إسلامي مصري في متاهة الجهاد

فبراير 21, 2016

محمد أبي سمرا

المدن في 09-02-2016

إسلامي مصري في متاهة الجهاد

الأرجح أن الشاب الإسلامي أحمد ابو خليل كتب سيرته الإسلامية المصرية، بعد مغادرته القاهرة إلى سوريا وتركيا مطالع العام 2012. فهو أنهى سيرته هذه التي وسمها “يوما ما… كنت إسلامياً” (لا يزال عليها) – نشرتها “دار دوّن” القاهرية في طبعات أربع أولاها في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 والأخيرة في فبراير/شباط 2013 – بفصل يصف فيه اجتيازه عند “مغيب الشمس” الحدود التركية قادماً من سوريا في سيارة مع مجموعة سورية مسلحة، تتحرك “بحذر خلف سيارة (أخرى) تسبقنا بأمتار قليلة، وتؤمّن لنا الطريق”، بعدما “تجاوزنا آخر قنّاص قد يواجهنا في طريقنا”. في استراحته القصيرة الأخيرة على الأراضي السورية المتاخمة للحدود التركية، يسرّح بصره على “تلك البيوت المتراصة صموداً في وجه القصف اليومي، وعلى وجوه الشباب المبكّر إلى عمله أو رِباضه” الحربي أو القتالي في لغته الإسلامية. هذا فيما يطلع “من مسجل سيارة الشباب” نشيد إسلامي “جهادي” عن “أبطال” و”فرسان” ضد “الذل” و”الإذلال” ولن يحنوا “رأساً للطغيان” الذي “أسوداً” في “الميدان” سيدكّون عروشه.

النشيد أو “أنشودة البواسل” هذه، هي إياها “التي كانت تهدر من مسجّل سيارة أحد المجاهدين أيضاً، عندما كان يمرقُ في أحد شوارع غزة تحت جنح الليل متجهاً بي (أي بالشاب المصري أبو خليل نفسه حين زيارته غزة في “سياحة جهادية” قبل سنوات) نحو حدود جباليا، حيث الرِّباط” أيضاً، والذي يصفه بـ”الإرث الممتد، والشعلة التي ما أن تخبو جذوتها في موطن حتى يتَّقد شررها من تحت الرماد في موطن آخر”. ويتذكر في استراحته السورية أيضاً “أيام (ه) السابقة في حلب وأدلب”، حيث القصف و”الجرحى والمقاتلين… النساء والأطفال…الجبال المحررة والمدن المحاصرة… لمشافي المستهدفة والطرق المقطوعة”. ثم “تلك السيدة الثلاثينية التي تشرف مع زوجها على مستشفى سراقب (…) ولم أعرف سرّ حزن عينيها الدفين إلا بعدما أخبرتنا أن أهلها جميعاً فُقِدوا” في مجازر حماة منذ ثلاثين عاماً. وها هو “الشاب السوري يتحدث عن القدس، ويسألني عن توقعاتي لعدد السنوات التي نحتاجها حتى تتحقق الوحدة بين سوريا ومصر”. إذَّاك “راودتني أحلامي القديمة: المعسكرات والأناشيد والاعتقال والخلافة والأمة” وآلة التسجيل التي قلبتُ فيها “شريط البواسل على وجهه الآخر”، فانداحت أنشودة أخرى: “مغيب الشمس يا أمي/ بجانب تلّنا الأخضر/ أنا واعدت أصحابي/ هناك الموعد الأكبر”.

هنا يتوقف الإسلامي المصري عن الكلام المباح، وينهي سيرته الإسلامية التي بدأت منذ ولادته العام 1987 في مدينة الزقازيق عاصمة محافظة الشرقية شرق الدلتا. بل إن إسلاميته استقبلته مذ صرخ صرخة الولادة. فهو سليل عائلتين تمتد جذورهما الإسلامية الإخوانية إلى جدّيه ووالده الإخواني قبل أن يصير ضابطاً في القوات المسلحة المصرية، ويبقى مقيماً على تديّنه وأخلاقه وثقافته الإسلامية التي نشَّأَ عليها ولده وسدّد خطاه على دروبها طفلاً، قبل انتقال الأسرة الى القاهرة وإقامتها في مدينة نصر وبعدهما، الى أن تخرَّج العام 2008 من كلية العلوم التابعة لجامعة القاهرة.

يستعيد أبو خليل في فصول كتابه القصيرة المتسلسلة في 212 صفحة، عوالم نشأته وتربيته وثقافته ونشاطه التربوي والدعوي في بيئات إسلامية عائلية وسكنية ومدرسية وجامعية في مصر التسعينات من القرن العشرين والعشرية الأولى من الألفية الثالثة، وصولاً إلى اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 المصرية التي شارك في فصولها الأولى، مشرَّباً بإرثه العائلي ونشأته وثقافته الإسلامية. لكن إسلاميته هذه ظلت على الدوام قلقة ومضطربة في اضطرامها وتطورها، من دون ثباتها على حالٍ واحدة في تنقيلِه انتمائه ونشاطه بين الأطر التربوية والدعوية والتثقيفية والخطابية المدرسية والجامعية، الإخوانية تارةً والسلفية طوراً، وفي جماعة “التبليغ والدعوة”، وصولاً إلى انضوائه في “معسكر جهادي” إخواني للرياضات القتالية في العريش، لكن من دون سلاح، بعد انهائه مرحلة التعليم الثانوي. ولم يكن ينقصُ التدريب في ذلك المعسكر الصحراوي “سوى ضرب النار، ليكون تدريباً جهادياً شاملاً”.  غير أن ذلك النقص لم يحرم “المجاهدين” من الشعور بأنهم يعيشون “ضرباً من الأحلام” في “عالم مثالي ومدينة فاضلة” مختبرين في أنفسهم وجوارحهم مشاعر وأحاسيس “الصحابة العائدين من غزوة أُحد، عندما نادى (عليهم) منادي الجهاد قبل أن ينتصروا: يا خيل الله اركبي وكانت غزوة حمراء الأسد”.

في العام 2008 أنهى أبو خليل تعليمه الجامعي برحلة “سياحية جهادية” في غزة عوّض فيها النقص في معسكر العريش: “في شوارع غزة كنا نمشي شاعرين بالأمان التام”، من دون أن تراودنا “فكرة أمن الدولة، هاجسَ كل الإسلاميين في مصر” التي كان قد زار عاصمتها “الشيخ نزار ريّان القيادي البارز في حركة حماس”، عقب “فوز” الإخوان المسلمين في الانتخابات التشريعية المصرية. هناك، في غزة زار “السائح الجهادي” المصري المسحور، الشيخَ ريانٍ – المقاتل الميداني (الذي) لا يشق له غبار، وقائد معركة جباليا إبان تحرير القطاع العام 2005 – في منزله المؤلف من “أربع طبقات وطبقة تحت الأرض فيها مكتبته العامرة، وهي من أكبر مكتبات غزة وأثراها، ومفتوحة للباحثين، ولها مولّد خاص للكهرباء”. وكان الشيخ “يعمل في مشروعه الضخم: شرح صحيح مسلم”. ولا يترك عمله هذا إلا للأكل مفترشاً الأرض، بعد انقضاء “الثلث الأول من الليل”. يفرغ من الطعام فـ”يصلي طويلاً”، كأتما إجهاشه بالبكاء، “حتى إذا انقضى ثلثٌ آخر من الليل، لبس لأمَتَه (لناسه العسكري) وخوذته وبدا متعملقاً، (قابضاً) على الكلاشينكوف” في خروجه إلى “الرِّباط حتى الفجر”.

في طبقات منزله الأربع كانت “تقيم زوجاته الأربع، وله من البنين ستة ومن البنات مثلهن، ومن الأحفاد عدد كبير. وقبل أعوام استشهد ابنه ابراهيم أحبُّ أبنائه إلى قلبه”. ولا يذكر “السائح الجهادي” المصري متى “تناهى إلى سمعه خبر استشهاد” مضيفه الشيخ الغزاوي الذي استشهد في حرب اسرائيل المدمرة على غزة العام 2009. لكنه يكتب أنه لم يبكِ يوماً كما بكى لدى سماعه خبر الشيخ، مضيفاً: “بدلاً من الأدوار الأربعة كانت هناك حفرة بعمق أربعة أدوار”، واستشهدت زوجاته الأربعة مع 12 من أبنائه وأحفاده.

واكتملت رحلة السائح الجهادي المصري في أرض “الرِّباط” الغزاوي بإطفائه ظمئه المديد إلى إطلاق النار، بعدما تنبّه رجل غزاوي إلى ذلك الظمأ في عينيه المحدقتين في الكلاشينكوف، فأعطاه الرجل البندقية الرشاشة التي “حملتها بين ذراعيَّ والموسيقى تشتغل في رأسي: بين ذراعنا الرشاش قد أرغى وأزبد/ لنمحو بؤس تاريخ تلفّع بالأسى الأسود”. وعندما “ضغطتُ على الزناد تخيلتُ كل الأعداء أمامي: عصابات اسرائيل واليهود وما استباحوا من أرضنا، جيوش أميركا وكتائب الروس وما سفكت من دمائنا، الصرب وما هتكوا من أعراضنا، الإنكليز والفرنسيين وما شوهوا من مجتمعاتنا، الأصنام التي  تُعبدُ من دون الله من عادات وتقاليد وأعراف ما أنزل الله بها من سلطان”. وعندما “أطلقتُ الرصاصة الثالثة أصابت الهدف، فطارت في الهواء علبةٌ” معدنية فارغة على الأرجح.

هذا غيض قليل من فيض هذه الإسلامية المصرية الجديرة بالقراءة والتحليل المعمق لأنها تروي رواية شديدة الإضطراب والقلق الإسلاميين المضطرمين في صدور فئات واسعة من جيل مصري شاب في العقدين المنصرمين، تأرجح في إسلاميته بين الإخوانية والسلفية وسواهما من ثقافات الإسلام النضالي والحركي والجهادي والتربوي والدعوي والخطابي. وهو جيل شاب عاش إسلاميته في العقدين هذين في حال من التيه الدائم على إيقاع الأناشيد والأهازيج والخطب والفتاوى والنشاط التربوي والتثقيفي والدعوي في مسارات حياته اليومية الواقعية المشتبكة اشتباكاً لا فكاك منه بالفضاءين التلفزيوني والالكتروني المعولمين. وهو أيضاً اشتباك يمزج الوقائع بالأحلام والمخيلة ويجتاح الجوارح والوجدان الفردي والجمعي الجريح، ويستدخل العالم والزمن الراهنين بإرث ماض سحيق القدم لا يزال حياً راعفاً، ولا يبدو اليوم أن هناك ما هو قادرٌ مثله على منح العالم معنىً ونصاباً ووجهة وسط الخراب والتيه والحروب والمقاتل في الدول والمجتمعات العربية الإسلامية.

شقاء أوروبا الوسطى

فبراير 21, 2016
محمد أبي سمرا
المدن 28-01-2016
اغوتا كريستوف تروي بلغتها المتقشفة، الكتومة والطبيعية، تعاسة بشر الحرب العالمية الثانية
قبل سنوات ترجم الشاعر الراحل بسام حجار روايتين للمجرية الطفولة والصبا، والمهاجرة إلى سويسرا في العشرين من عمرها، والفرنسية اللغة الكتابية، أغوتا كريستوف (1935-2011).
الروايتان هما “أمس” و”الكذبة الثالثة”. وهذه الأخيرة هي الجزء الثاني من ثلاثية كريستوف الروائية التي ترجم أحمد آيت حنا جزئيها: “الدفتر الكبير” (2015) و”البرهان” (2016)، بعد ترجمته سيرتها الصغيرة المقتضبة “الأمية”، وهي صدرت كلها عن “منشورات الجمل”.

عالم أغوتا كريستوف الروائي شديد الاقتضاب والتقشف والدقة. وهو غريب عن اللغة الفرنسية التي كتبت بها بعدما تعلمتها حرفاً حرفاً وكلمة كلمة، كما يتعلم الأطفال الكلام، لكن وهي في العشرين من عمرها، ووحيدة في الأمسييات، بعد عودتها من عملها المضني والمرهق في مصنع للساعات في مهجرها السويسري. جهلها التام باللغة الأدبية والثقافية الفرنسية وغربتها عنها هما ما منح كتابتها الروائية قوتها وحدّتها الاستثنائيتين في تلك اللغة التي أدرجت أعمالها في خانة الأدب الروائي الطليعي للمنشقين عن أنظمة السلطان التوتاليتاري الشيوعي السوفياتي في أوروبا الوسطى والشرقية، من أمثال الروماني إميل سيوران والتشيكيان إيفان كليما وميلان كونديرا وسواهم.

لكن أعمال كريستوف تتميز عن أعمال أمثالها من المنشقين المهاجرين بأنها كتبت في اسلوب متفرد في غربتة التامة عن المصادر الثقافية والنخبوية للأدب الأوروبي الحديث. ذلك أنها ولدت ككاتبة في لغة (الفرنسية) تعلمتها قراءة وكتابة كعاملة عاميّة مكتئبة، صامتة وخرساء وأمية، مما جعل كتابتها تجسيديّة وماديّة ومتقشفة في نقلها حياة البشر إلى اللغة على نحو يشبه نقل أشياء “الطبيعة الميتة” في الفن التشكيلي أو فن الأيقونة والتصوير الفوتوغرافي الفني بالابيض والأسود. وهذا ما جعل عالمها الروائي معتماً ورمادياً، قديماً وبلا ألوان. كأنما البشر في هذا العالم أقدم من اللغة، أو أن اللغة تلتحم بالعالم المادي وأشيائه التحاماً كاملاً لتقوله قولاً مادِّياً خالصاً، من دون مخيلة ولا تخييل، ولا ثقافة ولا محاكاة لمثال ولا إيحاءات ولا صرر، ولا إحالات إلى معان وقيم وأفكار خارجية.

لوكاس، الشخصية الرئيسة في “البرهان”، في الخامسة عشرة من عمره. يقيم وحيداً في منزل جدته الميتة منذ سنوات في بلدة حدودية صغيرة. في “الدفتر الكبير” كان في السابعة أثناء الحرب العالمية الثانية، فأتت به أمه مع أخته التوأم وأودعتهما في منزل جدتهما، أمها، وعهدت اليها إطعامهما من جوع، وغادرت. بعد مدة عادت الأم حاملة طفلة رضيعة أنجبتها. أمام منزل الجدة سقطت قذيفة، فمزقت جسديّ الأم ورضيعتها. بعدما كبر لوكاس أخرج الهيكلان العظميين لأمه والرضيعة من القبر، وعلّقهما فوق سريره في غرفته. في نهاية الحرب أتى والده إلى البلدة الحدودية، ومع أخيه التوأم حاول اجتياز الحدود، فقُتل الأب ونجا الأخ. حرّاس حملوا جثة الأب الممزقة ووضعوها أمام منزل الجدة. لوكاس أنكر معرفته بوالده، صاحب الجثة الممزقة. بعد أيام رأى صبية في الثامنة عشرة تحاول إغراق طفل رضيع في النهر خلف منزل الجدة، فأتى بهما الى المنزل. الصبية، ياسمين، تروي للوكاس: ليس لي والدان. توفيت أمي ساعة وضعي. حين عاد والدي من الحرب تزوج خالتي التي ربتني. لم يكن يحبها. لم يكن يحبُّ سواي. كنت أكبر. وظل أبي يداعب نهدي. ذات يوم أثناء رقادي أخذتُ يده ووضعتها بين فخذيّ. ذات مساء اضطجع فوقي. وضع عضوه بين فخذيّ. لسنوات مارسنا الحب بهذه الطريقة. كانت رغبتي به عظيمة جدا. وذات ليلة لم أستطع كبح جماح شهوتي ففتحت فخذي. كنت مشرعة تماماً ودخلني والدي، ومنه حملتْ وانجبتْ. تصمتُ ياسمين. تنظر إلى لوكاس. تُخرج نهدها من قميصها وتسأله: أتريد؟ أمسكها لوكاس من شعرها، وجرّها الى الغرفة، ثم القى بها على سرير الجدة، وواقعها وهو يعضُّ رقبتها.

هذا مثال نموذجي مكثّف وملخّص للأسلوب الذي كتبت به أغوتا كريستوف ثلاثيتها الروائية. وهو أسلوب يكتم الألم الذي تفصح عنه الروائية البيلاروسية سفيتلانا الكسيفيتش، حائزة نوبل للآداب للعام 2016. ففي روايتها “نهاية الإنسان الأحمر أو زمن الخيبة” تنقل الكسيفيتش شهادات لمئات الأشخاص يروون مقتطفات من سير حياتهم. أحدهم تقول: “الألم على الدوام موضوع أحاديثنا. إنه طريقنا الى المعرفة…نحن (من) خبرنا معسكرات الاعتقال، وغطّينا الأرض بجثثنا في أيام الحرب، جمعنا بأيدينا العارية الشظايا النووية من تشيرنوبيل. وها نحن الآن متحلقون على أنقاض الاشتراكية، نرطن بلغتنا الخاصة، لغة الألم”.

اغوتا كريستوف في ثلاثيتها الروائية تروي بلغتها المتقشفة، الكتومة والطبيعية، تعاسة وشقاء بشر الحرب العالمية الثانية وبعدها بسنوات قليلة. وذلك في بلدة مجرية ريفية ومدينة صغيرة مجاورة لها، حيث لم تُبقِ الحرب سوى بقايا بشر تعساء أشقياء، يأرقون ممزقين منقطعين ومشردين. حتى ليتساءل المرء كيف استطاعت بلدان أوروبا الوسطى والشرقية التي طحنتها الحروب النازية والستالينية من استعادة حياتها كمجتمعات من الصفر والرميم اللذين ترويهما كريستوف، حيث التعاسة والشقاء البدنيين والروحيين يعاشان كقدر توراتي غير قابل للتغير والزوال. تعاسة وشقاء طبيعيان بلا وعد ديني ولا دنيوي بخلاص لا يبدو أنه من طبيعة الحياة البشرية.

نهاية “جنون” أرمني وانتحار إسلاموي مقيم

فبراير 21, 2016

محمد أبي سمرا

المدن في 13-01-2016

الخروج المجنون بحسب عنوان الفيلم، هو ما يفضي بآرام وأمثاله من جيله إلى محو التنازع والترجّح

يروي فيلم “قصة مجنون” (يعرض حاليا في بيروت) لمخرجه روبير غيديغيان (62 عاماً)، سيرة القضية الأرمنية كما عاشتها أجيال ثلاثة من عائلة أرمنية فرنسية تقيم في مدينة مرسيليا الفرنسية المتوسطية:

– الجدّة الناجية في صباها من المجازر التي تعرّض لها الأرمن في الديار العثمانية في عشايا الحرب العالمية الأولى وغداتها وبعدها بقليل. والناجية هذه تحفظ ذاكرتها مشاهدَ المجازر والهجرات والشتات، ولا تكفُّ عن استعادتها، ولا عن الدعوة الى الثأر من الأتراك أينما كانوا. وهي في هذا تمثّل الخزان الصافي للذاكرة والإرث الأرمنيين الداميين الراعفين في مرسيليا،  حيث تكاد حياتها تقتصر على الدعوة الدائمة الى الثأر.

– ابنة الجدّة وزوج ابنتها الأرمنيان، اللذان يمثلان الجيل المولود من الهجرات والشتات ووارثهما الأول في المدينة الفرنسية المتوسطية، حيث تقيم جالية أرمنية واسعة انخرطت في الحياة الفرنسية وحازت الجنسية الفرنسية. لكن حياة هذا الجيل وذاكرته تظلان مقيمتين على التنازع والحيرة والترجّح بين الإقامة وتدبير المعاش وتحصيله والتوطن، وبين الهوية وتعريف الذات الملتبسة وطقوس الحياة اليومية وشعائرها الجمعية كجالية أرمنية متماسكة في مرسيليا.

– حفيد الجدّة وابن الزوجين الأرمنيين في مرسيليا. والحفيد -الإبن هذا يُفترض أنه يمثّل جيل التوطن ونهاية نقصانه واكتماله، لأنه وُلد فرنسياً ويحمل الجنسية الفرنسية.

لكن دحض هذه الفرضيّة هو المدار الأساسي لفيلم “قصة مجنون” الذي يبدأ الفصل الأول منه بتصوير مشاهد بالأسود والأبيض في ألمانيا بدايات النازية ما بين الحربين العالميتين. وذلك بقيام شاب أرمني باغتيال وزير الحربية العثماني السابق طلعت باشا في برلين، ومن ثم محاكمته (الشاب) وإخراجه من قاعة المحكمة الأرمنية الألمانية بطلاً أرمنيّاً ثأر لدماء قومه، ومحمولاً على الأكتاف والراحات الأرمنية، بصفته هذه. وهكذا سرعان ما يتحول هذا الشاب صورةً ومثالاً بطوليين في ذاكرة أهل الشتات الأرمني، لا سيما في مرسيليا حيث تقيم الأجيال الأرمنية الثلاثة التي يروي الفيلم مقتطفات من سيرتها المُشْرَعة على التنازع المتفاوت طوال خمسين سنة ومن جيل إلى جيل، بين الذاكرة والهوية والقضية الأرمنية وبين الإقامة والتوطن في فرنسا.

لا تتوقّف الجدّة عن الحض على الثأر على مثال الشاب الذي اغتال طلعت باشا، والمعلقة صورته (الشاب) في غرفتها، قبل انتقال الصورة الى غرفة حفيدها الذي لا تكفّ جدته، منذ طفولته، عن دعوته للقيام بتفجير سفينة في ميناء اسطنبول. أما الجيل الأرمني المولود من الهجرات وفي الشتات، ومثاله في الفيلم أم الحفيد ووالده، فتتوزّع حياته اليومية متنازعة بين العمل والإقامة وتحصيل المعاش والسعي إلى حياة عائلية متماسكة ومستقرة، وبين الانتماء الحميم والعضوي إلى شعائر وطقوس ولغة الجالية الأرمنية في مرسيليا. لكن التنازع والترجّح في حياة هذا الجيل يخلوان من أي نشاط سياسي أو حزبي أو أيديولوجي متصل بالقضية الأرمنية ومنظماتها السياسية والأمنية الشبابية التي نشطت حول العالم في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين. وذلك بين شبان وشابات من الجيل الأرمني الثالث الذي يمثله في الفيلم الحفيد، آرام، بانتمائه إلى منظمة سرية أرمنية، وتنفيذه عملية تفجير للسفارة التركية في باريس، مدفوعاً بتحريض جدته لأمه وذاكرتها الثأرية، متجاوزاً ترجّح جيل والديه وتنازعه بين قطب الذاكرة والهوية وقطب الإقامة والتوطن.

هذا التجاوز الأرمني، بل الخروج “المجنون” بحسب عنوان الفيلم، هو ما يفضي بآرام وأمثاله من جيله إلى محو التنازع والترجّح اللذين يعيشهما جيل آبائهم وأمهاتهم في مجتمعات الجالية الأرمنية. المحو هذا، المستجيب لدعوة الجدات والاجداد الثأرية عدميٌّ ومدمّر، لأنه يقوم على هجرة المجتمع والاجتماع هجرةً تامة وناجزة. ذلك بالإنتماء إلى منظمات عسكرية سرّية، قوام لُحمتها الداخلية شبه المافيوية ومنازعاتها الدموية في ما بينها، هو أيديولوجيا صوفية خلاصيّة مغلقة، تحترف العنف والقتل والتدمير الذاتي، خارج كل مجتمع واجتماع. أي في العراء والخواء اللذين يحوِّلان القضية وذاكرتها وآلامها معيناً لتهاويم ذاتيّة وشقاق متناسل لا يفضي سوى إلى الانتحار في لغة ووقائع ما تعيشه اليوم الجماعات المتقنِّعة بإسلاموية عدميّة إنتحارية مدمّرة للذات والمجتمع والاجتماع.

آرام وأمثاله من جيله الأرمني هجروا الجاليات الأرمنية ومجتمعاتها وذاكرتها ويلتحقون بمنظمة عسكرية سرية أرمنية في البقاع اللبناني بين سبعينات القرن العشرين وثمانيناته. وهذا بعد تحويل المنظمات العسكرية الفلسطينية والمخابرات السورية، لبنان، خزاناً لأمثال هذه المنظمات من شتّى أرجاء العالم، بإسم “القضية العربية الأولى” وبؤرتها الملبننة: لخطف الطائرات والحروب الأهلية أولاً. وثانياً لتوليد الاسلاموية الخمينية الانتحاريين الحسينيين الشيعة في بيروت مطلع الثمانينات. والوليد هذا الذي جرى في خضم الحروب الملبننة، هو الذي أفضى إلى إنشاء “حزب الله” وخوضه حروبه الخلاصية الدائمة، قبل ولادة صنوه “داعش” قي سياقات أخرى إسلاموية مختلفة ومعقدة، تمتدُّ من أفغانستان الى فلسطين، ومن الجزائر إلى شبه الجزيرة العربية، ومن الكارثتين البعثيتين الصدّامية والأسدية في العراق وسوريا، وصولاً الى الكارثة القذافيّة قي ليبيا.

لكن، أخيراً، شتّان بين قصة المجنون الأرمني آرام، وأمثاله من أبناء جيله الأرمن في البقاع اللبناني، وبين ما آل إليه توليد الانتحاريين الإسلامويين في المجتمعات العربية والإسلامية. فمجتمعات جاليات الشتات الأرمني استطاعت تجفيف منابع ذلك الجنون الانتحاري تجفيفاً تاماً، وذهبت بعيداً في الإقامة والتوطّن، وفي ترميم جراح الذاكرة والهوية والقضية. أما المجتمعات العربية والإسلامية فذهبت وتذهب بعيداً إلى هاوية إنتحارية بلا قرار.

القاهرة: سِحر الفوضى

فبراير 21, 2016
محمد أبي سمرا
المدن في 29-12-2015
القاهرة سحر الفوضى

في شوارع القاهرة، نادراً ما يلمح اللبناني نساء تمشين على الأرصفة متنقلات مزهوات بأناقتهن على طريقة نساء الطبقة الوسطى اللبنانية الواسعة التي تحرص نساؤها، بل تبالغن في أناقة الملبس وفي ارتياد مرابع السهر والترفيه على نحو استعراضي يلفت الأنظار، فيما تفقد الأماكن والخدمات العامة ومشاهد الحياة اليومية نضارتها الضرورية المكمِّلة لذلك الإصرار على الأناقة الاستعراضية الشخصية. وقد تكون هذه المفارقة أو الهوّة بين الخاص والعام من طبيعة الحياة اللبنانية وثقافة اللبنانيين وسلوكهم: إهمالهم الشؤون العامة وغياب الحسّ العام لديهم، ومبالغتهم في التميّز والتفرّد على الصعيد الشخصي والفردي. وينجم عن هذه المفارقة غياب التجانس في أنماط السلوك ومشاهد الحياة اليومية اللبنانية.

على خلاف ذلك تبدو الحياة اليومية ومشاهدها العامة في القاهرة: غياب مظاهر التأنّق والاستعراض النسائيين وغير النسائيين في الشوارع، وحضور التجانس حضوراً بارزاً وقوياً في مشاهد الحياة اليومية. وهذا الى حد أن اللبناني العابر في شوراع القاهرة ينسى تماماً حضور النساء فيها، كأن المدينة الهائلة في زحامها المليوني تخلو منهن خلواً تاماً، إلا في ما ندر.

لكن شوارع القاهرة – يقول لبناني مقيم في العاصمة المصرية منذ 15 سنة – ليست للعرض والاستعراض والتأنّق إلا في دوائر ضيقة وخاصة ومقفلة، وتكاد تكون غير مرئية. في هذه الدوائر تُستعمل السيارات الخاصة لتلافي السير على رصيف شارع (إذا وُجد أصلاً) أكثر من خطوات قليلة بين باب السيارة والأماكن التي يرتادها المقيمون في دوائرهم السكنية المغلقة، كالمقاهي والمطاعم المحدثة والمولات والنوادي، حيث يعيش أبناء هذه الطبقات والفئات حياتهم وأوقاتهم وجلّ أعمارهم في معازل أحيائهم الراقية الخاصة، فلا يخالطون دبيب الخلق المليوني وسعيه الدهري المتدفق متجانساً بفوضى زحامه الزاحف في أوقات من النهار والليل.

في هذا الدبيب المليوني الفوضوي المتجانس في الشوارع، يكمن سحر القاهرة ومصر، والذي لا مثيل له في مدن عربية أخرى. وهو يختلف عن سحر التجانس العقلاني المتجدّد والمنظّم تنظيما دقيقاً وحديثاً في العمران والحياة اليومية وأنماط السلوك وقوة الخدمات العامة وإدارتها في المدن الأوروبية، فيما لا أثر لمثل هذين التنظيم والانتظام في القاهرة المتروكة للاهمال والفوضى الدهريين.

أما بيروت ولبنان – بملايينهما الأربعة أو الخمسة، بسحرهما الذاوي والآفل، وبإصرار فئاتهما الوسطى على الأناقة الاستعراضية الخاصة والباهظة الكلفة المادية والمعنوية، مع انهيار  الخدمات العامة وفوضى الحياة اليومية وطغيان الزمن الجماهيري – فيشبه العيشُ فيهما العيشَ في قرية هادئة مقارنة بما هي عليه الحال في القاهرة.

لسحر التجانس القاهري المصري، لدبيبه المليوني المتجانس، صورٌ ومشاهد كثيرة.
منها مشهد الألبسة والأحذية الجاهزة المعروضة كالجراد نماذجها المتشابهة في أشكالها وألوانها وقماشها، خلف زجاج واجهات متاجر وسط القاهرة. من النموذج أو الموديل الواحد تصطف متلاصقة في الواجهة الواحدة عشرات النسخ المكررة والموحدة في اللون والشكل. على المنوال نفسه تُعرض النماذج والموديلات في عشرات، بل مئات واجهات المتاجر المتلاصقة. وعلى الأرصفة يحتشد ويزحف الخلق في انفجار بشري فوضوي هائل، يستحيل فيه تمييز شكل أو وجه أو حركة أو صوت يمكن أن تشي بملمح فردي شخصي خاص، أو بإشارة ما تكسر قوة التجانس المرهق للحواس.

يعتمد مصممو واجهات المتاجر القاهرية على قوة الكثرة والحشد والتكرار في عرض نماذج الألبسة والأحذية وسواها من السلع. كأنهم استمدوا أسلوبهم هذا في العرض، من دبيب الحشد الهائل المتجانس على الأرصفة لجذب أنظار الزبائن الذين يبدو أن الكثرة والاحتشاد والتكرار هو ما يجذبهم في واجهات المتاجر، وليس الفرادة والتميّز والاختلاف الغائبة عن أساليب الغرض غيابها عن الحشد البشري نفسه.

قد يكون لقوة التجانس وسحره في مصر تاريخ دهري مديد وثقيل صنعته الجغرافيا الطبيعية: انبساط الصحراء الأفقي ومجرى النيل في الصحراء. وصنعه في الأزمنة الحديثة صوت كل من جمال عبد الناصر وكوكب الشرق مع نجوم السينما والغناء والموسيقى والتجويد القراني، الذين أخرجوا مصر من انكفائها داخل حدودها الجغرافية. وهذا ما أكسبها طاقةً جديدة على التجانس الداخلي والثقيل ومركزيةً جعلتاها مركزاً إقليميا عربيا جاذبا. لكن العروبة الناصرية طردت من مصر كل الجاليات الاجنبية المتوطِّنة فيها، وأخمدت كل الأصوات التي رأت أنها تعوِّق التجانس الجماهيري الكاسح، وتقف في وجه تمهيدها المجتمع وجعله منبسطاً كالصحراء ومجرى النيل.

لقد ذوب صوت المارد العربي في رنين سحره الجماهيرَ وصهرها في أتون دولة المخابرات الرمادية خلف سحر صوته وإطلالاته الخطابية الساحرة المسكرة. لكن ما أن غاب ذلك المارد وصوتُه حتى هبّت جماهيره المتجانسة السكرى باحلامه وكلماته، والمُرَوَّضَة المكتومة في دولة مخابراته، فخرجت مذهولةً يتيمة الى الشوارع، وفي حال من الضياع والتيه وسط صحراء الهزائم والفقر والجوع والانفجار الديموغرافي العشوائي المهول.

من الذوبان في سحر صوت نبي العروبة وأحلامه المهزومة، انتقلت الجماهير المصرية الى الذوبان في إسلام شعبوي شبه أمي، استعمله “الاخوان المسلمون” الذين استعملهم من سمّى نفسه “الرئيس المؤمن” مطيّة لشرعية انقلابه على سياسات من ورث عنه الرئاسة والملك.

بعد ثورة 25 يناير 2011، وخروج مصر على دولة التوريث وعصابات النهب الاقتصادي المباركيّة، ونفورها من إسلام “الإخوان المسلمين”، ها هي مصر اليوم تقف منهكةً في تجانسها الدهري الخاوي المرير، حائرةً وخائفة وضائعة بين إسلامها الشعبي الأمّي وجيش تحوّل شركة استثمارية وتجارية وعقارية خاصة تستثمر حتى في قطاع إحياء حفلات الأعراس.

الخلاص الصوفي: بشير الجميل وميشال عون

ديسمبر 25, 2015
محمد أبي سمرا
المدن في 22-12-2015
الشاعر والمسرحي فادي أبو خليل صورة من أرشيف الشاعر خالد المعالي
(إلى فادي أبوخليل)

يبدو لي أن أجواء الفيلم اللبناني “كتير كبير” لميرجان بو شعيا، وشخصياته ولغتها، مستمدّة من مجتمع شباب “القوات اللبنانية” في ضواحي بيروت الشرقية في ثمانينات القرن الماضي. وتحديداً ممّا آلت اليه الحرب و”القوات” بعد اغتيال مؤسّسها وقائدها ومثالها ونجمها الشاب بشير الجميل. آنذاك كان بوشعيا (ولد في منتصف الثمانيات) لا يزال طفلاً بعدُ. والأرجح أنه مِن صور طفولته في تلك الحقبة إستعاد مادة فيلمه في محاكاة بارودية وفانتازية، ليختتم المشهد الأخير من الفيلم بمحاكاة الأحوال اللبنانية الراهنة.

ما أوحى لي بأن فيلم “كتير كبير” يحاكي تلك الحقبة وصورها، هو الصداقة التي جمعتني بالشاعر والممثل اللبناني فادي أبو خليل عندما كان شاباً حمله قلقُه وعزلتُه وغربتُه في الأشرفية و”بيروت الشرقية” ما بعد حرب السنتين (1975-1976) على الانسلال اليومي إلى بيروت الغربية منجذباً إلى طلب نمطٍ من الحياة اليومية المدينية الحرة والمنفلتة والفوضوية والممتلئة في شارع الحمراء ومقاهيها ومكاتب صحفها. والحق أنه أخذ يهرب من الأشرفية وهامشيته وعزلته فيها ليطارد صوراً لبيروت الستينات والنصف الاول من السبعينات، من دون أن يعرفها ويعيشها إلا في مخيلته وتهاويمه الفنية المفارقة، وحالماً بأن يستيعدها ويعيشها ويكتب الشعر ويشارك في أعمال مسرحية وسينمائية. هذا بعدما صوَّرت له مخيلته وصوّر له مزاجه أن الحياة في الأشرفية وبيروت الشرقية على حال من الفراغ والخواء الممتلئين بالانتظام او الانضباط الاجتماعي النمطي غير القابل للاحتمال لأمثاله الهامشيين والمتمردين تمرداً فنياً وشخصياً على مجتمع الحرب الذي صنعته “القوات اللبنانية” في البيئة المسيحية.

المخرج ميرجان بو شعيا

وممّا رواه لي فادي أبو خليل، الهارب حياتياً وثقافياً الى بيروت شارع الحمراء، تزودتُ بصور عن نماذج من شخصيات مجتمع الحرب في البيئة المسيحية إبان حرب السنتين وما بعدها. وكان الشاعر شارل شهوان قد صوَّرَ بدوره وجوهاً من حياة شبّان مجتمع حرب السنتين المسيحي في كتابه القصصي الاستثنائي “حرب شوارع”. هذا فيما كان الشاعر أنطوان أبو زيد يكتب وينشر قصائد عزلاته الروحية والمادية في ذلك المجتمع، وكذلك نصوصه النثرية عن تلك العزلة في “حي الغيلان” شبه الزراعي على أطراف الدكوانة والنبعة. قبل أن يسجّل في كتابه “المشّاء” لهاثه اليومي في خواء إجتماعي بين الجبل والساحل. أما الشاعر الكبير وديع سعادة فكان في تلك الحقبة نفسها يكتب سيرته شعراً جديداً باهراً يقترب من ملحمية مأساوية يائسة تعود بداياتها إلى الحرب العالمية الأولى، راوياً سيرة عظام الموتى والذين طحنوا العظام ليدفعوا عنهم الموت جوعاً.

طوال وقت مشاهدتي “فيلم كتير كبير” لم يغب عن مخيلتي طيف فادي أبو خليل وسيرته التي انتهت باختفائه أو بعودته إلى أهله في ذلك الخواء قبل سنوات كثيرة. وكثيراً ما فكرتُ أن فيلم بو شعيا طالع من مخيلة أبو خليل الشخصية والسينمائية. كما أنه يتقاطع مع بعض ما روته انديرا مطر في نص كتبته أخيراً في العدد ما قبل الأخير من “ملحق النهار” عنوانه “النبعة: الشوارع للشهداء والسطوح للأعراس”، مستعيدة شذرات من سيرة مجتمع التهجير والحرب المسيحي في النبعة. وذلك بعد اغتيال بشير الجميل الذي عاش المجتمع المسيحي اللبناني، صعود نجمه الحربي والسياسي الصاعق ووصوله إلى رئاسة الجمهورية، كحلم صوفي للخلاص. لكنّ اغتياله بعد أقل من شهر على انتخابه رئيساً، سرعان ما حوَّلَ ذلك الحلم صدمةً هستيريةً صاعقة، تحولت بدورها شعوراً مديداً باليتم السياسي والزعامي. وهو اليتم الذي استغلّه الجنرال ميشال عون وجعله بحروبه الخلاصية العشوائية المدمرة، وسيلةً للوصول إلى رئاسة الجمهورية. وكان إن انجلت حروبه تلك عن تدمير حافظ الأسد القصرَ الجمهوري اللبناني وفرار الجنرال منه إلى فرنسا، تاركاً لبنان والمجتمع المسيحي والقوات اللبنانية في حال من اليتم والتصدّع والضياع والسواد الكبير، ولقمة سائغة ابتلعها دكتاتور دمشق.

لكنَّ هذا كله لم يخمد الطموح الشخصي العاري، الوقح والهستيري، لجنرال الحروب الخاسرة إلى رئاسة الجمهورية، بعد غيابه 15 سنة عن لبنان الذي أعادته اليه “ثورة الأرز” فانقلب عليها محوِّلاً نسله السياسي وجمهوره المسيحي الوصولي مطيّةً لحزب الحروب الداخلية والإقليمية الدائمة في لبنان وعلى لبنان، علّ هذا يوصل الجنرال العجوز المتصابي إلى قصر بعبدا الرئاسي، ليورّثه على المثال الأسدي لولده المستعار بالمصاهرة.

كل هذه المقدّمات والاستطرادات للقول ان فيلم “كتير كبير” يصوّر وجهاً من مجتمع الحرب ونماذج من شخصياته ومآلاتها في البيئة المسيحية اللبنانية. وهو مجتمع أُرغِم على دخول الحرب مدفوعاً بطهرانية عبادته وطن الأرز اللبناني عبادةً صوفية خلاصية. وفي هذا النوع من الحروب تختلط الطهرانية والصوفية الخلاصية بالعنف والدم والقتل والتدمير والحرب والتهجير والهجرة والانهيار الاجتماعي والاخلاقي، وصولاً إلى انهيار حلم الخلاص بعد اغتيال بطله ونجمه الساحر بشير الجميّل. إذاك لم يبقَ من الحلم سوى العنف شهوة الوصول العنيفة إلى السلطة مختلطة بالإغتيالات والمكائد والإغتصابات والمخدرات والصفقات، على المثال الذي جسّده ايلي حبيقة ونقيضه التائب توبة أخلاقية أسعد الشفتري. وفي خضم ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته عاش المجتمع المسيحي إحباطات أحلامه الصوفية متنازعاً بين هذين النموذجين النقيضين اللذين كانا يجتمعان في شخصية بشير الجميّل المتمرّد على بيئة التسويات العائلية والأهلية التي نشأ عليها لبنان السياسي حتى عشايا الحروب الأهلية الملبننة.

واذا كان قائد “القوات اللبنانية” الأخير سمير جعجع قد أُدخِل السجن في مطالع التسعينات فإن القوات عاشت بعده مآسي تمزقها متنازَعة بين نماذج شتّى. كثيرون اختاروا الفرار والهجرة، وسواهم اختاروا الرهبنة طريقاً الى الغفران والخلاص. فادي أبو خليل وسواه من أمثاله الكتّاب والشعراء ومجموعة نادي انطلياس الثقافية وبقايا “حركة الوعي” الطالبية الجامعية اختاروا الكتابة والشعر والصداقة سبيلاً إلى العيش على هوامش مجتمع الحرب وخياراته المأساوية المريرة التي دفعت البعض إلى الجريمة والمخدرات فيما استأنف كثيرون النضال السلمي ضد احتلال جيش حافظ الأسد ووارثه لبنان.

أمّا الجنرال ميشال عون فاختار المزج الرقيع بين سوقية ايلي حبيقة ووصوليته وبين صوفية بشير الجميل الخلاصية، لإنشاء سلالة سياسية وصولية علّها تمكّنه من الفوز بقصر بعبدا الرئاسي. هذا فيما كان “حزب الله” طوال ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته وحتى الساعة يصنع للطائفة الشيعية في خضمّ مجتمع الحروب والتهجير والقتل مثالاً جديداً هو مثال مجتمع الشهداء الحسيني الكربلائي والعاشورائي للخلاص الصّوفي الاستشهادي.

دائما تنطوي طهرانية الخلاص الصوفي على عنف تطهيري وسوقيّة مبتذلة. وفيلم بو شعيا يصور العنف والسوقية بعد زوال حلم الخلاص الطهراني.

– See more at: http://www.almodon.com/culture/f1d64839-ea27-4fe9-89a0-2c7c7e304f05#sthash.K7afINa2.dpuf

نساء بلا أثر – مقطع من رواية

ديسمبر 25, 2015

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 19-12-2015

لوحة لريم الجندي

في طريق مهجورةٍ أسير نحو مبنى قد يكون لمطار. امرأة أعرفها وتعرفني، لكنني لست متأكدة من وجودها الى جانبي، ولا من حملِ كلٍّ منا حقيبة سفر يتعبني ثقلها. كأنما في مكاني أمشي على قلق من تأخرنا عن موعد إقلاع طائرتنا الغامض. أشعر بوجود المرأة خلفي، بعيدةً، فيما أتسلق بصعوبة وخوفٍ سلّماً عمودياً ثابتاً ينتهي أعلاه بما قد يكون مدرّج ملعبٍ رياضيّ غير مرئي. يؤرّقني استبطاني فكرة أنّ المرأة في رعايتي، ومنظِّمةَ رحلتي ودليلي في مدينة تواطأنا، بلا كلام، على أن نعود اليها. فكرة العودة هي الحقيقة الأقوى حضوراً في هذه الرحلة الغامضة، لكنّ الأقوى منها هو يقيني بأنني ما من مرة عدتُ ولن أعود الى مكان غادرته، ولم تراودني قطُّ رغبةٌ في استعادة زمن أو وقت مضى وانطوى وصار ورائي. وها أنا، قبل إدراكي نهاية السلّم، أكاد أهوي، فأستيقظُ من نومي ومنامي في سريري.

خلف ستارة النافذة في غرفة نومي، شمسيٌّ طازج ضوء النهار، دافئ ولا حرارة فيه، كخفّة الراحة والوئام في حواسي وجسمي الممدّد على السرير. تؤنسني فكرة وجود امرأة في بيتي، ولا يقلقني غموض وجودها، ولا إن كانت غادرتْه أم لا تزال هنا، نائمةً أو صاحية. فكرةُ أنها كانت هنا ورحلتْ من دون أن تعلمني، تؤنسني أيضاً، ولا تثير أسفي. لا، لستُ ممن يحبُّ الأشخاصَ في حضورهم، كما في غيابهم. فما أحبّه في مَن يدخلون هم الى حياتي، وفي مَن أُدخِلهم أنا اليها، هو مقدرتي ومقدرتهم على التخلي، بلا جهد ولا ألم.
لكنني ها أنا أنهضُ من سريري بإرادة غريبة عن نهوضي المعتاد. الضوء النهاري في الغرفة خافتٌ، والى الجهة الأمامية العارية من جسمي، يصل مشرّباً برقّة قماش الستارة الشفاف المتهدِّل في انسداله أمام النافذة. تلك الإرادة تنبّهني الى أنّ جسمي ممتلئ بحضوري الذي تفيض منه أصداء رغبة في أن يستقبله أحدٌ ما. وهذه أيضا حال الوقت والبيت والأشياء حولي. برخاء حركةٍ لاإرادية من يدي، ألمُّ طرفَي الروب المدعوك، أضمُّ قماشةً على وسطي، متسائلة كيف استطعتُ النوم فيه! أخرج من غرفة نومي الى المطبخ، فأتناول من البرّاد زجاجة ماء أعبُّ منها جرعات طويلة. من مدخل جانبيّ بلا باب بين المطبخ وغرفة مرسمي الصغيرة في أقصى البيت، ألمحُ المرأة، سارة، نائمة على ذاك المقعد القديم الذي يتحول سريراً صغيراً، لا أتذكر أنّ أحداً نام عليه من سنين كثيرة. أدخل الى المرسم، أقف الى جانب سارة: جسمها مغطّىً كلّه بلحاف خفيف، إلّا رأسها الغارق في وسادة رخوة من تلك الكثيرة المتروكة مبعثرةً على الكنبة الكبيرة في الصالون. لا أكاد أسمع تنفُّسَها البطيء، قبل أن أخرج متجهةً الى الصالون، عابرةً الممرّ الضيق الذي يتوسط بيتي، لكنني أعرّج الى الحمّام في نهاية الممر، فأفرِغُ مثانتي، أتحسس ذلك الألم الخفيف اللذيذ، جرّاء انهمار البول، ويعقبه رخاءٌ ممتع بعد انتهاء انهماره.
على الكنبة الكبيرة في الصالون أتمدَّد، أرفع رجلَيَّ، أمدُّهما، وأُريح قدمَيَّ على ظهر الكنبة. من ستارة النافذة الكبيرة يصلني الضوء النهاري أقوى قليلاً مما في غرفة النوم، فأتحسّس دفأه الخفيف يتسلّل ناعساً الى جلد ساقيَّ الممتدّتين خارج فتحة الروب الأمامية. أحدّق في الضوء الخافت على جلدهما، فتبدوان لي طويلتين في استرخائهما. هل هما طويلتان حقاً ودائماً؟ أم أنهما تتراءيان لي هكذا الآن، استجابةً مني لتلك الفكرة الفانتاسمية القديمة التي قرأتُها في كتاب نسيتُ اسمه كما نسيتُ اسم مؤلفه الذي ذكر أن طول ساقَي المرأة وفخذَيها كان يضفي عليها سحراً يجعلها صعبة المنال؟ أنا نفسي أعلم يقيناً أنني لستُ ولم أكن صعبة المنال. لكن هل كان الآخرون ولا يزالون يرونني كذلك؟ في بعض من دوائر فناني بيروت وكتّابها وصحافييها، شاع أنني فاسقة، وأَستسهلُ ما أريد وأرغب، على ما قال الشاعر المتهكم ساخراً من انحطاطهم، ومن الصورة التي أشاعوها عني. لم أكن أعبأ بتلك الصورة، ولا سعيتُ في تغييرها أو تغيير سلوكي. ومذ رحلتُ عن بيروت لم أشعر قطُّ بأن أحداً يتذكرني، بل صرت منسيّةً تماماً كأني لم أكن.
الفكرة الفانتاسمية عن طول ساقيَّ المسترخيتَين على الكنبة تشعرني برغبة في أن تمرّر يدان غير يديَّ على جلدهما ملامساتٍ بطيئة مسكونةٍ بأصداء دعة الستارة الشفيفة المنسدلة أمام النافذة، قربي. قبل أن تلوح مني التفاتة الى أرض الصالون، وأرى ثيابي وثياب سارة مبعثرة مهملة على أرضه، أدرك أن رغبتي هذه والفكرة الفانتاسمية مصدرهما مخيلتي البصرية. كأنما لعينَين خفيتَين أو لعدسة كاميرا غير مرئية، تمدّدت على الكنبة مسترخية مستسلمة لمتعة أن يلامس الضوء النهاري جلدي.
من طيف مشهدي هذا، ينبجس مشهدٌ للمرأة التي كانت تجلس عاريةً ليتدرب على رسمها طلاب الرسم الشبان في معهد الفنون في بيروت، من دون طالباته. آنذاك – أتذكرُ كأنني أروي لشخص يجلس قربي – كنتُ قد علمتُ أن استثناء الطالبات من هذه الدروس التدريبية، حدث استجابةً لعرف محافظ مستجد فُرِضَ في المعهد فرضاً، وجرى تبريره وتقنيعه بمقولة أكاديمية وفنية: في تاريخ الفن التشكيلي كان العري، عري أجسام النساء في فن الرسم، شاغل الرسّامين الرجال، وصنيع شبقهم الفاسق ومخيلاتهم الماجنة. فكيف يُعقل، إذاً، أن تتدرب طالبات الرسم في معهد للفنون على رسم نساء عاريات، وما الفائدة من تدرُّبهنّ هذا؟ ثم ما الذي يحدث في قاعة المعهد التي يتدرب فيها معاً طلاّبه وطالباته على رسم امرأة تجلس لهم ولهنّ عاريةً، وتعرض عوراتها ومفاتنها لأبصار الشبّان الشبقة المفترسة، ولأبصار الفتيات المنكسرة الذليلة؟ أليست هذه حفلة مجون جماعي في وضح النهار؟، قال مرةً مدير المعهد.
لكن بعد مضيّ سنتين على تدريسي في المعهد، استُلحق إقصاء الطالبات عن حضور ساعات التدريب على رسوم العري، باتفاق إدارته مع المتنفذين من طلبته المتديّنين تديّناً جديداً، على أمرٍ أثار استهجاني وسخريتي: يجب أن تغطّي المرأة – الموديل جسمها العاري بنقابٍ أسود شفاف ينسدل فضفاضاً من رأسها حتى قدميها، أثناء جلوسها على كرسي صغير واطئ، ليرسمها الطلبة المتدرّبون المنتشرون أمام لوحاتهم في القاعة الواسعة.
بعد مدة قصيرة من انتظام الدروس على هذه الحال، تبيّن أن الطلبة المتديّنين يرسمون امرأة واقفة ترتدي التشادور الذي لا يسفر من جسم المرأة إلا عن كفّيها ووجهها المستدير، منتفخ الخدين بلونهما العاجي المحنّط. أما الطلبة الشيوعيون فرسموا المرأة – الموديل كما هي في جلستها تحت النقاب الأسود الشفاف. لكن أحدهم رسم نقابها بلون زهريّ مائيّ يشفُّ بوضوح عن عانتها، ووضع في فمها موزةً صفراء تخرجُ من ثقب في النقاب الزهري. نهار اكتمال اللوحة، وبعد قهقهات صاخبة أطلقها رفاقه الشيوعيون، نشب بينهم وبين المتديّنين عراكٌ انسللتُ في بدايته هاربة من القاعة، ثم غادرت المعهد.
في النهار التالي روى لي طالب شيوعي ما حدث بعد هروبي: استمر العراك في القاعة أكثر من ربع الساعة، وأدى الى تمزيق رسوم المتدربين كلها، قبل تحطيم المشاجب الخشبية التي تُثبَّتُ عليها، فاستعمل المتعاركون خشبها عصيّاً في تضاربهم الذي انتهى بفرار الشيوعيين من القاعة في الطبقة الثالثة الى الكافيتيريا تحت الأرض، تتبعهم صرخات المتدينين. أما المرأة – الموديل، فركضتْ عاريةً هلعة لترتدي ثيابها، حيث تعوَّدت أن تخلعها عنها وتتركها في حمّام جانبي قرب القاعة. لكن طالباً متديّناً تشبَّث بشعرها على مدخل الحمّام، وأخذ يجرُّها على الأرض وسط تدافع رفاقه وتسابقهم لركلها بأقدامهم. أخيراً سحبها المتشبّث بشعرها الى داخل الحمّام، وأغلق بابه عليها، فلم يُخرجها منه سوى مدير المعهد بعد وصول خبر العراك اليه، وحضوره الى القاعة مع جمع من الأساتذة والموظفين الإداريين، فأيقظوها من إغمائها وساعدوها في ارتداء ثيابها، ثم أوصلها أحد المدرّسين الشيوعيين في سيارته الى بيتها.
لم تنتهِ الحادثة عند هذا الحد. فبعد أيام قليلة اختُطف الطالب الذي قال الطلبة المتدينون في المعهد إنه أهان فاطمة الزهراء. وبعد أسبوع على اختطاف الطالب الشيوعي، عُثر عليه ليلاً مرمياً على شاطئ رملي مهجور في بيروت. كان عارياً تماماً، وحليق شعر الرأس تماماً، وكذلك شعر العانة، وعلى فروة رأسه الدامية محفورة آيات قرآنية: قل أعوذ بربّ الفلق. من شرّ ما خلق. تبَّت يدا أبي لهبٍ وتب. سيصلى ناراً ذات لهب. صدق الله العظيم.

لم أنتبه الى أن يد سارة تلامس إحدى ساقَيَّ بحركة ناعمة متباطئة، فيما هي تستمع اليَّ في شرود، إلّا بعدما أبعدتْ يدَها من ساقي، وأرجعت الى الخلف جذعها في جلوسها قربي جانبياً على حافة الكنبة. قالت إن شيوعيين يكبرونها سنّاً في قرية أهل والدها جنوب لبنان رووا لها حوادث تشبه ما أرويه، ولا تصدّق أنني أحفظ آيات من القرآن نقلاً عن شخص سمع غيره يقولها في شجار حصل قبل ثلاثين سنة في بيروت. في نبرة متعجّبة مستنكرة تسألني: كيف ومن أين لكِ أن تحفظيها وتتذكريها وتلفظي كلماتها وحروفها بكل الدقة والوضوح هذين؟ كأنّكِ لستِ أرمنية غريبة عن لغة الضّاد والقرآن!
أُخبرُها بأنني شغِفْتُ بأصوات مشايخ التجويد القرآني وأدائهم، وأسمّي لها عبد الباسط عبد الصمد، محمد صديق المنشاوي، مصطفى إسماعيل، أبو العنين شعيشع، ومحمد رفعت، ثم أسألها: أتعرفينهم، هل استمعتِ اليهم؟ وأروي لها أنني طوال أكثر من سنة سبقتْ رحيلي عن بيروت، داومتُ، مع صديقتي عذراء الشهداء، على السهر في بيوت أصدقاء لها كانوا ينتشون طرباً ووجداً في سهراتهم بأصوات مشايخ التجويد هؤلاء، فانتقلتْ اليَّ عدوى طريقة استماعهم وشغفهم بتلك الأصوات. كما أنني حملتُ في حقيبة سفري من بيروت الكثير من تسجيلاتهم، وظللتُ لسنتين أو ثلاث أدعو أصدقاء لي من جنسيات مختلفة، لنستمع اليهم في سهرات متباعدة، هنا في بيتي. لا، لا أصدق – تصرخ سارة، متفاجئة، ثم ترشقني قائلةً بنبرة شاتمة ضاحكة: كافرة، أرمنية كافرة، فإلى جهنم وبئس المصير. كم زجاجة من الويسكي كنتم تشربون في تلك السهرات الماجنة، مستمتعين بدوني بتلك الأصوات الإلهية الرخيمة تتلو آيات التهديد والوعيد بالويل والثبور؛ أيها الكافرون؟!
تقوم عن الكنبة بحركة سريعة ساخطة، فألمح على وجهها المبتسم أصداء حركتها المسرحية المرحة، وأنتبه الى أنها ترتدي ثوباً أسود بلا أكمام ينسدل فضفاضاً طويلاً، كقماش الستائر، على جسمها الممتلئ. من أين أتتْ بهذا الفستان؟ – أفكر – وأتذكر أنني منذ زمن بعيد تركتُه مع تسجيلات مشايخ التجويد في خزانة صغيرة في مرسمي، أضع فيها ثياباً وأشياء لم أعد أستعملها ونسيت وجودها وخرجتْ من حياتي: كالرسّام القبطي الذي هاجر أهله قديما من مصر، وتعرّفت اليه في باريس، بعد مدة من رحيلي عن لوس أنجلس، وإقامتي في بيتي هذا، فأهدى إليَّ هذا الثوب. كان يحب، كلما أمضى ليلةً عندي، أن أرتديه له، بعد مغادرة الساهرين. لكنه أخذ يرجوني كي أرتديه في حضورهم، فاستقبلتُهم به مرة، وانتهتْ سهرتنا تلك بأن تجامعنا امرأتين وثلاثة رجال، هنا في الصالون، حيث أنظرُ الى سارة ترقص الآن على أداء عبد الباسط عبد الصمد يتلو من اللابتوب الذي شغّلتْهُ على طاولة السفرة، آية: مرج البحرين يلتقيان، فبأي آلاء وبكما تكذّبان.
ما من مرة سمعتُ عبد الباسط ينشد هذه الآية، إلّا تخيلت نوراً قمرياً ينبثق من صوته كزبد موج هادئ بطيء يغمر قدميَّ دافئاً خفيفاً متلاشياً على شاطئ رملي في طرف صحراء مقفرة تتراءى لي من عبارة آلاء ربكما تكذبان. لا أفقه من معنى هذه العبارة سوى معنيي كلمتي ربكما وتكذبان، لكن مجرّدين منفصلين عن دلالتيهما اللتين أجهلهما في سياق العبارة التي ترد فيها الكلمتان. أنظر الى سارة تؤدي بجسمها ويديها حركات راقصة على أداء الآيات المتلاحقة: كلُّ من عليها فانٍ، ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام، فبأي آلاء ربكما تكذبان. يذكّرني رقصها بمشهد المرأة الارجنتينية التي ما من أحد سواها بادر الى الرقص ودعاني اليه في سهرات استماعنا الى منشدي القرآن، هنا في صالون بيتي. استجبتُ لها ورقصت معها مرتديةً الثوب الذي ترتديه سارة الآن. كنا ثملين تقريباً، والسهرة قد شارفت نهايتها حين بدأت الأرجنتينية ترقص، فتجدّدت سهرتنا، ورقصنا جميعاً، نحن المرأتين والرجال الثلاثة، كل على هواه، لكن في حركات بسيطة تجاري أداء صوت المنشد من آلة التسجيل، فظلّ صوته يتردّد في سمعي طوال وقت جماعنا على الكنبة والسجادة الصغيرة على أرض الصالون.
في سهرات بيروت، وهنا في فرساي، ما مرة فكّر أحد في معنى أي كلمة وعبارة يؤديها مشايخ التلاوات القرآنية. فما من مرة سأل أحدٌ أحداً من الساهرين والساهرات عن معنىً أو تفسير أو دلالة لهذه الكلمة أو تلك، ولا لأي من العبارات. هنا في فرساي، غالباً ما كنتُ أبادر الى إسماع مدعويَّ تلاوات المنشدين في الفصل الأخير من سهراتنا، بعد استماعنا الى أنواع من موسيقى الشعوب وأغانيها. بعضهم كان يستغرب أداء المنشدين المنفرد، ويدهشه تنوع طبقات الصوت وتجانسها، من دون أن يعلم ما يعلمه آخرون من أن ما نستمع اليه هو كلام الله في قرآن المسلمين. لكن من تكرّرت دعوتي إياهم، أخذوا يلحّون في طلب هذا المنشد أو ذاك من الذين استمعوا إليهم في سهرات سابقة. أما الأرجنتينية فكانت مدعوّتي للمرة الاولى حين بادرت الى الرقص، وقالت إنها للمرة الأولى تستمع الى ذلك النوع من الغناء. وحين غادرت بيتي في آخر الليل أهديت إليها عدداً من تسجيلات المنشدين، لكنني لم أعد أراها قط بعد ذلك.
الساهرون الكثيرون في بيوت أصدقاء عذراء الشهداء في بيروت، وحدهم من دون الساهرات القليلات دائماً، كانوا يطلقون نشوات وجدهم الطروب بأصوات المنشدين وأدائهم. كانت الأصوات تغمرهم وتلتهمهم، أو تملأهم وتأخذهم وتذيبهم ولهاً. وفي الفواصل الصامتة بين تلاوة الآيات، كانوا يطلقون صرخات ولههم وحركاته الصاخبة. دائماً كنت أتخيّل أن في ذوبانهم وجداً خلاصيّاً مريراً، ومنتشياً لذةً بتلك المرارة، متخيّلين أنهم يسبحون في فضاء تراثٍ سحيق القدم، غامض، متجمّد، ويعيدون إحياءه متوسلين أصوات المنشدين مجرّدةً مما تؤديه من معاني الكلمات والعبارات ودلالاتها. بعد وقت غير قليل من رحلات ذوبانهم، كانت الساهرات تُجارينَهم في استجابتهن الى ذلك الذوبان، لكن من مسافة وبلا وجد خلاصيّ منتشٍ بلذة المرارة المسكرة.
لا تزال سارة ترقص وسط الصالون. يذكّرني رقصُها بشعوري أنني كنتُ أجنبيةً بين أصدقاء عذراء الشهداء، وغريبةً عن نشواتهم، أستقبلُ أصواتَ المنشدين من دون اكتراث ببواعث انتشائهم ومصدره. في حضوري بينهم واستماعي معهم، لم يكن الصوتُ والأداء يلتهمانني. أستمتعُ بأنني منهم ولستُ مثلهم، وأتعرّف اليهم، مندهشةً من اندماجي في طقسهم، ومن أنني أتعرّف الى نفسي بينهم كما لم أعرفها من قبل. لكنني بعد عدد من سهراتي معهم انتبهتُ الى أنهم، هم أيضاً مثلي تقريباً، يقيمون فواصل بين نشواتهم، فيخرجون منها بين حين وآخر مندهشين مقهقهين من ذهابهم بعيداً فيها. بينهم للمرة الأولى في حياتي رحتُ أقعد على سجادة أو بساط أو فراش ممدودة على الأرض. وسرعان ما ألفتُ القعود المنخفض، هكذا، لصقَ الأرض، موقنةً أنّه من صلب الطقس الحميم المتقشف في غرفٍ داخلية خالية تقريباً من الأثاث، حيث يحيون سهراتهم البيتية التي تهيأ لي، أخيراً، أن تكرارها ينطوي على شيء من بلادتهم الحسية العقيمة.
كانوا في نهايات دراساتهم الجامعية، ومن شلل اليسار الجديد، أو غير التقليدي. وعلمتُ أنهم على خلافٍ وتنابذ عقائدي مقيمَين مع الحزب الشيوعي السوفياتي، منذ سنوات سبقت بداية الحرب في لبنان. أنا الأكبر منهم سناً بما بين خمسٍ وعشر من السنوات، والغريبة عن دائرة علاقاتهم وأجوائهم، راقني وأراحني أنني لم أنتبه مرة الى أن أيّا منهم أظهر لي رغبته الخاصة بي، أو حاول استمالتي إليه. عذراء الشهداء كانت على صلات متفاوتة بهم في حياتها الجامعية، قبل أن تنتسب الى الحزب الشيوعي وأتعرّف اليها. أصغرهم سناً كان يهواها هوىً عذرياً مزمناً، معذّباً ينطوي على حقد غامض عقيم، كتعلّقه المتيّم بها، وكغرامها بشهداء الحزب. لذا كانت تتردّد في أوقات متباعدة الى سهراتهم، مدفوعةً بشهوتها لأن تكون معذِّبة شخص ليس من الحزب، على ما قالت لي مرة، مضيفةً إنه يحيا غارقاً في حبّه إياها، كغرقه في شقاء جبنه عن تحقيق رغبته الهواميّة في أن يكون شهيداً.
كانت مترددة خائفة حين دعتني للمرة الأولى الى سهراتهم، فرجتني ألّا أخبر أحداً من الرفاق في خلية مثقفي حزبنا. عن قلة اكتراث معتاد مني، استجبتُ رجاءها، أنا من لم تكن بي رغبة أصلاً، بل أنفر من أن أكون صلةَ وصلٍ وناقلةَ أخبار بين الدوائر المتباعدة لحياتي وعلاقاتي.
علمتُ في سهرتنا الأولى أنهم انسلخوا عن حياتهم النضالية المتصلة بهوامش علاقاتٍ وأعمال حربية في منظمات فلسطينية مسلحة. وانتبهت الى إدراكهم غير الواعي بأنهم، لوداع أنفسهم وسنوات حياتهم تلك، يحيون سهرات الوجد البيتية. فأخذتُ أصرّ على عذراء الشهداء أن نذهب الى حيث يسهرون غالباً في بيت يقيم فيه متيّمُها مع أخته الكبرى المطلّقة، وحدهما، بعد رحيل والديهما الى قريتهم الجنوبية. القصيدة التي كتبها في تتيُّمِهِ بها، وقرأها لنا في إحدى السهرات، جعلتُ عنوانها إسماً آخر لصديقي: زهرة الإيديولوجيا. بهذا الإسم رحتُ أناديها كلما رغبتُ اليها أن نذهب الى سهراتهم، فتجيبُني أن السهرة الليلة عند خندق المواجهة، بعدما روت لي أن متيّمَها كان – كلما وقف على درج مدخل الجامعة خطيباً في جمعية عمومية طالبية – يستهلُّ كلمته في تحريض الطلاب على الإضراب والتظاهر، بالقول: نحن اليوم في خندق مواجهة مع الدولة.
أقطع شرودي المسترسل في استعادة مشاهد من تلك السهرات البيروتية، بأن أتلفت الى سارة قائلةً: أما ضجرتِ من الرقص، هكذا، إنني جائعة، ألا تحبّين أن نتناول طعام الغداء في مطعم باريسي: لحم وبطاطا ونبيذ، لكن بلا منغا. لا، لا، بلا بطاطا – تصرخ، فيما هي تلمُّ ثيابها عن أرض الصالون، وتركض نحو الممر، قائلةً: سريعاً أستحمّ، انتظريني، لا تتحركي؛ أحبّ مطاعم باريس.

.

كيف ولماذا يترجِم العرب اليوم؟

ديسمبر 25, 2015
محمد أبي سمرا
المدن في 16-12-2015
معرض الكتاب علي علوش
تتكشّف متابعة نشاط ترجمة الكتب ومحاولة قراءة عدد لا بأس به منها، عن ظاهرة مأساوية محزنة وتبعث على الكمد: الغالبية الساحقة من الكتب المترجمة، وخصوصاً البحثيّة والفكرية، غير قابلة للقراءة بالعربية. وإلى جانب الطفرة في نشر الرواية في أسواق النشر العربية، تتكاثر، منذ سنوات، ترجمة الكتب من لغات أجنبية: الانكليزية والفرنسية غالباً، والألمانية أحياناً. أكثر دور النشر نشاطاً – بالمقاييس العربية للنشاط في مجال الترجمة – هي الدور المصرية واللبنانية، والسورية ما قبل الثورة على نظام الأسدين. بعض من هذه الدور يقوم بأعمال مشتركة في مجال النشر والترجمة، لاسيما بين دور لبنانية وعراقية وجزائرية. لكن غالباً ما تكون بيروت مركز عملها الأساسي. فالعاصمة اللبنانية لا تزال مركزاً حيوياً للنشر وشبكات توزيع الكتب منها الى العواصم العربية. بعض الترجمات يحظى بمساعدات وتسهيلات مالية وحقوقية من هيئات ومؤسسات ومنظمات ومراكز ثقافية أجنبية، خصوصاً الكتب الأدبية والفكرية.

والغريب أن ظاهرة عدم قابلية الكتب المترجمة للقراءة مسكوتٌ عنها في عملية تواطؤ يشترك فيها المترجمون والناشرون والعاملون المتابعون في الصحافة الثقافية، وصولاً إلى القرّاء أنفسهم. ومنهم الباحثون في مجالات المعرفة والأساتذة الجامعيون والعاملون في مراكز أبحاث متخصصة، وهؤلاء غالباً ما يقومون بأعمال الترجمة أو يشرفون عليها.

قبل محاولة التفكير في ما يدعو العرب إلى الترجمة، لنحاول أولاً وصف كيف بترجمون، بناء على تجربة شخصية مريرة ومحبِطة، في قراءة كتب متنوعة مترجمة الى العربية. تُظهِر هذه التجربة أن المترجمين غالباً ما يفتقدون تجربةً وخبرةً وحساسيّة كتابيّة بالعربية. أي أنهم ليسوا  قطّ كتّاباً، بل لم يسبق لمعظمهم أن مارس نوعاً من الكتابة أو اختبرها قبل شروعه في ترجمة كتاب ما، تحت طلب ناشر ما. بعضهم قد يكون كابد عناء كتابة أطروحة جامعيّة، أدّت به الى التدريس في الجامعة، والى هجرانه الكتابة نهائيا. هذا إذا اعتبرنا إعداد الأطروحات الجامعية عملاً كتابياً فعليّاً. ويجهل المترجمون أصول الكتابة السليمة والتي تؤدي معنىً واضحاً وقابلاً للفهم في اللغة العربية. وهم يفتقدون أيضا أي ذائقة لغوية كتابية، إلا في حال كتابة ما لا يتطلب جهدا ذهنيا وثقافيا ولغويا يتجاوز الكتابة المدرسية. ففي أعرافهم ليست الكتابة حرفة ولا ذائقة ولا فناً يتطلب خبرة وممارسة في المجال اللغوي والتقافي، قراءةً وكتابةً، بل هي عمل يجيده لك من تعلم تعليماً مدرسياً وجامعياً.

قد يجيد المترجمون القراءة في اللغة الأجنبية التي يترجمون منها، لكن معرفتهم بها غالبا ما تقتصر على ما حصّلوه منها في التعليم المدرسي. وهم حين يترجمون، يقومون بنقل الكلمات – كل كلمة بذاتها ومستقلة عن الأخرى –  نقلاً حرفياً من اللغة الأجنبية إلى العربية التي لا تتجاوز معرفتهم بها، وخبرتهم فيها، القراءة المدرسية وفي أوقات الفراغ. والترجمة الحرفية، أي نقل المعنى القاموسي للكلمات من لغة الى لغة أخرى، هي في أحسن الأحوال ترجمة ببغائية. المترجم في هذه الحال لا يستوعب معنى الجملة التي يترجمها استيعابا كليّاً، وفي السياق الذي ترد فيه، بل يكتفي بنقل المعنى العام القاموسي لكل كلمة بمفردها، من دون أي معرفة بالإطار الفكري للكتاب المترجم. هكذا غالباً ما يتحول النص المترجَم، نصاً لكلمات مرصوفة متتابعة لا معنى لها، أو أن معناها عشوائي واحتمالي في أحسن الأحوال. كلمات مفككة وجمل أكثر تفككاً لا يعلم كاتبُها كيف وأين تبدأ وتنتهي. كأنما النص في هذه الحال أشبه بلوحة كلمات ببغائيّة.

لا يكلّف المترجم نفسه عناء قراءة ما ترجمه. والأرجح أنه سيجده غير قابل للفهم والقراءة أو لفهم عشوائي تقريبي غائم، كأنه كُتِب أثناء النوم. أما أخطاء الصرف والنحو والإملاء فهيهات أن ينتبه لها لتداركها وتصحيحها. وغالباً ما تجد في جملة واحدة من سطر أو اثنين أو ثلاثة، عدداً كبيراً من أسماء أو أدوات الوصل التي لا نعرف تصل ماذا بماذا، وعدداً مماثلاً من الضمائر التي يصعب إدراك لمن تعود وماذا تضمر.

والمترجم ليس في الأصل قارئا لمؤلفات الكاتب الذي يقوم بترجمة كتاب من كتبه، ولم يكن قد سمع بعنوانه وباسم كاتبه، قبل أن يطلب منه صاحب دار للنشر تعهّد ترجمته. ودور النشر التي تُصدر هذه الكتب المترجمة غالباً ما لا تراجعها. معظم الدور العربية (وخصوصاً في بيروت) تخلو من جهاز تحريري يراجع النصوص المترجمة ويختبر قابليتها للقراءة. الكثير من الدور يقتصر العمل فيه على أصحابها الأفراد، مع سكرتيرة مكتب لتلقي الاتصالات الهاتفية والطباعة على الكومبيوتر. الأخطاء المطبعية لا تصحّح. أما الأخطاء اللغوية والصياغية فما الجدوى من تصحيحها في نصٍ تستحيل قراءته ويصعب فهمه؟

وعلى الرغم من هذا كله يتزايد نشر الكتب المترجمة إلى العربية!

تدعو هذه الظاهرة إلى تساؤل مرير: كيف ولماذا يستمر النشاط في ترجمة الكتب إلى العربية ما دامت سلعة رديئة أو مغشوشة يُفترض بالقراء ألاّ يقبلوا على شرائها بعد تجاربهم السيئة معها واكتشافهم عدم قابلية معظمها للقراءة! الأمر الذي ينطوي على هدر للجهد والمال والوقت وشعور بالإحباط. هذا سؤال عقلاني يصعب أن يحظى بجواب شافٍ في المعايير والتقاليد العربية الفوضوية السائرة، حيث تسود حالة من التواطؤ وعدم الاكتراث وتبادل المصالح النفعية المادية والآنية العارية من اعتبارات ومعايير مهنيّة وأخلاقية. والحال هذه تؤدي الى غياب تكوّن دوائر للرأي العام أو للعلانية العامة التي يجري فيها تبادل الرأي والنقد وصناعتهما في الشؤون والمجالات المختلفة. والأرجح أن هذا الغياب هو ما يترك الحياة والمنتجات الثقافية المتداولة خارج أي اعتبار عقلاني أو معقلن وقابل للمساءلة والنقد. لذا يعمل كلٌ على هواه ووفق آليات ومعايير ومصالح داخلية خاصة قوامها السكوت والتواطؤ لتحصيل فوائد آنية سريعة في مجال الترجمة والنشر، من دون حسيب ولا رقيب.

قد يقول قائل اليوم في هذه المسألة: كيف لمن يشرب البحر أن يغصَّ بالساقية؟ أي أين نحن اليوم لنُجري حساباً نقدياً لمسألة جزئية وتفصيلية مثل رداءة ترجمة الكتب، فيما العالم العربي والتقافة العربية غارقين في مآزق وجودية كبرى؟!

يكتسب هذا السؤال معناه من حال التمزق والتحلل والحروب الأهلية الإقليمية والدولية الدموية والمدمرة الدائرة في أرجاء بلدان عربية كبرى وأساسية. لكن أليس من صلة ما، ولو بعيدة وخفيّة وتفصيلية، بين الحال العربية الراهنة وأشكال تدبير (تدمير) شؤوننا السياسية والاجتماعية وإدارتها وتنظيمها، وأشكال إنتاج حياتنا وثقافتنا في مجالات العمران والإقتصاد وإدارة المؤسسات العامة والخاصة، ومنها مؤسسات صناعة الكتب وترجمتها؟ – See more at: http://www.almodon.com/culture/0c39e5c4-b5dd-44a9-ab14-f707d7b0a37f#sthash.O4MHMO0i.dpuf

من الشيوعية الى الحسينية

ديسمبر 25, 2015
محمد أبي سمرا
المدن في 9-12-2015
من مسيرات أربعين الحسين في العراق غيتي
في بدايات ظهور الحركة الإسلامية الشيعية الخمينية في لبنان وتحلّقها حول لسانها وخطيبها السيد محمد حسين فضل الله في مسجد الحسنين في بئر العبد، قبل سنوات قليلة من إعلان “حزب الله” بيانه التأسيسي إلى “أمّة المستضعفين في الأرض” من جامع الغبيري في ضاحية بيروت الجنوبية العام 1985، أخذ الصديق الروائي حسن داوود يتحدث عن رغبته في كتابة رواية يحاول أن يجسِّدَّ فيها حدسه الروائي عن الطبيعة الرحميّة الحميمة لعلاقة كل عائلة شيعية بأهل بيت النبي محمد وبفاجعة كربلاء وبالحسين بن علي بن أبي طالب، حفيد النبي. ومما ظلَّ الروائي الصديق يردده آنذاك، قبل أن يكتب روايته ويضيّعَّ مخطوطتها في باريس، قولُه إن صلة كل عائلة أو أسرة شيعية بأهل البيت يجسّدها شعور العائلة الرحمي الدفين بأن لديها حُسَيْنَها وزينبها الكربلائيين.
قبل ذلك بسنوات، أي في نهايات حرب السنتين في لبنان (1975 -1976) كان داوود قد أشار إلى السينمائي اللبناني مارون بغدادي بأن يحرص، في فيلم تسجيلي يعدُّه عن الجنوب وأهله وطقوس حياتهم اليومية، على تصوير مشاهدَ تتصل بالمجالس الحسينية الكربلائية التي يحييها الشيعة في ذكرى عاشوراء في مدينة النبطية الجنوبية. صُوِّر الفيلم وعُرض آنذاك في إطار المهرجانات الدعائية والدعوية لـ”نضال الحركة الوطنية اللبنانية” في حروبها العروبية والفلسطينية واليسارية على “الانعزاليين” اللبنانيين المسيحيين و”النظام اللبناني الرجعي العميل”. وكان من مشاهد الفيلم الأبرز تلك التي صَوَّرت امرأة في النبطية تدعى حسيبة، اشتهرت بإنشادها الكربلائي العاشورائي في المجالس الحسينية في المدينة الجنوبية. هذا إضافة إلى مشهد آخر من الفيلم يصوِّر تصويراً متباطئاً موكب تشييع أحد “الشهداء الوطنيين التقدميين” الجنوبيين، فيما مطرب أو مغني “الحركة الوطنية” المعتمد آنذاك، مارسيل خليفة، ينشد قصيدة للشاعر “الوطني التقدمي” حسن عبدالله يقول مطلعها: “أجمل الامهات التي انتظرت/ ابنها وعاد/ عاد مستشهداً/ فحملتْ شمعتين ووردة/ ولم تنزوِ في ثياب الحداد”. وأنشد خليفة في الفيلم قصيدة أخرى كان الشاعر عباس بيضون قد كتبها في العام 1973 أو 1974 عقب مصرع الشاب اليساري الغيفاري علي شعيب في هجوم مسلح مع مجموعة من رفاقه على بنك أوف أميركا في وسط بيروت التجاري بهدف إرغام إدارة المصرف على تحويل أموال للجيش المصري أثناء خوضه حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973. ومما ورد في القصيدة وأنشده خليفة على خلفية تشييع الشهيد في الفيلم: “يا علي/ نحن أهل الجنوب/ حفاة المدن/ نروي سيرتك على أصفى البرك والأودية”.

هذه القصائد وسواها التي أنشدها خليفة وتحوّلت بصوته مع الفيلم أيقونات ثقافية تعبوية حربية “وطنية وتقدمية”، لم يكن أحدٌ يحدسُ آنذاك بأنها سرعان ما ستمهِّد الطريق لثقافة عبادة الشهداء التي ستنبعث حسينيّة كربلائية عاشورائية وتنشقُّ انشقاقاً دموياً على صُنّاع الأيقونات السابقة ومروِّجيها وحزبهم الأكبر آنذاك: الحزب الشيوعي اللبناني الذي اغتالت مجموعاتٌ سرّية ظلامية لصيقة بالحركة الإسلامية الخمينية الوليدة، عدداً من قادته وكوادره في أواسط ثمانينات القرن العشرين. وخطفت عدداً من الرعايا الأجانب، منهم الباحث الشاب الفرنسي المستعرب ميشال سورا الذي قضى أو قُتل في معتقله من دون أن تظهر جثته في حرش القتيل في الضاحية الجنوبية، إلا في أواسط التسعينات. آنذاك كانت قد صارت النسوة “الزينبيّات” (نسبة الى السيدة زينب، شقيقة الحسين)، هنَّ “أجمل الأمهات” والأخوات الشيعيات اللواتي لا يخرجْنَ الى الشوارع إلا مُكْتَنَفَاتٍ بالسواد الكربلائي العاشورائي الدائم أو الأبدي، حتى “ظهور المهدي، عجّلَ الله فرجه”، “لئلا تُسبى زينب مرتين” في دمشق وسوريا الثائرة ضد الطغيان الدموي المدمّر لحافظ وبشار الأسد.

اليوم، ومنذ عشايا الذكرى السنوية لعاشوراء واربعينها المنصرمة قبل أيام في مشاهدها المليونية الكربلائية في العراق، لم تعد صورة الإمام الحسين تقتصر على كونه شهيداً مظلوماً في الأدبيات الحسينية لـ”حزب الله”. بل تحوَّل قائداً عسكرياً وسياسياً في فيلم “وثائقي”  انتصاري عنوانه “التجربة العسكرية والسياسية للإمام الحسين”، وتبثه “المنار”، القناة التلفزيونية لمجتمع حزب الحروب الدائمة، “إحياءً لمحلمة الصبر والشهادة والإيثار”، وفقاً للإعلان التلفزيوني الدعائي والدعوي للأيام الكربلائية الراهنة. صوت المذيع في الإعلان يطلع جهورياً أسطورياً وتنبعث منه أصداء عالم ماورائي يُفترضُ أن تبثَّ في روع أهل مجتمع الحرب الدائمة المؤمنين رعباً خلاصياً أليفاً ومروعاً، فيما هو يقول لهم: “إلى أرض الطُّفُوفِ (جمع الطَّف الكربلائي)/ تَترحُ لهوفنا (جمع لهفة)/ وسيوفنا تسطعُ (أين الآن سوى في سوريا، نصرةً للأسد وقتلاً وتشريداً لأهلها؟)/ هيهات هيهات… (منا الذَّلَّة)/ فالوحي هنا والموعد دنا (في أرض سوريا طبعاً)/ والحسين سيّدُ الانتصارات (على من يا ترى سوى الشعب السوري؟)”.

لكنَّ الشاعر اللبناني محمد العبدالله كان في رثائه شاباً جنوبياً قُتل في إحدى الغارات الإسرائيلية على قريته الجنوبية قبل بدء الحرب في لبنان العام 1975، قد كتب قصيدةً يخاطب فيها الشاب القتيل قائلاً له: “أَضربُ في رملك (أي أتبصّرُ في سيرتك فأرى أنك): كبرتَ على نواح الطَّفِ وتاجر عاشوراء”. وها هم تجّار عاشوراء اليوم يُفرغون البلدات والقرى الجنوبية وأحياء ضاحية بيروت الجنوبية من شبّانها ليشاركوا في تدمير الديار السورية وقتل أهلها في حماية الطائرات الروسية وبتمويل من ولاية الفقيه الإيرانية. وبسبب انشغال “حزب الله” في مهمته المقدّسة هذه في سوريا، ترك لخَدَمِهِ في حركة “أمل” أن يزداد عددهم وتشتد عزيمتهم وشكيمتهم في الكثير من الأحياء الشعبية البيروتية.

– See more at: http://www.almodon.com/culture/77fd641a-17e4-492c-833e-2b77f5d40af8#sthash.KhrIYibb.DJTslVVU.dpuf

حياة وآلام اللبنانيين اليومية بين أوبئة النفايات والاهتراء السياسي

سبتمبر 20, 2015

محمد أبي سمرا

القدس العربي 29-08-2015

29qpt989

منذ أواسط تموز/يوليو الماضي وحتى اليوم، يغرق اللبنانيون في نفاياتهم وفي قيظ صيف شحّت فيه أوقات التغذية بالطاقة الكهربائية المقنّنة والغارقة إدارتها وتجهيزاتها في اهتراء وفساد ونهب ماليين مزمنين. ووسط أكوام النفايات وروائحها، وشدة القيظ، والتردي في سائر الخدمات العامة وقطاعات العمل والمؤسسات الحكومية وتدهور الأحوال المعيشية، اشتد الدبيب المزمن لتنافر ونكايات القوى السياسية وزعمائها ودهاقنتها، وبلغ تمزق الرأي العام والجماعات الأهلية حدّ الهذيان.

مناخ التظاهرات المسموم

في هذا المناخ المحتدم والمتعفن بالمسموم، تداعى شبان وشابات من ناشطي المجتمع المدني، وأطلقوا على وسائل التواصل الاجتماعي حملة سموها «طلعت ريحتكم». أي فاحت رائحتكم أيها السياسيون والزعماء ودهاقنة الحكم «الفاسدين». ودعت الحملة الناس إلى التظاهر احتجاجاً في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت. وفي تظاهرتهم الأولى 22 آب/اغسطس الجاري، رُفعت صور السياسيين والزعماء اللبنانيين للتشهير بهم وبفسادهم وتقاسمهم مغانم الدولة والحكم. لكن دعاة الحملة الناشطين استثنوا صورة السيد حسن نصرالله من الإشهار والتشهير. وقد يكونون فعلوا ذلك خوفاً منه ومن حزبه المسلح المقاتل في سوريا إلى جانب نظامها الأسدي. وربما تداركاً منهم لخلافاتهم الداخلية، اذ قد يكون فريق من مطلقي الحملة يُجِلّ ما يسمى «المقاومة» و»سيدها» وإمامها وخطيبها، ويرفعه فوق ترهات السياسة والحكم وغرق البلاد في نفاياتها المتراكمة في الشوارع.
عدد لا يستهان به من ناشطي الحملة كانوا قد عمدوا إلى الاستثناء نفسه، عندما أطلقوا في العام 2011 حملة ما سمي «اسقاط النظام الطائفي» في لبنان، نسجاً على منوال الثورات العربية في بداياتها المجيدة آنذاك. وبعد عدد من تظاهرات الحملة تلك، انقسم الناشطون واشتبكوا وتضاربوا في ما بينهم وسط احدى التظاهرات على خلفية تضارب الشعارات وصور الزعماء المرفوعة تشهيراً. وكان السيد حسن نصرالله محور خلافاتهم، قبل تفرقهم أيدي سبأ. أما في أمسية التظاهرة الاولى من حملة «طلعت ريحتكم»، فقد تصادم المتظاهرون ورجال الأمن الموزعة أمرة أجهزتهم على أقطاب سياسيين وحكوميين يتبادلون النكايات ويتقاسمون مغانم الدولة. وتحول محيط مجلس النواب، الواقع ضمن حماية جهاز الشرطة التابع لأمرة رئيس المجلس نبيه بري، وكذلك محيط السرايا الحكومية القريبة التابع جهاز شرطتها لوزارة الداخلية ورئيس الحكومة، ساحات للكرّ والفرّ والتراشق بالحجارة والعبوات الزجاجية والقنابل المسيلة للدموع التي أطلقها رجال الشرطة مع الرصاص المطاطي والرصاص الحي أحياناً في تلك الليلة. هذا فيما سهر اللبنانيون حتى منتصف الليل في بيوتهم أمام شاشات محطات التلفزيون التي نقلت في بث مباشر حي وقائع الصدامات، وسط غبطة المذيعين والمذيعات في استديوهات المحطات، وغبطة المراسلين والمراسلات الميدانيين. فبدت إدارات محطات التلفزيون اللبنانية أشد حماساً من المتظاهرين، كأنها في عرس مشهدي تحتفي بصوره وتتنافس تنافسا محموماً على زيادة أعداد المشاهدين في سبقٍ إعلامي مشهود بين المحطات المتناحرة.
مياه وغيوم كثيرة جرت في التظاهرات والصدامات واكتنفتها. وسرت شائعات وأقاويل وانقسامات وخلافات حول ما حدث، ومن بادر إلى الصدام، وما هي أهواء المشاركين. ولم توفّر الانقسامات المتظاهرين المدنيين والسلميين من دعاة الحملة وجمهورها. فإلى الحملة الأولى «طلعت ريحتكم» ودعاتها، ظهرت في التظاهرات اللاحقة حملة جديدة عنوانها «بدنا نحاسب». أي نريد محاسبة السياسيين والحكام. أحد منظمي الحملة الأولى اتهم علناً أمام كاميرات محطات التلفزة، شرطة مجلس النواب بالمبادرة إلى الاعتداء على المتظاهرين مساء السبت 22 آب/اغسطس. أما بعد التظاهرة الثانية الكبرى (قدّر عدد المشاركين فيها بـ10 آلاف) مساء الأحد 23 آب/اغسطس، فسرعان ما اندلعت الصدامات أيضاً، بعدما اخترقت زمر من فتيان الشوارع الفوضويين والعنيفين صفوف المتظاهرين المدنيين والسلميين، وصولاً إلى مقدم التظاهرة، محاولين نزع الأسلاك الشائكة، فاصطدموا برجال الشرطة خلفها، والتابعين لوزارة الداخلية وأمرة رئيس الحكومة. وذلك للوصول إلى السرايا الحكومية. وكما في الليلة السابقة دارت المجابهات المتلفزة في ساحة رياض الصلح ومتفرعاتها. ونقلت الصور مشهداً لواحد من رجال الشرطة يجلس أرضاً يبكي منهكاً ومنهاراً.
في نهاية الاثنين والثلاثاء توعّد منظّمو الحملتين المنقسمون باستكمال عزمهم التحرّك والتظاهر بعد ظهر السبت 29 آب/اغسطس الجاري. ولردم هوة خلافاتهم وانقساماتهم، بل لتجنبها وتركها تعسُّ وتتفاقم في الخفاء، لتنفجر لاحقاً، سمّى كثيرون من الدعاة المنظّمين زمر فتيان الشوارع العنيفين القادمين من الأحياء الشيعية والمختلطة طائفياً والقريبة من وسط بيروت التجاري الجديد، بـ»المندسّين». وذلك تجهيلاً لهويتهم الأهلية والطائفية، بعد اختراقهم جمهور التظاهرة المدني السلمي بهويتهم هذه، وتصادمهم مع رجال شرطة السرايا الحكومية. وخلف كلام بعضٍ من دعاة الحملات ومنظميها عن «حرية أشكال التعبير وتباينها» أثناء التظاهرة، جرى التستّر على العداء الطائفي المحموم الذي تكنّه تلك الزمر الرعاية العنيفة للسرايا الحكومية ورئاسة الحكومة. هذا بعدما كانت شرطة مجلس النواب هي التي بادرت إلى العنف ضد المتظاهرين المدنيين والسلميين في تظاهرة مساء السبت في 22 آب/اغسطس. والمعروف أن جهاز شرطة المجلس النيابي، تعود امرته وعصبته الأهلية الغالبة إلى رئيس المجلس الذي يواليه أيضاً جمهور الأحياء التي توافد منها فتيان الشوارع العنيفون الذين اخترقوا تظاهرة مساء الأحد في ساحة رياض الصلح، وباشروا الصدام مع شرطة السرايا الحكومية. والفتيان الرعاع هؤلاء وزمرهم موطنهم أحياء خندق الغميق وزقاق البلاط، وهم من جمهور حركة «أمل» و»حزب الله» الشيعيين. وهم أنفسهم قاموا قبل مدة بحرق أكوام النفايات، والإغارة بها وتكديسها أمام دارة رئيس الحكومة تمام سلام في حي المصيطبة القريب من أحيائهم. ثم إنهم لم يخفوا انتماءهم الشيعي، بل اشهروه أثناء اختراقهم تظاهرة مساء الأحد، عراة الصدور الموشومة والمزينة بقلادات معدنية لامعة تمثل سيف الإمام علي بن ابي طالب، ذو الفقار الشهير. هذا فوق شتائمهم البذيئة وهتافاتهم المعتصبة مرددين: «شيعة، شيعة، شيعة»، و»الدم الشيعي عم يغلي غلي». وقد شوهد وسُمع ذلك واضحاً في ساحة التظاهر، وبثت شاشات التلفزيون وشبكة التواصل الاجتماعي صورة أشد وضوحاً. وعلى الرغم من هذا كله أصرّ بعض منظمي الحملات على ادراج هذه الأفعال والمظاهر في خانة «حرية التعبير وتنوع أشكاله واختلافها» بين جماعات المتظاهرين الذين رفعوا شعار «إسقاط النظام الطائفي».

صور الأوبئة والطواعين

على أي وجه وصورة يمكن اليوم، إذاً، التمثيل على حال اللبنانيين هذه؟ ربما صار من الصعب العثور على تشبيه أو صورة جامعة تكثّف الكناية عما يعيشه اللبنانيون في حياتهم اليومية المهترئة، وفي تدبيرهم شؤون معاشهم وخدماتهم العامة وإدارتها، وفي تصريفهم خلافاتهم ومنازعاتهم المتناسلة، جماعات أهلية وطاقم حكم وزعماء سياسيين – إلا باستحضار أطياف صور مما عاشته ممالك وسلطنات وأقوام وشعوب حلّت بها الأوبئة والطواعين في أزمنة غابرة، يعود بعضها إلى العصور الوسطى في المشرق.
مثل هذه الصور حاضرة في كتابات ومرويات تأريخية كثيرة عن المدن المشرقية (دمشق، حلب، والقاهرة) في عهد المماليك ومؤرِّخه الأشهر المقريزي. وهي حاضرة أيضاً في مؤلفات عبد الرحمن الجبرتي، ايام حملة نابليون بونابرت العسكرية الفرنسية على الديار المصرية. أما اليوم فعلى الأرجح ان عراق ما بعد ديكتاتورية صدام حسين، وسوريا ديكتاتورية حافظ وبشار الأسد، قد تجاوزا تلك الصور التراثية الغابرة. لكن ظلال أو أشباح صور الطواعين الضاربة والمتفشية اليوم في الديار المشرقية (من اليمن وصولا إلى لبنان، مروراً بالعراق وسوريا) لم تعثر بعد، بالرغم من تفاوتها، على مؤرخيها ورواة أيامها، إلا في ما ندر من الكتابات والتحقيقات الصحافية، غير العربية غالباً. هذا على الرغم من مرور عقود على دبيب الطواعين والاوبئة، الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، في الديار اللبنانية، منذ بدايات الحروب الأهلية الملبننة في العام 1975. وإذا كانت تلك الحروب قد توقفت قبل عقد ونصف العقد، لتتولى الوصاية السورية الأسدية إدارة شؤون لبنان ودولته في حقبة ما سمي «إعادة البناء والأعمار» طوال عهد حكومات رفيق الحريري، فإن أشباح الطواعين والأوبئة المادية والمعنوية والأخلاقية والسياسية التي تهدد لبنان اليوم، هي وليدة الحقبة الحريرية ـ السورية الأسدية التي انتهت باغتيال الحريري في طرف وسط بيروت المعاد بناؤه وإعماره وإحياؤه، قبل ان تغرق سوريا الأسد بالدم والدمار. وها هو لبنان بدوره يغرق منذ الاغتيال الكبير في العام 2005، في استنزاف إرث دولة اتفاق الطائف (1990) الصورية المعلقة في فراغ اجتماعي كبير، بعدما أُعيد ترقيقها وإدارتها على مثال إقطاعات أهلية لا جامع بينها سوى إذعانها الخائف والمتواطئ للوصي السوري الأسدي، ويتصدرها زعماء لا جامع بينهم سوى تطاحنهم على النفوذ والسلطان ونهب المال العام للدولة الصورية بالتواطؤ مع الوصاية السورية الأسدية.

نفايات عسكرية قاتلة

ما جرى وصفه أعلاه من حملات وتظاهرات لا تزال تتناسل احتجاجاً على غرق الديار اللبنانية في النفايات، ليس سوى وجهٍ من وجوه غرق لبنان الدولة والمجتمع في متاهات الانقسامات والنكايات الأهلية التي يحاول الناشطون إخفاءها ببراءة ما يسمونه المجتمع المدني، فيما دهاقنة السياسة والإعلام والمال يتربصون بهذا المجتمع الضعيف المرهق وبناشطيه ومتظاهريه السلميين.
وإلى النفايات والكهرباء ومتاهات الانقسامات ودبيبها مع الطاعون المعنوي والأخلاقي، ووقاحة النهب والتطاحن السياسي عليه بين الزعماء وحاشياتهم، وفيما كانت تظاهرة الاحتجاج تتعرض لعنف أجهزة الشرطة في ساحة رياض الصلح، كان مخيم عين الحلوة الفلسطيني قرب صيدا، يعيش حالاً من تناسل الأوبئة والطواعين العسكرية شبه الاجرامية فيه. فبعد ظهر السبت 22 آب/اغسطس، كانت حركة «فتح» الفلسطينية في المخيم تشيّع قتيلاً سقط برصاص رفيقه في ما سمي «حادث فردي»، فأطلق مسلحون «مجهولون» النار على أحد مقدمي «فتح» في الجنازة. أصاب الرصاص مرافقيه الثلاثة، منهم الملقب أحدهم بـ «العجل». فاندلعت اشتباكات عشوائية بين مقاتلي «فتح» ومسلحي الجماعات الاصولية الإسلامية المتشددة، وامتدت إلى معظم أرجاء المخيم وأحيائه البائسة. استمرت الاشتباكات 15 ساعة متواصلة، فسقط فيها 3 قتلى وجرح 20 آخرون معظمهم من «فتح»، ودمرت منازل ومحال تجارية وسيارات، وتعطلت شبكتا الهاتف والكهرباء، فيما نزح عدد كبير من سكان المخيم هاربين في الليل سيرا على أقدامهم في اتجاه مدينة صيدا.
ليست هذه الحوادث سوى غيض من فيض الأوبئة والطواعين المتناسلة في الديار اللبنانية. وهي مرشحة للتفاقم والانتشار على القارب في الأيام المقبلة. إنه قدر لبنان على شفير المقاتل في المنطقة كلها.

كائنات العزلة” لعبد القادر الجنابي مديحٌ لروعة أن تكون وحيداً

سبتمبر 20, 2015

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 25-08-2015

عبد القادر الجنابي

يخلط عبد القادر الجنابي الترجمة والتأليف باختياره منتخبات نثرية وشعرية لكتاب وشعراء كثيرين، في الفرنسية والانكليزية والعربية، فيضع كتاباً في مديح العزلة وأحوالها ومعانيها ودلالاتها، عنوانه “كائنات العزلة – أنطولوجيا شعرية شخصية”، من منشورات “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” البيروتية، 2015. على صفحة الغلاف الأخيرة تعريف بالكتاب: “إنه ديوان جديد في بابه”: “جوقة شاعرية (…) حيث عزلة الشعر والحلم تنتشلنا من وحدتنا المفجعة”.

يفتتح الجنابي كتابه هذا معترفاً نثراً: “مرت أيام لم أرَ فيها أحداً، لم أتحدث مع أحدٍ، ولا حتى مع نفسي”. لا يشير الى أن ما يكتبه مقدمة. وبعد صفحاتٍ ثلاثٍ نثرية، ينتقل فجأة الى شكل شعري لكتابته، يستمر حتى الصفحة العشرين. نقرأ في الصفحة 12: “لا أريدُ الوحدة،/ تابوتاً يؤويني/ بل العزلة،/ حيث لا رابط يغويني”.

شبهة الإنسان الميت
هذا التمييز بين العزلة والوحدة يمثّل هاجساً أساسياً في ما يقتطفه الجنابي وينتخبه لكتّاب وشعراء كثيرين، بعد أن يكتب نصاً نثرياً يتقصى فيه مفهومه للعزلة التي “ما إن تهبُّ مروحةٌ يدوية” في غابتها – على ما يكتب أندره بروتون – “حتى نتوهم أننا في فردوس”. يتساءل الجنابي: “من هو أجدر بالعزلة من الشاعر؟”، ثم ينقل عن ريلكه أن الشاعر هو رجلها وابنها، وهي التي “تصقلُ الموهبة”، وفقاً لغوته. أما بابلو نيرودا فيرى أن “الشاعر، لابساً الحداد، يكتب بيد مرتجفة وحيداً كلياً”. والعزلة لتوماس مان “تولّدُ فينا الأصيل، والجمال غير المألوف”. وهذا تشارلز بوكوفسكي يوهنه “النهار الذي يمرُّ من دون عزلة”. حتى “الشاعر الجماهيري والشعبوي”، يضيف صاحب الأنطولوجيا، يحتاج الى عزلة كافكوية: “ليس كمتنسكٍ، وإنما أشبه بإنسان ميت”. و”من دونها”، على ما تضيف مارغريت دوراس “لا نعمل أي شيء… لا نرى أي شيء”. وهي، وفقاً لاوكتافيو باث، “التركيز وتنقية الشعور بالإحساسات الداخلية”. وإذ كان قد ورد في حديث نبوي أن “ما من أحد إلا وله شيطان”، فإن الجنابي يضيف أن “شيطان الشاعر هو عزلته”. أما “كايميلي ديكنسن التي حبست نفسها في غرفة وهي في الثلاثين وبقيت حبيسة فيها حتى مماتها، فلم تترك ورقة واحدة تخرج من غرفتها المغلقة” التي اكتُشفت فيها “ألفا قصيدة، وألف رسالة”.

العزلة والجموع
تعريفات العزلة التي “روّجها لاهوتيون، حزبيون، اجتماعيون، إصلاحيون”، يرى الجنابي أنها ساعدت في ايجاد “تبرير نظري للسيطرة على القطيع والحدّ من حرية الفرد، وفي الحقيقة، من حرية الجموع”. لكن في مقابلة طويلة نشرتها معه مجلة “مواقف” في سبعينات القرن الماضي، كان المفكر السوري الراحل أنطون مقدسي، قد قال ان البشر في الأزمنة الحديثة يتمتمون أهواءهم ورغباتهم الشخصية، فيما هم يمشون وسط الجموع في المدن كلها، في دمشق وبيروت، كما في باريس ونيويورك!
أما المفكر الالماني الياس كانيتي في كتابه “الحشد والسلطان”، فذهب مذهباً آخر في تصنيفه أنواع الحشود، وفقاً للشعوب والأمم والحقب والأزمنة الاجتماعية – السياسية. غير أن الجنابي يرى أن المرء “في العزلة فقط يثبت أن الحرية أمر لا يمكن استئصاله” ضداً لـ”الجماعية العبيدية ولمّ الشمل القبائلي”. ولفريدريك نيتشه “نصيحة” في هذا المجال: “سارع الى عزلتك، يا صديقي”.

بين العزلة والوحدة
لكن هذه النصيحة النيتشوية لا تلقى صدى لدى الشعراء والكتاب العرب الذين “يطيب لهم أن يُنعتوا بالكبار، العظماء”، على ما يلاحظ صاحب أنطولوجيا العزلة.
ذلك لأنهم “احتفظوا دائماً بنافذة صغيرة على ميدان العوام، وظلّ الإحساس بالمنافسة هو محفّزهم على الكتابة. وما شعورهم بالوحدة، الوحشة، سوى علامة على الشعور بالحسد والغيرة”. لذا يعيشون عزلة “سببها جرح نرجسي أو إحساس بعظمة لم تكافأ”.
انطلاقاً من هذا التصنيف، لا يورد الجنابي أي مقتطف في منتخباته للكتّاب والشعراء العرب المعتبرين كبارا أو عظاماً، سوى جملة واحدة لمحمود درويش. وهو يعتمد توضيح الفيلسوف بول تيليش لتمييز الفرق بين العزلة والوحدة: فالوحدة تعبير عن “الألم الناتج من (كونك) وحيداً”. أما “العزلة (فهي) للتعبير عن روعة أن تكون وحيداً”. على هذا الاساس ليست هذه الانطولوجيا “الصغيرة” تجميعاً لـ”نصوص عن المشتقات السلبية للعزلة (الوحشة، الوحدة، الرثاء، الضياع، القلق، المنفى… الخ)”، بل أرادها صاحبها “تقاسيم شعرية محضة في ميلاد القصيدة في الشاعر، هذا الكائن الذي يخترق الحشد بعزلته مبتهجاً بما تمنحه هذه العزلة من أنا استبصارية”.

قمر بورخيس
قد يكون أجمل مقتطف في الكتاب للشاعر خورخي لويس بورخيس: “كم من عزلة في هذا الذهب./ قمر الليالي ليس القمر عينه/ الذي شاهده آدم الأول./ فقد ملأتْه قرون السهر الإنساني الطويلة/ بنحيب قديم. أنظري فيه. فهو مرآتك”.

مرايا كفافي
لكن قسطنطين كافافي، مبهر أيضا في مقتطف شعري له: “الثانية عشرة والنصف. كم سريعاً مرّ الوقت/ منذ أن أشعلتُ مصباحي في التاسعة(…)/ ظهرَ لي خيال جسدي الغضّ وجعلني استرجع/ عطور الغرف المغلقة/ ملذات سالفة(…)/ شوارع يصعب الآن التعرف عليها،/ ملاهي أُغلقت كانت تضجّ بالحركة،/ ومسارح ومقاهي كان لها وجود في ما مضى./ وأيضاً جاءني خيال جسدي الغضّ/ بذكريات مؤلمة:/ حداد العائلة، فراقات، وأناس أعزاء،/ وبمشاعر الأقارب، مشاعر الموتى/ التي لم تُقدّر حق التقدير…/ الثانية عشرة والنصف. كم سريعاً مرّ الوقت./ الثانية عشرة والنصف. كم سريعاً مرت السنوات”.

وحدة سنغور
اما ليوبولد سنغور، فيترجم له الجنابي قصيدة، كأنها مستلّة من مشهد على طرق مقفرة في فيلم من أفلام الغرب الاميركي: “أنا وحيد في السهل/ وفي الليل./ أنا أعمدة التلغراف/ الممتدة طوال الطرق/ المقفرة”.

سيادة الرعاع
أخيراً في مقتطف غير موقّع، وقد يكون كتبه الجنابي نفسه، وتركه مغفلاً، نقرأ: “حين يتسيّد الرعاع المشهد، تصبح حياتك في خطر. لا إنقاذ لها إلّا بالثنائي، وليس بالتداني. أدخل عزلتك، واقفل بابها باحكام”.
هل هذه حالنا اليوم: سيادة الرعاع؟


تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 1٬307 متابعون آخرين