الانتحاريون اللبنانيون بين جغرافيا الأحقاد وأناشيدها

مارس 29, 2014

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 29-03-2014

هل تحولت العمليات الانتحارية أداة حربية شبه أهلية في بيئات الأحقاد والثارات المتناسلة مديدا في لبنان؟ كيف يمكن وصف هذه البيئات، وما يعيشه أهالي الانتحاريين وعائلاتهم؟ ولماذا انتقلت ظاهرة الداعية السلفي أحمد الأسير من حالة شبه “إكزوتيكية” و”فولكلورية” إلى حالة “جهادية إنتحارية”؟

أمام منزله المحترق على طرف بلدته البيسارية، والمولود فيها من أب فلسطيني وأم شيعية من البلدة نفسها، قال هشام المغير – وهو والد نضال المغير (22 سنة) الذي شارك في العملية الانتحارية لتفجير مقر المستشارية الثقافية الايرانية في بئر حسن – إنه كان مقاتلا في “حزب الله” في حرب تموز 2006. وعلى رغم الكارثة التي حلت به وبعائلته يقول إنه لا يزال ينتمي الى الحزب الشيعي، ربما من باب كتمانه الشقاق الموجع والأليم الذي يتشبث بنفسه وهويته في بلدته.

p23-01-25347-640_593830_large

أسيريون انتحاريون وحرائق
فالبيسارية بلدة ساحلية في منطقة الزهراني، غير بعيدة من صيدا (17 كلم جنوبا) ومن المخيم الفلسطيني فيها، عين الحلوة. سكانها غالبيتهم من الشيعة، تخالطهم أقلية سنية كبرى من الفلسطينيين والسوريين ولبنانيي القرى السبع الحدودية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1948. حين وصلنا الى البلدة ظهيرة السبت في 15 آذار الجاري، لم نجد المغير في منزله، الذي كان عمال سوريون يقتلعون من أرضه البلاط الاسود المحروق، ويعيدون تبليطه، فقالوا إن صاحب المنزل ذهب ليصلي صلاة الظهر في مسجد حي يارين في البيسارية. يارين قرية جنوبية حدودية سنية سمّي الحي الذي يتكاثر فيه سكنهم في البلدة الشيعية باسم قريتهم التي وفدوا منها. وقال العمال البلاطون إن سوريين كثيرين مثلهم يعملون ويقيمون في البلدة منذ 10 سنين، لكنهم بعد تدفق موجات اللاجئين السوريين الى لبنان، أخذوا يلتزمون البيوت التي يقيمون فيها، فلا يخرجون منها بعد الثامنة مساء، التزاماً منهم قرارا بلديا محليا يمنع تجول السوريين ليلاً في البلدة.
الزميل أحمد منتش، مراسل “النهار” في صيدا، ودليلنا في زيارتنا البيسارية، كان قد روى في “نهار” 21 شباط الماضي، وقائع إحراق منزل هشام المغير، فكتب أنه لم يكن قد “مضى وقت طويل على نشر الجيش اللبناني صورة أحد الانتحاريين المفترضين في تفجيري المستشارية الإيرانية في بئر حسن في 20 شباط الماضي، وعلى التأكد من أنها للفلسطيني نضال هشام المغير الذي توجه والده الى أحد المراكز العسكرية لإجراء فحص الحمض النووي، حتى عمد عدد من أبناء البيسارية والجوار الى محاصرة منزل المغير في حال من الغضب والهتاف ضد التكفيريين، فوصفوهم بالصهاينة الجدد، فيما كان أبناء عائلة المغير قد غادروا جميعاً منازلهم وتواروا”. روى منتش أيضاً أن أبناء عائلة حمادة، وهم من قرية يارين المقيمين في البيسارية، غادروا منازلهم وتواروا أيضاً، بعدما تردد في البلدة احتمال أن يكون الانتحاري الآخر المشارك في تفجيري المستشارية من آل حمادة. ذلك أن صورة أحد شبان هذه العائلة ظهرت في قائمة ذيّلت بعبارة “تلامذة الأسير”، وضمت ستة أسماء. وذكر مراسل “النهار” أن أحد انتحاريي التفجيرين السابقين أمام السفارة الإيرانية، هو الفلسطيني موسى محمد الأحمد، المقيم مع عائلته في البيسارية.
إننا، اذاً، حيال ما قد يكون “ظاهرة أسيريّة إنتحارية” في البيسارية التي فرّ عدد من شبانها الفلسطينيين واللبنانيين السنّة بعد “الاقتلاع المسلح” الدامي لهذه الظاهرة من مسجد هلال بن رباح في عبرا، ضاحية صيدا الشرقية، وملاحقة أتباعها ومريديها ومطاردتهم واعتقالهم. قبل وصولنا الى منزل المغير المحترق، رأينا الى جانب الطريق الرئيسية في البيسارية سيارة محترقة أمام منزل لآل الأحمد. أما الحريق في منزل هشام المغير، المحوط بحديقة والمؤلف من طبقتين، فأتى أيضاً على ثلاث سيارات: رانج روفر جديدة الطراز، وسيارتي فان يستعملهما مع ابنه البكر، شقيق الانتحاري، في توزيع الخبز في البيسارية والقرى المجاورة. هذا فيما كان الانتحاري نضال يعمل في حدادة السيارات وطلائها في ورشة في الطبقة الأرضية من المنزل.

عمران بلا نسيج اجتماعي
البيسارية بلدة غير قديمة العهد في سهل زراعي ساحلي، تجمّع فيها خليط سكاني من هويات أهلية وبلدية غير متجانسة. موجات التهجير والنزوح المتعاقبة منذ “النكبة” الفلسطينية (1948)، والأحدث زمناً، من العوامل المشتركة في هذا الخليط. زائر البلدة يلاحظ أنها تفتقر الى نواة سكنية قديمة متماسكة ليتدرّج العمران والسكن انطلاقاً منها وحولها. حتى سكن الأكثرية الشيعية وإقامتها لا يبدو عليهما القِدم وشكل من التنظيم، بل يشيان بأن العمران انتشر كيفما اتفق، على مثال العمران الفوضوي والعشوائي وكتله الكبرى المحدثة على طول الساحل ومرتفعاته القريبة بين الاوزاعي ومدينة صور. المعروف أن جماعات من الفلسطينيين وأهالي القرى السبع وسواهم من “الرحّل”، نشرهم التهجير والنزوح والترحال في هذا السهل بين الزهراني وصور، حيث عملوا في الزراعة لدى كبار ملاّك البساتين، وأنشأوا مع المهاجرين الجنوبيين الشيعة تجمعات سكنية زراعية سرعان ما توسعت فوضوياً على حساب الاراضي الزراعية. هذه التجمعات المتسارعة غير قديمة العهد على الساحل. فالطرق المتفرعة من الشارع الرئيسي في البيسارية، والمؤدية الى نواحيها السكنية المتناثرة، غير مفلوشة بالإسفلت. تناثر البناء الجديد كله، يشي بأن نمط العيش والإقامة بلا نسيج اجتماعي بلدي يقيم شبكة علاقات متوائمة بين السكان. فالبيوت منتشرة وفقاً لعشوائية لا أثر فيها الا لإرادة كل من يرغب في البناء على أرض كانت زراعية، وفقاً لحاجاته وقدراته المادية. لذا تبدو هذه البيوت أشبه بمضارب من الإسمنت والحجر على المنحنيات والتلال والروابي التي غادرت طابعها الزراعي على نحو مفاجئ.

p23-02-25347-640_131293_large

بؤر الشقاق والعداوات
حال الاجتماع وأخلاطه السكنية لا تختلف عن حال البناء والعمران، بل هي وليدتها، وعلى صورتها ومثالها. سكنٌ وظيفي خالص وفي العراء، لا ينشأ عنه اجتماع ولا حياة اجتماعية ولا نسيج اجتماعي، ما خلا مواصلة السكان لهوياتهم المتضاربة ورسمهم حدودها في المكان ودوائر السكن الناشئة كما في الارض المشاع.
وإذا كان شقاق الهويات الإسلامية قد ظل خافتاً وبارداً حتى انبعاث حركة “امل” الشيعية وسيرها في ركاب السياسة السورية الأسدية ضد سياسات “فتح” الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات، فإن ذلك الشقاق دخل في منعطف جديد وانبعث قوياً غداة اغتيال رفيق الحريري وما أعقبه من احتقان سني – شيعي، بلغ أشده مع هجوم “حزب الله” على بيروت في 7 آذار 2008. أما في صيدا وجوارها فقد ولّد تعملق الحزب الشيعي وتجبّره، ظاهرة الداعية السلفي أحمد الأسير التي بدأت، حسب وصف حازم صاغية، “إكزوتيكية” و”فولكلورية”، وانتهت دموية في 2013، على خلفية حروب “حزب الله” إلى جانب النظام الأسدي ضد الشعب السوري الثائر.
هكذا بدا للناس غير الشيعة أن سلوك الحزب الشيعي اللبناني وسياساته الحربية لا تظهره إلا في صورة إمارة أو ولاية حربية للطموح الأمبراطوري الإيراني في المشرق. وظهر أيضاً أن مقاومته إسرائيل كانت في خدمة ذلك الطموح، نسجاً على منوال قومجي عروبي، أسدي وصدّامي، يتوسل بالتعبئة لمحاربة إسرائيل بهدف تثبيت سلطانه الاستبدادي الشمولي في الداخل.
الشذرات القليلة التي ذكرها هشام المغير من سيرته، تُظهر ملامح من مصائر الحروب الملبننة المتناسلة وآثارها في الاجتماع وشقوقه: والده فلسطيني تزوج من شيعية في البيسارية. هو ولد ونشأ وتزوج من فلسطينية في البيسارية. في كلامه تختلط اللهجة الجنوبية الشيعية باللهجة الفلسطينية. في زمن صعود المقاومة الفلسطينية، كان مقاتلاً في إحدى منظماتها. نسبه الفلسطيني – الشيعي المختلط، أهّله ليكون في صفوف “حزب الله”، بعد الاحتلال الإسرائيلي وانهيار المنظمات الفلسطينية في 1982. في حرب تموز 2006 كان مقاتلا في الحزب الشيعي المقاوم. إحدى بناته الخمس تزوجت من شيعي في البيسارية. وسط تفاقم الاحتقان الشيعي – السني جذبت دعوة أحمد الأسير، إبنه الأصغر، نضال، الذي أخذ يتردد مع أمثاله من فتيان البيسارية، إلى مسجد هلال بن رباح في عبرا، غداة الثورة السورية. شبان حركة “أمل” و”حزب الله” في البلدة استفزتهم الظاهرة الأسيرية، واجتذابها مريدين من الفتيان السنّة اللبنانيين والفلسطينيين، فأخذوا يتوعدون مريدها بالويل والثبور.

p23-03-25347-640_437589_large

إنجازات الأسد و”حزب الله”
إنه قدر هذه البيئات وشبّانها في بلاد الشِقاق والحروب الأهلية، جيلا بعد جيل، حينما لا يجدون سبيلا إلى تصريف فتوتهم المراهقة إلا في انتسابهم إلى منظمات وأجهزة وحركات دعوية متناسلة ومتنابذة. وإذا كانت هذه المنظمات والحركات الدعوية قد ظلت تكتم عداواتها وتلجمها، وتصرّفها أحياناً في الهوامش وخارج بيئاتها السكنية والأهلية (كأفغانستان والعراق) حتى حرب تموز 2006، فإن سكرات “حزب الله” وحركة “أمل” بانتصاراتهما منذ العام 2000، وتوظيفها في خلق جسم طائفي متجانس ومرصوص من أقصى لبنان إلى أقصاه، أشعرت كل من لا ينتمي الى هذا الجسم بالاختناق والحصار والمهانة والخصاء في البيئات الأهلية والشعبية غير الشيعية.
فعلي بركات الذي تتكاثر على شبكة “يوتيوب” أناشيده الحربية تمجيداً لـ”حزب الله” وإنتصاراته، أنشد لـ”قمصان الحزب السود” الشهيرة غداة الثورة السورية قبل سنوات، قائلا: “نحنا الحزب الغالب/ بنتحدى الموت وما بنهاب/ من إصبع إيدك (حسن نصرالله، طبعا) بيخافوا/ لما بعتمة ليلن (ليلهم) شافوا القمصان السود”. في مقابلة معه مبثوثة على موقع “مختار نيوز”. في شبكة الأنترنت، يعلن المنشد: “بدنا (نريد) القمصان السود تشكل رعب، حتى تكون رادع لأي شخص بيفكر يتطاول على سلاح المقاومة”. هذا، فيما يشكل تكاثر مثل هذه الأناشيد على الشبكة العنكبوتية “عالماً تحتياً”، موازياً للوقائع اليومية، ويصب زيت الأحقاد والرعب والمهانة على جمر الجزر السكنية السنية والفلسطينية المختنقة وسط دوائر السكن الشيعي الكبرى.
في البيسارية وأمثالها من التجمعات السكنية، وجد بعض الفتيان والشبان السنّة في ظاهرة الأسير صوتهم ومتنفسهم، فأخذوا يحجّون الى مسجده في عبرا كمريدين وأنصار للخلاص من يتمهم الاجتماعي والأهلي والشخصي، وللرد على سكرات المجد والقوة الفائضة التي يصليهم بها “حزب الله” وجمهوره المستنفر على مثال حربي مرصوص. في هذا السياق يبدو “الخطاب الديني السلفي” لأحمد الأسير استعارة شكلية للتحصن والرد على الخطاب الحربي المرصوص الذي حوّل “المقاومة” عقيدة حربية شيعية دائمة. بين عشية وضحاها انتقلت هذه “المقاومة” لقتال الشعب السوري الثائر على الاستبداد الأسدي. وفي عملية الانتقال هذه انتظر “حزب الله” النظام الأسدي كي ينجز قتل عشرات الألوف من شبان سوريا الثائرين سلمياً، أو تشريدهم أو اعتقالهم، وتحويل ثورتهم ثورة إسلامية طائفية جهادية مدمرة. إذذاك أعلن الحزب الشيعي اللبناني حربه على “التفكيريين” في سوريا ولبنان. كأن ما أنجزه النظام الأسدي في سوريا، يعدنا “حزب الله” بأن ينجز مثله في لبنان.
هكذا لم تُترك الظاهرة الأسيرية على حالها “الإكزوتيكية” و”الفولكلورية”، بل عُبّدت لها الطريق كي تتحول ظاهرة “جهادية” حربية، قتالية وانتحارية.
في بلدته البيسارية، وفيما هو يعمل في ورشته لحدادة السيارات أمام منزله، أخذ شبان شيعة يداومون على إهانة نضال المغير والاعتداء عليه، بعدما أطلق لحيته الأسيرية، قائلين له إنه تبع الداعية الجديد كي يقوم بعملية انتحارية. وإذ فعلها نضال، بعد اقتلاع ظاهرة الأسير اقتلاعاً دموياً، وفراره مع سواه من مريدي الداعية، أحرق الشبان إياهم منزل أهله.
في هذه الأثناء كان المنشد علي بركات يحدّد أناشيده. فإلى ما سمّاه “لطمية المد العلوي تفجر”، أنشد “أحسم نصرك في يبرود/ يا “حزب الله” برجالك جود”. أناشيد الحرب هذه تستسقي مثلها، فظهر على الشبكة العنكبوتية نشيد جهادي حربي أشد عنفاً وشناعة: “إحنا اللي (نحن الذين) بالدم نجود/ والتمكين من الله آت/ حلمك نصرك بيبرود/ أوهامك يا حزب اللات/ أحفر قبرك في يبرود. يا ضاحية الذل انتظري/ أشلاء وبدون رؤوس/ صبي الدمع ثم اعتبري/ من يبرود ومن رنكوس”.

p23-04-25347-640_659995_large

إدمان الحرب
إننا، إذاً، على حافة المذبحة، إن لم نكن قد بدأنا التوغل فيها. كأن العمل “الجهادي القاعدي” (نسبة إلى القاعدة)، في طريقه إلى مغادرة سريته المهاجرة المعتمة، ليتوطن ويصبح عملاً أهلياً يعتمد الإرهاب الانتحاري أداة حربية متفشية.
حسام عيتاني في تعليق له في صحيفة “الحياة”، 18 آذار الجاري، نقل عن الكاتب الأميركي كريس هيدجز قوله إن إدمان الحرب لا يختلف عن إدمان المخدرات. وها “مجتمعات بأسرها تقع في قبضة إدمان الحرب. تأسرها أساطير البطولة والتضحيات المبذولة من أجل الجماعة وخرافاتها وقائدها. (…) كل من اللبنانيين لديه واجب مقدس و”زينبه” التي لا يريد أن تسبى مرتين. وكلٌّ يبحث عمّن يمدّه بالسلاح والمال لينضم إلى حلقة مدمني الحرب”.
العمليات الانتحارية الأخيرة في بعض المناطق اللبنانية تضعنا على شفير “حالة عراقية” في لبنان. المسافة الفاصلة بين سرية العمليات الانتحارية واعتمادها سلاحاً حربياً اهلياً، لم تعد كبيرة. الشبان الذين سألناهم في البيسارية ليرشدونا الى منزل آل المغير، قالوا مستغربين مستنكرين إننا نسأل عن “البيئة الحاضنة للتكفير والارهاب”، التي تعيش بينهم.
الأحقاد وثاراتها لم تعد ملجومة ولا مكتومة. إنها تتفشى من سوريا الى العراق الى لبنان، وتتفشى أغانيها وأناشيدها راسمة حدوداً جغرافية للجماعات من أقصى لبنان الى اقصاه: “يا تكفيري مهما طال/ ما تفكر أنو الشمال/ بيحمي وجودك أو عرسال”، أنشد علي بركات.
هل من أملٍ في تدارك المقتلة؟

“رأس العبد” وحقوق الانسان

مارس 22, 2014

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 17-03-2014

تصوير زينة حريز

في عقد الستينات اللبناني “السعيد” اتفق اللبنانيون على تسمية قطعة شوكولا محشوة بالكريما البيضاء، “رأس العبد”. كانت تنتجها “معامل غندور” ويبلغ حجمها حجم قبضة اليد. آنذاك لم يعترض أحد على التسمية هذه، ولم ينتبه أحد قط لـ”عنصريتها” ومجافاتها “حقوق الانسان”. فكلمة عنصرية وعبارة حقوق الإنسان وسواهما من مصنفات الحقوق المتصلة بهما، لم تكن رائجة على ألسنة اللبنانيين وفي الخطاب الاعلامي، الاجتماعي والسياسي. وكان الاطفال والفتيات والفتيان وتلامذة المدارس، يستمتعون بأكل “رأس العبد” المغلف بطبقة رقيقة من الشوكولا السوداء، ويستمتعون أيضا بلفظ هاتين الكلمتين، كعلامة على اندراج فئات واسعة منهم ومن أهلهم في اللهو والاستهلاك والتمدن، بعد مغادرتهم الأرياف الى المدن.

في الزمن والسياق إياهما راجت أيضا سلعة جديدة لتنظيف أواني المطبخ كان اسمها “سيف العبد”. وهي كتل صغيرة متكوكبة من خيطان الفولاذ تستعملها سيدات البيوت في تنظيف أواني الالمنيوم. وكانت التسمية تلك تدليلاً إلى فاعلية السلعة وقوتها في التنظيف، لشبهها بالشعر الأجعد القوي المتشابك لـ”العبيد”، أي ذوي البشرة السوداء.
في تلك الحقبة اللبنانية “السعيدة”، كان نادراً استيراد “الخادمات” الأجنبيات للعمل في بيوت اللبنانيين. أندر منه كانت الجمعيات والمنظمات الرائجة اليوم والناشطة في مجالات مناهضة العنصرية والتمييز على أنواعه، وفي الدفاع عن حقوق الإنسان والمرأة والطفل والعاملات الأجنبيات، وسوى ذلك من ألوان الحقوق، بعدما صار لبنان أشبه بغابة وعرة للعمران العشوائي، وللاجتماع العشوائي المضطرب، المحتقن والممزق والمتنابذ، في ظل غياب الأنظمة والقوانين ومؤسسات الدولة وسلطاتها، وانهيار المجتمع.
اللافت والمفارق أنه عندما لم يكن اللبنانيون يتكلمون عن حقوق الإنسان والحقوق المدنية والتمييز الفئوي والعنصري، ولا يكلمهم أحد عن هذا كله، كانوا يعيشون في ما يشبه نظاماً من “الوئام الأهلي – العائلي”، تندر فيه حوادث القتل اليومي كما اليوم. كانوا سعداء بـ”رأس العبد” وبـ”سيف العبد”، من دون انتباه إلى أن هاتين التسميتين ومثيلاتهما تنطوي على تمييز وعنصرية، وكانوا سعداء بعدم انتباههم ذاك. أما حين انتبهوا اليوم، وانقرض “سيف العبد” وأطلقت “معامل غندور” حملة إعلانية تلفزيونية لتسويق سلعتها القديمة باسم جديد هو “طربوش”، فوجدوا بلادهم وأنفسهم غارقين في الفوضى والهباء والمعازل الأهلية الطائفية المتحاقدة حتى القتل. وإذا امتنع عليهم تبادل القتل في معازلهم، ذهبوا إلى غابة القتل السورية الغارقة في الحرائق والدماء.

الناس نيام، إذا ماتوا انتبهوا!

(الصورة عن الانترنت)

شهرزاد الغضب

مارس 2, 2014

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 22-02-2014

لوحة لمحمود الزيباوي

كيف نقرأ اليوم كتابات أنسي الحاج في زاويته الثابتة “كلمات كلمات كلمات” في “الملحق” الأسبوعي لـ”النهار” ما بين 1964 و1974؟ وهي جُمعت في ثلاثة أجزاء نُشرت في 1247 صفحة من الحجم الكبير لدى “دار النهار” العام 1987؟ هل هي شريط طويل، متقطع، من فن الكتابة الحرة، من اللحظات أو المتواليات الكتابية المتمردة على الأشكال المحددة للكتابة؟ أهي مزيج متدافع مفتوح لا يعبأ بأصناف الكتابة وحدودها، حتى بين النثر والشعر؟ قد يكون فيها من الشعر دفقه ونبرته الحاسمة، ومن النثر سعته ورحلته في أرجاء ظواهر الاجتماع والحياة اليومية، لكن من دون روايتها، والاستعاضة عن الرواية بالهجوم على العالم بحساسية شعرية، أو بمزاج شعري.

أحياناً يقول القارئ إن الاعترافات والشهادة والتعليق والمتابعات هي الغالبة على هذا المزيج الكتابي. فجأة يطالعه النقد والسجال الثقافي والفكري والسياسي، لكن من دون التزام أي من المعايير السائدة في النقد والسجال، كالعرض والمداورة، وإعادة الأفكار إلى مصادرها، تبويبها ومعارضتها بغيرها.

رجعي يعيش في الماضي
يفتتح أنسي الحاج “كلماته” في 17 أيار 1964، فيكتب في أعلى الصفحة: “أنا رجعي”، ثم يضع نقطة، ويعود إلى أول السطر الثاني، ليكتب: “أنا: شخص يعيش في عصر الشعارات المرعبة التي تخجل كلها بالرجعية”. ثم يقفز إلى أول السطر الثالث: “شعارات التقدمية والطليعة والتحرر”. لا يعرض هذه الشعارات، لا يناقشها، بل يكتب متابعاً: “كل فنان لا ينضوي تحت هذه الشعارات يسقط من الشجرة”. قد تكون الشجرة هنا في هذا السياق كناية في غير محلها، ففعل يسقط وحده يُتِمّ المعنى ويحسمه حسماً قاطعاً يتلاءم مع لغة الشعارات “التقدمية” الساحقة التي يشهد الكاتب بأن “الرجل الذي لا يزعمها، محروم حتى الفوز بامرأة!”. هنا يتخذ أسلوب أنسي الحاج أبهى صوره، في استدعائه المفاجئ لغير المتوقع.
ثم بلا مقدمات يكتب: “أكره التقدم وما صنعه، وأكره التمدن لأنه ليس غير إباحة الأسرار”. في جملة واحدة صغيرة حاسمة، يختصر مقولة بحثية كاملة في علم اجتماع التمدن والمدينة. وذلك فيما هو يشاكس التقدمية الرائجة بوصفها موضة العصر ودرته، آنذاك، ويعاكسها باعترافه الحاسم بأنه رجعي. المشاكسة والمعاكسة هاتان لا تحتاجان إلى حجّةٍ ولا برهان ولا شرح، بل تتجنبان وترفضان الخوض في الحجج والبراهين والشروح، لصالح الاكتفاء الصريح بإعلان الكراهية الذاتية أو الشخصية للتقدم، من دون توضيح. هو على المنوال نفسه يعترف: “أعيش في الماضي”. وبعد تعداده رموز الماضي الغابرة، كـ”القلعة، والحصن، والجزيرة الغامضة”، يكتب: “أيام كان الناس رومنتيكيين قبل أن يجيء شعراء الرومنتيكية”. هذه جملة تكاد تختزن مقولة كاملة في النقد الأدبي وفي علم اجتماع الأدب والجماليات. وكان أنسي الحاج قد سبق الروائي التشيكي – الفرنسي ميلان كونديرا في كراهيته التمدن وسلطة الدعاية والإعلان والشعار والكيتش التي أفرغت الكائن الانساني من كينونته الذاتية الخاصة، ورمته في صحراء الاستهلاك السريع، كائناً مفرغاً خاوياً بلا خصائص. كتب كونديرا متحسّراً على الأيام الخوالي في زمن البطء القديم، حينما كان الشعراء الجوالون يتنقلون على الدروب، وينامون تحت النجوم.

كخاطر يسكن الأبدية
أجوبة كثيرة، تأويلية واحتمالية سريعة، عن السؤال الآتي: لماذا يقول أنسي الحاج إنه رجعي، يكره التقدم والتمدن، ويعيش في الماضي؟ وهل حقاً هو كذلك؟ الأجوبة هذه قد تشكل خيطاً من الخيوط التي تخترق كتاباته في “كلمات”.
هناك أولاً الشعر والمثال الشعري الضاربة ينابيعهما في الطفولة بوصفها خزان الرؤية الشعرية للعالم. دليله الذي لا رادّ له في هذا الأمر، هو صوت فيروز الذي كثيراً ما كتب أن صوتها “نعمة”، ويردّ العالم إلى براءته الأولى، لكن معترفاً في المقابل بأن شعره غالباً ما يعاكس البراءة، بوصفه شعر اللعنة.
هناك ثانياً صوت فيروز نفسه الذي جعله أنسي الحاج حجة شعرية، وكرَّس النظرة إليه كطاقة شعرية، فتلقف الوسط الثقافي هذه النظرة واستلهمها، فدخلت فيروز الصوت والدور أيقونة شعرية في كثير من قصائد الشعراء. الحق أن صوت فيروز ليس طالعاً من الحنين، بل هو الحنين الشعري مجسَّداً في صوت يأتي حياً من الماضي ومن جهات الزمن الأخرى، ليوقف الزمن.
هناك ثالثاً لبنان، لبنان الفكرة والمثال الشعري الذي قد يكون حاضراً حضور الطيف الدائم خلف معظم المتابعات والاعترافات في “كلمات”. لبنان المثال الشعري هذا، مقيم غالباً في الماضي المتخيل، في تخييل الماضي، وفي المستقبل الآتي من الأحلام، من أحلام اليقظة السعيدة، لكن ليس من الحاضر قطعاً. الحاضر اللبناني في كتابات أنسي الحاج، غالباً ما يحضر حضور التمدن الذي افتتح “كلماته” بإعلانه الكراهية له. لذا فإن لبنان المجتمع والدولة والإدارة والحكم لا يحضر في ستينات مؤسس “الملحق”، إلا بوصفه أقرب إلى مأساة أو تراجيديا لا أمل في خروجه وخلاصه منها.
الدليل الحاسم هو ختام “كلمات” في 14 آب 1974. “عندما كنا صغاراً كان الصيف عطلة. كان البحر وكان الجبل، لكن البحر كان غالباً يكون رصيف الجبل، فالجبل هو حلم الصيف (…) وكان لبنان صغيراً معنا. (…) لا أحد يتكلم فيه عن الحرية غير خطاطي الشعارات ولا أحد يتكلم عن الطمأنينة غير أدباء يوم الأحد. فالحرية كانت ملء الفرح وملء الحزن (…) وكانت السلطة موجودة بضآلة ورفق (…) وابعد من السلطة كنا دائماً نحسّ بلا وعينا إحساساً ايجابياً عارماً وخلاّقاً بلبنان، كأننا كنا نحدس (…) أن لبنان رقعة روحية وسهل نفسي وجبل أخلاقي (…) متى كان ذلك؟ متى؟ قبل عشر سنين، قبل مئة سنة. وأين أين؟ أين صار ذلك البلد الذي كنا نقطع فيه مسافة البرق فنصبح في الجنة؟”.
“كان اسمه لبنان. لم يكن أحد يخاف من لبنان”. ألا تحضر فيروز هنا، وكذلك ميشال شيحا ولبنانه المتوسطي الذي نعاه في شذراته التأملية الصحافية، لكن الشعرية، في مطالع الخمسينات، لينعاه أنسي الحاج في أواسط السبعينات: “أبكيك يا وطني لأنك تبكي (…) ولأن زمان القسوة طال عليك (…) لأنه يعزّ عليك أن يزورك الجميع ولا تزور نفسك، وأن تأخذ البشاعة حريتها فيك (…) أبكيك لأني أبكي أعماراً لنا جفلوها في بدايتها (…) فيوم كنا صغاراً (…) كنا نسكنك لا كمن يسكن بلداً بل كخاطرٍ يسكن الأبدية”.
هناك رابعاً وأخيراً، بناءً على ما تقدم، ما يستبطنه الكثير من “كلمات” أنسي الحاج، وخصوصاً تلك الأخيرة: بروز الطفرة الجماهيرية الصاخبة وفوضاها الاجتماعية والعمرانية المدينية في لبنان الربع الثالث من القرن العشرين، وحلول الأرياف في المدن. قبل ذلك كانت البنى والأطر الاجتماعية والسياسية اللبنانية، لا تزال قادرة على استيعاب الحراك والتناقضات الاجتماعية والسياسية، إدارتها وتدبيرها، في إطار من المصالحات والتسويات العائلية والبلدية. فالمجتمع اللبناني، كان لا يزال بلدياً وأهلياً، وكذلك العائلات السياسية التي كان في وسعها إدارة شؤون ذلك المجتمع البلدي والأهلي في مؤسسات الدولة والحكم. هذا ما بدأ يتأكل تدريجاً ويتمزق تحت ضغط الطفرات الجماهيرية التي عجزت الأطر السياسية والاجتماعية القديمة عن تنظيم شؤونها كافة، فأخذت هذه الجماهير المتذررة والمسيّبة تنظّم حياتها على هواها وتدير شؤونها ذاتياً، وصولاً إلى الحرب الأهلية. هكذا لم يبقَ من لبنان سوى “حرية البشاعة” في لغة أنسي الحاج. اما الحرية الأخرى، الحرية في معناها الذاتي والوجودي والشعري، فشأن آخر، ولبنانها لبنان آخر: “خاطر يسكن الأبدية”.

الحرية والتباساتها
خيط آخر متصل بمسألة الحرية، يخترق “كلمات”. إنه الغضب المشاكس المتمرد متلوّناً في مزاج الكاتب وأسلوبه الكتابي. ما هو مصدر هذا الغضب الذي حمل أحدهم على وصف أنسي الحاج بـ”بائع الغضب الأحدي”، ويمكن القول ايضاً إنه شهرزاد الغضب في الستينات اللبنانية، لكن من دون حكاية ولا رواية، لأنه ينبعث من حساسية شعرية؟
لننطلق من المقولة العامة الشائعة التي تعتبر الستينات اللبنانية والنصف الأول من السبعينات، حقبة “أيام العز” أو “العصر الذهبي” للتفتح الثقافي والفني والاجتماعي والإزدهار الاقتصادي. هناك من أطلق على تلك الحقبة اللبنانية تسمية “النهضة الثانية”، عوداً على بدء “النهضة الثقافية والأدبية العربية” الأولى في مصر ولبنان في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. معروف أن نهضة التعليم وتوسع قاعدته طوال النصف الأول من القرن العشرين، وكذلك التحرر الاجتماعي والحريات السياسية، كانت العوامل البارزة في التفتح والإزدهار في لبنان الستينات، ومن علامات تميزه عن محيطه العربي الذي سيطرت على مجتمعاته ودوله إيديولوجيا عروبية قوموية شمولية، وأنظمة عسكرية وديكتاتورية.
أنسي الحاج في مشاكسته وغضبه، إبن بارّ للتفتح والإزدهار والتميز والحريات اللبنانية التي بلغت ذروتها في الستينات التي سال حبر كثير في مديحها بوصفها درة القرن العشرين الثقافية في لبنان. فالاسترسال في المشاكسة والغضب وفي أعلانهما في دوائر العلانية العامة الثقافية والصحافية، شرطهما الضروري هو الحرية. لا بل إن هذه الدوائر الناشئة والمزدهرة بقوة في الستينات اللبنانية، جعلت من التعبير الحر عن الأفكار والمشاعر والأهواء المختلفة، علّة وجودها وتمايزها عن اختناق الحريات وخنقها وسحقها في المجتمعات والدول المجاورة التي حمل غيابُ الحريات فيها وتغييبها، اللبنانيين، وخصوصاً المثقفين والكتاب الليبيراليين وغير العروبيين، على اعتبار الحرية ولبنان حقيقة واحدة لا تنفصم عراها. هناك من يقول إن عبادة الحرية حتى السكر والتغني الفولكلوري بها في أوساط ثقافية لبنانية، أفقدها الكثير من مضامينها لأن تلك الأوساط اعتبرتها منجزة سلفاً في لبنان منذ كان، وحازها اللبنانيون وبلدهم سلفاً. كأنها في هذا، خارج التاريخ وخارج نطاق الفعل والممارسة التاريخية والاجتماعية، أي أقرب إلى صنمٍ أو خرافة أو اسطورة. والحق أن الحرية اللبنانية ليست على هذه الصورة، أي ليست سلفية وصنمية ولا وهمية، بل هي قائمة وموجودة، لكن الوعي التاريخي والاجتماعي بها لدى اللبنانيين ضعيف.

الغضب الجمالي
هذه الحرية اللبنانية كان أنسي الحاج إبنها المشاكس والغاضب عليها ومنها، لأنها فاقدة مضامينها الذاتية والفردية، واقرب إلى شعيرة اجتماعية في ممارستها. في مواجهة هذا النوع من الحرية الحسيرة والعسراء، والشبيهة بالكيتش، أراد صاحب “لن” اكتشاف حرية داخلية، سيزيفية ودونكيشوتية، تحرّر الوعي واللاوعي. حرية زئبقية مشاكسة، ومستمدة من مثال شعري وجمالي فريد وشريد، أراد صاحبه استدخاله غريزياً في نثر الحياة اليومية ولحظاتها العابرة.
من التصادم بين هذا المثال الغريزي، الشعري الجمالي، وإرادة توطينه المستحيلة في تفاصيل الحياة والعلاقات الإنسانية اليومية، وفي النظر إلى لبنان المجتمع والدولة والحياة السياسية، وبين الواقع الاجتماعي والسياسي وقيمه السائدة في لبنان الستينات، ولد الغضب الشعري والجمالي في النثر الأسبوعي لـ”كلمات” أنسي الحاج الذي أقحم الشعر والرؤيا الشعرية في نظرته إلى واقع العلاقات الاجتماعية والسياسية اللبنانية، وفي كتابته النثرية الأسبوعية المتحررة من منطق النثر لصالح منطق، بل لا منطق الغريزة. ربما كان صاحب “الرأس المقطوع” يدرك وأمثاله من ابناء جيله من أصحاب تلك الرؤية، أنهم صنيعة التفتح الثقافي والاجتماعي اللبناني، قدر ما هم أيضاً أبناؤه غير الأبرار، المشاكسون المتمردون والغاضبون. فالمشاكسة والتمرد والغضب ما كان لها أن تنشأ وتنمو، لولا ظهور مسرح جديد للحياة الاجتماعية والثقافية اللبنانية الناشطة في بيروت الستينات. وهو مسرح له سوابقه في عاصمة لبنان الكبير وحواضر جبل لبنان، منذ 1920، وفي حقبة ما بين الحربين العالميتين، وصولاً إلى الخمسينات.
أنسي الحاج مع كوكبة من أمثاله ومجايليه، ساهموا، شعراء وكتّاباً صحافيين ومنشّطين ثقافيين، في نشأة ذلك المسرح للحياة الثقافية البيروتية، وفي توسيع رقعته وفضائه. فـ”الملحق” النهاري، الثقافي الأسبوعي، الذي أسسه الحاج وترأس تحريره، كان مساحة أساسية و”نجماً” جاذباً في فضاءات ذلك المسرح الذي شكلت الصحافة الثقافية الناشئة والمزدهرة قطباً فاعلاً فيه، ومرآة حية لنشاطاته المختلفة المتفاعلة.

مخزون الغصب والتمرد
المزاج الكتابي النثري الغاضب والساخط الذي لم يتوقف صاحب “ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة” عن بثّه أسبوعياً في “كلمات”، كان وليد نزوع المثال الشعري والجمالي إلى التصادم مع الواقع لتحقيق تفرّد ذاتي مشاكس مطلبه حرية لم يستهلكها الكيتش الاجتماعي السائد.
الإطار العام لنشوء الذاتية والفردية، هو الحراك والتحولات الاجتماعية اللبنانية التي أتاحت لفئات وبيئات اتسع إقبالها على التعليم والمدينة ونمط الحياة الحديثة، منذ عشرينات القرن العشرين، أن ترتقي وتتفتح على الثقافة والفنون، وبواسطة الثقافة والفنون والصحافة، بعدما صارت دوائر لعلانية عامة جديدة وغير مسبوقة. في هذه الدوائر نشأ مثال شخصي، فردي وذاتي، في النظر إلى النفس والعالم والعيش والعلاقات والقيم والإجتماع والسياسة والوطن والوطنية، وصولاً إلى الأهواء والرغبات والجسم والتعبير عنها في الحياة العامة والخاصة، وفي المجالات الثقافية والفنية. لكن المثال الفردي الجديد الناشئ في المجتمع اللبناني ولد مرضوضاً وغير مكتمل وظل مثلوماً، وتعرض لكبح السلطات والمؤسسات الإجتماعية والسياسية التقليدية وقيمها الموروثة.
في الستينات والسبعينات بلغ التصادم بين المثال الفردي للذات والعالم والقيم والأهواء، وبين انماط العيش التقليدية الموروثة، ذروته، فنشأ عن ذلك غضب وتمرد شبابيان وثقافيان شكّلا ظاهرة عالمية عبّرت عنها بقوة لافتة الحركات الطالبية، وحركات تحرر المرأة وتحرير الرغبة الجنسية، التي وصلت اصداؤها قوية إلى لبنان الستينات، فتلقفتها الحركة الطالبية ودوائر الحياة الثقافية اللبنانية الناشطة في بيروت، على نحو لم يتوافر له مثيل في العواصم العربية كلها.
أنسي الحاج دفع الغضب والتمرد هذين حتى الأقاصي في “كلماته” التي اختزنت التمرد الجبراني، تجربة مجلة “شعر” في الخمسينات، وأسلوب المدرسة اللبنانية في التعبير الأدبي، ولا سيما كتابات فؤاد سليمان في “تموزياته النهارية”.
لكن ذلك الخزين الثقافي والتعبيري لا يكتمل إلا إذا أضفنا إليه تراث مجلة “المكشوف” التحرري الذي ساهم فيه والده لويس الحاج في الثلاثينات والأربعينات إلى جانب “عصبة العشرة” من الشعراء والقصاصين. أما صوت فيروز الشعري أو الشاعر، الطالع من لبنان المثال والحلم مضرجاً بالحنين، فقد شحذ بدوره طاقة صاحب “الرسولة بشعرها حتى الينابيع” على الغضب والتمرد اللذين لا تكتمل مصادرهما الثقافية والتعبيرية إلا بإضافة الإستلهامات المحلية هذه إلى أعلام من الشعر والثقافة الفرنسيين في حقبة ما بين الحربين العالميتين وما بعدها، من السوريالية والوجودية والعبثية والعدمية.
هذه المروحة من المخزونات والاستلهامات التي استلّ منها أنسي الحاج غضبه في “كلماته” النهارية، هي محفزات ثقافية وأدبية تساعد في الكشف عن التوتر بين صورة للبنان المثال بوصفه قريناً مفرداً ووحيداً للحرية في محيطه، وبين لبنان الواقع الإجتماعي والسياسي في هذا المحيط الذي غالباً ما يكبح فرادة المثال اللبناني، ويدفع أوساطاً من مثقفيه وجماعاته إلى أسطرة الحرية اللبنانية وإخراجها من التاريخ ومن التاريخ الاجتماعي وحوادثه ومنعطفاته. لكن التاريخ المنسي أو المكتوم والمكبوت سرعان ما فاجأ اللبنانيين جميعاً وأدخلهم في حروب مدمرة لا يزال التأريخ الفعلي لها ضعيفاً، وكتب أنسي الحاج قبل أيام من بدئها: “لم نعد ننتظر شيئاً من أحد/ إننا ننتظر من الله/ وبانتظار معجزته، هناك (…) طلب واحد: دعونا نعيش بكل تفاهة (…) لم نعد نطلب أكثر،/ بكل تفاهة”. ثم كتب في مقدمة “كلماته”: “إن خيبتي/ بالحياة والفن، بالرجل والمرأة، ترافقت مع سقوط لبنان”.

“نقّل فؤادك” لحسن داوود: مرثاة ساخرة لطاقة الحبّ الخيالية

فبراير 19, 2014

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 17-01-2014

Hassan Daoud

تذوي الطاقة الخيالية للحب، كلما تقدمنا في العمر، فيصير عملاً ميكانيكياً. لذا يحاول الراوي المقترب من الستين من عمره، استعادة تلك الطاقة، مدركاً أنها مستحيلة الإستعادة. لكن “نقّل فؤادك” هي رواية الإرجاء في مجتمعات إرجاء الفعل والحب والفردية والمدينة.

في نهايات الخمسين من عمره العام 1992، يقرّر راوي “نقّل فؤادك” لحسن داوود (منشورات “البوابة التاسعة”، العدد الثالث، خريف 2013: “مقالات في المدينة وأخبارها”) أن عليه ألاّ يؤجل البحث عن فتاة حب مراهقته الأول، دلال، ولا يتأخر عنه، مفتتحاً الجملة الاولى من الرواية بهذا المونولوغ: “إن كنت سأفعل ذلك، فعليَّ ان أفعله الآن (…) لم يعد لديَّ متسع من الوقت، أو من العمر، بل ربما تأخرت فعلاً، إذ كان عليّ أن أبدأ بحثي عنها منذ سنوات، أو من الأفضل منذ خمس عشرة سنة”، بل قبل ذلك بكثير من السنين: عندما “وقفتْ لي، فيما هي تنعطف لتدخل الى الطريق الضيّقة التي يقع فيها بيتها”، فلم “أخطُ نحوها، في ذلك اليوم من صيف 1965″، وكانت تلك “آخر صورها في ذاكرتي”.

الحب والعطالة عن الفعل
تلك الخطوة المرجأة منذ ذلك الصيف، هي ذريعة الرواية وبؤرة الفعل الروائي الذي يجعل الإرجاء والفوت، انطواء الوقت والزمن وتغيّر الأحوال وتبدلها، موضوعاً روائياً على مدى 171 صفحة، يروي أيضاً وجوهاً من عمل الراوي الصحافي الجديد في مجلة شبابية قيد الصدور، ومن علاقته اليومية بصاحبها وشبّانها المحررين، ومن شعوره المتفاقم بغربته العمرية والمعنوية والكتابية عن أولئك الشبان ولغتهم واذواقهم. وذلك في مكتب المجلة في وسط بيروت الجديد الذي يصف الراوي قاسم، جِدّته وفخامة متاجره، ومشاهد من الحياة اليومية فيه، ولقاءاته بصديقه وائل في بعضٍ من مقاهيه الجديدة، من دون أن يكتم غربته عن ذلك الفضاء المديني الناشئ. تستأثر صلة الراوي اليومية المشهدية بثلاث من العاملات الأجنبيات اللواتي يتكرر جلوسهن الصباحي على مقعد في شارع للمشاة في الوسط المديني الجديد، بمحور من متواليات السرد الروائي. صلة الراوي بالعاملات الثلاث لا تكتم بدورها كنايتها عن غربته عن مرتادي الوسط المديني الجديد وعن مشاهد الحياة اليومية فيه.
أما معرفة الراوي بدلال، وتعلّقه المراهق، الهيامي والمتيّم والصامت بها، فيعودان الى منتصف الستينات من القرن العشرين، حينما كان فتى على مقاعد الدراسة. التعلّق ذاك لم يتقدم خطوة واحدة منذ ولادته، ولا علمت به دلال، على الأرجح. وهو لم يبقَ جامداً ثابتاً وصامتاً، إلا لأن شرطه الضروري لينشأ ويستمر، على ما يروي الراوي ويعلّمنا، هو بقاؤه منذ بدئه مرجأ مكتوماً في القلب والنفس والجوارح، غير قابل للبوح والإفصاح، وتقتصر “لغته” على البصر الصامت والمكابدة الصامتة، لكن من دون إلحاح، بل بخفر وخشية وإخفاء وامتناع عن الفعل. “هكذا كان الحب يا وائل، أن ننتظر ان يحصل شيء من تلقائه”، يقول الراوي لصديقه في لقائهما بأحد مقاهي الوسط المديني الجديد. كأن الحب في ذلك الوقت الآفل، كان عطالة عن الفعل، ومكابدة داخلية في النفس، تعطل النفس وتصرفها عن العالم والزمن، لتقيم في ما يشبه الذهول او اللوثة او الصعقة او “النرفانا”، على مثال الهوى الذي أصاب قيس بن الملوّح، مجنون ليلى، على ما وصفه وضاح شرارة وكشف عن آلياته الأنثربولوجية الثقافية والاجتماعية، في كتابه “أخبار الخبر”. اما الباحث المصري في اجتماعيات الثقافة والأدب، ناجي نجيب، فوضع دراسة عن ذلك النوع من الحب في النصف الأول من القرن العشرين، ونشرها في عنوان “كتاب الأحزان”، بوصفه (الحب) يعبّر عن توق الفئات المتوسطة العربية الجديدة إلى الذاتية التي ولدت جريحة، وما كان لها أن تولد أصلا إلا بتأثير مما يسمّيه “المثاقفة الحضارية” و”الحزن الحضاري” الناجمين عن الصلة بالثقافة والحضارة الغربيتين. أما النماذج الأدبية التي اعتمدها نجيب في بحثه هذا، فهي الأدب الجبراني والمنفلوطي، إلى غيرهما من النماذج الروائية والشعرية العربية المعاصرة.

الحب وطاقته الخيالية
الحق أن لا الراوي ولا السرد الروائي ولا الروائي في “نقّل فؤادك” – وهذه مستلَّة من مطلع بيت شعري لأبي تمام يستكملها الشاعر بـ: ما شئت من الهوى/ فما الحبُّ إلا للحبيب الأول” – يجعلون من ذلك الهوى مداراً للتأويل وللكشف عن أغواره وأبعاده ودلالاته في سياق القص والسرد. الرواية على خلاف هذا، تذهب إلى إحياء جنّاز بارد تُروى فيه نُتف عادية من وقائع ذلك الهوى المرجأ القديم، تكنّي عن تشييعه إلى مثواه الأخير، من دون تحسّر ولا مشاعر درامية متأججة. فصديق الراوي، وائل، يتخذ في الرواية دور المتهكم الساخر مما يرويه له صديقه عن ذلك الحب القديم، معتبراً أنه عالق في “تذكّر مرضي” للماضي ولفتاة مراهقته، دلال. يروي الراوي لصديقه مشهداً من ذلك الحب الذي مضت عليه 27 سنة، حينما كان على مقاعد الدراسة، فعهدت إليه دلال الإمساك بكنزتها، فيما هي تتهيأ لتشوط طابة في ملعب المدرسة، فيقول: “تصوّر يا وائل انني أبقيت الكنزة معلقة على ذراعي التي جعلتها مطوية “بزاوية 90 درجة”، من دون أن “ألمسها حتى. (ولا) مرّرت يدي على صوفها”. ثم يدور بين الصديقين الحوار الآتي:
- يعني أنت ما حسّيت بالصوف الناعم… بس تخيّلتو؟، يقول وائل.
- حسّيتو من منظرو. بعدين ما تنسى أنو كان على إيدي.
- بس مش على كف إيدك وأصابعك إللي بيخلونا نحس.
هنا يروي الراوي أن وائل سأله عما لم ينتبه، هو نفسه، إليه، ليس في وقت هيامه المراهق بدلال، بل بعد مضي 27 سنة على ذلك الهيام المرجأ والمنقطع: “كيف ما زلت عالقاً بفتاة لا أستطيع أن أتذكر كيف هو جسمها”؟! جواباً منه عن هذا السؤال يفصح الراوي عن فكرته عن الحب الذي لم يكن جسمانياً أو حسّياً قط في ذلك الزمن، حينما “كان خيالنا (الجنسي؟) يذهب في اتجاه آخر” ولا “يعمل مثلما يعمل الان”، على نحو “ميكانيكي يعرّي الجسم ويفصّله عضواً عضواً”، كما الأزياء النسائية الراهنة الملتصقة التصاق الجلد بالجسم. لكن الراوي لا يذكر أن ستينات هواه المراهق، كانت بدورها حقبة سفور عارم، مشهود وصاعق، لجسم المرأة في “الميني جوب” و”الميكروجوب”، بل هو يذهب مذهباً آخر في تفسيره عمل التخييل الجنسي الذي يعتبر أنه “يصير ميكانيكياً كلما تقدمنا في العمر، حتى أننا نتساءل من أين له أن يأتينا باللذة طالما أن تخيّله لا يأخذنا إلى أبعد من استحضارنا لصورته”. في هذا المعنى يبدو أن ما يبحث عنه الراوي، هو تلك الطاقة الخيالية الهائلة التي كانت تحفُّ بجسم المرأة في فتوّته المراهقة. لكن الراوي يعلم أن العمر أفقده تلك الطاقة التي يحاول النكوص إليها لاستعادتها، مدركاً وراوياً في وقت واحد استحالة أن تُستعاد. هذا هو الخيط الدرامي الخافت في الرواية كلها. وهذا ما تقوله سعاد، مساعدته في البحث عن دلال: “أنت لازم تعرف أنّو النسوان مثل ما بتحبّهن (وهنا يجب إضافة: مثل ما حبيّتهن) ما بقا يصحّولك”.
تلك الطاقة الخيالية المرافقة للحب، التي تذوي كلما تقدمنا في العمر، هي التي كانت تجعله مرجأ، أي غير جسماني، وتترك المصاب به في عطالة عن الفعل. والحق أن “نقّل فؤادك” هي رواية الإرجاء في مجتمعات يغلب الإرجاء عليها وعلى ثقافتها: إرجاء الفردية، إرجاء المدينة، إرجاء الحب والحاضر وعدم القدرة على مباشرته، تماماً كما هي المجلة الشبابية التي يعمل فيها الراوي، ويريد منشئها وصاحبها ان تجترح موضوعات جديدة في الكتابة الصحافية وأساليبها، من دون أن يدرك ما هي تلك الموضوعات والأساليب.

أيتام الثورة القديمة

فبراير 2, 2014

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 1-2-2014

poster1-640_891184_large

في نهاية حرب السنتين (1975 – 1976)، غادر شبان التنظيم “الفتحاوي” البلدي المؤسسون، قريتهم الحدودية الجنوبية، وعادوا الى بيروت. نحن فتيان التنظيم المسلح المقيمين في القرية، أشعرنا رحيلهم بشيء من الفراغ واليتم، بعدما كان أولئك الشبان مثالات مراهقتنا، وفي رعايتهم وصحبتهم وغواية سلاح تنظيمهم، عشقنا ما سمّيناه الثورة، وسلاحها.

أنا الذي كنت من فتيان التنظيم، وفي الخامسة عشرة من عمري، ألحَّ عليَّ نداء بيروت، لمتابعة تعليمي في مدرسة من مدارسها، وأقيم عند خالتي وزوجها في محلة بربور. وافق والدي مرحِّباً بمغادرتي القرية وفوضى مدرستها الرسمية، وشلة فتيانها المأخوذين بغواية الثورة وسلاحها ومخلّفات نكاياتها بين الأهالي.

أبو العباس على مدخل الجامعة
بعد أيام على وصولي الى بيروت، تعرّفتُ الى شاب من الضيعة يعمل حارساً لكلية الآداب في الجامعة اللبنانية. أغواني مسدس التوغاريف الذي كان يحمله، وأخبرني بأنه سيعرّفني الى شاب فلسطيني يعطيني مسدساً مثله، ومرتّباً شهرياً كمرتّبه، إن رغبتُ الإلتحاق، مثله، بـ”جبهة التحرير الفلسطينية” التي عيّنته حارساً على مدخل الكلية. ما لك والمدارس، وبماذا تفيدك، قال لي، حين أخبرتُه بأنني تسجّلتُ في المدرسة. في النهار التالي عرّفني، على مدخل الكلية، الى الشاب الفلسطيني الذي قال إن اسمه صبري، واصطحبني الى مخيم للفلسطينيين خلف المدينة الرياضية، حيث أدخلني الى ملجأ تحت الارض، بدا لي كأنه كاراج لتصليح السيارات. قادني الى ما يشبه المكتب في زاوية الملجأ – الكاراج، وقدّمني الى رجل معلّقة خلفه على الجدار خريطة فلسطين، وقال لي إنه الرفيق أبو العباس، قائد “جبهة التحرير الفلسطينية”، وأوضح له أنني مناضل جديد قادم حديثاً من شبعا في العرقوب. هبّ أبو العباس ورحّب بي: “أهلن بالرفيق محمد، أنا حبّيتك دغري من أول ما شفتك، أهلن بالرفيق”، فأحسستُ بقوة كف يده الضخمة، وهو يصافحني، مضيفاً أنه سيعيّنني مساعداً للرفيقة غادة في قطاع العرقوب. وفيما هو يخرج مغادراً، التفت الى صبري، وسأله أن يهتمّ بي. بعد دقائق أبلغني صبري بأنه منذ الآن يمكنني اعتبار نفسي عضواً مناضلاً في “جبهة التحرير الفلسطينية”، وعليَّ أن أُحضر معي غداً صورة فوتوغرافية، لوضعها على البطاقة التي ستصدرها لي الجبهة. خرج صبري طالباً أن أنتظره لحظة، وحين عاد قال إن الرفيق أبو العباس شاء أن أقبض مرتّبي الشهري سلفاً، فأخرج من جيبه مبلغ 500 ليرة لبنانية من فئة المئة ليرة، وأعطاني إياها. خذها، خذها، إمسك، قال لي، حينما وقفتُ حائراً مرتبكاً، وشعر بأنني أتهيّب الموقف غير مصدِّق ما يحدث، ثم تابع أن مهمتي، مع الرفيقة غادة، ستكون توصيل مرتّبات مناضلي الجبهة في العرقوب، في نهاية كل شهر. والآن ماذا يمكنني أن أفعل؟! سألتُه، كأنني في ما يشبه المنام. لا شيء، لا شيء، يمكنك أن تذهب أينما تريد، وتأتي غداً، جاوبني، ثم حذّرني من اجتياز خط التماس الى المناطق المسيحية الانعزالية في بيروت الشرقية.
مسحوراً خرجتُ من الملجأ – الكاراج، فصفع ضوء النهار عيوني، كأنني كنت غائباً عن الدنيا، في مكان بعيد وغريب، أو عدت من رحلة غامضة، متحسساً مبلغ الخمسمئة ليرة في جيبي، طائراً على أجنحة فرح تمازجه ريبة، ولا أدري ماذا يمكنني أن أفعل. راكضاً بلا توقف، توجهتُ الى حارس كلية الآداب، عماد، ابن ضيعتي، إذ مَن سواه يمكنني أن أخبره بما حدث، كي أصدّق حدوثه، أنا الذي لم أكن في حياتي كلها قد رأيتُ قط ورقة نقدية تتجاوز الخمسين ليرة! “يقبرني الله، يقبرني المصحف، يا عماد”، قلت له هاتفاً لاهثاً، ثم طبعتُ قبلة على جبينه، بعدما وصلتُ ورأيته جالساً على كرسيّه أمام مدخل الكلية. أريتُه الخمسمئة ليرة، وأخبرتُه بما حدث، فذهب الى مقهى قريب، وأحضر منه زجاجتَي بيرة، ثم جلسنا نشربهما على المدخل، وسط جموع من الطلاب والطالبات العابرين والعابرات. كنت للمرة الأولى في حياتي أتذوّق الكحول، وبعدما شربنا زجاجتين أخريين من البيرة، سألتُ عماداً عما يمكننا أن نفعله، بعد، وأين نجد فتيات جميلات مثل هؤلاء البنات؟
في المساء اصطحبني عماد الى منطقة قريبة من خط التماس، قال إن اسمها الزيتونة، وفيها نساء في البارات، فأذهلني ما رأيتُ في تلك الأماكن الشبحية المغلقة وسط الإضاءة الحمراء الشحيحة الكابية، التي دوّخني في إنارتها عري أجساد نساء يلبسن ثياباً غريبة تكشف من أجسادهن أكثر مما تستر. أنا الذي لم أكن قد لامستُ أيّ موضع من جسم أنثى، كدت أضيع مخدَّراً، حين اقتربت مني امرأة في البار، وغمرتني قائلةً لي في لهجتها المصرية: “إسمك إيه، يا حبيبي؟ تسلملي يا وحشني يا قشطة”. لكنني الآن، والآن فقط، في روايتي وقائع يومي البيروتي ذاك من شتاء 1977، أنتبه للشبه بين وقع ما قاله لي أبو العباس في لقائي الأول به في الملجأ – الكاراج، وما قالته لي المرأة المصرية التي غمرتني، ثم أخذتني الى ما يشبه غرفة داخلية ضيقة أشحّ إنارة مما في البار، وراحت تنزع عني ثيابي، بعدما أعطيتها 25 ليرة من راتبي الثوري الأول، فقذفتُ فجأة، قبل أن أنزع بنطلوني.
في النهار التالي ذهبتُ الى كاراج “جبهة التحرير الفلسطينية” حاملاً صورتي الشمسية، فسألني صبري، قبل إلصاقها على بطاقتي الثورية، أن أختار اسماً حركياً. لم أدر من أين حضرني اسم إحسان أبو ناصيف الذي طبعوه على البطاقة مسبوقاً بكلمة المناضل. لكنني بعدما تزوجتُ وأنجبتُ طفلي البكر سمّيته إحسان. كنت آنذاك قد ذهبتُ بعيداً في الثورة، طاوياً الكثير من منظماتها، ومنها جبهة أبو العباس التي لم أبقَ منتسباً اليها أكثر من ثلاثة أشهر أو أربعة، مداوماً على ترددي يومياً الى كاراجها خلف المدينة الرياضية، في العاشرة صباحاً، ثم أغادره في الثانية بعد الظهر، مسلّماً مهمة المناوبة فيه لمناضل فلسطيني لا يزال اسمه، أبو القاسم، وعينه المفقوءة المطفأة، قويّي الحضور في ذاكرتي.
الى مدخل كلية الآداب كنت أذهب في عصر كل نهار تقريباً، فأجلس مع عماد نشرب البيرة وندخّن محدّقين بذهول في أجساد فتيات الجامعة ووجوههن. في جلساتنا تلك، كثيراً ما سمعتُ عماداً يردد عبارات غريبة، كلما مرّت فتاة جميلة، فحفظتُ بعضاً من تلك العبارات، وأخذتُ أردّدها مثله: “إن رأيتِ كوكباً على مدخل الجامعة، عانقيه. إن رأيتَ نجمةً على مدخل الجامعة، خذ بيديها. نهدم العائلة، نبني الصداقة، ويصير المدى لخطونا شرفات”. سألتُه مرة من أين له بهذه العبارات؟ فأخبرني بأنه حفظها بعدما قرأها في كتاب من مجموعة كتب تركها في عهدته طالب ثوري أخبره بأن كاتبها شاعر وأستاذ في الكلية يحبه الطلاب.
أخيراً أعطاني أبو العباس كاميرا متطورة من نوع Canon مع عدسة مكبّرة وقاعدة لتثبيتها على ثلاثة أعمدة معدنية، وكلّفني مهمة تصوير مرصد “الشحل” العسكري الاسرائيلي على واحدة من قمم جبل الشيخ، قبالة قريتي. لم أكن على دراية بالتصوير، ولا استعملتُ كاميرا من قبل. حين وصلتُ الى القرية، منعني والدي من مغادرتها، وأخذ يعدّ العدة لتسفيري الى الكويت. فخالتي المقيمة في بيروت كانت أعلمته بأنني لم أتسجل في مدرسة ولا أذهب الى مدرسة، ولا تعلم ماذا أفعل وأين أمضي أيامي. أمضيتُ قرابة شهر في القرية منصرفاً الى اللهو والتصوير بكاميرا أبو العباس، وبعدستها المكبّرة رحت أتلصص على نساء وفتيات في بيوتهن من خلف نوافذ بيتنا. بعدما نفد ما بحوزتي من مال زودني إياه أبو العباس، قررتُ أن أبيع الكاميرا، فبعتها بـ125 ليرة لبنانية من شاب مهاجر عاد من أبو ظبي الى القرية. أما مهمة تصوير المرصد الإسرائيلي، فنسيتها تماماً، وكذلك “جبهة التحرير الفلسطينية” وقائدها أبو العباس الذي لم أعد أسمع باسمه قط، إلاّ عندما ورد في نشرات الأخبار أنه قُتل في بغداد بعدما اجتاح الجيش الأميركي العراق في العام 2003.

poster-242_218344_large

لبنانيون في الكويت
برّاً سفَّرني والدي من القرية الى الكويت، لأعمل في مكتبة خالٍ لي هناك. في صبيحة نهار من صيف 1977، ركبتُ سيارة رجل من الضيعة عائد مع زوجته وطفلهما الى الكويت، حيث لم يصطحبني خالي الى بيته، بل الى بيت من غرفتين أو ثلاث يقيم فيها نحوٌ من عشرة شبان من ضيعتنا مهاجرين حديثاً ويعملون في الكويت، بينهم أربعة من أقاربي.
ففي حرب السنتين تضاعفت أعداد الشبان المهاجرين من القرية الى بلدان الخليج العربية، بينهم مدرّسون وصغار موظفين في الإدارة الحكومية العامة، دفعهم إقفال المدارس والإدارات الى الهجرة، بحثاً عن فرص عمل جديدة في الخليج. قبل هجرتهم، كان هؤلاء العائدون الى الضيعة قد اندفعوا، مع غيرهم من أهاليها المقيمين، الى شجارات عائلية لم يخلُ بعضها من إطلاق نار، فيما هم يصادرون مساحات من الأراضي الجبلية المشاع القريبة من أراضيهم المهجورة والمنسية والبائرة منذ اضمحلال زراعة الحبوب قبل سنين كثيرة. حين وصلتُ الى الكويت، كنت واحداً من مجموعات أولئك المهاجرين من قريتي، فأسكنني خالي مع مجموعة شبّان منهم، بائسين مثلي، يقيمون في غرف بيت صغير بائس يستأجرونه. بعد شهر من عملي في مكتبته، دفع لي خالي 125 ديناراً كويتياً، كمرتّب شهري، فاذا به أقل من ثمن حذاء دخلتُ متجراً لشرائه، فأشفق عليّ الشبان الذين أسكنوني معهم، وأطعموني من أكلهم، وأعفوني من المشاركة في دفع إيجار البيت. أما خالي فلم يُدخلني الى بيته طوال شهور عملي الأربعة في مكتبته، سوى مرة واحدة دعاني فيها الى الغداء مع زوجته الفلسطينية وأطفالهما الثلاثة، فأشعرتني الزوجة بأنني غير مرحَّب بي في بيتها. لاحقاً علمتُ من الشبّان الذين أساكنهم أن خالي تنازل لها عن سلطانه الرجولي في بيته، لقاء سكوتها وكتمان غيظها من زواجه غير المعلن من فتاة سورية حلبية تدعى ليليان، واستئجاره لها بيتاً، وتوزيع إقامته بين بيتَي زوجته الأولى أم أولاده، وزوجته الفتية الثانية غير العلنية.
في مكتبة خالي التقيتُ كثيرين من شبّان قريتي المهاجرين. كان بينهم مدرّسون في القطاع الرسمي، من دون أن تنقطع مرتّباتهم الشهرية التي كان أقارب لهم يحصّلونها من معتمدي القبض في المدارس الرسمية، ويرسلون اليهم في الكويت مبالغ منها، إذا كانوا في حاجة اليها، أو يدّخرونها لهم في انتظار عودتهم الى البلاد، أو يعتاش منها أهلهم المسنّون في القرية. واحد من هؤلاء المدرّسين كان، قبل هجرته، مندوب تجمعنا “الفتحاوي” القروي في اللجنة التموينية إبان حرب السنتين. خبرته في تلك اللجنة، معطوفةً على تجربته في التدريس، هما اللتان وجّهتاه الى العمل مسوّق موسوعات في الكويت، حيث مكّنته مهنته الجديدة من تدبير زوج فلسطيني لأخته. فأرسلت له الأخت من لبنان صورتها، ليتأكد زوجها المرتقب من جمالها، ويتخذها زوجة ثانية فتيّة له، وضرّة لزوجته الفلسطينية الأولى التي اتخذها رحماً وأمّاً لأبنائه، واصطحبها الى مطار الكويت لاستقبال زوجته الفتية القادمة من بيروت، فحمل صورتها كي يتعرف اليها حين يبصرها وتبصره للمرة الأولى في المطار، ويتأكد من أنها هي نفسها صاحبة الصورة، وليست فتاة غيرها. هذه حال اللبنانيين واللبنانيات في استقبالهم خادمات بيوتهم الأجنبيات من جنسيات آسيوية وإفريقية مختلفة، بعدما تزايدت موجات وصولهن إلى مطار بيروت ابتداء من ثمانينات القرن العشرين.
في مكتبة خالي التقيتُ أيضاً المدرّس الذي كان الشيوعي الوحيد في قريتي، فإذا به على حاله في مهجره الكويتي، متعالياً متشاوفاً منذ تلبّسه ذلك السلوك في القرية بعد عودته إليها متخرجاً من دار المعلمين والمعلمات في بيروت، مأخوذاً بعقيدته الشيوعية وبكتابته قصائد واظب على قراءتها في الكويت، مواظبته على اعتنائه البائد والقديم بهندامه، وعلى انفته واشمئزازه من اهل قريته ونعته ايّاهم بالدببة والأميّين والمتخلفين والرعيان، لقصورهم عن فهم أشعاره وأفكاره الشيوعية. هذا على رغم أنه أمضى أيامه في الكويت بطّالاً عن العمل، ومعتاشاً على راتبه الوظيفي الذي كان يرسله إليه أهله من لبنان، فلا يكفي لإطعامه وكلفة سكنه المشترك مع شبّان بائسين من قريته. أما مدرّس التعليم الثانوي الذي عرّفني إليه في المكتبة الشاعر الشيوعي المتشاوف، وقال لي إنه من قريتنا وشيوعي، لكنه كان يقيم في بيروت، فأرغم زوجته الجميلة والمدرّسة الثانوية مثله، على ارتداء الحجاب، بعد شهور من إقامتهما وعملهما في الكويت.
كان يتردد إلى المكتبة، حيث اعمل، رجل كويتي يبدو أنه أعجب بنشاطي وحسن تدبيري في العمل، فأطلعني، مرةً، أنه صاحب مكتبة، وعرض عليَّ أن أعمل في مكتبته براتب شهري قدره 450 ديناراً، بعدما أخبرته بأن خالي يعطيني 125 ديناراً فقط في الشهر. حين أطلعتُ خالي على الأمر في النهار التالي، قلت له: لا أطلب منك أن ترفع راتبي إلى المبلغ الذي عرضه عليَّ الرجل الغريب، بل أريد منك – ما دمت خالي وتهمّك مصلحتي كما تهمّني مصلحتك – أن تسمح لي بالعمل في مكتبة ذلك الرجل، علّني أوفر من راتبي الشهري مبلغاً من المال أرسله إلى أهلي المحتاجين لمساعدتي في لبنان. كنت أتوقع منه أن يرحّب فوراً ويساعدني في الانتقال إلى العمل الجديد، لكنه فاجأني بقوله: لا، لا أستطيع يا خالي. فأهلك أرسلوك إليَّ، وأنا المسؤول عنك أمامهم، وأنا الذي أرسلتُ إليك بطاقة الدعوة التي سمحت بدخولك إلى الكويت، وإن رغبتَ في ترك العمل عندي فسوف ألغي البطاقة، وأعيدك إلى أهلك في لبنان. إذذاك جاوبتُه فوراً بأنني جاهز للعودة غداً، فرحّب بلا تفكير ولا تردد.
بعد يومين أو ثلاثة، تدبّر خالي عودتي براً إلى لبنان في سيارة شحن صغيرة اشتراها في الكويت رجل من قريتنا ليبيعها بعد عودته بها إلى القرية. الطريق التي اجتزتها في نهار وليلة آتياً من لبنان إلى الكويت في سيارة أميركية فخمة، أمضيتُ أياماً خمسة بنهاراتها ولياليها لاجتيازها عائداً إلى أهلي في شاحنة. في تلك الأيام الخمسة الطويلة كدهر، أضنتني الأمداء الصحراوية الخاوية وبنّجت جسمي وحواسي، بعد أربعة أشهر في مهجري الكويتي الذي غادرتُه خالي الوفاض، سوى من حظّي التاعس، وجحود خالي و250 ديناراً أعطاني إياها حينما ودّعني أمام مكتبته.
في الفضاءات الرملية المترامية بين الكويت والعراق وسوريا، فقدت كل ما لدي. لقد سلبني إياه رجال الأمن العراقيون والسوريون. فعلى كل حاجز لهم، حدودي أو غير حدودي، أوقفوا سائق الشاحنة ومنعونا من متابعة الطريق إلا بعد انتزاعهم منا رشوة أو خوّة، قائلين: “ما في هدية؟! وين الهدية؟!”. الهدية الأخيرة التي سلبني إياها حاجز الأمن السوري، كانت ساعة يدي، فاجتزتُ الحدود اللبنانية متفحماً من العطش والشوق إلى مياه الينابيع ورائحة الماعز وحليبها وطبخ أمي وخبز تنّورها في قريتي التي وصلتُ إليها وصول عاشق غاب عنها مئة سنة.

poster2-640_890769_large

إميل سيوران في “الحياة كلها بلون الغرق” عرّاف اليأس الحكيم والشقاء القدري للإنسان

فبراير 1, 2014

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 29-01-2014

إميل سيوران في الحياة كلها بلون الغرق

إميل سيوران كاتب الشذرات الفلسفية – الشعرية، إبن شرعي لعظمة القرن العشرين الأوروبي ورعبه، ووارث صرخة نيتشه الفلسفية المدوّية “لقد مات الله”. الشاعر التونسي آدم فتحي ترجم لسيوران كتاباً عن الفرنسية عنوانه “مقايسات المرارة”، مختاراً له عنواناً آخر في العربية: “الحياة كلها بلون الغرق”. عدا كتاب “توقيعات” الذي ضم مختارات من ثلاثة كتب لسيوران، ترجمها لقمان سليم (1991)، نقل آدم فتحي للمرة الأولى كتاباً كاملا للكاتب الروماني – الفرنسي الراحل.

ربما يقلّ الكتَّابُ الذين تحقق كتاباتهم القول الشهير وتستنفده: “كلما اتسع المعنى ضاقت العبارة”، وهو للنفّري، أحد كبار المتصوفة الإسلاميين في العصور الكلاسيكية. كاتب الشذرات الفلسفية – الشعرية الروماني – الفرنسي الراحل، إميل سيوران (1911 – 1995)، واحد من هؤلاء القلة في القرن العشرين الأوروبي. يكتب في شذراته: الصلاة عراك بين الخالق والخالق. منذ ألفي عام ينتقم المسيح منا لكونه لم يمت على أريكة. ليس الله من يتمتع بميزة الحضور في كل مكان، بل الألم. وحدها الكائنات التي تعيش بلا ذاكرة لم تغادر الفردوس بعد.
في الشكل أو في الأسلوب الكتابي، ثمة قرابة ما بين هذه الشذرات المكثَّفة المصفّاة والمتقشفة الموجزة، والقاطعة النبرة، وبين ما كتبه صاحب “المواقف والمخاطبات” الصوفية، القائل مثلاً: “أوقفني في الاختيار وقال لي كلّهم مرضى”. أما في المضمون وفي الحقل التعبيري واللغوي، وفي الحمولة الفكرية والفلسفية والأخلاقية، فيبلغ الاختلاف بين ما كتبه الرجلان حدَّ التعارض التام أحياناً. وهذا طبيعي بين “فيلسوف” صوفي إسلامي في العصر العباسي، وكاتب نهلَ من ثقافة القرن العشرين الأوروبية، طولا وعرضاً، ومن مسبقاتها الفلسفية في عصر التنوير، وعاصر النازية الألمانية ومحارقها وحروبها، معاصرته الستالينية ومعتقلاتها وترويعها، وخرج من كلتا الظاهرتين المدمرتين مرتاعاً يائساً شكّاكاً في إنسانية الإنسان وفي إلهه، حتى العبثية والعدمية والإلحاد. لكن اللافت أن ما كتبه النفّري وسيوران يلتقي في ضيق العبارة واتساع المعنى.

الحياة مهنة حشرا
الشاعر التونسي آدم فتحي، بدّل عنوان كتاب سيوران الذي ترجمه، من “مقايسات المرارة” في الفرنسية (منشورات “غاليمار” الباريسية، 1953)، إلى “المياه كلها بلون الغرق” في العربية (منشورات “الجمل”، بيروت – بغداد، 2013). وهو في هذا التبديل في العنوان، يميل إلى الصبغة الشعرية للكتاب ولكتابة سيوران عموماً، على حساب الصبغة الفلسفية. في مقدمة الترجمة يصف فتحي صاحب “المقايسات والمرارة” بأنه “عاشق الحياة، الانتحاري بامتياز”، مشدّداً على أننا “نحتاج إلى كتَّاب (مثله) في هذه العتمات التي تحوط الإنسانية من كل جانب”. والحق أن العتمات التي يقصدها المترجم إنما تتجلّى دامسة في كتابة سيوران.
فصاحب “غروب الأفكار” (1938) و”غواية الوجود”، ليس مبشّراً بالضوء، ولا هو صاحب نبوّة وهداية للبشر. بل إنه على عكس ذلك ونقيضه: عرَّاف في محراب اليأس الشيطاني من الإنسان الشقيّ شقاء وجودياً وقدرياً، لا فكاك له منه، وخصوصاً في الأزمنة الحديثة. لكن عرّاف اليأس هذا، شكّاك متألم ومتهكم، على المذهب النيتشوي، من دون أن يعفي صاحب “مذهب القوة” أو “الانسان المتفوّق”، أي نيتشه نفسه، من تهكّمه الساخر المرير.
حاجتنا إلى سيوران، في هذا المعنى، هي الحاجة إلى كاشف عتمات وسبر أغوارها في الوجود البشري، ما دامت “الحياة – بحسبه – مهنة حشرات” (ص 105). كأن العرّاف الإبليسي غالباً ما يقلب الحقائق والمعاني الراسخة على قفاها، وعلى ركامها يجلس محدّقاً في أفعال البشر وأقوالهم ومعتقداتهم وأديانهم، في غرائزهم الدهرية وأحوالهم المتقلبة وأهوائهم وحاجاتهم وشهواتهم الرجراجة، في مثلهم العليا والسفلى، ليعتصرها في شذرات كتابية لامعة وحادّة في معناها ودلالتها على اللايقين الذي يغمر العالم. وعليه يتأسس الوجود البشري الهش والمدوّخ. لكنه في رحلته هذه يعبر الفلسفات والأخلاقيات والجماليات، وصولاً الى الله الذي “ليس – بحسبه – سوى هلوسة صوتية”، شأنه في هذا شأن كل شيء، إذ “ما من شيء إلاّ وهو موسيقى، باستثناء المادة” (ص 117). في الصفحة التالية مباشرةً يكتب: “ليس الله من يتمتع بميزة الحضور في كل مكان، بل الألم”. أما “تأسيس دين”، فمن “أسهل” الأمور طراً، “لولا يقظة السخرية: يكفي أن ندعَ المتسكعين يتجمّعون حول شطحاتنا البليغة”. وفي الشذرة اللاحقة: “عند الملمّات، نجد في السجائر العونَ الفعّال أكثر مما نجده في الأناجيل”.

روح في بصقَة
هل ملحدٌ – إذاً – هذا العرّافُ الأخلاقي، كافرٌ ومجدّف؟
الأرجح أن النواة الكامنة، المتلوّنة والجوّابة في شذراته الكتابية اللامعة، مستلة من ليل الوجود وتاريخ الفلسفة والأديان، يمتزج فيها اللاهوت بالناسوت، وهي تضرب في أرض ما قبل الإلحاد والكفر والتجديف، وما بعدها. أرضُ وضاعة الكائن الجوهرية، وتساميه المتعالي، “خفّته غير القابلة للاحتمال” (كونديرا) وثقله ورزوحه السفلي، “تضخيم (ه) الذات” و”رعب (ه) من كون (ه) ليس سوى روح في بصقة” (ص 48). أما “الحكمة (فهي) أن نتحمّل بكبرياء، المذلّة التي تسلّطها علينا ثقوبُنا” (ص 35). الثقوب المقصودة هنا، هي “الفتُحات التسع”. وفي هذه الحال “ماذا يصنع الحكيم؟”، يتساءل سيوران، ثم يجيب: “يستسلم إلى الفرجة والأكل”. أين؟ “في قاعة النوم الكبيرة”، وهي “الكون”، وفقاً لنص من الفلسفة الطاويّة الهندية، حيث “الكابوس هو الطريقة الوحيدة للوعي”. أما “أن تكون إنساناً حديثاً فهو أن تبحث عن عقارٍ لما أفسده الدهر” (ص 37). وحدها “الكائنات التي تعيش بلا ذاكرة لم تغادر الفردوس بعد” (ص 121). وهذه قد تكون وحوش الغابة أو “الزواحف” التي يتساءل سيوران: “من أين جاء رعبنا منها؟”، ليجيب متسائلاً: “ألا يكون من خوفنا من إغواء أخير، من سقطةٍ وشيكةٍ لا قيام بعدها، تجعلنا نفقد حتى ذكرى الفردوس؟” (ص 120). لذا يعلن: “كم أتمنى أن أكون نبتة، حتى وإن استوجب ذلك أن أحرس كتلة براز” (ص 168).
إميل سيوران ككاتب شذرات في الإنسان، في مصيره وقدره المعتمين، هو إبن شرعي لعظمة القرن العشرين الأوروبي ورعبه، وخصوصاً في زمن ما بين الحربين العالميتين، وزمن الحرب الثانية، اللذين استفاقت منهما أوروبا على الكارثة الكبرى في تاريخها، وكان عليها أن تشفى منها في سرعة قصوى. وهو أيضاً وارث صرخة نيتشه المدوّية في مطالع القرن نفسه: “لقد مات الله”، قدر ما هو قارض كتب وفلسفات وتاريخ أفكار وفنون، ليصبَّ مخزون الثقافة الاوروبية تلك في شذراته ذات “الاسلوب الجليدي”، متناولاً – وفقاً لمترجمه آدم فتحي – “دوار الزمن، الموت، سلبيات أن يولد الإنسان”. وذلك في “توليف عجيب بين الحكمة والهذيان (…) وسخرية الوعّاظ الكلاسيكيين”.
في مقدمة كتابه الأول “على ذرى اليأس” (1934)، أشار الى ليالي أرقه الطويلة بلا هدنة ولا قاع، فاضطر إلى التجوال ليلاً في شوارع خالية سوى من “بنات الليل الوحيدات، أفضل الرفيقات في لحظات الحيرة القصوى”. من وحي تلك الليالي وضع للأرق التعريف الآتي: “وعيٌ مدوِّخ قادر على تحويل الفردوس غرفة تعذيب”.

“لا قديسون ولا ملائكة” للروائي التشيكي إيفان كليما الشفاء من الماضي ومآسيه هل يكون فقط باللامبالاة أو بالنسيان؟

يناير 13, 2014

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 10-01-2014

1

“لا قديسون ولا ملائكة” للروائي التشيكي إيفان كليما (293 صفحة، منشورات “التنوير”، بيروت – القاهرة – تونس، 2013، ترجمة ايمان حرزالله)، هي رواية عن النصف الثاني من القرن العشرين في براغ. نصف قرن من السنين، في حوادثها الكبرى ونظام العيش والقيم والتربية الاخلاقية والعاطفية والعائلية، تحضر حضوراً روائياً في حياة الشخصيات وعلاقاتها وتكوينها ومصائرها الدرامية، عبر مونولوغات داخلية تطلقها الشخصيات الثلاث الأساسية في صيغة المتكلم المفرد، كأنها في محاكمة شخصية منفردة، شاقة وقاسية لنفسها وافعالها وسيرتها، وللعالم والوجود.

ثلاث شخصيات اساسية تحاول كل منها، فيما هي تروي حوادث حياتها وعلاقاتها الراهنة، الجواب عن سؤال وجودي دائم: لماذا انا هكذا؟ لماذا اعيش حياتي على هذا النحو؟ ما الذي ادى الى ان اعيشها على هذه الصورة؟ هل أستمر في عيشها هكذا، ولماذا؟ مادة الجواب هي الوقائع اليومية الحية، السير الشخصية والعائلية، مرويّة على نحو متقطع في مونولوغات متشعبة كمتاهة. لكن ليس هدف الروائي من هذا كله الوصول الى اجوبة، بل على العكس تماما: عدم الوصول، واستغراق الشخصيات في اكتشاف ذواتها وسبر اغوارها الخفية أو المظلمة، واستنطاق العوامل التكوينية التي تصدر عنها افعالها ومشاعرها وعواطفها وقيمها الاخلاقية، اي كينونتها الشخصية ومصيرها. في هذا المعنى ليست “لا قديسون ولا ملائكة” رواية حوادث خارجية، بل هي رواية حوادث مسرحها الزمن الوجودي والوقائع في حياة الأشخاص وعلاقاتهم. اي التاريخ الشخصي، بل الميكرو تاريخ في حياتهم الشخصية. فكل منهم ينكبُّ انكباباً مضنياً على التأريخ النفسي، وشبه الفلسفي لحياته الشخصية وكينونته. مادة هذا التأريخ الحياة العائلية وحوادثها ومنعطفاتها، الزمن الاجتماعي العام وحوادثه الكبرى: النازية، الستالينية، الشيوعية، ومآسيها المروّعة المطمورة في حيوات الافراد وعائلاتهم وعلاقاتهم.
هذا ما يحمل القارئ على التأني في قراءته الرواية، لأنها ليست من الروايات القابلة لقراءة تقوم على تتبع الحوادث وتسلسلها وتوالدها على نحو خيطي. انها رواية داخلية، كلما تقدمت فيها تباطأت في القراءة، متمنياً أن تطول، فلا تبلغ نهايتها. لذا تجد نفسك راغبا في اعادة القراءة والتمهل والتمعن في ما تقرأ، بل التوقف المفاجئ عن القراءة، لتسرح ساهماً متأملاً مفكراً، كما في أحلام يقظةٍ ذهنية، مستعيداً لحظات ومواقف وحوادث من حياتك الشخصية، ومن حياة اشخاص تعرفهم، مفكراً في مصائرهم ومصائر المجتمعات التي صدروا عنها.
تحضر الأزمنة الاجتماعية التاريخية في الرواية (النازية والستالينية)، بوصفها عوامل تكوينية في الشخصيات الروائية وعلاقاتها وسيرها ومصائرها الشخصية. وهي غالبا ما تحيل على أزمنة اجتماعية تاريخية عربية ولبنانية ماضية وحاضرة. كأن تفكر وتحدس مثلاً، في أثر الحروب في لبنان، في مصائر اجيال واشخاص عاشوها، وفي مصائر اجيال اخرى واشخاص آخرين ورثوا آثارها عن اهلهم. او ان تفكر تفكيراً حدسياً في آثار الحرب السورية الراهنة في تكوين أجيال سورية بعد عقد أو عقدين من السنين.
ليست الإحالات والمحاكاة الخارجية او البرانية للاجتماع والتاريخ ما يشكل الحقيقة الروائية وعصب الفن الروائي في عمل كليما الروائي الذي لا يكفّ القص فيه عن ارغامنا على تعليق القراءة، كي نستغرق في تأمل ذهني حدسي بالمصير الانساني، بمصائرنا الشخصية، بمآسي مجتمعاتنا وتواريخها، بما تركته المآسي التاريخية في التكوين والمصائر الفردية والجماعية من آثار لا تمحى، او يصعب محوها في اعمارنا وفي اعمار اجيال قادمة. في هذا المعنى يروي كليما الميكرو تاريخ، كما يتجلى في حياة الافراد، لتكون روايته هذه سجلاً لتأريخ حيّ طويل الأمد للاجتماع في بلده، أو سجلاً لتاريخ الحقب الطويلة المترسب في حيوات الأفراد وعلائقهم ومصائرهم الوجودية، على غرار ما ارّخ كبير المؤرخين الفرنسيين الراحل فرنان بروديل، للبنى العميقة شبه الثابتة او الساكنة للحضارات والمجتمعات في اعماله الرائدة.

الوقائع وسؤالها الفلسفي
كريستيانا، الشخصية الرئيسية أو المحورية، تفتح الرواية على النحو الآتي: “قتلتُ زوجي الليلة الماضية. استخدمتُ مثقبَ أسنان لثقب جمجمته. انتظرتُ لأرى حمامة تخرج من رأسه، لكن خرج بدلاً منها غراب أسود كبير. استيقظتُ مرهقة، أو على نحو أكثر دقة بلا شهية للحياة. (…) هل شعرت للحظة بشهية مفعمة للحياة؟ لا أظن، (…) تعيش طويلاً جداً كأنك تتوقع شيئاً ما. اليوم السبت، لديّ متسع من الوقت لكي احلم واحزن. ازحف خارج سريري المفرد. (…) وضعتُ نباتاً مطاطاً مكان نصف الفراش الآخر. لا يسعك عناق نبات مطاط، ولا يسعه ملاطفتك. لكنه لن يصاحب احداً غيرك”.
عن كارل الذي تصرّ طوال الرواية على تسميته “زوجي الاول والسابق والأخير”، تقول: “لا أكرهه، بل ارثي له. فهو أكثر وحدة مني، وبداخل جسده مرض مميت يقرضه (في مصح لمرضى السرطان). لكن أليس في دواخلنا جميعاً شيء ما يقرضنا. (…) كنت دائما أتساءل لماذا أحيا؟ لم يعطني والداي إجابة واضحة أبداً. خمّنت أنهما أيضاً لا يعرفان. لكن من الذي يعرف؟ ما إن تولد، عليك أن تعيش. لا، هذا ليس حقيقياً. في امكانك الانتحار في أي وقت، مثل جدي انطونين، أو عمتي فيندا، أو فرجينيا وولف (…). كنت لأود الانتحار لولا كرهي للجثث (…) لماذا يجب على من يحبونني أن يتعاملوا مع جثتي؟ سيضطرون لذلك يوماً على أية حال”.
هذه الأسطر من مطلع الرواية، ليست سوى عينة نموذجية تتكرر في رواية الحوادث المتناسلة على النحو نفسه، كلما تقدمنا في قراءة الفصول والصفحات. وهي تبيّن كيف يبني كليما جملته الروائية على نحو أخاذ: الواقعة واستنطاقها والتأمل فيها، ووصلها مباشرة بالزمن الوجودي والكينوني للشخصية، وصلاً محكماً ودقيقاً، حسيّاً وبسيطاً في ظاهره، لكنه شديد التركيب في حقيقته، وفي تنقيبه المستمر في الوعي واللاوعي عن ركائز التربية الأخلاقية والعاطفية للراوي بضمير المتكلم المفرد. من كل حادثة تُروى يولد سؤال فلسفي مداره حياة الكائن البشري. وهو سؤال مرتد، يولد عضوياً من الوقائع الحية المعيشة، من دون إقحام خارجي. كأننا إزاء فلسفة حسيّة للوجود الشخصي أو الفردي: لماذا أتألم، لماذا تألمت، ولماذا يتألم البشر؟
حين تستنتج كريستيانا، في خضم تمرد ابنتها المراهقة المشاكسة عليها، أن الإبنة، جانا، “تريد أن تعيش حياتها بطريقتها” أو على هواها، سرعان ما تتساءل: “ماذا يعني أن تعيش بطريقتك في عالم يغصُّ بمليارات من البشر؟”، ومليارات من طرائق العيش. تقرر مرة ان البشر يؤذون، لأنهم “يرغبون في تركِ شيء ما خلفهم”. لهذا “يمكننا أن نقتل أيضاَ (…) أو على الأقل هذا ما يفعله الرجال في جميع أنحاء العالم (…) بابا (مثلا) ظن أنه يزرع جنَّة عدن جديدة (الاشتراكية الشيوعية)، مع ذلك نسي أن الحب هو التربة التي تنمو فيها الحياة. لكن البستاني الرئيس (ستالين وحزبه) أوصى بالكراهية، لذلك ساهم أبي في تمهيد ساحة إعدام بدلاً من زرع جنينة”. في المقبرة بعد دفن والدها، تقرر: “على كل منا أن يتكيَّف مع قدره (…) وفي هذا قدرٌ من العدل، وليس لنا أن نتدخل فيه”.

2

اللامبالاة هي الحل
تبلغ الرواية ذروتها في محاكمة الماضي، حين يتسلم الشاب جان دور الراوي. فهو يعمل في مؤسسة أبحاث تعنى بتسجيل جرائم النظام الشيوعي وتوثيقها. النظام نفسه “دمّر شباب” والده، إذ سجنه 9 سنوات. يذهب جان لاستجواب رجل في الثمانين يقيم في دار للعجزة، وعمل في نهاية اربعينات القرن العشرين، محققاً في جهاز امن الدولة الستاليني. في أثناء الاستجواب لا ينكر العجوز أنه عمل محققاً. يسأله جان عن أسماء الذين حقق معهم، فيجيب: “أتظن أنك بعد مرور 50 عاماً من الآن، ستتذكر ما تفعله الآن معي؟ أنك مثلا جئت لترى رجلا عجوزاً في دار قديمة للمسنين” لتحقق معه وتسأله عن أسماء أشخاص حقق معهم قبل 50 سنة؟! يتلو عليه جان أسماء من أدينوا بسبب تهم لفّقها العجوز حين كان شاباً، لكن العجوز يجيب: “هؤلاء”، لا أتذكر حتى أسماءهم، ثم يتابع: “من المؤسف أنني لن أكون هنا بعد مرور 50 عاما لأرى إن كنتَ ستتذكر اسمي بعد كل هذا الوقت؟”.
بعد مدة يذهب جان في رحلة إلى مخيم جبلي مع أصدقائه. هناك “مع مرور كل دقيقة – يقول – أشعر انني أبتعد شيئاً فشيئاً عن الحياة التي كنت أعيشها. (…) ذهني صفا، وصار بامكاني أن أرى الخطوط العريضة لكل ما مضى من حياتي (…): عملي (في توثيق الجرائم الماضية) يسمِّم نفسيَّتي. يجبرني على الاهتمام بالتعاملات الخسيسة للماضي. (…) ينتابني شعور بأنه – مثلما في سدوم – لن يوجد في المدينة عشرة رجال عادلين”. أخيراً يقرر: “الحقيقة ان الطريقة الوحيدة للبقاء هي اللامبالاة بالأشياء التي نكرهها والتي تزعجنا في البشر والعالم”. هكذا وصل جان إلى النتيجة نفسها التي وصلت إليها كريستيانا في المقبرة بعد دفن والدها. هنا يلتقي كليما مع مواطنه القديم الروائي ميلان كونديرا الذي “أنكر” تشيكيته أو تخلّى عنها، تخليه عن الكتابة بلغته الأم، وتبنى الجنسية الفرنسية والكتابة بالفرنسية، بعدما كان كتب إحدى أجمل رواياته بالتشيكية، “كتاب الضحك والنسيان”. هذان الضحك والنسيان رأى أنهما الدواء الشافي من الماضي ومآسيه. كأن الروائيين يعلنان بعبثية: ما لنا والماضي ومآسيه، ما دمنا لا نقوى على تغيير واقعة واحدة من وقائعه ووقائعها.
ملاحظة أخيرة: على رغم الأخطاء اللغوية والنحوية، يبدو أن إيمان حرز الله بذلت جهداً استثنائياً في ترجمة الرواية، في زمن ندرة الترجمات الجيدة.

لقاء في مقبرة

يناير 13, 2014

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 11-01-2014

لوحة لابرهيم مرزوق

حين تبلغ الستّين راضياً بوحدتكَ، بانقطاعكَ، ومنهما تطلّ على سكان ماضيك الذي صار موضوع وجودك الأثير، تستيقظ في الصباحات على صمت وفراغ أثريين، فتسمع من البعيد أصداء صوتٍ كأنه صوتكَ منادياً: صباح الخير أيها الماضي، صباح الخير، عمَّ تريد أن نتحدث اليوم؟
هذا ما كتبته على صفحتي في الـ”فايسبوك”، بعد أيام من ذكرى ميلادي الستين، فحظيتُ بكثير من “اللايكات” التي داوم بعض من أصدقائي الإفتراضيين على منحي إياها، كلما دوَّنتُ مثل هذه الشذرات على صفحتي في أوقات متقطعة، منذ نحو ثلاث سنوات. يُشعرني ما أحظى به من إعجاب بأسىً وعزاءٍ يغلفان توحدي كفقاعة بلورية من حنان أخرس، يخيَّل إليَّ أنه من مادة الضوء الفوسفوري المنبعث من الشاشة الإلكترونية أمامي.
بعدما عزفتُ عن تدوين مذكراتي على دفاتر ورقية استبدلتها بهذه الشاشة الضوئية، أقامت الفقاعة البلورية ما يشبه عازلاً بيني وبين الكلمات والعالم، كلماتي وعالمي وسكان ماضيَّ المقيمين، أصلاً، خارج حياتي. على مرآة صرتُ أدوّن كلماتي، فأنتظر وقعها، بل تتنازعني متاهة من أصداء وقعِها لحظة تدوينها على الشاشة – المرآة المزروعة بمثل شواهد قبور تزيّنها صورٌ صغيرة الى جانبها أسماء أصحابها، فأقوم بسياحةٍ بصريةٍ بين الشواهد.
يا لتسارع انسياب الوقت وانهماره غزيراً متدفقاً في فقاعتي السياحية، على خلاف بطئه العسير المسكون بغموض الكلمات، أثناء الكتابة على الدفاتر… والآن، بعد شهور على ذكري ميلادي الستين، تحضرني، فجأة، هذه الفكرة، فيما أتأرجح مساءً على الكرسي الهزاز في صالون بيتي: يا لذاك السكون المقابري الآسر الذي يلفّني عندما أمشي بين شواهد القبور، في زياراتي قبرَ أمي، فلا أدري كم من الوقت أقفُ متجمّدة أمام قبرها، بعد خطواتي المتمهلة في الممرات الطويلة المستقيمة بين القبور.
أقوى أوقات توحدي الساكن، أقوى تأملاتي الهاربة المجردة من الكلمات، أعيشها، وتأتيني في زياراتي القليلة المتباعدة للمقبرة. كظلٍّ سارحٍ في الممرات أمشي، فأيقظتني من انسراحي في زيارتي الأخيرة، تحية ألقتها عليَّ شابةٌ في الممر المحاذي. التفتُّ اليها، توقفتُ، فابتسمتْ لي، سألتني إن كنتُ أسمح لها بأن تحادثني قليلاً. من دون أن أبادلها التحية، قالت إنها تستطلع المكان تمهيداً لتصوير فيلم تتضمن بعض مشاهده مقابلات مع زوّار المقبرة. وجهها الفتي، ابتسامتها المراوغة، حملاني على اجتياز المسافة بين الممرّين، مقتربةً منها. للمرة الأولى أراني، في زياراتي هذه، الى جانب شخص بين شواهد القبور، فلاح لي مشهدنا بين غابة صفوفها المنتظمة المتوازية، كصورة قديمة بالأسود والأبيض نقف وسط فضائها الأجرد الفسيح المزروع بالشواهد الرخامية. تسألني الشابة عن غايتي من الزيارة، فأخبرها، وأقبل طلبها بأن ترافقني الى قبر أمي. نمشي، تخبرني بأنها تكتب الشعر، وتركتْ عملها المتقطع في كتابة تحقيقات صحافية عن مشاهداتها في عملها الآخر الموقت في مأوى للعجزة المسنّين المهجورين في باريس، وجاءت قبل أشهر الى لوس أنجليس لتصوير الفيلم… المقابري.
بعد لحظات من وقفتنا صامتتين امام قبر امي، أخذتْ تتلفَّت منقّلةً بصرها بيني وبين شاهدة القبر. من دون ان تسألني هل أنا أرمنية؟ قلت لها إنني ولدت من أمّ وأب أرمنيين، لكنني في مراهقتي أمَتُّ الابنة الأرمنية التي كنتها في منزلنا ببيروت. فجأةً بدت لي في عمر أكبر بكثير من الذي قدّرتُه لها قبل قليل. في نبرة متوسلة طلبت موافقتي على ان تجري معي مقابلة مصوّرة لفيلمها، فلم أتردد في القبول، وسألتها أين ستصوّر المقابلة ومتى؟ هنا في المقبرة، متى تشائين، بعد ايام، جاوبتني ممتنّة مسرورة، كأنها لم تكن تتوقع موافقتي بهذه السهولة، فتبادلنا رقمَي هاتفينا، وقالت انها ستتصل بي غداً او بعد غد لتدعوني، حسب رغبتي، لنشرب كأسا أو فنجان قهوة، فنتحدث، ثم صافحتني وغادرتْ، من دون أن تلتفت اليّ، حيث تجمّدتُ في مكاني أنظر اليها، فلاحت لي كائناً أثيرياً يبتعد، يصفُر في ثباتٍ ايقاعي وسط مشهد العراء الفسيح الساكن. كائنٌ أثيري يجرّ المشهد خلفه، وخلفه يتركني فاقدةً إرادتي ومقدرتي على الحركة، قبل أن تظهر في الأفق سيارة لدفن الموتى، تتقدم متمهلة، بلا صوت، على طريق اسفلتي، فأثبتُّ عليها بصري الزائغ، فيما هي تقترب بيضاء ناصعة أمام صفٍّ من سيارات بيضاء في عراء المشهد الرمادي الفسيح. على حافة قبر، الى جانب شاهدته الرخامية، أجلس، فتتسلل برودة الرخام من قماش فستاني الأسود الرقيق، الى جلدي. أقرأ على الشاهدة اسم الميت في القبر تحتي، تاريخ ميلاده، وموته قبل يومين، فيتخثر لعابي، ويجمد لساني، ليس من خوف أو رعب، بل من قرف صفع وجهي بهواء خلتُهُ لزجاً كبزّاق كدت أستفرغ أحشائي مرة في طفولتي، عندما فاحت رائحته فيما كانت أمّي تطهوه في مطبخ بيتنا البيروتي. فجأةً أحس الرخام يصير دافئاً تحتي، فيما موكب السيارات البيضاء يعبر طريقاً على مسافة قريبة مني، يتجاوزني، يتوقف في نهاية صفّ من القبور، يخرج من السيارات رجال ونساء، في ثياب بيضاء. أراهم ينتظمون في صفّين متوازيين بينهما حفرة قبر يتكوّم حولها تراب يلوح لي طازجاً، حياً، دافئاً، على خلاف البرودة البيضاء للمصطفّين في انتظار العرس المقابري. أرى رجالاً في ثياب سود وياقات بيضاء، يُخرجون تابوتاً أبيض من سيارة الدفن، يضعونه على عربة، يدفعونها متباطئين، بلا صوت، نحو الحفرة، فأقوم عن قبر الميت الطازج الدافئ تحتي. خدرٌ صاعقُ في ساقيَّ، كأنما تخشّبتا، وسأقع أرضاً، اذا ما تحركت من مكاني. رجال الثياب السود الأربعة يرفعون التابوت عن العربة، يتقدمون به نحو الحفرة بين صفّي الرجال والنساء. الحركات ميكانيكية صامتة، الوجوه محايدة في جمودها. كمشهد في منام قمري الضوء، يتدلى التابوت الى الحفرة، ينزل فيها متباطئاً، يختفي، مربوطاً بحبال يمسكها الرجال الأربعة بأكفّهم المقنّعة بكفوف بيضاء ناصعة. يُفلتُ الرجال الحبال من أيديهم، تسقط الى القبر، يتراجعون الى الوراء متجهين نحو السيارة البيضاء الكبيرة. كل شخصين متقابلين في صفّي النساء والرجال، يتقدمان نحو القبر، زوجاً بعد آخر يتقدمان، فيمسك شخصٌ من كل زوج بيده حفنة من التراب المكوّم، وبحركة ميكانيكية متزامنة يرمي كلٌّ منهما الحفنة في القبر، ثم يعودان الى مكانهما في الصفّين المتوازيين، فيتبعهما شخصان آخران في القيام بالحركات نفسها. بعدما رمى الثنائي الأخير الحفنتين الأخيرتين، خرج رجال الثياب السود الأربعة من السيارة، اقتربوا من القبر، شرعوا في إهالة التراب اليه بمجارف معدنية وسط وجوم الرجال والنساء المصطفّين منكّسي الرؤوس. في هذه اللحظة قررتُ المغادرة، استدرتُ، مشيتُ بين صفّين من شواهد القبور، متجهة الى سيارتي خارج المقبرة.
مساء، بعد عودتي الى بيتي، كتبتُ على صفحتي في الـ”فايسبوك”: للمرة الأخيرة أزور قبر أمّي. لم أعد أقوى على العيش وحيدة، لم أعد أقدر على العيش مع أحد.
* * *
لا أفهم لماذا يزور الأحياء قبور موتاهم، أقول أمام كاميرا صاحبة الفيلم المقابري، في مستهل اجرائها المقابلة المصوّرة معي قرب قبر أمّي، بعد أيام على لقائنا الأول في المقبرة. وأنتِ لماذا تزورينها، اذاً؟ تسألني، فلا أتردد في جوابي الذي كانت فكرته حاضرة في ذهني حضوراً غائماً، فعثرتْ فجأة وتلقائياً على لغتها وكلماتها: المتوحّدون المنقطعون الغرباء الراضون بتوحّدهم وانقطاعهم وغربتهم مثلي، يغويهم الزمن المقابري، فيتوسلون موتاهم كذريعة شخصية شكلية لزيارتهم المقبرة، حيث تغمرهم تلك النشوة الطقسية لانعدام الزمن، وتُلاشي في الكائن ذلك الاحساس بوجوده الشخصي الفردي الثقيل المعذب، شريطة أن يكون قد بلغ النضج يائساً، غير نادم قط على فقدانه الأمل. هنا في سكون هذه المقبرة أمشي احتفاء بتحرري من اليأس ومن الأمل، بل أزور العدم، وأمشي في العدم، وأحتفي بالعدم. لكن ماذا تقصدين بكلمة العدم؟، تسألني المصوّرة الواقفة على مسافة قصيرة مني، حاملة الكاميرا الصغيرة، فيفاجئني سؤالها، وأطلب منها أن توقف التصوير قليلاً. رشيقةً فرحةً تتقدم نحوي قائلة إن المقابلة رائعة، وما قلته فيها يكفي، ولا ضرورة لسؤالها الأخير عن العدم، فابتعد قليلاً، وأدعوها الى متابعة الكلام في المقهى.
في الطريق الى المقهى في سيارتي، تخبرني بأنها أمّ لطفل في السادسة، تركته مع والده في اسبانيا، فأروي لها قصة علاقتي بالرجل الأخير الذي ساكنني شهوراً في بيتي، دهمتني طوالها رغبة مريرة آسرة في أن أعيش معه صباي من أوله، لكن بوعيي الراهن وحساسيتي الراهنة. كان شاباً يصغرني بثلاثين سنة. في ليلته الأخيرة في بيتي، كنا ممدّدين على السرير عاريين صامتين، عندما سألني فجأة لماذا لم أنجب ولداً، ففاجأته وفاجأتُ نفسي بقولي له إن ابنتي انتحرت في العشرين من عمرها. لم آبه لاعتذاراته، فتابعتُ تلفيق قصة الانتحار قائلة له: وصلتُ مساء الى البيت، فوجدتُ جثتها عارية على هذا السرير. لم التفتْ الى رجلي الصغير، فيما أسأله إن كان يريد مشاهدة رماد جثتها التي قلتُ إنني أحرقتها ووضعت رمادها في زجاجة تركتها تحت سريري، السرير الذي نستلقي عليه. لم أخبره بأنني استلهمتُ سؤالي هذا من مشهد فيلم نسيت اسمه، ووضعتْ بطلته نيكول كيدمان، رماد جثّتَي طفليها في زجاجتين تحت سريرها، وارتهما لعشيقها الهرم، فيما هو يقول لها إن تعلّقه الغرامي بها عاصف، وقد يكون الأخير في حياته.
أودّع رجلي الصغير على باب بيتي، وأعود عاريةً الى غرفة نومي، فأشعر بأن الغرفة مسكونة بأطياف طقس مأتمي. على المنضدة قرب سريري أشعل عوداً من البخور الهندي، فيخيّل إليَّ إنني عرّافة تتهيأ لطقس تحضير الأرواح. لكنني سريعاً ما أتخيّلني في مشهد آخر: امرأة تحثو التراب قرب قبر وسط حلقة من النساء يشبهن النائحات في صور التراجيديات اليونانية القديمة. حقاً لماذا لم أنجب ولداً؟ فكرتُ متسائلةً، فيما رائحة البخور تعبق في أنفي، تشربها مسامي. فجأة أتخيّلني في مشهد آخر أجثو على ركبتيّ قرب وعاء أدعك فيه بيديّ ثياباً منقوعة بالدم. أعلم أن المشهد الأخير من هلوساتي البصرية هذه، مستعاد من دور في فيلم لألمودوفار، أدّته ممثلة مسرحية اسبانية فقدت ابنها الصغير الذي دهسته سيارة أمام المسرح. أسرني هذا الفيلم، وأسرتني شخصياته النسائية المنقطعة المعذبة، المتهكمة الساخرة من انقطاعها وعذاباتها، كلما التقين في جلساتهن الحميمة المتباعدة، فتراودني رغبة في أن أكون مثلهن أعيش مسكونة بذلك الألم الاسباني الفجائعي القديم المنقوع بدم الخطيئة الأصلية الحار كدم الولادة الذي لم تتلطخ به رحمي، وظللت طوال سني خصوبتي أنزفه خالياً من نطفة الحياة.
في المقهى، غير بعيد من المقبرة، أستمر في رواية هلوساتي البصرية لمصوّرة الفيلم المقابري، وأخلطها بمشاهد سينمائية وأخرى من حياتي. ما إن أبدأ أروي لها حادثة لقائي امرأة اقتربتْ مني على الرصيف، بعد خروجي من صالة السينما التي حضرت فيها فيلم المودوفار، حتى يتراءى لي أن امرأة اللقاء العابر ذاك، هي إياها مصوّرتي الجالسة قبالتي في المقهى. أتوقف فجأة عن الكلام، أحسب أن ما يتراءى لي ليس الا من هلوساتي البصرية. لكن الابتسامة الساحرة التي ألمحها على وجه المصوّرة، جليستي، تقطع الشك باليقين، قبل أن تفاجئني بمتابعتها رواية ما حدث على الرصيف في ذلك اللقاء العابر، قائلة: بعدما اقتربتْ منك، حيَّتكِ، سألتك فجأة: هل أنتِ أرمنية؟ فجاوبتها بأنك أرمنية من بيروت في لوس أنجليس، وبأن اسمك ماريان، فقالت لكِ إن اسمها نور، وأخبرتكِ بأنها كانت تجلس الى جانبكِ في صالة السينما، وانتبهتْ الى أن الفيلم أبكاكِ، من دون أن تسألكِ لماذا أبكاكِ، وها أنتِ الآن، بعد أشهر من ذلك اللقاء على الرصيف، تخبرينها، تخبرينني، كشخصين يتواعدان على لقاءاتٍ ليستأنفا أحاديث حميمة. في المقبرة عرفتُكِ ما إن لمحتُكِ قبل أيام، لكنني لم أقل لكِ، إذ أيقنتُ أنكِ لم تتذكريني.
صامتةً أحدّق في عينَي محدّثي في المقهى، متأكدة أنهما إياهما العينان اللتان رأيتهما مخمّرتين بغضب مكتوم، ما إن اقتربت صاحبتُهما مني وحيَّتني على الرصيف، بعد خروجي من صالة السينما، لأفكر أنها خرجت لتوّها من مشاهد الفيلم لتُريني ذلك الألم الاسباني مجسَّداً في عينيها اللتين أحدّق فيهما الآن، متذكرةً ذلك التعريف الغريب الذي عرَّفتُ به نفسي، بعدما سألتني إن كنتُ أرمنية. آنذاك، عقب ذلك اللقاء الذي لم يستغرق أكثر من دقيقتين أو ثلاث، رحتُ أتساءل عمَّا دفعني الى استعمال ذلك التعريف للمرة الأولى في حياتي؟ أنا من طوال عمري لم أشعر ولم أقل لأحد قط إنني أرمنية أو لبنانية أو أميركية، مكتفيةً بالقول إنني من المدينة التي أقيم فيها. حتى في ايطاليا التي لم أقم فيها سوى سنتين، كنت أقول إنني هنا الآن في روما. دائماً أنفر من القول إنني أرمنية، وكان نفوري هذا في بيروت أقوى منه في كل مكان آخر، بالرغم من أن سائليَّ اللبنانيين غالباً ما كانوا يدركون مسبقاً أنني أرمنية.
والآن من أنتِ، وماذا تريدين مني بعد؟ يا… بأيّ اسم تريدين أن أناديكِ؟ وأين سنلتقي غداً؟ أقول لجليستي في المقهى، كأنني أكلّم شخصاً أبصره في هلوساتي البصرية. من محفظة يدها الملقاة أمامها على الطاولة، تُخرج علبة تبغٍ فرنسي، تقدّم لي سيجارة، فيما هي تقول إنها تعلم إنني رسامة، وترغبُ أن أرسم وجهها. أتناول السيجارة من يدها، فتوضح أنها كانت تلميذتي لشهرين أو ثلاثة في معهد الفنون في بيروت، قبل مغادرتها لبنان الى اسبانيا، حيث أقامت 10 سنين. أضعُ السيجارة في فمي، صامتةً أستمرُ محدّقة في وجهها، غير مكترثةٍ بهذه المصادفات كلها، لا لأتذكر إن كنتُ رأيتُ هذا الوجه في بيروت، بل لأتدارك رغبتي المفاجئة في أن أمدَّ اليه يدي لألامس جلد الليل.

مآسي حرمون

ديسمبر 22, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 21-12-2013

4768-640_964042_large

في رحلة استطلاعية سريعة لأحوال اللاجئين السوريين في ما سمّي “فتح لاند”، في المثلث الحدودي في أقصى الجنوب الشرقي من لبنان، ألحّ هذا التساؤل: ما هي حصة النظام البعثي والأسدي من المأساة اللبنانية المتناسلة، ومن الكارثة السورية الراهنة، ومن مأساة الشعب الفلسطيني؟ فمن “فتح لاند” بدأت مأساة لبنان التي استثمر فيها حافظ الأسد طاقة نظامه الأمني. ولولا هذا الاستثمار الذي شمل الفلسطينيين وقضيتهم، ما كان لذلك النظام أن يستتب و”تتأبد” سيطرته على الدولة والمجتمع السوريين، ولا أن يحصد “أمجاده” الإقليمية والدولية على جثة سوريا. هكذا بنى “مملكة أسدية” جوفاء صامتة كالسجون والمعتقلات، على أنقاض احتمال تشكل لحمات وطنية – سياسية للبنانيين والسوريين والفلسطينيين.

في نهار بارد غزير المطر، قمنا برحلة سريعة في قرى قضاء حاصبيا وبلداته على السفوح الغربية لجبل الشيخ أو الحرمون، وبين شعابه التي تشكل مثلث حدود لبنان مع سوريا وفلسطين المحتلة. كان هدف الرحلة استطلاع أحوال اللاجئين السوريين في تلك المنطقة النائية. لكن التنقل في قرى تلك الديار التي بدت اليوم أرضاً للهجران والضمور والإهمال والنسيان، فتح في الذاكرة سجلّ التاريخ القديم للمأساة التي يتخبط فيها لبنان منذ ستينات القرن العشرين.
الفصل الأول من ذلك السجل بدأ هناك عندما سمّيت تلك الديار “فتح لاند”.
من يتذكر اليوم هذه التسمية وظروفها اللبنانية والإقليمية التي كرّست، منذ عشايا “اتفاق القاهرة” في العام 1969، إقطاع بلدات المثلث الحدودي اللبناني وقراه لمنظمات “العمل الفدائي الفلسطيني” المسلح، من أجل “القضية العربية المقدسة”؟ وذلك بالنيابة عن الجيوش العربية النظامية المهزومة في حرب حزيران 1967.

بدايات المأساة اللبنانية
من يصل إلى شبعا ويمر قرب مزارعها الشهيرة متجهاً إلى كفرشوبا وراشيا الفخار، ومنها نزولا إلى قرى وادي الحاصباني، يستحيل عليه – اذا ما كانت تتشبّث بذاكرته منذ الطفولة أسماء تلك القرى مع فصول ووقائع وحكايات مصدرها الجغرافيا الطبيعية والبشرية لأهلها، قبل صيرورتها “فتح لاند” وبعدها – ألاّ يستعيد الصلة مستقرئاً بين بدايات المأساة اللبنانية في منعطفاتها ومساراتها المتناسلة حتى اللحظة، وبين الكارثة السورية الراهنة التي دفعت ملايين السوريين إلى التشرد في بلدهم، واللجوء إلى دول الجوار.
يصعب نسيان دور سوريا البعث والأسد في تصدير المقاتلين الفلسطينيين وسلاحهم إلى لبنان، واستعمالهم واستعماله، منذ ما قبل “اتفاق القاهرة”، “رأس حربة” إقليمية في الصراع ضد اسرائيل، بديلاً من مجابهة جيشها من الحدود السورية، وخصوصا بعد حرب تشرين 1973 التي أنهت الحرب على الجبهة السورية، فلم تعد تُطلق منها مذاك إلى اليوم، رصاصة واحدة على الجيش الإسرائيلي. أما حدود لبنان الجنوبية في معقل “فتح لاند” ومعه باقي المخيمات الفلسطينية، فتحولت معسكرات لمنظمات مسلحة وأجهزة أمنية شتى، متنازعة الولاءات الإقليمية والأهواء الإيديولوجية، ومتباينة التمويل والتسليح والأمرة التنظيمية والعسكرية. هذا ما أدى الى انفجار الحروب الأهلية الملبننة التي كان للنظام الأسدي حصة الأسد في تأجيجها، وصولاً إلى احتلال لبنان على جثث مئات الألوف من القتلى اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين. والحق أن نظام حافظ الأسد ما كان ليستتب ويتصلّب و”تتأبد” سيطرته الأمنية الديكتاتورية على الدولة والمجتمع السوريين، وما كان له أن يحصد ما حصده من “أمجاد” إقليمية ودولية على جثة سوريا، لولا ولوغه في حروب لبنان وتحويلها سوقاً لمقايضاته التي اشترى بها سكوت المجتمع الدولي عن نظامه الدموي. هذا ما مكّنه من الاستقواء على اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين، فقوّض احتمال لحماتهم الوطنية، وأمعن في تدمير مجتمعاتهم وتمزيقها، ليبني على أنقاضها “مملكة أسدية” صمّاء جوفاء صامتة كالسجون والمعتقلات.

20120714-640_270158_large

أسماء وحوادث
فيما كنت أستمع إلى شذرات من حكايات اللاجئين السوريين عن رحلاتهم البرية الشاقة من قراهم إلى شبعا، عبر قمم جبل الشيخ وشعابه الوعرة، استفاقت ذكريات طفولتي المنسية الأقرب إلى حكايات الجدات ومرويات المكاريين والمهرّبين على بغالهم في رحلاتهم الشاقة في جرود الجبل نفسه. ثم لم تلبث أن ترددت في ذاكرتي القصية أسماء القرى السورية على المنقلب الآخر من سفوج الجبل، وفي سهل حوران وسهل الحولة الفلسطيني الذي تعلوه مزارع شبعا. أذكر من القرى السورية: عرنا، بيت جن، مجدل شمس، حضر، دربل، جباثة الخشب، جباثة الزيت، والقنيطرة في الجولان. أما أسماء البلدات والقرى اللبنانية على المنقلب اللبناني من الجبل، فيعود ترددها في الذاكرة إلى زمن أحدث، هو زمن “فتح لاند” ويسبقه بقليل: مرجعيون، حاصبيا، الخيام، دبين، بلاط، إبل السقي، كوكبا، الفريديس، الخلوات، كفرحمام، الهبارية، راشيا الفخار، كفرشوبا، عين قنيا، شويا، المجيدية، الماري، الغجر، ميمس، الكفير، عين عطا، مرج الزهور، برغز، لبايا، زلايا، وصولاً إلى كفرمشكي وراشيا الوادي في البقاع الجنوبي. وفي صفحات سجل الأسماء المنطوية بعيداً في الذاكرة تتردد أيضاً أسماء مزارع شبعا: برختا، مشكول، الحولة، حوربيا، برطعيا، رمثان، بيت البراق، وسواها الكثير.
حوادث “ثورة 1958″، كما في منام سمعت في نهاياتها بعضاً من أهالي شبعا يرددون هاتفين: “نور السعيد أكل قتلة وانحكم اعدام مع علي شمعونا” (الرئيس اللبناني كميل شمعون). ترتبط تلك الحوادث أيضاً بصورة رجل يدعى علي الوحش، قدم من الجبل من خلف الحدود، فجنّد بعضاً من رجال شبعا وشبّانها، وفجّر في ساحتها سيارة محازب سوري قومي اجتماعي فرَّ من القرية مع غيره مع رفاقه المحازبين، فاحتجز الوحش “الثائر” نساءهم في زريبة في المزارع التي أعدم فيها أيضاً شابين أخوين اختطفهما بثياب النوم عند الفجر من بيتهما في إبل السقي التي كانا يعلّمان في مدرستها.

مرجعيون
هذه الأسماء والحوادث وأمثالها، لا تتوقف عن التدافع في الذاكرة أثناء الرحلة في تلك القرى، بدءاً من مدينة مرجعيون شبه الخالية والمهجورة وسط الضباب على رابية في السهل المنبسط أسافل جبل الشيخ. يصعب المرور في مرجعيون من دون حضور طيف أنطوني شديد، مراسل صحيفة “واشنطن بوست” في الشرق الأوسط، الأميركي المرجعيوني الأصل والأجداد، الذي عاجلته نوبة ربو، فقتلته على ظهر حصان عائد به من القصير السورية، مخوّضاً في نهار ماطر في مياه النهر الكبير الجنوبي على حدود لبنان الشمالية. كان أنطوني شديد يستقصي الوقائع الميدانية للكارثة السورية، بعدما أعادته حرب تموز 2006 إلى جذوره وأرض أجداده في مرجعيون، فسجّل سيرة عودته في كتاب عنوانه “بيت من حجر” (تُرجم إلى العربية ونشرته “شركة المطبوعات للتوزيع والنشر”، 2013)، وروى فيه ملحمته الشخصية في إعادة تشييد منزل جدّه لأمه، المهجور، وإقامته فيه. لكن الموت عاجله، فترك البيت لسيرة جديدة من الهجران والإهمال والخراب في الحاضرة الجنوبية المحلية الأكثر تمدناً، قبل أن تترك الهجرات المتعاقبة بيوتها الأنيقة الجميلة مهملة مهجورة متصدعة. والحق أن كتاب شديد مرثاة لمرجعيون، قدر ما هو تسجيل يومي لإصرار الكاتب السيزيفي، الموحش واليائس، على إحياء جذوره فيها.
لكن أيّ جذور يمكن بعث الحياة فيها، بعدما مرت سنوات كثيرة على خلوّ بيوت مرجعيون من أهلها الراحلين عنها قنوطاً من مصير حاضرتهم التي شملتها “فتح لاند”، فاحتل المفوّضون السياسيون والأمنيون في “قوات العاصفة” أجمل بيوتها واتخذوها مقارّ لهم في حرب السنتين (1975 – 1976)؟ هذا بعدما أقفلت مدارسها الكثيرة أبوابها، وسكتت أجراس كنائسها، التي كتب الشاعر حسن عبدالله مرة، من بلدته الخيام على رابية مقابلة: “والياس والأجراس سالت على آحاد مرجعيون”، مبتهجاً بتدفق تلك الأصداء ومشاهد المرجعيونيين الزاهية في الآحاد، إلى حواسه على الرابية المقابلة.

2013-08-drawings-640_218862_large

الوزّاني
عند منابع نهر الوزّاني المحاذي للجولان المحتل، وقفتُ دقائق، فمرّت في الذاكرة حكايات قديمة لمهرّبين ومكاريين من شبعا يخوّضون في مياه النهر على الحدود اللبنانية – الفلسطينية، فتغرق بغال بعضهم في المخاضة. كثرٌ منهم دهمتهم الحاميات الحدودية السورية في الجولان القريب، فاقتادتهم مع بغالهم وأحمالها إلى مدينة القنيطرة، عاصمة الجولان قبل احتلاله، فمكثوا سنوات في السجون والتعذيب. أحدهم كتب مذكراته في السجن الذي خرج منه بلا أظفار في أصابع يديه وقدميه، ثم هاجر إلى الأرجنتين وانقطعت أخباره. آخر عاد في صيف من مهجره في الكويت، وركب حماره إلى بستانه في مزرعة برختا الشبعاوية غداة الانفصال الوحدوي ما بين مصر وسوريا، فقبض عليه في المزرعة رجل المخابرات السورية المدعو أبو سعيد الذي احتجزه ليومين من التعذيب، متهماً إياه بأنه مخابرات مصرية، وجاء ليتجسّس على سوريا من مزارع شبعا.
موحلة تتدفق مياه نهر الوزّاني في الاتجاه المعاكس لانسحاب وحدات من الجيش السوري في هزيمة الجيوش العربية في حزيران 1967، فوصلتْ تلك الوحدات المنسحبة من الجولان إلى قرية شبعا مروراً بمزارعها، وقام أهالي القرية بإيواء الجنود السوريين المنهكين وإطعامهم وتزويدهم ملابس وأحذية، قبل نقلهم ألى بلدهم بعد أكثر من أسبوع من الكارثة الحزيرانية. اليوم بعد 46 سنة على تلك الكارثة يفر أبناء وأحفاد لأولئك الجنود من قراهم وديارهم السورية إلى شبعا، لكن ليس عبر مزارعها، بل عبر شعاب جبل الشيخ الوعرة، فتتوزع موجاتهم كلاجئين في قرى العرقوب اللبنانية، فهل من صلة بين الواقعتين هاتين وبين “القضية المقدسة” و”فتح لاند”؟

أبو قمحة
في قرية أبو قمحة الصغيرة – وهي كانت مزرعة للزيتون والعنب على ربوة تعلو مجرى نهر الحاصباني أسفل حاصبيا، قبل أن تتسع وتعمر لإقامة قروية دائمة – لا شيء ينبئ عن أن أحداً من أهلها لا يزال مقيماً في بيوتها المهجورة المتداعية، من دون أن يلجأ إلى هذه البيوت أيٌّ من اللاجئين السوريين، على الرغم من أن أحدهم حدَّثنا عن غلاء إيجار البيوت في حاصبيا، الذي التقيناه في ساحتها، وقال إن مئة أسرة من السوريين اللاجئين تنزل في البلدة.
وحدها الكنيسة الضخمة في أبو قمحة تنتصب مرمّمة زاهية، لكن لا حياة فيها، على خلاف حالها في ما رواه لي مرة الصديق الشاعر الراحل بسام حجار الذي نذر السنوات الأخيرة من حياته لرواية “سيرة الرخام” البارد ومشاهد شجرات السرو الوحيدة الجامدة قرب القبور، بعدما أمضى السنوات الأسبق في رواية السيرة الأليفة لاعتزاله في البيت بين أشيائه الحميمة وجدرانه ونوافذه. قال بسام إن لا سيرة ولا ذاكرة له خارج المشاهد الآنية لضآلة العيش وكفافه في حياد الرخام ووحشة السرو. كانت تلك من المرات النادرة التي روى فيها خبراً عن أهله الأحياء، فعرفت أن أمه من حاصبيا، وأنه كان يصطاد في أبو قمحة في فتوّته حين يذهب في الصيف لزيارة أهل أمه.
كنت أحدثه عن فتيان من شبعا سحرتهم صورة الفدائي الفلسطيني في شخصية “الأخضر العربي”. وهو لبناني جنوبي يدعى أمين سعد، وكان مدرّساً قبل التحاقه بمنظمة “الصاعقة”، ومرابطته في شبعا في أواخر الستينات، فقتل على تخوم مزارعها في غارة إسرائيلية على معسكرات الفدائيين. بعدما فعل السحر فعله في مخيلة أولئك الفتيان، نزلوا من قريتهم إلى مركز قيادة “قوات العاصفة” في أبو قمحة، فزوّدهم ضابط فدائي التقوه تحت شجرة زيتون، قنابل يدوية ومسدسات، كي يصيروا فدائيين مثل “الأخضر العربي”. واحد من أولئك الفتية قُتل في الشيّاح بعد سنوات، فيما كان يحرس مقراً لـ”فتح” وقع أمامه اشتباك مع مسلّحي منظمة “الصاعقة”.

79899-640_326582_large

بطولات العملة – الأسد
آنذاك، ومنذ غداة الهزيمة الحزيرانية حتى صيف 1982، كان الفدائيون الفلسطينيون من المنظمات الكثيرة المتباينة الأسماء والولاءات، قد نصبوا قواعدهم ومعسكراتهم وكمائنهم ومقارهم في نواحي منطقة العرقوب وقراها وبلداتها. ومنها زحفت “قوات العاصفة” بقيادة أبو خالد العملة (لاحقاً صار شاكر العبسي، مؤسس “فتح الإسلام” في مخيم نهر البارد، من أركان العملة في “فتح الإنتفاضة” السورية الأسدية) إلى جبل لبنان في حرب السنتين (1975-1976)، فسطرت ملاحمها مع “كتيبة فتح الطلابية” من المجندين اللبنانيين اليساريين الماويين وسواهم من الشيوعيين والسوريين القوميين الاجتماعيين، في تهجير سكان أشهر بلدات الاصطياف اللبناني وتدميرها في أعالي المتن، من حمانا الى فالوغا، فالمروج وبولونيا وضهور الشوير والمتين وعينطورة، وصولاً إلى الزعرور والغرفة الفرنسية في أعالي صنين. وهذا ما حمل أبا أياد على القول مزهواً “إن الطريق الى فلسطين تمرّ في جونيه”. فما كان من مدبّري الصفقات في السياسات الإقليمية والدولية إلاّ أن أوكلوا لـ”سوريا الأسد” إدارة المأساة – الملهاة اللبنانية، فزحف الجيش الأسدي من البقاع إلى صنين وطرد القوات الفلسطينية وحلفاءها من أعالي المتن، واستكمل تدمير بلداته، نزولاً إلى بحمدون فعاليه وبيروت. هكذا انكفأت قوات أبي خالد العملة وعادت إلى “فتح لاند” في العرقوب، فيما كان الجيش الإسرائيلي يقيم الشريط الحدودي الجنوبي المحتل بأمرة سعد حداد، لتستمر فصول تهجير القرى والبلدات الحدودية وتدميرها، تمهيداً لزحف الجيش الإسرائيلي وصولاً إلى بيروت صيف 1982.

أشباح الماضي وصناعة الأشباح
من رحم الكارثة اللبنانية الناجمة عن إنشاء “فتح لاند” لمقاومة اسرائيل مقاومةً عروبية فلسطينية أدت الى إطباق احتلالين، سوري أسدي واسرائيلي، على لبنان، جرى، في خضم الاحتلالين ما بعد العام 1982، توليد مقاومة جديدة إسلامية في ضاحية بيروت الجنوبية التي تحولت “مربعاً أمنياً”.
المربّع – المَرْبَع الجديد هذا، يختلف جذرياً عن معقل “فتح لاند” في المثلث الحدودي الجنوبي الداخلي شرقاً. يتجلى هذا الإختلاف في أن المربع مزج مزجاً عضوياً دينياً وطائفياً وخلاصياً بين سكان الضاحية الجنوبية المهجرين المقتلعين في عراءٍ اجتماعي وسياسي في خضم الحروب وكوارثها، وبين نواة الجهاز الأمني المقاوم الوليد ولادة سرية على يدي “الحرس الثوري” الإيراني في البقاع أولاً، قبل غرسه عضوياً في خاصية بيروت الجنوبية. لكن ما قامت به خلايا الجهاز السري في بداياتها في بيروت ما بين 1983 و1985، يشبه ما يحدث في لبنان اليوم من اغتيالات وتفجيرات انتحارية، على إيقاعات الكارثة السورية التي يشارك “حزب الله” فيها مشاركة أساسية، فيما يتدفق مئات الألوف من اللاجئين السوريين الى الديار اللبنانية.
كأن الحزب الخميني – الحرسي الإيراني الذي وُلد من رحم الحروب والاحتلال والتهجير والإقتلاع والتذرر والتشرد، يريد لمشاركته في الحروب السورية وتشريد أهلها أن تولّد عدوّاً جديداً مكافئاً له يشبهه ويسمّيه “الإرهاب التكفيري” الذي يزعم الحزب أنه ذهب لقتاله في سوريا لحماية “ظهر مقاومته” في لبنان. هذا بعدما نسي إسرائيل من دون أن تنساه، إذا صحّ أنها هي من اغتالت حسان اللقيس قبل أيام. لذا يبدو أن “حزب الله” اليوم يقاتل أشباح ماضيه، محاولاً التبرّؤ من ذلك الماضي، ماضي ولادته السرية السوداء، بعدما تراءى له أنه في طريقه إلى السيطرة على لبنان الدولة والمجتمع، سيطرة جهازية شمولية أو توتاليتارية. وذلك على الطريقة الأسدية، وباسم مقاومته إسرائيل و”تحريره” الجنوب، مزدرياً تاريخ لبنان السابق على حروب المقاومة، بوصفه “ملهىً” ليلياً يجلب العار والذل والمهانة، فيما الحروب والقتل والتهجير والتدمير والتشريد والإغتيالات تجلب له وحده أكاليل الغار والأمجاد والملاحم البطولية التي يسطرها اليوم في سوريا إلى جانب بقايا الجيش الأسدي.
في شبعا – التي اشترى فيها “حزب الله” عدداً من المحازبين، معظمهم من الذين كان يسمّيهم “العملاء” المجندين في “جيش لبنان الجنوبي”، على ما يروي كثر من أبناء شبعا – يصعب على المرء ألاّ يتذكر مزارعها التي تذرّع “حزب المقاومة” باستكمال تحريرها بعد جلاء الجيش الإسرائيلي عن الجنوب في العام 2000، فظل لسنتين أو أكثر يلهج باسمها، قبل أن ينساها وينصرف، ما بعد العام 2005 وجلاء الجيش السوري الأسدي عن لبنان، إلى أعمال وغايات علنية وسرية أخرى. وها هو ذا يتوّج أعماله بالحرب على الشعب السوري الثائر على نظامه الأسدي الدموي والإستبدادي، فيتدفق السوريون لاجئين الى لبنان في أمواج بشرية ضخمة من الاقتلاع والتشرد والذل والهوان، استكمالاً لما عاشوه وعاشه لبنان في ظل البعث والأسد، طوال عقود.
ألوفٌ من هؤلاء اللاجئين انتقلوا على البغال والحمير وسيراً على الأقدام من قراهم على السفوح السورية الشرقية لجبل الشيخ، ليصلوا إلى شبعا، مجتازين الجبل في رحلات تستغرق 7 ساعات من المشقّة والعذاب. بعض من هذه الرحلات يموت فيها أطفال ونساء حوامل وجرحى، قبل وصولهم إلى البلدة اللبنانية الحدودية التي لا تاريخ لها خارج الحروب والهجرات والتهجير والاحتلال والعزلة الجغرافية والإهمال في كنف شعاب كتلة جبلية ضخمة صخرية جرداء.

20130115-640_714845_large

شبعا: عرسال أخرى؟
دور شبعا على حدود لبنان الجنوبية الشرقية، في استقبالها اللاجئين السوريين وإيوائهم وتوزيع بعضهم – بعد فرارهم من قراهم التي تتعرض على السفوح السورية لجبل الشيخ لقصف من الطيران والمدافع الأسدية – يكرِّر دور عرسال الحدودية في أقصى البقاع الشمالي، لكن على نطاق أضيق وأعسَرَ على اللاجئين. فالدروب الجبلية من القرى السورية إلى شبعا، شديدة الوعورة وأطول بكثير من الدروب والمعابر إلى عرسال التي سبقت شبعا زمناً في استقبالها اللاجئين وإيوائهم. لكن البلدتين تتشابهان في تجربتهما الحدودية المريرة مع نظام البعث والأسد.
قد تكون تجربة شبعا مع الاحتلال الإسرائيلي، أنستها تلك المرارة التي تذوّقها الشبعاويون مهانةً وابتزازاً من رجال المخابرات السورية في المزارع، قبل أن تصير مسرح عمليات للفدائيين الفلسطينيين الذين استدرجت عملياتهم إسرائيل إلى احتلالها، مما أضعف عروبة الأهالي الهلامية والناصرية أصلاً. وإذا كانت الحروب الملبننة لم تُبقِ في شبعا أحداً من مسيحييها الذين كانوا يشكّلون ربع سكانها، فإن الإحتلال الإسرائيلي حال دون عودة مسلميها المقيمين في بيروت إلى الإصطياف فيها، فبارت بساتينها وخربت في معظمها، وتضاءل عدد سكانها. لكن المفارق أن العمران العشوائي ضرب أطنابه فيها وفي الوعر والمشاعات، فأمست طبيعتها القروية أثراً بعد عين، اقتداءً بعشوائيات ضواحي الضاحية في حي السلّم وصحراء الشويفات، بفضل أموال المهاجرين والمقيمين في تلك الضواحي. فإذا بشبعا، ما بعد “التحرير” في العام 2000، كتلةً هائلة من الباطون الأجرد على جبل أجرد، يبعث مشهدهما المقبض الضيق والكآبة والغثيان في النفس والروح.
قبل أن يبدأ اللاجئون السوريون في الوصول إليها مطالع الصيف الماضي، كانت موارد شبعا الداخلية ودورة إنتاجها المعيشي المحلي في منزلة الصفر تقريباً، ما خلا موارد الرعاة من قطعان الماعز في الجرد، فيما يعتاش سواهم من المقيمين على تحويلات المهاجرين المالية، وبعض مرتّبات الوظائف الحكومية، التي يُصرف معظمها على تشييد البيوت وتكديسها. وهي البيوت التي كانت على موعد مع تدفق اللاجئين السوريين وتزاحمهم على استئجارها لإيواء عائلاتهم، فلم يبقَ في البلدة إلاّ ما ندر من بيوتها خالية، فيما تكدّس اللاجئون حتى في كاراجات السيارات والمحال التجارية الخالية التي استأجروها، مع تزايد موجات اللجوء منذ مطالع الخريف، من دون أن تقام مخيمات للإيواء، كما في عرسال والبقاع الأوسط. المقتدرون بعض الشيء من اللاجئين، توزعوا على بعض البلدات والقرى، منها حاصبيا، حيث تنزل مئة عائلة سورية في بيوت مستأجرة. وقد لا تخلو قرية وبلدة في قضاء حاصبيا من عدد من العائلات اللاجئة، إلاّ في ما ندر. أما من لم يجد من اللاجئين غرفة للإيجار في شبعا، فلجأ إلى المساجد المتكاثرة في أنحائها منذ العام 2000، والمشيّدة بأموال جمعيات دينية، بعضها سلفي، وعلى صلة وثيقة بجمعيات مماثلة في بلدان الخليج العربية التي تكاثر فيها المهاجرون الشبعاويون الذين تديّنوا هناك تديّناً سلفياً. في أحدث مسجد شُيّد كحصن ضخم من أربع طبقات على تلة صخرية قبالة البلدة، في إدارة جمعية سلفية، نُصبت في قاعتين واسعتين خيم وشوادر لإيواء ما لا يقل عن 50 عائلة سورية تتكفل بعض إعالتهم الجمعية السلفية، فضلاً عما تقدمه الوكالة الدولية لغوث اللاجئين من مبالغ مالية للعائلات المسجلة في سجلاتها (40 ألف ليرة لبنانية للعائلة، لتدفع عنها غائلة الجوع). للدلالة على حال اللاجئين الذين يزيد عددهم في شبعا على 4 آلاف نسمة (أي أكثر من عدد سكانها المقيمين)، نذكر أن شوارعها تخلو من سيارة سورية واحدة. هذا يعني أن اللاجئين وصلوا إلى البلدة عراة إلاّ من الثياب التي يرتدونها هاربين نحو الجبل خلفهم، بعدما دمّر قصف الطيران والمدافع بيوتهم في القرى. ثم نقلوا الجرحى والأطفال والنساء على ظهور دوابهم التي كانوا يستعملونها لنقل محاصيلهم الزراعية.
الحق أن ثلثي النازحين النازلين في شبعا، هم من قرية بيت جن على سفح المقلب السوري من جبل الشيخ، وهي أقرب إلى شبعا (7 ساعات سيراً على الأقدام) من سواها من القرى السورية. الجيش اللبناني استحدث في أعالي شبعا، على طريق توافد اللاجئين، حاجزاً عسكرياً يسجل أسماءهم، قبل أن يأذن للعاملين في الصليب الأحمر بتسلمهم ومساعدتهم للوصول إلى البلدة، فيما تنقل وحدة الإسعافات الأولية في المنظمة الصحية الجرحى إلى مستشفيات البقاع، عبر راشيا الوادي.
لكن نزوح أهالي بيت جن إلى شبعا تعرَّض مرةً لمكمن نصبته لهم في الجبل مجموعة مسلحة من أبناء قرية حضر السورية الدرزية المجاورة، فقتلت عدداً من النازحين، على ما روى كثر من أهالي شبعا. دوافع المسلحين إلى نصب المكمن، خلافات وثارات بين القريتين السوريتين، السنّية (بيت جن) والدرزية (حضر)، على خلفية موقف كلٍّ منهما من الثورة السورية ومن نظام الأسد. هذا ما دفع مسلحين من بيت جن إلى مرافقة أفواج اللاجئين من أهالي قريتهم في رحلات النزوح، لحمايتهم من المكامن وتأمين وصولهم إلى الحدود السورية – اللبنانية على قمة الجبل، فحصل، لمرة ثانية، اشتباك بين مسلّحي القريتين في الجبل داخل الأراضي السورية، قُتل فيه عدد من مسلّحي حضر الدروز. على خلفية هذه الحوادث – معطوفة على حملات تحريض ضد الثورة السورية وجماعاتها، يقوم بها مقدمون من الدروز اللبنانيين في رحلاتهم إلى القرى الدرزية السورية، ولا سيما في السويداء – انتقلت النعرات إلى القرى اللبنانية المختلطة طائفياً في قضاء حاصبيا، حيث للمقدمين الدروز الموالين لنظام الأسد محازبون ومؤيدون أرادوا الإنتقام لقتلى حضر، فتصدّوا في قريتهم اللبنانية لسيارة تابعة للصليب الأحمر تنقل جرحى سوريين إلى مستشفى في البقاع، بعد وصولهم على البغال من بيت جن إلى شبعا. ووفقاً لرواية أحد أعضاء بلدية حاصبيا، أدت هذه الحادثة إلى تنادي وجهاء من القرى اللبنانية المختلطة طائفياً (سنّة ومسيحيين ودروزاً)، فعقدوا اجتماعاً في بلدية مرج الزهور، واتفقوا على شجب الحادثة وعدم تكرارها وتعريض المنطقة إلى نعرات وحوادث مماثلة.
حين غادرنا شبعا كانت طبقة رقيقة من الثلج قد بدأت تظهر على الطرق وعلى الجبل الأجرد. وهذا ما يثلج صدور أصحاب القلوب السوداء المليئة بالحقد على شعب سوريا، لأنه ثار على نظام طغمة أمنية عائلية دموية ورَّث عرّابُها الأمني المؤسس لابنه استعمار سوريا، فظن الإبن أن استعماره هذا أبدي، وفقاً لوصية أبيه.
إنها تثلج، والثلج يتراكم على جبل الشيخ، فليهنأ أصحاب القلوب الحاقدة: لقد توقف وصول اللاجئين والجرحى والأطفال السوريين إلى شبعا المهملة المنسية منذ توقف الردح الهذياني المردّد: مزارع شبعا، مزارع شبعا، واستُبدل بردحٍ عن “حكومة فيلتمان”، ثم عن “الإرهاب التكفيري”.

فتيات للزواج والتحجّب والاغتصاب

ديسمبر 8, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 7-12-2013

لوحة لسارة الحساني

والدتي من عائلة عشائرية في بلاد جبيل. قبل سنوات من بداية الحرب العام 1975، شيّد أهلها بيتاً على شاطئ الاوزاعي وأقاموا فيه. كان والدي متزوجاً امرأة من بلدته البقاعية السنية، وأنجب منها ثلاث بنات، قبل أن تدفعه موجات الهجرة الى بيروت للعمل والإقامة، فاستأجر لإقامته مع أسرته بيتاً شيّده حديثاً أهل من ستصير أمي، قرب بيتهم الأول في الأوزاعي.

آنذاك كانت أمي لا تزال تلميذة عذراء جميلة في بداية المرحلة الثانوية، فأعجب بها ووقع في هواها الرجل المتزوج، جارها المستأجر من أهلها بيتاً، وأخذ يلاحقها. كان يكبرها بسنين كثيرة، ولا يزيد عمرها على عمر ابنته الكبرى بأكثر من سنوات خمس. حسنُها وتميّزها ونظافتها وترتيبها­- في مقابل دمامة زوجته وطبعها المشاكس القاسي وقلة تدبيرها- ضاعفت افتتانه بالصبيّة الصغيرة، تلميذة المدرسة، ورقتها، على الرغم من كونها مخطوبة لشاب، لم تكن- بحسب أمها- تحبّه ولا تريده، ولا مالت الى الرجل المتزوج الذي أُغرِم بها ووقع في هواها. لكنها استجابت أخيراً هواه وتتيّمه بها، فرضيت به زوجاً وافق عليه والداها، بعد فسخ خطوبتها للشاب، حينما كانت في السنة الدراسية الأخيرة من المرحلة الثانوية، وفي السادسة عشرة من عمرها. لكن رضاها وموافقة والديها لم يحولا دون ممانعة رجال عائلتها العشائرية الموسعة إتمام ذلك الزواج، فاعترضوا موكب عرسها، وحاولوا إخراجها بالقوة من السيارة التي تقدمت الموكب، أثناء مروره في قريتهم وديارهم ببلاد جبيل، متوجهاً من الأوزاعي الى بلدة العريس البقاعية.

* * *

لم يطلّق العريس زوجته الأولى، بل أسكن معها ومع بناته الثلاث، زوجته الجديدة الشابة الجميلة، في بيته المستأجر من أهلها في الأوزاعي. في هذا البيت دارت مشاجرات عنيفة بين الزوجتين طوال ثلاث سنوات. أثناء غياب الزوج في عمله اليومي كانت زوجته الأولى وبناتها يتعاونَّ على ضرب زوجته الثانية التي أسقطت حملها جنينين اثنين، جرّاء ما تعرضت له من نكد وعنف. فالزوجة الأولى كانت غضوبة شرسة الطبع، عنيفة، إلى حدّ أن زوجها كان يتهيّب مواجهتها، حتى إنه أخذ يعيش حياته مع زوجته الشابة وعلاقته بها، كأنه عشيقها السرّي، فيخرجان معاً من البيت، أو يتواعدان على اللقاء، كعشيقين، خفية عن الزوجة الأولى التي، تلافياً لنقمتها، كان كلٌّ من الزوجين – العشيقين يعود بمفرده الى البيت، كأنهما لم يكونا معاً. هذه العلاقة الغريبة الخائفة قد تكون أخرجت العلاقة الزوجية من إطارها، وجعلتها علاقة غرامية متأججة. فالزوجة الثانية، أمي، تقول إنها بعد الزواج أحبّت والدي قبل أن يسافر للعمل في قطر، تاركاً زوجتيه الضرّتين وبناته الثلاث من الأولى وطفله البكر من الثانية، في بيت الأوزاعي.
لكن ذلك الحب الزوجي – الغرامي لم يكن يخلو من التعاسة والألم. وهو ما كان ليكون على هذه الحال لولا غيرة الزوجة الأولى الحرون ورقابتها اللتين جعلتاه مشوباً بشيء من قلق وخوف حوّلاه غراماً أو عشقاً مكتوماً مطارداً، ما بين رجل وصبية جميلة متعلمة تكاد تكون في عمر ابنته. ثم إن هذا النوع من العشق أو الغرام الزوجي لم تعشهُ الصبية (أمي) إلا كسحابة صيف رمادية عبرت حياتها سريعاً، وتركتها شديدة التحسر والندم على قدرها الذي قادها إلى ذلك الزواج المؤلم التاعس، فأنجبت منه عشرة أولاد أحبّتهم وبذلت جهداً مضنياً في تربيتهم وتعليمهم، من دون أن يصرفها ذلك عن مثابرتها وإصرارها على طموحها، فأقدمت على البدء بدراسة علوم الصحة والتمريض في الجامعة، لكن مشاغلها البيتية المضنية منعتها من متابعة هذه الدراسة.
انتماء والدي اليساري وصحبته أشخاصاً من ميول وثقافة يسارية، ربما أثّرا في شخصيته وأبعداه قليلا من القيم الأهلية والعائلية التقليدية الريفية الخشنة، فاكتسب شيئاً من الرقة واللطف. وقد يكون هذا عوّضه ضآلة تعليمه، وأدى الى أن تقدّره زوجته الصبية المتعلمة، وتحبه، وتتحمل آلام حياتها الزوجية معه.

* * *

قبل ولادتي في العام 1983، كانت أمي قد أنجبت ستة أولاد، ثم أنجبت ثلاثة بعدي. كانت تسافر إلى قطر، فتمضي هناك شهوراً، ثم تعود إلى لبنان حاملا، فتلد أطفالها وتنصرف الى تربيتهم في بيت الأوزاعي المشترك، من دون أن تتوقف زوجة والدي الأولى وبناتها عن تنكيد حياتها وضربها والإعتداء على أولادها في البيت المشترك الذي اشتراه والدي بما حصّله من عمله في قطر، وأعادت أمي إعماره وتحسينه وتأثيثه، وانشأت حوله حديقة جميلة، كانت مربع طفولتي. لذا صار البيت مضرب مثل بين جيراننا في الأوزاعي، فأخذوا يقولون: “نيّالو أبو علي شو بيته حلو”، لأنه كان نظيفاً ومرتباً ومن أعلى البيوت، وجعلته الحديقة مستقلاً وبعيداً من سواه من بيوت الحي.
في العام 1987، قرّر والدي ترك عمله في قطر والعودة الى لبنان. قبل عودته أرسل الى أمي تعويضه المالي والكثير من الهدايا، فسُرقت من بيتنا بعد ليلة واحدة من وصولها، واتهم أهل والدي وأهالي بلدته أمي بسرقتها. على رغم عنف المشاجرات في بيتنا المشترك، لم يكن والدي راغباً في طلاق زوجته الأولى بعد عودته من قطر، لكنها أرغمته على ذلك، إذ أقدمت مرةً على ضربه طلباً للطلاق، فاشترى لإقامتها مع بناتها، بعدما طلّقها، بيتاً صغيراً غير بعيد من بيتنا في الأوزاعي. لكنها سرعان ما طردت بناتها الثلاث من بيتها ذاك، قائلة لهن: “روحو لحقوا بيّكن”، فعدن للإقامة معنا.
ظل والدي عاطلا عن العمل طوال سنوات خمس بعد عودته من قطر. وعلى رغم أنه كان يسارياً في شبابه، انقلب إلى التدين الإسلامي، وأخذ يصلّي ويصوم ويفكر ويتحدث في أمور الدين وشؤونه. أما أمي المتعلمة، فراحت تعمل مدرّسة في مدرسة خاصة، وتدرّس أولاداً في الحي دروساً خصوصية، مصرّة على تعليمنا، نحن أبناءها العشرة الذين أخذ الفتيان منهم يعملون ليلاً في أفران الأوزاعي، فيجلبون الى البيت كميات وافرة من الخبز، ويذهبون نهاراً لمتابعة تحصيلهم الدراسي في مدارس خاصة حرصت أمي على تسجيلهم فيها. غير أن والدي حظي أخيراً بعمل في مهنته القديمة، معلّما للطهاة في مطبخ إحدى الشركات الكبرى في بيروت.

* * *

في بيتنا في الاوزاعي أخذت أختي الثانية غير الشقيقة من زوجة والدي الأولى، تتحرّش بي جنسياً وتعتدي عليّ، مذ كنت طفلة في السادسة أو السابعة من عمري. كانت تنام قربي على السرير، فراحت تستيقظ في الليل وتشرع في مداعبتي. لم أكن أدرك ماذا تفعل، لكنني بحدس غامض خفت من مداعباتها، فلم أستجب لها. لكنها استمرت على افعالها، غير مكترثة بخوفي وعدم استجابتي. غضبها مني وحقدها عليَّ دفعاها مرةً، فيما كانت تدرّسني نهاراً في البيت، الى أن تطعنني في رقبتي بقلم الرصاص المروّس، فانغرزت بروته وانكسرت في لحمي. لا أدري اليوم إن كانت تحرشاتها الجنسية هذه واعتداءاتها العنيفة قد تركت ندوباً في نفسي. أحيانا أقول إنها لم تؤثر فيَّ، وكانت عابرة في طفولتي. لكنني حتى الساعة لا أزال أحقد على أختي غير الشقيقة هذه، وأنفر منها وأكرهها، فلا أسلّم عليها إلا في جفاء، ولا أستطيع الاقتراب منها وتقبيلها. لقد كبرنا على كراهية ونفور متبادلين، ليس لأنها حاولت الاعتداء جنسياً عليَّ فحسب، بل لما أنزلته مع أمّها من عذاب وعنف بنا وبأمي.
أخيراً، بعد سنوات كثيرة، غادرتْ أختي غير الشقيقة هذه بيتنا في الأوزاعي وذهبت للإقامة والعمل مدرّسة في بلدة والدنا البقاعية. هناك أحبّت رجلا وأقامت معه علاقة. لكن هذا الرجل الذي رآني ثلاث مرات في البلدة أخذ يلاطفني، ثم زارنا في بيتنا في الاوزاعي طالباً أن يخطبني من أهلي، فرفضوا طلبه.
بلغت أختي غير الشقيقة الخامسة والثلاثين من عمرها من دون أن تتزوج، وأظن أنها ستظل عانساً طوال حياتها، على الرغم من أنها أجرت تقويماً لأسنانها الشديدة البروز في فمها. لأكثر من مرات خمس ارتدت الحجاب الشرعي في أوقات متباعدة، ثم خلعته لترتدي تنانير قصيرة. أرجّح أنها كانت تتحجب لظنّها أن شبّاناً ورجالاً رغبت في الزواج منهم، يريدونها محجّبة في تلك البيئة البلدية البقاعية التي، إضافة إلى تقاليدها وعاداتها المحافظة، شاعت فيها موجة التديّن الجديد وتحجُّب النساء والفتيات اللواتي يعتقد بعضهن أن الحجاب أفضل من السفور، لأنه يستر عيوبهنّ. لكن أختي غير الشقيقة استقرت أخيراً على التحجب الذي ستر عيوبها الخلقية والأخلاقية. وهي لن تعود الى السفور، ما دام الحجاب أمسى زيّاً طاغياً مع موجات التديّن الجديد في بلدتنا البقاعية التي يتفشى في بيئتها التقليدية الجهل والتخلف والبطالة المقنّعة والعصبية العائلية والعشائرية.
موجات التديّن الجديد تفشّت بقوة كبيرة في الأوزاعي، بيئة العمران والاجتماع العشوائيين والاكتظاظ والعنف والعصبيات والتهجير والتذرر وتمزق القيم والعلاقات العائلية والاسرية. حتى أمي المتعلمة لم تصمد أمام تلك الموجات من التدين، فتحجبت بعد تديّن والدي، حينما كانت في الخامسة والثلاثين من عمرها.

* * *

خالتي الأكبر عمراً من أمي متزوجة من ابن خالة والدي، وبيتها قريب من بيتنا. أولادها الذكور نشأوا وشبّوا غير متديّنين. لكنهم ككثيرين من الفتيان والشبان في بيئة العمران العشوائي في الأوزاعي، ميّالون إلى قيم الفتوّات وسلوكهم الذكوري المشاكس والعنيف، ويمارسون سطوتهم على قريباتهم البنات والفتيات، ذوداً عن شرفهم وشرفهنّ العائلي. لحمايتهنّ من تحرشات الفتيان الغرباء يفرضون عليهنّ الوصاية التي لا تخلو، غالباً، من دوافع أو ميول جنسية، تحت ستار القرابة والحماية العائلية.
بكر أولاد خالتي سافر الى دبي، فعمل هناك مدة قصيرة، لكن السلطات الإماراتية سرعان ما رحّلته، بعدما اعتدى على أمير، فضربه وكسر رجله. أخوه الأصغر عاش في بيتنا تقريباً، فدرس سنوات في المعهد الموسيقي الوطني، وعمل في مصنع للحلويات. كان حضوره ثقيلاً علينا، نحن بنات خالته. لم يكن يوفر فرصة تتيح له فرض رقابته وسلطته علينا، كأنه وصيّ على عفّتنا وشرفنا. ابن خالتي الأوسط مال إلى الرياضة البدنية، ونشأ معتدّاً بقوته العضلية، وكثيراً ما تورّط في مشاجرات عنيفة في الحي، حيث افتتح صالوناً للحلاقة الرجّالية، وعُرف كفتوّة مشاكس.
كنت ربما في العاشرة من عمري، عندما رآني مرةً أقف قرب حنفية ماء أملأ منها وعاء في الحديقة، فجنّ جنونه فجأة لأنني كنت أرتدي شورتاً قصيراً. لا أدري إن كان عري فخذيَّ قد أثاره جنسياً أم أثار غيرته وشرفه الذكوري، فحمل زجاجة فارغة وقذفها بقوة الى الأرض الصلبة قربي. أحدث تحطم الزجاجة دويّاً أرعبني، وتطايرات شظاياها حولي. الرعب حملني على الركض حافية، فانغرزت شظايا الزجاج في باطن قدمي وغارت عميقاً، ثم تدفق الدم غزيراً، فأخذتُ أصرخ حتى حملوني الى المستشفى، حيث مكثت يومين لمداواة جراحي.
اندملت جراح قدمي، لكن أثرها في قدمي منعني من المشي الطويل والركض. أما ابن خالتي فترك في جسمي وروحي جرحاً آخر خفياً ومكتوماً، أعمق وأشدّ أذية من جرح قدمي. غيرته عليَّ وإرادته أن أكون محتشمة في ملبسي حفاظاً على شرفه العائلي الذكوري، كانا يقنّعان غريزته وإثارته وشهوته التي دفعته، قبل الحادية عشرة وبعدها، الى الاعتداء عليّ جنسياً. في بعض ليالي الصيف القائظة أخذ يترصدني حين أنام منفردةً في غرفة بيتنا الأرضي، فيدخل من شبّاك الغرفة المشرع، ويتمدد قربي على السرير، قائلاً إنه يفعل ذلك حرصاً منه عليَّ ولحمايتي، لئلا يدخل الى غرفتي فتيان السوء في الحي، فيتحرشون بي. بعد قليل من الوقت يروح يداعبني وينزع عني ثياب النوم ويقبّلني في نواح مختلفة من جسمي. كنت أبعده عني في صمت، خائفةً من أن أرفع صوتي، فيوقظ أهلي النائمين في الغرف الاخرى. تكررت فعلته هذه مرات كثيرة في صيفين أو ثلاثة. حين حاول مرةً اغتصابي، دفعته دفعة قوية أوقعته عن السرير، من دون أن اجرؤ على الصراخ. كنت أخاف من أن أخبر أمي بما يفعله ابن أختها، خشية الفضيحة والمشاكل بين عائلتينا.
لا أعلم إن كان أقلع عن تحرشاته الليلية هذه بي، بعدما انجذب الى أختي الأكبر منّي سناً. كانت أختي هذه شقراء جميلة الجسم، رقيقة شفّافة البشرة، وتوقفت عن الدراسة بعد انهائها مرحلة التعليم المتوسط. عرسان كثيرون من بلدتنا البقاعية أخذوا يطلبون يدها للزواج، بعد مكوثها هناك لشهرين في الصيف. لكنها رفضتهم لأنهم في معظمهم كانوا في سلك الجيش أو قوى الأمن الداخلي. بعض طالبي يدها، أخذوا يشيّعون أقوالاً بأنهم سوف يأخذونها خطيفة، إذا استمرت على رفضها. قد تكون كثرة العرسان والشائعات هذه هي التي حرّكت رغبة ابن خالتي المتحرش بي، ودفعته الى التفكير في الزواج من أختي، فأخذت أمه تحدث أمي في الأمر.
كانت أختي في الخامسة عشرة، فرفض والدايَ الفكرة التي أصرّت عليها خالتي وابنها الذي كانت أمي تعتبره أزعر، ولا يمكن أن تزوّجه ابنتها. لكن أبي وأمي رضخا أخيراً تحت إلحاح خالتي وإصرارها، فسألا أختي رأيها في الأمر، فقالت: “مثل ما بتريدوا”، فتمّ الزواج الذي كان وبالاً على أختي. فما إن تحسّنت أحوال ابن خالتي المادية من عمله في صالون الحلاقة، حتى افتتح قرب الصالون متجراً لبيع أجهزة الهاتف الخليوي، فاشترى سيارة فخمة، وأخذ يصاحب فتيات كثيرات، ثم لم يلبث أن تزوج إحداهن زواجاً سرّياً في البداية، قبل أن يصير علنياً، ويسكن زوجته الثانية في بيت استأجره لها، بعد سنتين من زواجه من أختي التي تركت منزلها الزوجي وعادت مع طفلها للسكن في بيتنا.


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 1,227 other followers