي في الثانويات، قبل أن تنشئ منهم في عشيات الحرب “السريّة الطلابية”، ثم “الكتيبة الطلاّبية” التابعتين لـ”فتح”، وضمّتا في صفوفهما شباباً مسلمين ومسيحيين من اليسار الجديد الماوي المذهب. وقد شكّل هؤلاء جسراً متيناً للحرب وتوغلها في ثنايا المجتمع اللبناني.
الحق أن جيل حرب السنتين في الحركة العروبية واليسارية الطالبية، الجامعية وفي الأحياء السكنية المدينية وفي الضواحي (الإسلامية غالباً)، عاش مخاضات شديدة التعقيد في أهوائه الإيديولوجية الفانتاسمية أو الهوامية المتناسلة انشقاقات وتشققات داخلية، متصلة اتصالاً وثيقاً بالمنظمات الفلسطينية وبما سُمّي “الشارع الوطني” العروبي واليساري. وهو اتصال كثير الأوجه يتعلق بسياسات مصر الناصرية وسوريا والعراق البعثين الأسدي والصدامي، وبأجهزة هذه الدول الإيديولوجية والمخابراتية الناشطة في الحركتين، الفلسطينية والعروبية في لبنان، وصولاً الى حروبه الملبننة. في خضم تلك المعمعة من الأهواء والتشققات والأجهزة الرمادية المتناسلة وسط جيل حرب السنتين العروبي واليساري، كان من الصعب ظهور تيار ما، على غرار “حركة الوعي”، يتخذ من النشاط “المدني” السلمي وجهة عمل يمكن أن تكبح سير ذلك الجيل الحثيث نحو حرب لم يكن منتبهاً أصلاً إلى أنها ترتسم في أفق دعواته ونشاطه. حتى أن مجموعات وأفراداً من ذلك الجيل، بادروا في بدايات حرب السنتين الى تدارك تورطهم فيها، فأخذوا يخرجون من معمعتها وأتونها، بعدما كانوا استسهلوا الانتقال من التظاهرات الطالبية وسكراتها إلى معسكرات التدرب على السلاح وإلى المتاريس، انتقالاً متدرجاً صوّر لهم أن البندقية والمتراس امتداد للتظاهرة. فأحد “نجوم” كلية التربية في الجامعة اللبنانية وكوكبة شعرائها الشبّان آنذاك، محمد العبدالله، قال ساخراً إن الحرب التي كانت معتبرة “وطنية” و”طبقية”، سرعان ما تكشّفت عن حرب أهلية، ما إن أطلَّ من الشرفة ونظر إلى الشارع، فكتب لاحقاً: كل شيء أفضل من الحرب.

حطام المجتمع المدني
أما في سنوات الحرب الطويلة وحقبها ومنعطفاتها ومحطاتها – من حرب السنتين (1975 – 1976)، إلى مشاركة القوات السورية مباشرة في ما سُمِّي “حرب المئة يوم” في الأشرفية و”معركة زحلة” إبان صعود نجم قائد “القوات اللبنانية” المسيحية بشير الجميل (1977 – 1982)، فتلت تلك الحقبة، غداة الاجتياح الإسرائيلي لبنان (1982)، حروب أشرس من السابقة في الجبل وطرابلس وبيروت وفي المخيمات الفلسطينية وبين منظمتي الطائفة الشيعية العسكريتين (1983 – 1988)، وصولاً الى “حرب التحرير” و”حرب الإلغاء” العونيتين ضد القوات السورية و”القوات اللبنانية” ما بين 1989 و1990 – أما في هذه الحقب، فقد أخذت الطوائف اللبنانية تنشئ منظماتها وجيوشها الحربية على أنقاض القوات الفلسطينية التي رُحِّلت من لبنان الجنوبي وبيروت وعسكرت في البقاع والشمال، وعلى أنقاض قوات “الحركة الوطنية” اليسارية.
وإذا كان جيل حرب السنتين اليساري والعروبي والفلسطيني الأمرة والهوى، قد شكّل خميرة ووقوداً لبدايات الحرب، بعد انعطافه من النشاط في الأطر الطالبية إلى العمل المسلح “الشعبي” في الأحياء والمناطق السكنية، وعلى جبهات الحرب، فإن ذلك الجيل، خبا افتتانه بالسلاح، وسلك طريق التذرر ومغادرة متاريس الحرب وهاجر قسم كبير منه إلى خارج لبنان، تاركاً الجبهات لمقاتلين من جيل جديد أكثر تمرساً واحترافاً حربيين، وأقلّ تعليماً وتطلباً إيديولوجياً وثقافياً، وأشرس طباعاً، ومتفرغاً للأعمال الحربية في جيوش الطوائف.
طوال هذه الحقب الحربية، جرت عسكرة المجتمع وجماعاته، فتحول مجتمعات حربية التهمت المجتمع المدني وسيطرت عليه سيطرة شبه تامة، أو همّشته وحطّمته، وجعلته مكتوماً ومرهقاً ومنكفئاً ومقطّع الأوصال خلف خطوط التماس، ليعيش حياة شبه بيولوجية مضطربة، غارقاً في مآسيه اليومية ومنشغلاً في تدبير حاجاته الضرورية. أما الهجرات الخارجية فقد التهمت فئات واسعة من الطبقات كافة. هذا فيما تحولت مجتمعات التهجير الحربي الداخلي مادة ووقوداً لاستمرار الحرب وتغذيتها بالمقاتلين والقتلى “الشهداء” الذين غصّت بهم المقابر المتوسعة. فهل يمكن في هذه الحال الكلام عن مجتمع مدني وعن نشاط لمجتمع مدني مناهض للحرب؟ قد يمكن ذلك، لكن على نحوٍ سلبي تماماً، مداره الامتناع عن المشاركة في الأعمال الحربية، والمحافظة على الحياة والقيام بتدبير حاجاتها وشؤونها في شبه “نضال” يومي كئيب يبعث على اليأس قدر ما يبعث على العبث والعيش لحظةً بلحظة ويوماً بيوم، وسط الحصار والخوف اليومي.
لكن هذا المجتمع المدني اللبناني المكتوم والمختنق والمرهق والمحاصر، لم يعدم طوال حقب الحرب الطويلة ومنعطفاتها، بعضاً من الأنشطة السلمية والمدنية المتفرّقة والضعيفة في احتجاجها على الأعمال الحربية والحواجز وميليشياتها وعلى المعابر بين المناطق. على الرغم من قلة هذه النشاطات وضعفها، وقيام الميليشيات بخنقها وإنزال القصاص والتنكيل والترويع والخطف وأحياناً القتل ببعض المتجرئين عليها، وعلى رفع أصواتهم ضد أمراء الحرب والمحاربين، فإنها اليوم في حاجة إلى المراجعة والتوثيق والإحصاء.

مقاومة الإحتلال سلمياً
انتهت الحروب الملبننة باتفاق الطائف واحتلال الجيش السوري الأسدي لبنان كله، وتدمير دولته وشعور المسيحيين اللبنانيين بهزيمة ماحقة، وسكوت المسلمين عن ذلك الاحتلال وإعلان معظم سياسييهم تأييده، أقلّه تأييداً لفظياً. وبينما جرى تجريد الميليشيات المسيحية من سلاحها ومطاردة كوادرها وسجن قائدها، وتحطيم الجيش اللبناني الموالي للجنرال ميشال عون وإعادة تركيب المؤسسة العسكرية على قاعدة الولاء للمخابرات السورية ومطاردة ناشطي الحركة العونية، وتشكيل طبقة سياسية لبنانية جديدة موالية لسوريا الأسد، جرى في المقابل التشريع دستورياً وسياسياً للميليشيا الشيعية المزدوجة، “حزب الله” و”أمل”، وإطلاق نشاطها الأمني والعسكري تحت اسم “مقاومة” الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.
هكذا طُويت صفحة الحرب وصدر عفو عام عن أمرائها ومقاتليها وجرائمها، وجرى ضمناً تحميل تبعاتها السياسية للطرف المهزوم فيها، أي للمسيحيين الصامتين عن الاحتلال السوري صمتاً خائفاً. لكن ذلك الصمت لم يستمر طويلاً. فقد أطلق ناشطو الحركة العونية و”القوات اللبنانية” المجرّدة من السلاح، مقاومة سلمية لذلك الاحتلال، على الرغم من مطارداته الأمنية لأولئك الناشطين وترويعهم. وفي نواتها ومتنها الأساسي كانت تلك المقاومة السلمية، الشبابية والطالبية في جامعة القديس يوسف وفي فروع الجامعة اللبنانية في المناطق المسيحية. استمرت تلك الحركة في احتجاجاتها المدنية طوال عقد التسعينات من القرن العشرين، قبل أن تقوى ويتصلب عودها في مطلع الألفية الثالثة، مع انسحاب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان، ونشوء “تجمع قرنة شهوان” السياسي المناوئ للإحتلال السوري، وإذاعة الهيئات الدينية الكنسية المسيحية نداءها الداعي إلى تحرير لبنان من ذلك الاحتلال. وشمل التململ والاحتجاج أيضاً أوساطاً شبابية وطالبية مسلمة ضيقة، في طليعتها “اليسار الديموقراطي” الذي أقام جسراً بين الحركة الاحتجاجية المسيحية العميقة وسواها المستجدة بين فئات طالبية في الشارع الإسلامي. هذا قبل أن ترتسم الملامح السياسية الأولى للحركة الاستقلالية اللبنانية السلمية والمدنية المطالبة بالحرية والسيادة وجلاء الجيش السوري عن لبنان، عشية إصرار نظام بشار الأسد على التجديد للرئيس إميل لحود، وميل الزعامة السياسية لكل من وليد جنبلاط ورفيق الحريري إلى تأييد تلك الحركة وملاقاتها في منتصف الطريق. فأدى ذلك إلى إشهار الاغتيال سلاحاً ضد أقطاب الحركة الاستقلالية التي انفجرت وعمّت معظم المناطق اللبنانية غداة اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005.
كان وجه من وجوه تلك الحركة السلمية والمدنية العارمة في 14 آذار 2005، ينطوي على رسم أفق جديد للبنان المتحرر من الاحتلال السوري وتهديده اللبنانيين الدائم بالحرب الأهلية كلما أشار أحد منهم إلى ذلك الاحتلال. لكن “حزب الله” و”حركة أمل” وسواهما من زبانية النظام الأسدي والإيراني، سارعوا إلى تحطيم ذلك الأفق الواعد بتجديد التهديد بالحرب الأهلية وممارستها بجرعات يومية مدروسة في الشوارع والأحياء، وفي الحياة السياسية الجديدة الهشّة للحركة الاستقلالية التي حصدت الاغتيالات المتلاحقة بعضاً من أبرز وجوهها. واكتمل ذلك التحطيم بإلحاق العماد ميشال عون تياره المسيحي الواسع بما يُسمّى “تيار الممانعة” الأسدي – الإيراني الذي حوّل سوريا الثائرة ثورة سلمية مدنية جَسورة، جحيماً لا مثيل لها منذ الحرب العالمية الثانية.

“حفلة التفاهة” لكونديرا: هجاء الولادة والإرادة وحقوق الإنسان

مايو 9, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 30-03-2015

حفلة التفاهة

في مستهل روايته “حفلة التفاهة”، التي نقلها من الفرنسية الى العربية المغربي معن عاقل، ونشرها “المركز الثقافي العربي” في بيروت والرباط، “يؤرخ” ميلان كونديرا لعلامات “سلطة إغراء” النساء التي “لم تعد تتركّز في أفخاذهن أو أردافهن أو نهودهن، إنما في الحفرة الصغيرة المدورة التي تتوسط أجسادهن”، وهذا بناءً على ما يتوارد في ذهن إحدى شخصيات الرواية، ألان، السائر “متمهلاً” في نهار مشمس في أحد شوارع باريس.

مسألة “سلطة إغراء” النساء، تحولاتها وأبعادها “الفلسفية” الوجودية، حاضرةٌ في “حفلة التفاهة”، كخيط من خيوطها الروائية: كيف ولماذا جرى صوغ “الإغراء الأنثوي” ومركزتُه في “السرَّة”، سرّة المرأة، في مطلع الألفية الثالثة؟
كعادته في استنطاق سلوك شخصياته الروائية، وما يدور في وعيها وخلدها من أفكار وهواجس، يستنطق كونديرا بطله ألان السائر في شارع باريسي: حين كانت الفخذان مركزَ الإغراء الأنثوي، كان “ينبغي” أن تكونا “طويلتين”، كناية عن “صورة مجازية لطريق طويل وجذاب”. وهذا ما كان “يسبغ على المرأة، حتى في المضاجعة، ذلك السحر الرومنطيقي لما هو عصيّ على المنال”. أما حين انتقل مركز الإغراء الى الردفين، فإن ذلك كنَّى عن “فظاظة” و”مرح”، وقصّر الطريق “الى الهدف” المثير المزدوج. تمركز الإثارة والإغراء في النهدين، انطوى على “تقديس المرأة” و”خضوع” الذكر لـ”المهمة النبيلة” للأنثى. هنا تحضر في ذهن ألان، “مريم العذراء مرضعة المسيح”.
يُبقي كونديرا دلالة تمركز الإغراء الأنثوي في السرّة، معلّقة، فلا يختصرها في كناية سريعة عابرة في مستهل روايته. ذلك لأن الأم والولادة وحبل السرّة هي المسائل الوجودية الأساسية في الرواية وفي حياة ألان وشخصيته وسلوكه. وهذا يعني أن هذه المسائل سوف تظل تتردد كموضوع روائي رئيسي في فصول “حفلة التفاهة” وعلى صفحاتها القليلة (111 صفحة).

الضمور والنسيان
ضمور حياة الرجال المسنّين، موضوع رئيسي آخر من موضوعات هذه الرواية. كأن قلة عدد صفحاتها تكني عن ذلك الضمور، وكذلك عن تقدم كونديرا نفسه في السن. فهو بلغ الـ 86 من عمره، ويبدو أنه كتب “حفلة التفاهة” في مطالع الألفية الثالثة. وهي من أجدِّ رواياته مع كتاب آخر عنوانه “الستارة”، صدر في العام 2005 في باريس، وترجمه الى العربية بدر الدين عرودكي، وصدر في العام 2007 ضمن سلسلة “المشروع القومي للترجمة” في القاهرة. شأن “حفلة التفاهة”، جعل كونديرا “الستارة” مداراً للتفكير في فن الرواية وفي الزمن وعمل الذاكرة والنسيان مع التقدم في السن، بعدما كان “الخلود” و”الخفة غير المحتملة للكائن” و”الضحك والنسيان” من موضوعاته الروائية الأثيرة. وقد يكون صاحب “الحياة في مكان آخر” من أشد الروائيين العالميين “التزاماً” لطرح الأسئلة الكبرى للوجود البشري، طرحاً روائياً – فلسفياً، في النصف الثاني من القرن العشرين. وهذا ما أوصله، أخيراً، إلى النظر في الوجود انطلاقاً من عمره وتقدمه في السن، جاعلاً من “حفلة التفاهة” مداراً لتأملاته في ضمور حياة المسنّين، وجودهم وذاكرتهم.
في “الستارة” كتب أن “النشاط المستمر للنسيان يعطي كلاً من أفعالنا طابعاً شبحياً، لا واقعياً، بخارياً”، ثم تساءل: “ما الذي تغدّيناه في الأمس؟ ما الذي قصَّه عليَّ صديقي، وحتى ما الذي فكرت فيه قبل ثلاث ثوان؟” الجواب: “كل ذلك نُسيَ، وما هو أسوأ ألف مرة، أنه لا يستحق شيئاً آخر”. أما “الرواية بوصفها يوتوبيا عالم لا يعرف النسيان”، فليست بدورها سوى “قصر محصّن” تحصيناً سيئاً في “مواجهة النسيان”. والدليل أنني – يكتب كونديرا نفسه – حينما “أقلب الصفحة، أنسى ما قرأته، ولا أحتفظ إلا بضرب من الملخص (…) وذات يوم، بعد سنوات، تستحوذ عليّ رغبة في أن أتكلم عن رواية لصديق. آنئذ سنتأكد أن ذاكرتينا لم تحتفظ إلا ببعض المقتطفات، وقد بنت لكل منا كتابين مختلفين تماماً”.

المراصد ومسرح الدمى
في “حفلة التفاهة”، فيما كان ألان يفكر في تغيّر مركز الإثارة في جسم المرأة، كان رامون يقف أمام المتحف المجاور لحديقة لوكسمبورغ الباريسية، راغبا في زيارة معرض للرسام الراحل مارك شاغال. لكنه كان يعلم أن قدرته لن تسعفه ليقف في الصف الطويل الذي يتقدم بطيئاً نحو صندوق دفع تكلفة الدخول الى المعرض. لذا “أخذ يراقب الناس ووجوههم المشلولة من الضجر”، وفضّل الدخول إلى الحديقة المجاورة، حيث “الجنس البشري أقل عدداً وأكثر حرية”. في الوقت نفسه كان دارديلو، وهو شخصية ثالثة في الرواية، يمرّ في الحديقة نفسها، مردداً “في سرّه بصوت راعش أنه سيحتفل بعد 3 أسابيع، وفي آن واحد، بذكرى ميلاده البعيد وذكرى موته الذي أصبح وشيكاً”. ذلك لأنه ينتظر “نتائج فحوص” طبية يُشتبه في كشفها عن إصابته بالسرطان. لذا يسمّي الذكرى المنتظرة “عيداً مزدوجاً”، وفقاً للمذهب الكونديري التهكمي (الكلبي) العدمي.
لا تتكشف فحوص دارديلو عن سرطان. وقبل إحيائه حفلة في ذكرى ميلاده، يلتقي أصدقاءه ويستغرقون في ثرثرة عن الزمن والسن والعمر. أحدهم يقول: “يلتقي الناس في الحياة، يثرثرون ويتناقشون ويتشاجرون، غير مدركين أنهم يتخاطبون من بعيد”، من مسافة فروقات السن في ما بينهم: “كل واحد يتكلم من مرصد ينتصب في موقع مختلف من الزمن”. لذا يتكلم كل منهم على ليلاه… “ثم يموتون”، يتابع صديق آخر، قائلاً. ثالث يضيف: “يظل الميتون بضع سنوات (حاضرين كذكرى) مع الذين عرفوهم”. ثم “يصبح الأموات أمواتاً قدامى، ولا يعود أحد يتذكّرهم ويختفون في العدم”. أما المشهورون، و”هم قلّة نادرة” فتمكث أسماؤهم في الذاكرة”، لكنهم يتحولون “دمى” بعد تجريدهم من أية شهادة صادقة ومن أية ذكرى واقعية”. هؤلاء ليسوا سوى “دمىً في مسرح العرائس”.

هجاء الولادة
أخيراً، ها هو ألان مجددا: فمن لم يتمكن طوال حياته من قطع حبل السرة الذي يربطه بأمّه التي تكره الإنجاب وأُرغمت عليه، ها هي أمُّه تناجيه قائلة: “دوماً بدا لي أنه من المرعب إرسال شخص إلى العالم من دون أن يطلب ذلك”. لكن الأشد رعباً هو أن “لا أحد موجودٌ بإرادته”. هذه هي “الحقيقة الجوهرية بين جميع الحقائق”، سوى أن الجميع “كفّوا عن رؤيتها وسماعها”، لأن لا جدوى من التفكير فيها. أما ما “يهذون” به عن “حقوق الإنسان” فليس سوى “طرفة”، بل ترهات و”تفاهات”، ما دام الوجود نفسه “لم يتأسس على أي حق” أوليّ أصيل: إرادة الإنسان أن يولد. مَن هذه حاله كيف يمكنه اختيار أي شيء جوهري وأصيل في حياته؟! وها هم “فرسان حقوق الإنسان” لا يسمحون لأحد بأن “ينهي حياته بإرادته”. وما يفعله البشر في الفسحة الزمنية الفاصلة بين غياب هاتين الإرادتين – إرادة الولادة وإرادة الموت – ليس سوى “قتل الوقت الذي لا يعلمون ماذا يفعلون به” (كونديرا)، والذي “لا ينقضي” (بسام حجار)، ويقترح عباس بيضون ابتلاعه أو اجتيافه “بجرعات كبيرة” حتى “خلاء هذا القدح”. أما إميل سيوران فوضع كتاباً خاصاً في هجاء الولادة سمّاه “مثالب الولادة”. ما يقترح كونديرا على الإنسان أن يفعله في الفسحة الزمنية بين امتناع الإرادتين، هو “حب التفاهة” باعتبارها “جوهر الوجود” والحاضرة “على الدوام وفي كل مكان: في الفظائع، والمعارك الدامية، وفي اسوأ المصائب”. وإذا كان صاحب “المزحة” قد بنى عالمه الوائي على التهكّم والعبث والدعابة والمرح والسخرية المرّة، فإنه في ختام روايته هذه يضيف التفاهة إلى ذلك العالم بوصفها “مفتاح الحكمة” و”مفتاح روح الدعابة”.

باختين عن رابليه في العربية: تأريخ موسوعي للضحك الشعبي الكرنفالي

مايو 9, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 21- 03-2015

ميخائيل باختين

تاريخ الضحك والسخرية والهزل، فلسفتها ومصادرها في الثقافة الشعبية والكتابية الأوروبيتين في العصر الوسيط وعصر النهضة: هذا هو موضوع مؤلف الفيلسوف والناقد الثقافي واللغوي الروسي ميخائيل باختين (1895 – 1975) الذي أنجز مبحثه هذا كأطروحة دكتوراه العام 1949، ونشره بالروسية العام 1965، وبالفرنسية العام 1970. وهو اتخذ أعمال الكاتب الفرنسي الكبير فرنسوا رابليه دليلاً، والثقافة الشعبية والكرنفال مثالاً. المغربي شكير نصر الدين ترجم هذا المؤلف الموسوعي (605 صفحات) الى العربية، وأصدرته “منشورات الجمل” في مطلع العام 2015.

لا يستهان اليوم بإنجاز ترجمة هذا المؤلف الى العربية ترجمةً لائقة. فهو من المؤلفات الأساسية، الكلاسيكية والمرجعية في الثقافة الأوروبية. قد يكون فريداً ويعزُّ نظيره في العربية في مجالي التأليف والترجمة اللذين تقلُّ فيهما مؤلفات من هذا النوع، ويمكن اعتمادها مرجعاً ودليلاً وملهماً في النظر والتفكير، وخصوصاً في ما يتعلق بالضحك والهزل في التراث العربي الإسلامي الكلاسيكي وفي الثقافة العربية الحديثة.

مرايا وأسئلة
في مرآة قراءة باختين لمعنى الضحك والسخرية والهزل ودلالاتها، وتأريخه لمواضع ظهورها وفاعليتها الاجتماعية والثقافية والسياسية في الثقافتين، الشعبية والكتابية الأوروبيتين، يبرز السؤال الآتي: هل من مؤلفات عن مثل هذه الظواهر في الثقافة العربية الاسلامية، التراثية الكلاسيكية والحديثة الراهنة؟ وهل لهذه الظواهر، أصلاً، من وجود فعلي، مميز ومؤثّر، في التراث الثقافي العربي الإسلامي وفي سواه من التراثات التي شملها الفضاء الإسلامي؟
الحق أن أسئلة من هذا النوع تتطلب الإجابة عنها، وضعَ مؤلف يستلهم عمل باختين حول رابليه والثقافة الشعبية في أوروبا، ويحاكيه. لكن هل من مثيل لرابليه، أصلاً، في ثقافتنا العربية الإسلامية الكلاسيكية، وغير الاسلامية في هذه المنطقة؟ فرابليه، وفقاً لقراءة باختين، جعل من الأسواق والساحات العامة والاحتفالات والكرنفالات الشعبية، مرجعاً ومصدراً ومعيناً لمؤلفاته كلها في مطالع القرن السادس عشر الأوروبي، وخصوصاً في الديار الفرنسية. وكان عمله مرآة بانورامية لخروج أوروبا وثقافتها من العصر الوسيط الى عصر النهضة أو التنوير.
في فضاءات الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية القديمة، قد تبرز مظاهرُ للهزل والسخرية والفكاهة في مؤلفات من أمثال “كليلة ودمنة” و”ألف ليلة وليلة” وفي بعض كتابات الجاحظ الذي سمّاه البعض “موليير العرب”. ويمكن أيضاً إدراج القصص الشعبي البطولي والخرافي في هذا الباب. أما في الشعر، فلربما يصحّ ذكر الحسن بن هانئ، أبي نؤاس، في أشعاره الخمرية الماجنة الفاحشة، على وجه التخصيص. لكن قد يكون الأقرب الى ما يؤرخ له باختين في اتخاذه رابليه دليلاً والثقافة الشعبية مثالاً، هو الشخصية المجهولة المعروفة بـ”أبي نواس” في الثقافة الشعبية الحكائية الشفوية، وهي شخصية تُنسب اليها مواقف وأدوار فكاهية يؤلفها الرواة العامة، كلٌّ على هواه ووفقاً لرغبته، ويمكن تسميتها “أدب النوادر”. هذه الأنواع من “الأدب الشعبي” في الثقافة العربية الإسلامية، قد يصح تصنيفها في مقابل ما يسمّى “الأدب السلطاني” الرسمي. وذلك نسجاً على منوال تأريخ باختين لولادة الضحك والهزل والسخرية في الساحات والكرنفالات الشعبية العامة، في مواجهة الثقافة الأوروبية الكلاسيكية الرسمية عند منعطف القرن السادس عشر. لكن هذه المواضع تكاد تكون معدومة في عوالم العروبة والإسلام.

الكرنفال والساحة العامة
مؤلف باختين هذا، يتقصى صلة أعمال رابليه الكتابية بالثقافة الشعبية الأوروبية، ويستعيد مكتبةً كاملة من المؤلفات المعروفة والمشهورة بـ”الدراسات الرابليهية”.
في إشارة أولى الى أهمية رابليه، يذكر باختين أنه استقى مذهبه “كاتباً من الطراز الرفيع” من “حكمة التيار الشعبي، ومن اللهجات العاميّة القديمة، والأقوال والأمثال، ومقالب طلاب المدارس، ومن أفواه البسطاء والمجانين”. وهو يسمّي هذه كلها “الحماقات (التي) تظهر عبقرية القرن” السادس عشر “التنبوئية”. وفي مقابل شكسبير وثرفانتس “اللذين كانا يكتفيان بالابتعاد عن القوانين الكلاسيكية إبان عصريهما”، فإن ما يصوّره رابليه في أدبه وكتاباته “موسوم بالطابع غير الرسمي الذي
لا يمكن قهره” في خروجه على “الوثوقية” وعلى كل “سلطة أو جدّيّة وحيدة الجانب”، وفي معاداته الشديدة “لكل اكتمال نهائي” و”ثبات (…) في مجال الفكر وتصور العالم”. مصدر هذا الخروج، مادته ومثاله، هي “العالم اللانهائي لأشكال الضحك وتجلياته المتعارضة مع الثقافة الرسمية، الدينية والاقطاعية”. تتجلى هذه الأشكال في “أفراح الكرنفالات العامة، الشعائر والطقوس الهزلية”، وفي ما يؤديه “مهرجون مغفلون، عمالقة وأقزام ومسوخ،
ممازحون من مشارب ومراتب مختلفة”، أضافة الى “أدب محاكاتي ساخر (بارودي)، رحب ومتنوع”. أما مسارح هذا كله، فهي الساحات العامة والكرنفالات.

ساحة الفنا والزجل
استلهاماً لهذا التوصيف الباختيني المستمد من أعمال رابليه، تحضر صورة لـ”ساحة الفنا” في مدينة مراكش المغربية، التي أدرجتها منظمة الأونيسكو في مصنفات التراث العالمي. ففي تلك الساحة الشهيرة في مراكش التي يتميز تراثها الهزلي والفكاهي في المغرب، يجتمع في عصر كل نهار، وحتى ما بعد منتصف الليل، الحواة والمهرجون والقوالون وباعة المقتنيات الحرفية القديمة والمآكل الشعبية، في كرنفال يومي دائم، تتميز به المدينة.
في سياق آخر، لبناني، تحضر حفلات المبارزات الزجلية الشعبية وتراثها الجبلي. لكن هذه، الى شعبيتها، تختلف عن ثقافة الكرنفال في الساحات العامة، في أنها تضع القوّالين الزجليين وتفردهم على منبر أمام مشاهدين يقتصر حضورهم
على الفرجة. هذا فيما “المتفرجون” في الكرنفال “لا يشاهدونه، بل يعيشونه جميعهم”، بوصفه “انبعاثاً وتجديداً للعالم بأسره، حيث يسود شكل من الاحتكاك المتحرر بين الافراد” في سياق الحياة اليومية. هكذا “ينصهر في الإدراك الكرنفالي للعالم، المثال الطوباوي والواقع المادي، الحي والمحسوس”. أما في الثقافة الشعبية اللبنانية، فقد يكون ما ينشأ عن التفاعل بين الزّجّالين وجمهورهم، هو ذلك العالم البطولي الخرافي المؤلف من كلمات، فقط من كلمات.

التسفيل والشيطان
يشمل التصور الكرنفالي للعالم “استعمال متواتر للكلام البذيء، التجديفي المنصبّ على الآلهة”، وكذلك “العبارات الفاحشة” و”الأدب الهزلي المكتوب بالعامية”. من سمات ذلك التصور المميزة، الى ماديته، هناك “الإسفال” أو “التسفيل: نقل كل ما هو عالٍ (أو متعالٍ)، روحي ومثالي ومجرد، الى المستوى المادي والجسدي، مستوى الأرض والجسد”. وهذا ما جعل الضحك الشعبي مرتبطاً على “الدوام بالأسفل”. ويعني الإسفال “التقريب من الأرض، والاتحاد (بها) بصفتها مبدأ امتصاص ولادة”. يعني أيضا “الإتحاد بحياة الأطراف السفلى للجسد: البطن، الأعضاء التناسلية، وبأفعال مثل: التزاوج، الخلق، الحمل، الوضع، امتصاص الطعام، وقضاء الحاجة الطبيعية”. وفي الإسفال “نحن نقبُرُ ونبذرُ، نميتُ ونحيي”. أما “إهانات العالم والقدر، فليس هناك من وسيلة في الدنيا أقوى من الضحك لمواجهتها”.
هذا ما ورد في كتاب “جولات الليل” لمؤلفه بونافونتورا (اسم مستعار لكاتب مجهول) يعيد رسم أسطورة عن أصل الضحك، باعتباره “مرسلاً الى الأرض من لدن الشيطان الذي تمثّل للناس على هيئة قناع الفرح، واستقبله الناس بالأحضان. ولحظتئذٍ نزع الضحك قناعه الفرِح، وأخذ ينظر الى العالم والناس بمنظار السخرية القاسية” أو السوداء، العبثية والعدمية. وهذا ما استلهم منه كبار الروائيين العالميين المحدثين، مبدأهم الروائي وفنهم الروائي.
الحق أن هذه ليست سوى إشارات سريعة عابرة مما يحفل به مؤلف باختين، ويصعب الخوض في شعابه الواسعة الأرجاء في هذه العجالة.

أغوتا كريستوف في “الدفتر الكبير”: درسٌ مرير للكتابة العربية

فبراير 24, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار 23-2-2015

أغوتا كريستوف في الدفتر الكبير

في روايتها “الدفتر الكبير”، ترجمة محمد آيت حنّا، “منشورات الجمل”، تروي أغوتا كريستوف وقائع تمارين ولدين توأمين على القسوة في الحرب العالمية الثانية، في بلدة مجرية على حدود سويسرا، وعلى كتابة تلك القسوة كتابةً ماديّة عارية تماماً من أي مرجع أو سند أدبي، أسلوبي وثقافي وتعبيري، للكتابة.

يقترب غياب السند الأدبي والثقافي لهذه الكتابة العارية من أن يجعلها خروجاً بديهياً وغير مقصود على الأنواع والمصنّفات الأدبية والكتابية. مصدر الخروج هذا، أو علّته، هما جهل الكاتبة الخلاّق بماهية الأدب، الذي يمنحها الحرية والعفوية التامتين في الإقدام على كتابةٍ بكرٍ في وثائقيتها العارية من كل المؤثرات الأسلوبية والعاطفية والإيحائية والتعبيرية التي تحفُّ بالكتابة الأدبية.
تروي كريستوف في “الدفتر الكبير” فصولاً هي توقيعات روائية كثيفة لا تتجاوز الواحدة منها الصفحات الثلاث. يغلبُ الحوار المباشر على التوقيعات كلها، فلا يتخلّلها سوى استطراداتٍ إخبارية شديدة الإيجاز، كالحوارات نفسها. في هذا العرض للرواية، نستعير أسلوب الكاتبة التي تروي مقتطفات موجزة من حياة الولدين التوأمين اللذين أَرغمتِ الحربُ أمَّهما على إيداعهما لدى جدتهما في البلدة الحدودية. تصل الى بيت أمّها، فتقول لها: “ما عاد في وسعي إطعامهما”. الجدة لا تعرف حفيديها، فهي لم ترَهما من قبل. ابنتُها، والدة التوأمين، منقطعة عن أمّها “منذ عشر سنوات، لا زيارة ولا رسائل”. “والآن تذكّرتِ أن لديكِ أمّاً. جئتِ تطلبين مساعدتي”، تجيبُ الجدّة ابنتها التي تقول لأمها: “تعرفين لماذا. فأنا كنتُ أحبّ أبي”، الذي توفى منذ زمن بعيد.
يبدأ هذا الحوار ويستمر على مسمع الحفيدَين الواقفين خارجاً، “أمام حديقة بيت الجدة”، من دون أن يعلما مَن تكون. لأنهما كذلك، وبما أنهما الراوي في صيغة المثنى، و”ليسا سوى شخصٍ واحد ووحيد” – على ما تقول أمّهما في موضع آخر، رافضةً رغبة والدهما وإدارة مدرستهما الفصل بينهما – يسمّيان جدّتهما “الصوت الآخر” في الحوار الذي يسمعانه وينقلانه في مستهل الرواية. عن ذلك “الصوت” ينقلان أيضاً قوله لأمّهما: “أَلديهما (…) أبٌ؟ لستِ متزوجة، على حدّ علمي. لم يدْعُني أحدٌ الى زفافك”. تجيب الأم: “أبوهما ذهب الى الجبهة. ولا خبر عنه منذ أشهر ستة”. فيما الصوت الآخر يضحك ويقهقه، “انخرطتْ أمُّنا في النحيب” – يروي التوأمان – ثم “خرجتْ من المنزل رفقة امرأة عجوز، وقالت لنا: هي ذي جدّتكما. ستظلان معها بعض الوقت، الى حين انتهاء الحرب” التي “واردٌ أن تطول”، تقول الجدّة لابنتها: “سأدفع بهما الى العمل (…) هنا أيضاً ليس الأكل مجاناً”. بعدما “قبّلتنا (أُمُّنا) وانصرفت باكية./ ضحكتْ جدّتنا بصوت عالٍ (…)/ أخرجنا لسانينا استهزاءً بالجدة. ضحكتْ بصوت أعلى وهي تضرب على فخذيها”، يروي الولدان الحفيدان في ختام الفصل – التوقيعةِ الأولى، قبل اختفاء أمهما.

المعجم والكتاب المقدس
توقيعات “الدفتر الكبير” الروائية، مكتوبة كلها بهذا الاسلوب الحواري، الإخباري، اللاأدبي، الجاف والحديدي في واقعيته، والميت، على ما تسمّى رسوم “الطبيعة الميتة” في الفن التشكيلي. لماذا لكتابة أغوتا كريستوف الصفات؟ ندعُها هي نفسها تجيب على لسان التوأمين في توقيعة تمرينهما على الدراسة معاً، منفردين، طوال إقامتهما في منزل الجدة: معجم والدهما والكتاب المقدس، وحدهما كتاباهما في دروسهما الثنائية المنفردة، لـ”القراءة، تمارين الإملاء وتمارين الذاكرة(…) والتأليف” – الكتابة على “الدفتر الكبير” الذي تُعْلِمُنا كريستوف في كتاب سيرتها “الأميّة”، أنه المصدر الأول لأعمالها الروائية، وأنها هي نفسها أحد التوأمين، وأن معجم اللغة الفرنسية والكتاب المقدس هما أيضا كتابا تمارينها على الكتابة، بعد فرارها من بلدها في العشرين من عمرها، الى سويسرا، “أُميّة” تماما في اللغة الفرنسية التي كتبتْ بها رواياتها كلها، أثناء عملها المضني في مصنع للساعات.
لكن الأهم من هذا كله هو ما يروي التوأمان انه “قاعدة بسيطة” اعتمداها في “الحكم” على الموضوعات التي يكتبانها على “الدفتر الكبير”: لكي يكون “التأليف حقيقياً، أي أن يطابق الواقع، ينبغي أن نصف ما هو كائن فعلياً، أن نصف ما نراه، وما نسمعه، وما نفعله”.
مثلاً: ينبغي ألّا نكتب: “الجنديّ الوصيف لطيفٌ” لأنه “أعطانا أغطية”. فصفة اللطف هنا ليست “حقيقية”، لأن هذا الجندي قد يكون “شريراً” في سلوك آخر مع سوانا. لذا “سنكتب ببساطة: أعطانا الجندي الوصيف أغطية”.
مثل آخر: “ممنوع أن نكتب: الجدّة تشبه مشعوذة”، لأن تشبيهنا إياها بالمشعوذة، مطلقٌ، ولا يحدّد من أطلق عليها هذه الشبهة أو الصفة. علينا أن نكتب، إذاً: “الناس ينعتون الجدة بالمشعوذة”، ما دمنا نسمع الناس في البلدة يقولون إنها كذلك.
أما إذا كنا “نأكل الكثير من البندق”، فعلينا ألّا نكتب: “نحبُّ البندق”. فـ”فعل أحبَّ (هنا) غير مضبوط” و”تعوزه الدقة والموضوعية”.
الخلاصة من هذا كله: “الكلمات التي تصف الأحاسيس تظل مبهمة؛ والحري، إذا، الإعراض عنها، والانصراف الى وصف الأشياء، ووصف الآدميين ووصف أنفسنا، لنَقُلْ الانصراف الى وصف الوقائع وصفاً أميناً”.

درس أوّلي في الكتابة
يبدو هذا الدرس في الكتابة والتأليف، أولياً، بسيطاً، وبدائياً. لكنه في الكتابة العربية الراهنة، ومنذ “عصر النهضة الأدبية” على وجه العموم، مرير ومن أصعب الدروس، وأندرها استلهاماً واتباعاً ومناقشة في الأنواع الكتابية كلها، أدباً وصحافة وتأريخاً، وفي الاجتماعيات، وصولاً الى الشعر حتى. منذ أعلام تلك “النهضة”: جبران، المنفلوطي، نعيمة، الكواكبي، زيدان، الافغاني، المازني، العقاد، شوقي، وصولاً الى معظم أعلام الرومنطيقية في الشعر، وروّاد “الحداثة الشعرية”، والكتابة العربية غارقة في البلاغة والإنشاء اللفظي والسيولة العاطفيّة والتهويل اللغوي والخطابة الوعظية والأخلاقية، إلا في ما ندر. هذه حال السياسة أيضاً، وكذلك الخبر الكلام والخطابة السياسية التي لا وظيفة لهما إلّا تصحير السياسة والتستّر على وقائعها وتزييفها، فلم ينجلِ تحطيم بعض أصنامها وآلهتها وأقنعتها، أخيراً إلا عمّا نحن عليه اليوم: المجزرة وأنهار من الدم، وخراب عميم.
أخيراً، تحية لمحمد آيت حنا الذي استلهم درس كريستوف في ترجمته روايتها. وتحية أخرى لذكرى الشاعر الراحل بسام حجار، الذي ترجم روايتين للكاتبة ، وكان أسلوبها من مصادره الشعرية.

خريطة للحياة الليليّة في بيروت

فبراير 24, 2015

محمد أبي سمرا

المدن في 20-2-2015

كأنما شباب الفئات الوسطى تفتّحت في اجسامهم رغباتُ العيش، انتقاماً من ما فاتهم في الحرب -غيتي

منذ انتهاء الحرب في لبنان مطلع تسعينات القرن العشرين وحتى اليوم، أخذت الحياة الليلية في بيروت تتوزع وتتنقل حائرة بين منطقة وأخرى، وبين شارع وآخر.

قبل الحرب كانت منطقة الزيتونة والفنادق الفخمة في عين المريسة، مركزاً رئيسيا للحياة الليلية البيروتية، حيث الحانات والمرابع والملاهي الليلية. وامتداداً من هذه الزيتونة كان للحياة الليلية حضورها في منطقة رأس بيروت وشارع الحمراء، حيث دور السينما ومقاهي الرصيف الأحداث، لاسيما في الروشة. هذا بعدما أخذت تتراجع وتعتق مرافق الترفيه والحياة الليلية ودور السينما في ساحة البرج (الشهداء) ومتفرعاتها في وسط بيروت ومركزها، منذ الستينات.

كسليك الثمانينات
في الثمانينات وحتى اواسط التسعينات، شهد شارع الكسليك القريب من المعاملتين وجونيه على ساحل كسروان المسيحي، طفرة حياة ليلية مزدهرة، بعدما دمّرت الحرب وسط بيروت والزيتونة والفنادق، وحوّلتها ملجأ للمهجرين الذين توزعوا في منطقة رأس بيروت كلها، بعدما كانت موطن الحياة الليلية والترفيهية والكوزموبوليتية البيروتية، الأرقى في لبنان والشرق الاوسط في الستينات والنصف الاول من السبعينات.

كان ازدهار حياة الليل في الكسليك والمعاملتين وجونية، من مظاهر تقطّع أوصال لبنان ومناطقه ومدنه، وقيام مراكز “مدينية” جديدة في المناطق المسيحية البعيدة من خطوط التماس الحربية في بيروت التي أخذت “نخبة” من ساهريها تقصد مرابع كسروان الليلية في أوقات من هدنات الحرب، بعدما ضيّقت الميليشيات المسيطرة والمتقاتلة في بيروت الغربية طوال الثمانينات، الحياة الليلية وقلّصتها في رأس بيروت، وخصوصا بعد ظهور “حزب الله”، وتفشّي خطف الاجانب والمسيحيين عقب ما سمّي “انتفاضة 6 شباط” 1984.

ففي النصف الثاني من ثمانينات الشطر الغربي من بيروت، انكفأت الحياة الليلية البيروتية الى عدد قليل من المرابع والملاهي في شارع المكحول الضيّق المتعرج، والذي جرى تفجير أحد مرابعه آنذاك، فيما أخذت الحياة الليلية تزدهر في العمق السكاني المسيحي، على ساحل كسروان، حيث درجت تسمية “المناطق الحرة” في حمى ميليشيا “القوات اللبنانية” المنظمة والمسيطرة، والتي كان يهمّها أن ينشأ في عمق مناطقها مركز للحياة الليلية، يستقطب متطلبات السكان وسواهم من الشبان المقاتلين، للترفيه والسهر، بعيداً من خطوط التماس الحربية. وقد يكون كتاب شارل شهوان “حرب شوارع” أصدق تعبير عن أحوال الشارع المسيحي واهواء مقاتليه، ونمط الحياة الليلية الناشئة على ساحل كسروان الثمانينات، وصولا الى بعض بلداته الجبلية القريبة.

ليل الكحول والصخب
في مطالع التسعينات، مع توقف الحرب وانتهائها، دبت الحياة الليلية سريعاً وبقوة في شارع مونو أسفل منطقة الاشرفية المسيحية، وحول جامعة القديس يوسف، غير بعيد من وسط بيروت القديم المدمر. وبالتوازي مع نهضة مونو الليلية، ظهرت بعض المرابع الليلية في أطراف بيروت، حيث تكثر المعامل والأرض الزراعية أو الخالية. ومن أشهر تلك المرابع ملهى ال”Bo18″ الشهير في التسعينات، والذي أطلق نمطاً جديداً من الشهر الشبابي “المترف” والمغالي في حداثته الكحولية.

والحق ان النصف الثاني من التسعينيات وبدايات الألفية الثالثة، شهدا طفرة جديدة غير مسبوقة في نمط السهر الشبابي من الفئات المتوسطة. من السمات الجديدة لتلك الطفرة، الإسراف في احتساء الكحول والرقص على إيقاعات موسيقية صاخبة واستطالة أوقات السهر حتى قبيل الفجر بقليل. كأنما شبان وفتيات الفئات الوسطى اللبنانية، تفتّحت في اجسامهم ونفوسهم وتفجرت رغباتُ العيش وأهواء الليل، انتقاماً من ما فاتهم وحاصرهم في سني الحرب الطويلة، فهبوا يردمون تلك القطيعة أو الفجوة الزمنية التي عاشوها. كأن حمّى السهر ودبيبه في تلك الحقبة، كانا الوجه الآخر لحمّى الحرب ودبيبها، أو صدىً احتفالياً من أصدائها المبتعدة، ولطرد تلك الأصداء، عبر الإسراف في الليل والكحول والرقص الصاخب.

ليلان مختلفان
تُظهر المقارنة بين الحياة الليلية الشبابية في بيروت التسعينات، وتلك التي كانت سائدة في ستينيات وسبعينيات ما قبل الحرب، أن السهر والليل الشبابيين في الستينيات والسبعينيات، لم تكن الكحول حاضرة فيهما وطاغية، كحالها في التسعينيات وما بعدها. آنذاك، أي في الستينيات والسبعينيات، كان يغلب على الليل الشبابي ارتياد دور السينما ومقاهي الرصيف في شارع الحمراء. وقلما كان شبان وفتيات يرتادون ويرتدنَ الملاهي والمرابع الليلية لاحتساء الكحول، إلا في أعمار شبابية متقدمة، ومن بيئات اجتماعية محددة، وفي مناسبات خاصة، كأعياد رأس السنة وسواها من سهرات مناسبات ميلاد الصحب والكوبلات. وآنذاك لم تكن دارجة، مثلاً، عبارات “تعا نأخذ كأس”، “رايحين ناخذ كأس”، التي صارت على كل شفة ولسان ما بعد التسعينات. والأرجح أن ليل الكحول الشبابي شهد انطلاقته في مرابع وملاهي ساحل كسروان الليلية في الثمانينيات، وعاش طفرته الصاخبة مع انطفاء الحياة الليلية في الكسليك، وانتقالها الى شارع مونو في مطالع التسعينيات.

هجرات ليلية
لم تعمّر الحياة الليلية وتستمر طويلاً في مونو، فأخذت تنتقل شيئاً فشيئاً الى شارع الجميزة القريب، في مطالع الألفية الثالثة. قد يكون هذا الانتقال من علامات بحث جيل شبابي جديد عن حياة ليلية أقل صخباً. وفي الأثناء جرت محاولات كثيرة لإحياء حياة ليلية في شارع الحمراء، من دون أن يُكتب لها النجاح الفعلي، إلا قبيل قيام قوى 8 آذار باحتلال وسط بيروت الجديد طوال سنة ونصف السنة، ما بعد حرب تموز 2006، وما بعد الحملة العسكرية على بيروت في 7 أيار 2008.

قبل ذلك، أي منذ ما بعد العام 2000، بدأت تنشأ بعض المرابع والملاهي الليلية الصغيرة الجديدة، في محيط مجلس النواب في وسط بيروت الجديد. لكن هذه المرابع والملاهي سرعان ما أقفلت بعد حصول مضايقات للساهرين فيها، قامت بها عناصر من شرطة مجلس النواب التابعة للرئيس نبيه بري. وحتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما بعده بقليل، ازدهرت حياة ليلية سياحية بيروتية وخليجية في شارع المعرض وساحة النجمة وامتدادتها القريبة في وسط بيروت الجديد. لكن هذه الحياة سرعان ما انتهت نهاية مأسوية مع احتلال قوى 8 آذار ساحة رياض الصلح وبعض متفرعاتها، فأفقر شارع المعرض وساحة النجمة إقفاراً تاماً، ولا يزالان على حالهما حتى اليوم، لينتقل بعض من دبيب الحياة التي كانت فيهما الى أسواق بيروت الجديدة التي انشأتها “سوليدير” في مكان أسواق الطويلة، البازركان، الجميل، باب إدريس، وسواها في بيروت القديمة. أما الحياة الليلية الشبابية التي تقدم الكحول في وسط بيروت، فنشأت منذ سنتين أو ثلاثٍ مرابعها وملاهيها في شارع صغير للمشاة خلف مبنى صحيفة “النهار” الجديد في الوسط الجديد.

مار مخايل – الحمراء
تتركز الحياة الليلية البيروتية اليوم، ومنذ نحو سنتين أو ثلاث، في شارع مار مخايل، كامتدادٍ جديد لشارع الجميزة، وفي شارع الحمراء الذي نهضت حياته الليلية بقوة، وخصوصاً في ما سمي “زاروب الإتوال”، و”زاروب دانز”، وفي شارع المقدسي الموازي للحمراء. والنهضة هذه ساهمت فيها الثورة والحرب في سوريا، بعدما هجر الى بيروت وعَبَرَ فيها ألوف من الشبان والصحافيين والكتاب والشعراء السوريين والسوريات، الذين جعلوا من شارع الحمراء محجّة ومعبراً لهم أو محطة في إقامتهم البيروتية القلقة، وفي هجراتهم الى ديار الله الواسعة. ومنذ ما بعد العام 2005 والعام 2008، برزت ظاهرة جديدة في الحمراء ومتفرعاتها، تجلّت في إقدام بعض قدامى اليساريين على افتتاح حانات ليلية صغيرة، كيفما اتفق وبرؤوس أموال محدودة. فنشأت في هذه الحانات الصغيرة حياة ليلية “شبه يسارية” وشللية الطابع، ومن أعمار شبابية متقدمة أو ما بعد شبابية “عازبة”، ومتشعبة العلاقات والمصادفات الليلية، وغير مكلفة مادياً. أما الحياة الليلية الشبابية من أعمار صغيرة في الحمراء، فاستوطنت، أخيراً، في شارع المقدسي الموازي للحمراء.

في المقلب البيروتي الآخر تتركز الحياة الليلية الصاخبة، والأحدث في نمطها الشبابي، في شارع مار مخايل، حيث يكثر الشبان والفتيات من غير اللبنانيين (كما في الحمراء ايضاً)، مخالطين فتياناً وفتيات من الفئات الوسطى اللبنانية، والمسيحية منها خصوصاً. ولا تزال الحياة الليلية في مار مخايل تتمدّد مرابعها في اتجاه منطقة برج حمود والنهر، حيث يتكاثر سكن شبابي وطالبي من طلبة جامعة القديس يوسف غالباً، ومن العاملين والعاملات في المنظمات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني المحلية.

ومن مظاهر الحياة الليلية وتمدّدها وهجراتها في بيروت، ظهرت أخيراً حانات ومرابع في شارع بدارو الموازي لأوتوستراد سامي الصلح، والمتصل بمستديرة الطيونة على حدود الضاحية الجنوبية لبيروت.

أما أبرز ما يميز الحياة الليلية البيروتية اليوم عما كانت عليه في الستينيات والسبعينيات، فهو انفصالها التام عن دورة الحياة في دور السينما ومواقيتها، وعن ارتياد مقاهي الرصيف، واستغراقها في الكحول.

– See more at: http://www.almodon.com/culture/afd71336-dfc7-4b64-80f4-e7ad6f12e1d4#sthash.sbTDVuD4.VZQ8FfPO.dpuf

“التّحوّل” لكافكا في ترجمة جديدة: فنُّ الرعب الهزليّ المرير

فبراير 24, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 9-2-2015

التّحوّل لكافكا

ظهرت ترجماتُ أعمالٍ لفرانز كافكا (1883 – 1924) الى اللغة العربية في بيروت والقاهرة ودمشق وعمان، على نحو متقطع، وفي أوقات متباعدة، من أحدثها روايته القصيرة الشهيرة، المعروفة منذ الستينات في عنوان “المسخ”، في ترجمة جديدة وضع لها مترجمها الشاعر المغربي مبارك وسّاط عنواناً جديداً، “التحوّل”، عن “منشورات الجمل” (بيروت – بغداد، 2015). تُظهر المقارنة السريعة أن ترجمته أجود وأكثر دقة من تلك الصادرة في القاهرة، وفي العنوان نفسه، عن منشورات “العربي” (2014)، بتوقيع الدكتور خالد البلتاجي.

تكرار ترجمة عمل أدبي واحد، ضروري ومفيد، أدبياً وثقافياً، ولفن الترجمة، ومهنتها أيضاً. فالثقافة الغربية أرست تقليداً ثابتاً في تاريخها منذ بدايات عصر التنوير: ترجمة الأعمال الفنية الأدبية والفكرية الكبرى والأساسية أو التأسيسية، وإعادة ترجمتها من لغاتها الاصلية الى لغات أخرى، حتى غدت الترجمة وتكثيرها للأثر الفني الأدبي والفكري الواحد، عملاً ثقافياً أساسياً، كالتأليف الذي صارت الترجمة من ضروراته وضرورات ازدهاره.
أما في ثقافتنا العربية المعاصرة، فعلى مثال معظم نتاجاتها، لا تزال الترجمة عاجزة عن إرساء مثل ذلك التقليد الغربي. فالترجمة الى العربية تغلب عليها العشوائية والفجوات والتقطع والتشرذم في الاختيار، إضافة الى غياب الحساسية الفنية والفكرية والجمالية واللغوية لدى معظم المترجمين الذين يجهل كثيرون منهم الإطار الثقافي العام والخاص للأعمال التي يترجمونها. هذا، فضلاً عن الكثير من الترجمات الحرفية المغلوطة، والتأويلية والمبتسرة، التي تجعلها غير قابلة للقراءة.

العِلْم الكافكاوي
الروائي التشيكي – الفرنسي ميلان كونديرا، وهو من الخبراء المتأثرين بالفن الروائي الكافكاوي، خصّص فصولاً من كتابه “الوصايا المغدورة” لقراءة ترجمات أعمال كافكا من أصلها الألماني الى اللغة الفرنسية، ومقارنتها ونقدها.
في العربية لا نفتقر الى مثل هذه الأعمال فحسب، بل الى اعتبار الترجمة عملاً يستلزم خبرة وذائقة فنية وحساسية أدبية، تتجاوز المعرفة بأصول الصرف والنحو والأداء اللغوي في لغتين على الأقل.
المعروف ان الفن الروائي الكافكاوي يشكل محطة أو منعطفاً كبيراً في تاريخ الرواية الأوروبية والغربية عامة. حتى ان كونديرا يطلق على غزارة الاعمال النقدية المرجعية لأعمال كافكا في الثقافة الأوروبية، ما يسمّيه “الكافكالوجي”، أي “العلم الكافكاوي”، الذي ينتقده ساخراً متهكماً من اعتماده على شخصية كافكا وسيرته، الشخصية والعائلية، في قراءة فنّه الروائي وتفسيره. لذا لا تنجو من سخرية صاحب “الوصايا المغدورة” قراءات كل من ألبر كامو وأندره بروتون وجيل دولوز وفيليكس غاتاري وروجيه غارودي، الذين يعتبر كونديرا أنهم يقرأون أدب كافكا ويدرسونه “أخلاقيا” أو”فلسفيا”، وفي مرآة سيرته النفسية والعائلية والسوسيولوجية.

مصادفات القدر السيّئة
ميزة ترجمة مبارك وساط الجديدة لـ”التحول”، أنها منقولة عن لغتها الاصلية، الألمانية، التي نُشرت فيها، العام 1915، بعدما كان كافكا كتبها في نحو 20 يوماً ما بين 17 تشرين الثاني و7 كانون الأول 1912، على ما يُستخلص من رسائله، وفقاً للمترجم.
أما كونديرا فيشير الى أن كافكا ارسل مخطوطة “التحول” الى إحدى المجلات، فأبدى رئيس تحريرها الروائي النمسوي الكبير روبرت موزيل استعداده لنشرها شرط ان يختصرها مؤلفها. في هذا السياق يكتب كونديرا متحسِّراً: “آه، يا له من لقاء بائس بين كاتبين عظيمين!”، عاتباً في حسرته هذه على المصادفات السيّئة للقدر.

الرعب الهزلي
من ميزات الفن الروائي الكافكاوي أن شخصياته الروائية كلها تقريباً، بلا خصائص ذاتية أو “وجدانية” أو عاطفية داخلية تميّزها وتتفرد بها. هذا ما خصّص له روبرت ميزيل رواتبه الأساسية الضخمة في عنوان “كائن بلا خصائص”. وقد يكون فقدان الخصائص، أو الذاتية الشخصية للفرد، واغترابه عن نفسه، وقبوله بهذا الاغتراب، وتمتّعه المرير به، من المعاني الفنية الوجودية والكينونية العميقة في “التحول” التي يستهلّها كافكا بالجملة الآتية: “إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح، على أثر أحلام سادها الاضطراب، وجد أنه قد تحوّل، وهو في سريره، الى حشرة عملاقة”. على مدى 62 صفحة من الحجم المتوسط، ترسم “التحول”، بلغة مادية، موضوعية ومحايدة، “العالم” المكاني – الفيزيائي لهذه الحشرة “البشرية” العملاقة، وتصف علاقتها الجسمانية أو الفيزيولوجية المادية بجسمها الجديد، وبالأشياء من حولها. كما تصف حركتها في المكان داخل غرفة وأثاثاتها، في منزل عائلي يقيم في غرفه الثلاث، الى سامسا المتحول، أمه ووالده وشقيقته وخادمة. وباللغة الفيزيائية الخارجية نفسها، تصف الرواية أيضا دقائق العلاقة المتحولة بين الحشرة البشرية العملاقة وأفراد الأسرة. ويغيب عن هذا الوصف أي بعد فلسفي ورمزي وبسيكولوجي وسوسيولوجي وذهني وأخلاقي، ليحضر بدلاً من ذلك كله مزيج من الرعب والهزل، او الرعب الهزلي المرير، الكافكاوي بامتياز، الذي يرى كونديرا أنه يكشف عن الجوانب الغرائبية المجهولة من الوجود البشري. ذلك على مثال اللقاء الجميل العارض ما بين مظلة وآلة خياطة، وفقاً للشاعر لوتريامون والرسام ماغريت. وهو لقاء تخييلي فانتازي، ساحر وغير متوقع.
هنا تكمن شاعرية كافكا وفنيّته الروائية التي تقوم على تعليق كل “حكم أخلاقي على الوجود” (كونديرا) والعالم والعلاقات. فالرواية الكافكاوية، وكل رواية حقيقية أيضا، هي، في هذا المعنى، حيزٌ لتعليق أو استبعاد الأحكام الأخلاقية، ولحضور الومضات الفكاهية الساخرة المفاجئة التي تكشف عن العالم في غموضه الأخلاقي.
وإذا كانت الملاحم تخلو تماماً من الفكاهة والهزل، لصالح المأسوي، فإن الرواية تكشف عن الفكاهة والهزل باعتبارهما الابتكار العظيم للروح الحديثة، بحسب الشاعر أوكتافيو باث. كما تكشف أيضاً عن المتعة الغريبة الصادرة عن اليقين بأن لا وجود ليقين.
ما صلة هذا كله بغريغور سامسا المتحول الى حشرة “بشرية” عملاقة؟
لا يغادر قارئ “التحول” حدسٌ بأن المخيلة الروائية الكافكاوية تخلط الرعب بالهزل وبالغرائبي، على غرار ما تفعل الرسوم الكاريكاتورية، وأفلام الكرتون أو الصور المتحركة، حيث يسود التحرر الكامل من المسؤولية، والخروج على منطق الحياة وتسلسل حوادثها السببية، والفرق اللذيذ والمرير والواعي بين الوجود واللاوجود، بين الكينونة والعدم، بين العادي والمدهش.

دماء على جسد الجمهورية العلمانية: سعار الإسلام الجهادي ومقتلته الباريسية

فبراير 24, 2015

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار 17-01-2015

2

مقتلة “شارلي إيبدو” الباريسية، نتاج ومرآة لسعار إسلام جهادي في نسخة جديدة أشد ظلامية من سابقتها “القاعدة”. لا ريب في أن هذا السعار انبعث من أتون انهيار دول عربية ديكتاتورية وأمنية قام بينها وبين المنظمات الجهادية سفاح أمني عميق ومديد، له جذر فلسطيني وآخر سوري أسدي وثالث عراقي صدّامي. الجذور هذه قديمة وعميقة، أدت الى تدمير لبنان، ثم العراق وسوريا. ثم إن المقتلة الباريسية تذكّر بالفتوى الخمينية بذبح سلمان رشدي في خضم سعار الثورة الإسلامية الخمينية المحموم، في محاولتها إطلاق حركة جهاد عالمي، قصرته أخيراً على لبنان “حزب الله”، وسوريا الأسد، و”عراق ما بعد صدام حسين”، واليمن الحوثي. من سعار الإسلام الجهادي في اليمن وسوريا والعراق، ولد ما يسمّيه الفرنسيون “الجهاد الفرنسي”. لكن ماذا يبقى من فرنسية الأخوين كواشي سوى الجهاد الاسلامي، قبل مقتلتهما الباريسية وبعدها؟ لا شيء. لذا من الأفضل القول إنهما مجاهدان إسلاميان قضيا في فرنسا، حيث قاما بواجبهما المقدس.

من تسمية “الفرنسيين المسلمين” – وهي لابست، منذ سبعينات القرن العشرين، تزايد الهجرات المغاربية الى فرنسا وتوسعها، حتى بلغ عدد من تُطلق عليهم هذه التسمية ما بين 6 و7 ملايين نسمة من “المواطنين” الفرنسيين المسلمين، أو من حملة الجنسية الفرنسية – ولدت أخيراً تسمية “الجهاد الفرنسي”، أثناء تدفق مئات وربما ألوف من الإسلاميين الجهاديين من فرنسا الى سوريا. لكن هذه التسمية الجديدة لم تبرز بقوة وتصبح على كل شفة ولسان في فرنسا وأوروبا، إلا غداة مقتلة “شارلي إيبدو” الصادمة والمروعة، التي ارتكبها جهاديان فرنسيان، هما الأخوان شريف وسعيد كواشي، المتدرب أحدهما عسكرياً، الى تلقيه أصول الجهاد وفقهه، في “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” اليمنية.

بواعث الجهاد الفرنسي
البواعث أو الدوافع الفرنسية لجهاد الأخوين كواشي وسواهما من أمثالهما المهاجرين هجرة جهادية إلى سوريا وغيرها من ديار الإسلام ومنظماته الجهادية، تتعلق بالسوسيولوجيا وبسياسات الهوية والاندماج والثقافة والعمل والاجتماع المديني في الضواحي الفرنسية. لكن هذه كلها لا تكفي قط، وتظل هامشية وبلا معنى، في محاولات تفسير ظاهرة “الجهاد الفرنسي”. ذلك لأن كل قراءة لهذه الظاهرة بناءً على معطيات سوسيولوجية عامة وجمعية تتعلق بارتجاجات الهوية والتمايزات الاجتماعية والثقافية في داخل المجتمع الفرنسي، هي كناية عن إيجاد مبررات وذرائع للقتل الإجرامي العمد، الهوسي والمروع، الذي نفّذه الأخوان كواشي. هذا ما بدأ يظهر في بعض دوائر الإعلام والصحافة الفرنسية غداة مقتلة “شارلي إيبدو”، وتجلى في كلام إعلاميين وكتّاب وأصحاب صحف على ضرورة “احترام المقدسات”. فبينما طغى على ردود الفعل الفرنسية والعالمية على المقتلة، شعار “كلنا شارلي”، دار في بعض الدوائر نقاشٌ حامٍ حول نشر الرسوم الكاريكاتورية الساخرة من نبي الإسلام، أو عدم نشرها. فمنظمة “مراسلون بلا حدود”، دعت الى عدم نشرها، فيما قال رئيس تحرير صحيفة بريطانية “من يعطيني الحق في تعريض محررين وصحافيين للخطر؟”. هكذا امتنعت صحف ووكالات أنباء عالمية عن نشر الرسوم، في مقابل رأي آخر يقول إن عدم النشر “خيانة للمبدأ الذي قتل من أجله زملاؤهم”، وثالث يعتبر أن التهاون في مبدأ حرية التعبير تبرير للهجوم البربري. كما ذكّر بعض أصحاب الرأي في المسألة بالفتوى الخمينية بقتل الروائي سلمان رشدي قصاصاً له على كتابته “آيات شيطانية”، متسائلاً: ماذا كان سيعني لو عمد ناشر رواية رشدي الى سحب الرواية من الأسواق، بعد إقدام جهاديّ ما على تنفيذ الفتوى الخمينية بقتل الروائي؟! ثم ماذا يبقى من أوروبا ومن الحريات الأوروبية في حال الصدوع الى فتاوى الإرهابيين وأفعالهم؟!

سعار الإسلام الجهادي
لا ريب في أن المقتلة الباريسية الإرهابية حدثت في خضمّ سعار الإسلام “السياسي” والجهادي، المنبعث من أتون انهيار دول عربية “جمهورية” ديكتاتورية وأمنية، وزوال حدود بعضها، كما حدثت الفتوى بذبح سلمان رشدي في خضمّ سعار الثورة الاسلامية الخمينية، ومحاولتها إطلاق حركة جهاد عالمي. وهي اطلقته فعلاً حيث استطاعت الى ذلك سبيلاً، فصدّرت الثورة الاسلامية الى لبنان، وانشأت فيه “حزب الله” الشيعي الخميني الذي اطلق في خضم الحروب الأهلية الملبننة جهاداً لم يتوقف حتى الساعة، على مثال القول الشائع “أطلب العلم ولو في الصين”. فمجاهدو “حزب الله” ينتشرون منذ نحو سنتين من بيروت حتى كربلاء العراقية، مروراً بالبقاع وحمص وحلب ودمشق، من دون هوادة، وبناءً على فتوى دينية مذهبية حربية من الولي الفقيه الإيراني، شبيهة بفتوى قتل سلمان رشدي.
والحق أن سعار الاسلام الجهادي الجديد، ساهمت إيران وحزبها اللبناني في بعثه من أتون انهيار دول عربية “جمهورية” ديكتاتورية وأمنية، وزوال بعضها، وتشظي شعوبها ومجتمعاتها في حروب أهلية تشكل الجماعات والمنظمات الاسلامية السياسية والجهادية العابرة للحدود والبلدان اطرافاً أساسية فيها عقب ثورات “الربيع العربي”.
وقد بلغ هذا السعار ذروته في العراق واليمن وسوريا. ومن هذه الأخيرة امتد الى لبنان، متغذياً من شقاقٍ أهلي ومناطقي عميق، ومنبعثاً حروباً أهلية طائفية مذهبية (سنّية – شيعية وعلوية)، متقاطعة مع هجوم أمبراطوري ايراني حاملاً راية إسلام حركي أصولي مذهبي شيعي، ومجنّداً جماعات مذهبية شيعية في منظمات أهلية، عسكرية وأمنية مقاتلة: “حزب الله” في لبنان، العلويون وبقايا دولتهم الأسدية وميليشياتها في سوريا، الشيعة ودولتهم وميليشياتهم في العراق، والحوثيون في اليمن.
حيال هذه السياسات الإيرانية معطوفةً على فشل ثورات “الربيع العربي” وانجلائها عن تصدع الدول والمجتمعات بعد انحباس سياسي ديكتاتوري مديد، وجد “الإسلام السني” السوري والعراقي واللبناني واليمني أنه في العراء وفي حال من “المظلومية”. هذه الحال – خصوصاً في سوريا والعراق، حيث جرى تدمير المجتمعات والجماعات السنّية والشيعية، وتعرضت لمذابح واعتقالات واقتلاع وتهجير – شكلت البطن الخصبة لتوليد منظمات جهادية سنّية أشد مغالاة في ظلاميتها ودمويتها من “القاعدة” التي انبعثت بدورها وجدّدت شبابها في اليمن في مواجهة جماعة “أنصار الله” الحوثية العسكرية الزاحفة لاحتلال المدن والمحافظات اليمنية.

1

غزوة باريس المباركة
في الفرع اليمني لتنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب”، تلقّى أحد الأخوين “المجاهدين الفرنسيين” من اصل جزائري، شريف وسعيد كواشي، أصول الجهاد الاسلامي الفقهي والعسكري، أو فقه القتل والاجرام. فمنذ العام 2009 أمضى شريف كواشي سنوات متقطعة طالب علوم دينية في جامعة “الايمان” الاسلامية في صنعاء، ومتدرباً في معسكرات “القاعدة” اليمنية. في مقتلتهما الباريسية في 7 كانون الثاني الجاري، على مثال مقاتل “القاعدة” و”داعش”، توسّل الأخوان كواشي بثّ الصدمة والرعب والهلع في الديار الفرنسية “الجاهلية” التي يدين أهلها بالديموقراطية وهشاشتها وخفتها اللاهية في التعبير الفردي، الحرّ والساخر من كل سلطان، ومنه سلطان المقدّس. هذه هي رسالتهما الجهادية المقدسة التي منحتهما الحق في الانتقام والثأر من الحرية والديموقراطية “الجاهليتين”، لنيل رضوان ربّ العالمين، فيسكنهما فسيح رحمته وجناته، خالدين فيها أبداً، بعد رحيلهما عن الدنيا الفانية، شهيدَي المقتلة التي أنزلاها بمن سوّلت لهم أنفسهم ارتكاب معصية التطاول على نبي الاسلام وخاتم النبيين والمرسلين.
الأخوان “المجاهدان الفرنسيان” اللذان لقّنتهما “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” ازدراء “الجاهلية الفرنسية” التي ولدا ونشأا في كنفها، قد يكونان تساءلا اثناء التحضير لمقتلتهما: ما المانع من أن تصير باريس مثل الموصل والرقة؟ وقد يكون سؤالهما هذا من محفزات إرادتهما في الوصول الى مقر “شارلي إبيدو”، وفي إطلاقهما نيران رشاشاتهما على العاملين فيها. من المرجح أنهما تخيلا نفسيهما في جنة الموصل حقاً للحظات بعيد إنجازهما رسالتهما المقدسة، وفيما يردّد أحدهما “الله أكبر، الله أكبر”، أثناء إطلاقه النار على الشرطي الفرنسي من أصل مغربي، ليجهز عليه بعد إصابته ووقوعه على الرصيف.
غداة إنجاز الأخوين كواشي رسالتهما، بثّ “المسؤول الشرعي” في تنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب”، “الشيخ” حارث النظاري اليمني، تسجيلاً صوتياً سمّى فيه المجاهدَين بعدما برّأتهما مقتلتهما وطهّرتهما من فرنسيتهما ومن الرجس الفرنسي، ورفعتهما مجاهدَين شهيدَين ذوداً عن شرف نبي الاسلام وأمته. هذا بعدما ظنّ “أعداء رسول الله أن الله لن ينصر رسوله، فأتاهم الله من حيث لا يعلمون”. والحق أن مثل هذه اللغة والعبارات لا يكفّ كثرٌ من خطباء مساجد الجمعة عن تردادها في مساجد أحياء المدن الاسلامية وضواحيها. فالإسلام في هذه الخطب لغة أولى ثابتة ومقدّسة، لا يغيّرها الدهر في استعادتها كلام الأوّلين الثابت المقدس. واللغة هذه، كلماتها وأداؤها اللفظي، لا يختلفان قط عما يبثه “حزب الله” في شهدائه منذ شهيده الأول قبل عقود وحتى الآن.
أخيراً، لا بد من التساؤل في هذا السياق: ما الذي يبقى من فرنسية الأخوين كواشي سوى الجهاد الاسلامي، قبيل إنجازهما رسالتهما المقدسة وبعد إنجازها؟ الجواب: لا شيء. لذا ربما من الأجدى والأفضل القول إنهما مجاهدان إسلاميان قضيا في فرنسا، حيث قاما بواجبهما الجهادي المقدس.

“القاعدة”: زواج الجذور
هتاف “الله اكبر، الله اكبر” الذي ردّده أحد الأخوين كواشي بعد إنجازه وأخاه مقتلتهما، وخروجهما الى الشارع، هو نفسه الهتاف الذي ردده المتفرجون السعوديون على انزال قصاص الجلد بالمدوّن والناشط الحقوقي السعودي رائف بدوي. حدث ذلك بعد صلاة الجمعة 9 كانون الثاني الجاري، أي عقب يومين على مقتلة رسّامي “شارلي ايبدو” الذين أبادهم الأخوان كواشي قصاصاً لهم على فعلة هي نفسها الفعلة المتهم بها المدوّن السعودي: السخرية من الرموز الدينية، أي انتقاده جهاز “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.
في الشريط المصوّر لعملية الجلد، والمتداول على “فايسبوك” يتراكض رجال وشبّان وأطفال في الباحة الخارجية لمسجد الجفالي في جدة، ليشاهدوا الشاب وهو يُجلَد، بعد إحضاره من السجن حيث يمضي سنتين و7 أشهر، قصاصاً على ما دوّنه في موقع الكتروني باسم “الليبيراليون السعوديون”. الى سجنه، حُكم عليه أيضاً بأن يُجلد ألف جلدة، ينال منها كل نهار جمعة 50 جلدة. سمر شقيقته سُجنت مدة وأفرج عنها، لكن والدها تخلى عنها، أي رذلها، أو وأدها، رمزياً. وهي تربّي رضيعتها وحيدة، بعدما سُجن زوجها ومحامي أخيها. أما إنصاف زوجة المدوّن رائف بدوي فهربت الى كندا مع أطفالها الثلاثة.
في نهاية عملية الجلد المشهودة، يُسمَع صوت يقول “حلّت، حلّت الزيارة”، وسط هتاف “الله اكبر، الله اكبر”.
هذه الواقعة ومثيلاتها من أحكام الإسلام الوهابي الذي تعتبره دراسات وأبحاث كثيرة أحد المراجع الفقهية للتيار “السلفي” الذي تطورت فروع منه الى “السلفية الجهادية” التي تحاربها السلطات السعودية. أما حازم الأمين فيؤرخ ميدانياً لجذر فلسطيني قديم لـ”السلفية الجهادية” ولـ”القاعدة”، في كتابه “السلفي اليتيم”. الجذر ذاك، لابس الكفاح الفلسطيني المسلح في الأردن، منذ مطالع سبعينات القرن العشرين، وحمل لواءه الى أفغانستان، لاحقاً، عبدالله عزام، الفلسطيني. حرّكت مقتلة “شارلي ايبدو” ذاكرة سعود المولى، فكتب على صفحته في “فايسبوك” شذرة نموذجية عن ذلك الجذر في سيرة الفلسطيني شاكر العبسي الشهير لبنانياً. فبعد عمليات “أيلول الأسود” الــفــلـــسطينية الإرهابية في ميونيخ وسواها من خطف الطائرات المدنية وتفجيرها في نهاية الستينات، أرسلت حركة “فتح” شاكر العبسي لدراسة الطب في تونس العام 1973، لكنه ذهب الى ليبيا معمر القذافي، ودخل الكلية العسكرية الليبية، وتخرج فيها برتبة ملازم طيار في العام 1976. كأنه في هذا استبق عبقرية أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في 11 أيلول 2001 النيويوركي المرعب والرهيب. وفي العام 1983 انشقّ العبسي عن “فتح” مع أبو خالد العملة مؤسس “فتح الانتفاضة” الموالية لـ”سوريا الاسد” في البقاع والشمال اللبنانيين، إبان تأسيس الشيخ سعيد شعبان “إمارته الاسلامية” في طرابلس. وبالتعاون مع المخابرات السورية الأسدية اغتال العبسي قيادياً في منظمة التحرير الفلسطينية، وصار قائداً لـ”معسكر حلوة” التابع للعملة على الحدود اللبنانية السورية، حيث درّب أنواعاً مختلفة من الإرهابيين الإسلاميين، منهم جمال سليمان، قائد جماعة “انصار الله” التي خرجت منها “عصبة الانصار” في مخيم عين الحلوة الفلسطيني. وفي العام 2000 بدأ العبسي تعاونه مع أبي مصعب الزرقاوي. وغداة اغتيال رفيق الحريري العام 2005، كان “معسكر حلوة” الحدودي بقيادة العبسي يضم 80 مقاتلاً جهادياً إرهابياً، زحف بهم في العام 2008 الى مخيم نهر البارد قرب طرابلس، فكان ما كان هناك، قبل فرار العبسي وبعض معاونيه الى سوريا. وقد يكون اليوم أحد أمراء “داعش” في الصحراء العراقية السورية.

ذرى الجهاد الثلاث
قد يصحّ اليوم التأريخ لظاهرة الجهاد الاسلاموي، الدولي أو العالمي، بالتوقف في ثلاث محطات متلاحقة بلغت فيها جرائمه المنظمة ذرىً مشهودة وغير مسبوقة، آخرها مقتلة “شارلي إبيدو”.
المحطة – الذروة الأولى نجمت عن جهاد “الأفغان العرب” في أفغانستان إبان الحقبة الأخيرة من الحرب الباردة. فبعد انتهاء تلك الحرب بانهيار الاتحاد السوفياتي الذي كان “الأفغان العرب” يجاهدون ضد احتلاله أفغانستان، انقلبوا الى الجهاد ضد “الشيطان الأكبر”، أي الولايات المتحدة الاميركية، وقاموا بـ”غزوة” 11 أيلول 2001 الإنتحارية المدوية في نيويورك وواشنطن. خطَّط لتلك “الغزوة” السعودي اسامة بن لادن والمصري أيمن الظواهري، المتأثران بـ”افكار” الفلسطيني عبدالله عزام الجهادية الإسلاموية في “قاعدة” الجهاد الأفغانية، ونفّذها جهاديون سعوديون في معظمهم، بينهم يمني ومصري ولبناني. وأدت المقتلة الى الاحتلال الاميركي – الدولي لأفغانستان الطالبانية، والى تشريد “الأفغان العرب”، وقيام الحرب الدولية على الإرهاب.
المحطة – الذروة الثانية نجمت عن الاحتلال الأميركي لعراق صدّام حسين في العام 2003. فبعد ذلك الاحتلال اتخذ مشرّدو “قاعدة الجهاد” الأفغاني العراقَ “قاعدة” جديدة لجهادهم، بقيادة سليل “القاعدة” الأفغانية، الأردني أبو مصعب الزرقاوي (أحمد الخلايلة)، الذي جعل الأنبار العراقية قاعدته وسمّاها “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” التي استمرت ما بين العام 2004 والعام 2006، وخبتْ واحتضرت بعد مقتل الزرقاوي. شهدت تلك الحقبة ظاهرة الذبح وقطع الرؤوس، وتزامنت مع عمليات جهادية إجرامية شهيرة في متروات الأنفاق بلندن ومدريد. لابست تلك الحقبة أيضاً ظاهرة الرسوم الكاريكاتورية الدانماركية الساخرة من الإسلام ونبيّه في العام 2005. استنهضت تلك الرسوم هبّة إسلاموية عامية في أرجاء العالم الإسلامي وجالياته المهاجرة في أوروبا خصوصاً، ونفخت فيها وغذّتها جماعات الاسلام السياسي وأجهزته كافة، الى جانب أجهزة “دول الممانعة” وجماعاتها الأهلية الموالية لسوريا الأسدية وإيران.
المحطة – الذروة الثالثة نشهدها ونعيشها اليوم متمثلةً في مقتلة “شارلي إيبدو” الباريسية المتناسلة من المحطتين السابقتين، لكن متوسلةً الثأر الإجرامي من رسّامي الكاريكاتور الفرنسيين. وذلك في خضم ظهور “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” المنبعث من مذابح بشار الأسد المستمرة للشعب السوري، ومن سفاح الدولة الملّية الديكتاتورية الإرهابية مع الإرهاب الجهادي الاسلاموي في عراق نوري المالكي وسوريا الأسد ولبنان “حزب الله”، بإدارة دولة الولي الفقيه الإيرانية. هذا السفاح عزَّزه الهجوم الإيراني الاستراتيجي في المشرق العربي من اليمن الى لبنان مروراً في العراق وسوريا، لملء الفراغ الذي أحدثه انهيار الدول الأمنية الاستبدادية العربية في خضم “الربيع العربي” وإطباق الجماعات الاسلامية على ثوراته. نجم عن ذلك كله، سعار الجهاد الارهابي في سوريا والعراق واليمن، جامعاً ما هبَّ ودبّ من الشبكات الجهادية الإرهابية العالمية في “دولة أبي بكر البغدادي” وخلافته الصحراوية بين الموصل العراقية والرقة السورية، وصولاً الى القلمون على الحدود اللبنانية، وتوغلاً في الديار الطرابلسية.

“الأميّة” أغوتا كريستوف تولد من الكتابة وعداوة 3 لغات

فبراير 24, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 4-02-2015

الأميّة

بعد الترجمة الرائعة التي أنجزها الشاعر الراحل بسام حجار لروايتَي أغوتا كريستوف، “أمس” و”الكذبة الثالثة”، أنجز محمد آيت حنا ترجمة لا تقلّ جودة لمجموعتها القصصية السيريّة، “الأميّة”، المنشورة لدى “دار الجمل” في مطلع 2015، استهلها بمقدمة تعرّف بالكاتبة وحياتها وأدبها، واختتمها بترجمة مقابلة صحافية معها، وبعددٍ من المقالات النقدية التي تتناول أدبها الروائي.

بتقشّفٍ صلب مثابر، ومن صميم قسوةٍ صامتة، جافة، كسيرة حياتها، تكتب أغوتا كريستوف جملها قصيرةً، مباشرة، وبدلالة دقيقة ثاقبة، واحدة في معناها الحاسم، من دون ظلالٍ ولا إيحاءات، ولا ميل الى الإنشاء وتعدد المعاني وتكثيرها. فهي تكتب من دون أن تكترث بالأسلوب أو الأسلبة، وضد سيولة اللغة والكلام. حتى أنها لا تكاد تروي، بل تحذف السرد الروائي، لتكتب على طريقة إميل سيوران شذرات أو توقيعات روائية، مستعيرة من الشعر كثافته وتقطيره، لتلغي شعريّته وتجعله كلاماً خَبَرياً خالصاً، طالعاً من صميم التجربة المادية العارية. وعلى الرغم من أن نصوص “الأميّة” مكتوبة كلها بضمير المتكلم الفرد، فإنها “لا تتموضع” في إطار روائي زمني ومكاني، على ما أشارت الناقدة مارتين لافال في مقالة لها عنوانها “غريبة الى الأبد”.

كاتبة العداوات الثلاث
تستهل كريستوف توقيعاتها القصصية الأولى في “الأميّة” على النحو الآتي: “أَقرأُ. الأمر أشبه بالمرض. أقرأُ كل ما تقع عليه يداي أو عيناي (…)/ أنا في الرابعة من عمري. الحرب (العالمية الثانية) بدأت لتوها./ كنا نسكنُ آنذاك في بلدة صغيرة، لا محطة فيها، ولا تتوفّر على الكهرباء، ولا المجاري، ولا خطوط الهاتف”. بلا شروح، ولا استطرادات، ولا تفسير، تُخبِرُ أن والدها كان “المعلم الوحيد في البلدة”. كلما أرادت أمها استبعادها من البيت عقاباً لها كانت ترسلها الى الصف الوحيد في مدرسة والدها، فيعطيها “كتاباً مصوراً” لتجلس في “أقصى القاعة”، حيث “أصابني مرض القراءة الذي لا شفاء منه”. في الرابعة عشرة من عمرها التحقت بمدرسة داخلية كانت في “منزلة ما بين الثكنة العسكرية والدير، ما بين الميتم والإصلاحية”. من اليتم والألم والقسوة والصمت في هذه المدرسة، وُلدِت الكتابة على “ما يشبه دفتر مذكرات”، متزامنةً مع تشرّد أسرتها: افتراقها عن أخويها ووالديها، فيما بات أغراب يسكنون منزلها العائلي في بولونيا نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد الاحتلال النازي الذي أعقبه احتلال روسي – سوفياتي.
في الحادية والعشرين من عمرها هربت مع زوجها وطفلها الرضيع لاجئة الى سويسرا، حيث ” ألفيتُ نفسي بالمصادفة المحض في مدينة يتحدث سكانها الفرنسية المجهولة تماماً بالنسبة لي”، “في ذلك اليوم من أواخر تشرين الثاني 1956، فقدتُ الى الأبد انتمائي الى شعب”، والى لغةٍ ايضاً. لكنها بعد 30 سنة من اللجوء والإقامة في سويسرا وفي
كنف اللغة الفرنسية، وُلدِتْ ككاتبة، من “عداوتها” لثلاث لغات – احتلالات: اللغة والاحتلال الألمانيان، ثم اللغة والإحتلال الروسيان – السوفياتيان لبلادها المجر، وأخيراً لغة
اللجوء الفرنسية التي رمتها لسنين في الخرس والصمت والعزلة.

عداوة ستالين والزواج والموت
“يوم وفاة ستالين ذهبَ الراقص الروسي رودولف نورييف، المنشق الشهير (لاحقاً)، الى خارج المدينة (قاصداً) البرّية (منتظراً) ان يحدث شيء عظيم، ان تستجيب الطبيعة للفاجعة. (…) كلا. لم تزلزل الارض الا ستة وثلاثين سنة بعد ذلك. (…) كان علينا انتظار كل تلك السنوات حتى يموت ابونا”، أي ستالين والنظام التوتاليتاري السوفياتي، مخلّفين ملايين الضحايا، ومُنزلين “افدح الضرر بالفلسفة والفن والادب في بلدان شرق أوروبا”. عن معسكرات اللجوء في سويسرا تكتب بأسلوبها المقتضب المتقشف: “اثنان منا عادا الى هنغاريا. شابان ذهبا ابعد، نحو الولايات المتحدة وكندا. اربعة آخرون ذهبوا ابعد وابعد، تجاوزوا الحدود الكبرى، كانوا من معارفي، وانتحروا إبان عامَي منفانا الأولين”.
هي العاملة في مصنع للساعات السويسرية، صارت حياتها
اشبه بـ”الصحراء. صحراء اجتماعية، صحراء ثقافية: ايام عمل كئيبة، أماسٍ صامتة،
حياة جامدة، بلا تغيير ولا مفاجآت ولا أمل”. هذا قبل تمكنها قليلاً من اللغة الفرنسية، وتدوين ما يشبه مذكراتها، مستعينةً بالقاموس.
بعد سنوات كثيرة “اتجوّل في برلين رفقة مترجمتي. نتوقف امام المكتبات. في الواجهات روايتي الثانية. وفي منزلي رواية “الدفتر الكبير” (الاولى) مترجمة الى 18 لغة”. جوابا منها عن سؤالٍ وهو عنوان لقصة “كيف يصير المرء كاتباً؟”، تكتب: “ينبغي في البداية أن تكتب، بالطبع. ثم ينبغي
بعد ذلك الاستمرار في الكتابة. حتى حين لا يثير الامر اهتمام احد”. لكنها في المقابلة الصحافية معها، المنشورة في “ملف” ختامي مرفق بترجمة “الأمية”، تجيب عن سؤال:
“كل الاشياء سواء، حتى الكتابة. لقد منحتني الكتابة الكثير، لكنها ما عادت تمنحني الآن شيئاً”. في موضع آخر من المقابلة تقول: “حين تصير لا شيء، فقط آنذاك تستطيع ان تصير كاتباً”. ثم تذهب أبعد: “لمَ على المرء ان يستيقظ صباحاً، ما دام كل شيء سيان؟”. هذه الكلمة الاخيرة هي ايضاً عنوان احد كتبها. وحين تسألها الصحافية: “مع ذلك لا تزالين ترغبين في الحياة؟”، تجيب: “ليست لديَّ ادنى رغبة في الموت. اجد الحياة قصيرة جداً. بعد الحياة سنكون ميتين طوال الوقت”. وتقول ايضا: “تزوجت مرتين. اسوأ ما في حياتي هما زوجاي. أمقتُ الزواج. انا سعيدة لأنني خرجت سالمة من التجربتين. احب الرجال كثيراً عندما لا يكونون ازواجاً”. واخيراً: “احبّ أن أنام، لأنني اعلم اني سأحلم”. لكن في “المقابل تأتيني الكوابيس ايضاً: أُلفي نفسي في المدرسة (الداخلية) او متزوجة”.

التشاؤم العدمي الفطري
الأرجح ان تشاؤم اغوتا كريستوف العدمي أفدح مما لدى البولوني المنشق عن النظام السوفياتي والهارب الى فرنسا، اميل سيوران، الذي يكتب تشاؤمه العدمي في صيغ فلسفية وجودية، بينما تترك كريستوف تشاؤمها العدمي بلا صوغ، بلا تصريح. تستلُّهُ خفيّاً راعفا من التجربة الوجودية العارية او “الفطرية”، على ما يشير مترجم “الأميّة” في مقدمته، من دون تقليب معانيه على وجوه شتى.
لكن من هي أغوتا كريستوف؟
إنها من صنف كتّاب أوروبا الشرقية والوسطى المنشقين والمهاجرين من بلدانهم التي تلقت أقسى مآسي القرن العشرين، أي الاحتلاليين النازي والروسي – السوفياتي. وهي ولدت العام 1935 في قرية تشيكفاند المجرية، وهجرت بلدها ولغتها، شأن بيكيت وكونديرا وسيوران، وأقامت في مدينة نيوشاتل السويسرية، حيث وجدت نفسها في “وضع امرأة أميّة”، قبل أن تتبنى
اللغة الفرنسية، “مثل طفل يتعلم لغة ما” وهي في العشرين. تشرّبت الفرنسية والكتابة بها لتغرق في “النسيان” و”تمحو”. وصفها ناشرها الفرنسي في “دار سوي” الباريسية، في
نعيه لها بعد وفاتها العام 2011، بأنها “الوارثة الشرعية لأدب كافكا”.
اليوم، بعد ترجمة أربعة من كتبها الى العربية، يعكف مترجم “الأميّة” و”الدفتر الكبير” على ترجمة اعمالها الأخرى، لتنشرها تباعاً “دار الجمل”.


تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 1,296 متابعون آخرين