Archive for the ‘مصر’ Category

إسلامي مصري في متاهة الجهاد

فبراير 21, 2016

محمد أبي سمرا

المدن في 09-02-2016

إسلامي مصري في متاهة الجهاد

الأرجح أن الشاب الإسلامي أحمد ابو خليل كتب سيرته الإسلامية المصرية، بعد مغادرته القاهرة إلى سوريا وتركيا مطالع العام 2012. فهو أنهى سيرته هذه التي وسمها “يوما ما… كنت إسلامياً” (لا يزال عليها) – نشرتها “دار دوّن” القاهرية في طبعات أربع أولاها في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 والأخيرة في فبراير/شباط 2013 – بفصل يصف فيه اجتيازه عند “مغيب الشمس” الحدود التركية قادماً من سوريا في سيارة مع مجموعة سورية مسلحة، تتحرك “بحذر خلف سيارة (أخرى) تسبقنا بأمتار قليلة، وتؤمّن لنا الطريق”، بعدما “تجاوزنا آخر قنّاص قد يواجهنا في طريقنا”. في استراحته القصيرة الأخيرة على الأراضي السورية المتاخمة للحدود التركية، يسرّح بصره على “تلك البيوت المتراصة صموداً في وجه القصف اليومي، وعلى وجوه الشباب المبكّر إلى عمله أو رِباضه” الحربي أو القتالي في لغته الإسلامية. هذا فيما يطلع “من مسجل سيارة الشباب” نشيد إسلامي “جهادي” عن “أبطال” و”فرسان” ضد “الذل” و”الإذلال” ولن يحنوا “رأساً للطغيان” الذي “أسوداً” في “الميدان” سيدكّون عروشه.

النشيد أو “أنشودة البواسل” هذه، هي إياها “التي كانت تهدر من مسجّل سيارة أحد المجاهدين أيضاً، عندما كان يمرقُ في أحد شوارع غزة تحت جنح الليل متجهاً بي (أي بالشاب المصري أبو خليل نفسه حين زيارته غزة في “سياحة جهادية” قبل سنوات) نحو حدود جباليا، حيث الرِّباط” أيضاً، والذي يصفه بـ”الإرث الممتد، والشعلة التي ما أن تخبو جذوتها في موطن حتى يتَّقد شررها من تحت الرماد في موطن آخر”. ويتذكر في استراحته السورية أيضاً “أيام (ه) السابقة في حلب وأدلب”، حيث القصف و”الجرحى والمقاتلين… النساء والأطفال…الجبال المحررة والمدن المحاصرة… لمشافي المستهدفة والطرق المقطوعة”. ثم “تلك السيدة الثلاثينية التي تشرف مع زوجها على مستشفى سراقب (…) ولم أعرف سرّ حزن عينيها الدفين إلا بعدما أخبرتنا أن أهلها جميعاً فُقِدوا” في مجازر حماة منذ ثلاثين عاماً. وها هو “الشاب السوري يتحدث عن القدس، ويسألني عن توقعاتي لعدد السنوات التي نحتاجها حتى تتحقق الوحدة بين سوريا ومصر”. إذَّاك “راودتني أحلامي القديمة: المعسكرات والأناشيد والاعتقال والخلافة والأمة” وآلة التسجيل التي قلبتُ فيها “شريط البواسل على وجهه الآخر”، فانداحت أنشودة أخرى: “مغيب الشمس يا أمي/ بجانب تلّنا الأخضر/ أنا واعدت أصحابي/ هناك الموعد الأكبر”.

هنا يتوقف الإسلامي المصري عن الكلام المباح، وينهي سيرته الإسلامية التي بدأت منذ ولادته العام 1987 في مدينة الزقازيق عاصمة محافظة الشرقية شرق الدلتا. بل إن إسلاميته استقبلته مذ صرخ صرخة الولادة. فهو سليل عائلتين تمتد جذورهما الإسلامية الإخوانية إلى جدّيه ووالده الإخواني قبل أن يصير ضابطاً في القوات المسلحة المصرية، ويبقى مقيماً على تديّنه وأخلاقه وثقافته الإسلامية التي نشَّأَ عليها ولده وسدّد خطاه على دروبها طفلاً، قبل انتقال الأسرة الى القاهرة وإقامتها في مدينة نصر وبعدهما، الى أن تخرَّج العام 2008 من كلية العلوم التابعة لجامعة القاهرة.

يستعيد أبو خليل في فصول كتابه القصيرة المتسلسلة في 212 صفحة، عوالم نشأته وتربيته وثقافته ونشاطه التربوي والدعوي في بيئات إسلامية عائلية وسكنية ومدرسية وجامعية في مصر التسعينات من القرن العشرين والعشرية الأولى من الألفية الثالثة، وصولاً إلى اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 المصرية التي شارك في فصولها الأولى، مشرَّباً بإرثه العائلي ونشأته وثقافته الإسلامية. لكن إسلاميته هذه ظلت على الدوام قلقة ومضطربة في اضطرامها وتطورها، من دون ثباتها على حالٍ واحدة في تنقيلِه انتمائه ونشاطه بين الأطر التربوية والدعوية والتثقيفية والخطابية المدرسية والجامعية، الإخوانية تارةً والسلفية طوراً، وفي جماعة “التبليغ والدعوة”، وصولاً إلى انضوائه في “معسكر جهادي” إخواني للرياضات القتالية في العريش، لكن من دون سلاح، بعد انهائه مرحلة التعليم الثانوي. ولم يكن ينقصُ التدريب في ذلك المعسكر الصحراوي “سوى ضرب النار، ليكون تدريباً جهادياً شاملاً”.  غير أن ذلك النقص لم يحرم “المجاهدين” من الشعور بأنهم يعيشون “ضرباً من الأحلام” في “عالم مثالي ومدينة فاضلة” مختبرين في أنفسهم وجوارحهم مشاعر وأحاسيس “الصحابة العائدين من غزوة أُحد، عندما نادى (عليهم) منادي الجهاد قبل أن ينتصروا: يا خيل الله اركبي وكانت غزوة حمراء الأسد”.

في العام 2008 أنهى أبو خليل تعليمه الجامعي برحلة “سياحية جهادية” في غزة عوّض فيها النقص في معسكر العريش: “في شوارع غزة كنا نمشي شاعرين بالأمان التام”، من دون أن تراودنا “فكرة أمن الدولة، هاجسَ كل الإسلاميين في مصر” التي كان قد زار عاصمتها “الشيخ نزار ريّان القيادي البارز في حركة حماس”، عقب “فوز” الإخوان المسلمين في الانتخابات التشريعية المصرية. هناك، في غزة زار “السائح الجهادي” المصري المسحور، الشيخَ ريانٍ – المقاتل الميداني (الذي) لا يشق له غبار، وقائد معركة جباليا إبان تحرير القطاع العام 2005 – في منزله المؤلف من “أربع طبقات وطبقة تحت الأرض فيها مكتبته العامرة، وهي من أكبر مكتبات غزة وأثراها، ومفتوحة للباحثين، ولها مولّد خاص للكهرباء”. وكان الشيخ “يعمل في مشروعه الضخم: شرح صحيح مسلم”. ولا يترك عمله هذا إلا للأكل مفترشاً الأرض، بعد انقضاء “الثلث الأول من الليل”. يفرغ من الطعام فـ”يصلي طويلاً”، كأتما إجهاشه بالبكاء، “حتى إذا انقضى ثلثٌ آخر من الليل، لبس لأمَتَه (لناسه العسكري) وخوذته وبدا متعملقاً، (قابضاً) على الكلاشينكوف” في خروجه إلى “الرِّباط حتى الفجر”.

في طبقات منزله الأربع كانت “تقيم زوجاته الأربع، وله من البنين ستة ومن البنات مثلهن، ومن الأحفاد عدد كبير. وقبل أعوام استشهد ابنه ابراهيم أحبُّ أبنائه إلى قلبه”. ولا يذكر “السائح الجهادي” المصري متى “تناهى إلى سمعه خبر استشهاد” مضيفه الشيخ الغزاوي الذي استشهد في حرب اسرائيل المدمرة على غزة العام 2009. لكنه يكتب أنه لم يبكِ يوماً كما بكى لدى سماعه خبر الشيخ، مضيفاً: “بدلاً من الأدوار الأربعة كانت هناك حفرة بعمق أربعة أدوار”، واستشهدت زوجاته الأربعة مع 12 من أبنائه وأحفاده.

واكتملت رحلة السائح الجهادي المصري في أرض “الرِّباط” الغزاوي بإطفائه ظمئه المديد إلى إطلاق النار، بعدما تنبّه رجل غزاوي إلى ذلك الظمأ في عينيه المحدقتين في الكلاشينكوف، فأعطاه الرجل البندقية الرشاشة التي “حملتها بين ذراعيَّ والموسيقى تشتغل في رأسي: بين ذراعنا الرشاش قد أرغى وأزبد/ لنمحو بؤس تاريخ تلفّع بالأسى الأسود”. وعندما “ضغطتُ على الزناد تخيلتُ كل الأعداء أمامي: عصابات اسرائيل واليهود وما استباحوا من أرضنا، جيوش أميركا وكتائب الروس وما سفكت من دمائنا، الصرب وما هتكوا من أعراضنا، الإنكليز والفرنسيين وما شوهوا من مجتمعاتنا، الأصنام التي  تُعبدُ من دون الله من عادات وتقاليد وأعراف ما أنزل الله بها من سلطان”. وعندما “أطلقتُ الرصاصة الثالثة أصابت الهدف، فطارت في الهواء علبةٌ” معدنية فارغة على الأرجح.

هذا غيض قليل من فيض هذه الإسلامية المصرية الجديرة بالقراءة والتحليل المعمق لأنها تروي رواية شديدة الإضطراب والقلق الإسلاميين المضطرمين في صدور فئات واسعة من جيل مصري شاب في العقدين المنصرمين، تأرجح في إسلاميته بين الإخوانية والسلفية وسواهما من ثقافات الإسلام النضالي والحركي والجهادي والتربوي والدعوي والخطابي. وهو جيل شاب عاش إسلاميته في العقدين هذين في حال من التيه الدائم على إيقاع الأناشيد والأهازيج والخطب والفتاوى والنشاط التربوي والتثقيفي والدعوي في مسارات حياته اليومية الواقعية المشتبكة اشتباكاً لا فكاك منه بالفضاءين التلفزيوني والالكتروني المعولمين. وهو أيضاً اشتباك يمزج الوقائع بالأحلام والمخيلة ويجتاح الجوارح والوجدان الفردي والجمعي الجريح، ويستدخل العالم والزمن الراهنين بإرث ماض سحيق القدم لا يزال حياً راعفاً، ولا يبدو اليوم أن هناك ما هو قادرٌ مثله على منح العالم معنىً ونصاباً ووجهة وسط الخراب والتيه والحروب والمقاتل في الدول والمجتمعات العربية الإسلامية.

القاهرة: سِحر الفوضى

فبراير 21, 2016
محمد أبي سمرا
المدن في 29-12-2015
القاهرة سحر الفوضى

في شوارع القاهرة، نادراً ما يلمح اللبناني نساء تمشين على الأرصفة متنقلات مزهوات بأناقتهن على طريقة نساء الطبقة الوسطى اللبنانية الواسعة التي تحرص نساؤها، بل تبالغن في أناقة الملبس وفي ارتياد مرابع السهر والترفيه على نحو استعراضي يلفت الأنظار، فيما تفقد الأماكن والخدمات العامة ومشاهد الحياة اليومية نضارتها الضرورية المكمِّلة لذلك الإصرار على الأناقة الاستعراضية الشخصية. وقد تكون هذه المفارقة أو الهوّة بين الخاص والعام من طبيعة الحياة اللبنانية وثقافة اللبنانيين وسلوكهم: إهمالهم الشؤون العامة وغياب الحسّ العام لديهم، ومبالغتهم في التميّز والتفرّد على الصعيد الشخصي والفردي. وينجم عن هذه المفارقة غياب التجانس في أنماط السلوك ومشاهد الحياة اليومية اللبنانية.

على خلاف ذلك تبدو الحياة اليومية ومشاهدها العامة في القاهرة: غياب مظاهر التأنّق والاستعراض النسائيين وغير النسائيين في الشوارع، وحضور التجانس حضوراً بارزاً وقوياً في مشاهد الحياة اليومية. وهذا الى حد أن اللبناني العابر في شوراع القاهرة ينسى تماماً حضور النساء فيها، كأن المدينة الهائلة في زحامها المليوني تخلو منهن خلواً تاماً، إلا في ما ندر.

لكن شوارع القاهرة – يقول لبناني مقيم في العاصمة المصرية منذ 15 سنة – ليست للعرض والاستعراض والتأنّق إلا في دوائر ضيقة وخاصة ومقفلة، وتكاد تكون غير مرئية. في هذه الدوائر تُستعمل السيارات الخاصة لتلافي السير على رصيف شارع (إذا وُجد أصلاً) أكثر من خطوات قليلة بين باب السيارة والأماكن التي يرتادها المقيمون في دوائرهم السكنية المغلقة، كالمقاهي والمطاعم المحدثة والمولات والنوادي، حيث يعيش أبناء هذه الطبقات والفئات حياتهم وأوقاتهم وجلّ أعمارهم في معازل أحيائهم الراقية الخاصة، فلا يخالطون دبيب الخلق المليوني وسعيه الدهري المتدفق متجانساً بفوضى زحامه الزاحف في أوقات من النهار والليل.

في هذا الدبيب المليوني الفوضوي المتجانس في الشوارع، يكمن سحر القاهرة ومصر، والذي لا مثيل له في مدن عربية أخرى. وهو يختلف عن سحر التجانس العقلاني المتجدّد والمنظّم تنظيما دقيقاً وحديثاً في العمران والحياة اليومية وأنماط السلوك وقوة الخدمات العامة وإدارتها في المدن الأوروبية، فيما لا أثر لمثل هذين التنظيم والانتظام في القاهرة المتروكة للاهمال والفوضى الدهريين.

أما بيروت ولبنان – بملايينهما الأربعة أو الخمسة، بسحرهما الذاوي والآفل، وبإصرار فئاتهما الوسطى على الأناقة الاستعراضية الخاصة والباهظة الكلفة المادية والمعنوية، مع انهيار  الخدمات العامة وفوضى الحياة اليومية وطغيان الزمن الجماهيري – فيشبه العيشُ فيهما العيشَ في قرية هادئة مقارنة بما هي عليه الحال في القاهرة.

لسحر التجانس القاهري المصري، لدبيبه المليوني المتجانس، صورٌ ومشاهد كثيرة.
منها مشهد الألبسة والأحذية الجاهزة المعروضة كالجراد نماذجها المتشابهة في أشكالها وألوانها وقماشها، خلف زجاج واجهات متاجر وسط القاهرة. من النموذج أو الموديل الواحد تصطف متلاصقة في الواجهة الواحدة عشرات النسخ المكررة والموحدة في اللون والشكل. على المنوال نفسه تُعرض النماذج والموديلات في عشرات، بل مئات واجهات المتاجر المتلاصقة. وعلى الأرصفة يحتشد ويزحف الخلق في انفجار بشري فوضوي هائل، يستحيل فيه تمييز شكل أو وجه أو حركة أو صوت يمكن أن تشي بملمح فردي شخصي خاص، أو بإشارة ما تكسر قوة التجانس المرهق للحواس.

يعتمد مصممو واجهات المتاجر القاهرية على قوة الكثرة والحشد والتكرار في عرض نماذج الألبسة والأحذية وسواها من السلع. كأنهم استمدوا أسلوبهم هذا في العرض، من دبيب الحشد الهائل المتجانس على الأرصفة لجذب أنظار الزبائن الذين يبدو أن الكثرة والاحتشاد والتكرار هو ما يجذبهم في واجهات المتاجر، وليس الفرادة والتميّز والاختلاف الغائبة عن أساليب الغرض غيابها عن الحشد البشري نفسه.

قد يكون لقوة التجانس وسحره في مصر تاريخ دهري مديد وثقيل صنعته الجغرافيا الطبيعية: انبساط الصحراء الأفقي ومجرى النيل في الصحراء. وصنعه في الأزمنة الحديثة صوت كل من جمال عبد الناصر وكوكب الشرق مع نجوم السينما والغناء والموسيقى والتجويد القراني، الذين أخرجوا مصر من انكفائها داخل حدودها الجغرافية. وهذا ما أكسبها طاقةً جديدة على التجانس الداخلي والثقيل ومركزيةً جعلتاها مركزاً إقليميا عربيا جاذبا. لكن العروبة الناصرية طردت من مصر كل الجاليات الاجنبية المتوطِّنة فيها، وأخمدت كل الأصوات التي رأت أنها تعوِّق التجانس الجماهيري الكاسح، وتقف في وجه تمهيدها المجتمع وجعله منبسطاً كالصحراء ومجرى النيل.

لقد ذوب صوت المارد العربي في رنين سحره الجماهيرَ وصهرها في أتون دولة المخابرات الرمادية خلف سحر صوته وإطلالاته الخطابية الساحرة المسكرة. لكن ما أن غاب ذلك المارد وصوتُه حتى هبّت جماهيره المتجانسة السكرى باحلامه وكلماته، والمُرَوَّضَة المكتومة في دولة مخابراته، فخرجت مذهولةً يتيمة الى الشوارع، وفي حال من الضياع والتيه وسط صحراء الهزائم والفقر والجوع والانفجار الديموغرافي العشوائي المهول.

من الذوبان في سحر صوت نبي العروبة وأحلامه المهزومة، انتقلت الجماهير المصرية الى الذوبان في إسلام شعبوي شبه أمي، استعمله “الاخوان المسلمون” الذين استعملهم من سمّى نفسه “الرئيس المؤمن” مطيّة لشرعية انقلابه على سياسات من ورث عنه الرئاسة والملك.

بعد ثورة 25 يناير 2011، وخروج مصر على دولة التوريث وعصابات النهب الاقتصادي المباركيّة، ونفورها من إسلام “الإخوان المسلمين”، ها هي مصر اليوم تقف منهكةً في تجانسها الدهري الخاوي المرير، حائرةً وخائفة وضائعة بين إسلامها الشعبي الأمّي وجيش تحوّل شركة استثمارية وتجارية وعقارية خاصة تستثمر حتى في قطاع إحياء حفلات الأعراس.

هستيريا الرئاسات في بلاد الركام

يونيو 23, 2014

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار 14-06-2014

عمل لألين كايتاجيان اوهانيان

تعطّل الحوادثُ السياسيةُ السياسةَ في لبنان، تغتصبها وتغتصبنا، تغتصب الزمن، تلتهمه، تفتّته، وتجعله ركاماً في ركام، فنعيش أيامنا، حياتنا، في فوضى الركام المهمل وبلادته. كل حادثة في يومياتنا تطوي سابقاتها، تمحوها، كأنها لم تكن. مشتّتة متنافرة متلاطمة تنهال علينا الحوادث فجأة، فتغرقنا في دوار شبيه بغيبوبة حلقات الذكر أو الزار أو الموالد.

الآن، فيما أبدأ بكتابة هذه الكلمات، تشتعل المفرقعات النارية، طلقات الرصاص، في سماء بعض من أحياء بيروت. أقدّر أن المفرقعين ومطلقي النار من أسلحتهم الحربية، واقفون على الشرفات والسطوح، يطلقون ضغائنهم وأحقادهم الفرحة، ضد الأحياء المجاورة والبعيدة، احتفالاً بإعلان فوز بشار الأسد في الانتخابات الرئاسية التي استُقدِمَ مراقبون من كوريا الشمالية وإيران لمراقبة سلامتها ونزاهتها في أجزاء من سوريا، لم تقصفها طائرات الأسد، بعد، بالبراميل المتفجرة، ولا بالغازات السامة.

ليظل لبنان ولاية إيرانية

يحتفلون بفوز الأسد رئيساً، كي لا يخلو قصر المهاجرين الرئاسي الدمشقي من عصابة القتل اليومي والتدمير اليومي، ولكي يظل القصر الرئاسي اللبناني في بعبدا، خالياً مهجوراً. مغرمون بالرئاسة الأسدية على بحرٍ من الدم وبلادٍ من الأطلال فرَّ منها ملايين المشردين. ومغرمون برئاسة نوري المالكي على العراق للمرة الثالثة، فعلّقو صوره على طريق مطار بيروت، لستقبلتني، قبل أيامٍ، آتياً من القاهرة، وفي ذاكرتي طوفان صور عبد الفتاح السيسي في الديار المصرية. وكارهون أن يكون للبنان رئيس، ولو بصلاحيات مقيّدة منقوصة، أين منها الجبروت والطغيان اللذان لا يتوقوا لسواهما في رؤسائهم وولاتهم الأقربين والأبعدين، في دمشق وبغداد وطهران وكوريا وروسيا. لا أعلم لماذا لا يغرمون بالسيسي ولا يحتفلون بتنصيبه، في هذه المعمعة العربية من الانتخابات في خضم ثورات شبابية وشعبية يتيمةٍ من أجسامٍ وأدوات اجتماعية وسياسية تمكّنها من أن تتصدى لإنجاز مسارات وآفاقٍ جديدة في بلاد ومجتمعات راكدة محطمة منذ عقود.

أرعبهم أن يتحرر لبنان من الاحتلال السوري الأسدي المديد، ففعلوا ويفعلون المستحيل كي لا يكون دولة عادية وبلداً عادياً. افتعلوا حرباً مع اسرائيل ليعيشوا على أمجادها المدمرة، وليكملوا تفكيك الدولة اللبنانية للسيطرة عليها وإلحاقها بجهازهم الحربي المغلق إلا على طهران الحرسية – الخامنئية. تلاعبوا ويتلاعبون بالعماد النائب الذي لا تكتمل نرجسيته إلا بالجلوس على كرسي الرئاسة في قصر بعبدا، التي ما أن جلس عليها في نهايات ثمانينات القرن الماضي، حتى أغرق لبنان في حربين أشد تدميراً من ما غرق فيه من حروب سابقة، كي يبقى العماد في القصر الرئاسي… فلم يخرج منه إلا قبل أن يقصفه حافظ الأسد من طائراته الحربية. وها هو جيشهم اليوم ينقذ نظام بشار الأسد من الانهيار، كي يظل كل من سوريا ولبنان ولاية إيرانية.

في هذا الليل الحزيراني الحار، أفكر بفرحة المحتفلين بالفوز الانتخابي المزعوم لبشار الأسد، وأتساءل: منذ متى صار كل فرح “سياسي” في لبنان، لا ينبعث إلا من صميم الهويات الخرافية للجماعات المرصوصة، ولم يعد ينطوي إلا على شحنات حامية من الكيد والضغائن والأحقاد، حتى الرغبة في الاغتصاب؟ كأنما في هذه الطاقة الغرائزية المدمرة، باتت تكمن جبلة السياسة، نظفتها، في الديرات الجماهيرية القبائلية في لبنان.

على حافة الكارثة

في مصر، على خلاف لبنان، يتراءى الزمن دهرياً، كأنه طمي ترسّب عميقاً، ويتدافع سيّالاً في فوضى العمران والأشياء والمشاهد، في التدفق الكثيف للبشر، وفي الأداء السريع لخفة كلامهم. دهرياً كذاك الجندي النحيل، الوحيد المستوحش، الجامد في مكانه صباح مساء أمام كشك خشبي، خلف درع معدني أسود، أو على كرسي مهترئة قرب بوابة قصر كولونيالي قديم تحول مكتبة عامة يتكاثر فيها موظفون مزمنون، ومنذ زمن بعيد وضبوا كتبها ومطبوعاتها المنسية، ويندر أن يدخلها أحد من سكان حي الزمالك الراقي في القاهرة.

زمن كجريان النيل في واديه الضيقة الطويلة، المختنقة بالسكان، من أسوان جنوباً الى القاهرة، رأس مثلث الدلتا الممتدة منفرجةً حتى شاطئ المتوسط، شمالاً، وسط القفر الصحراوي الشاسع. لكنه أيضاً زمن يكافح مستميتاً ضد ذاك القفر القاحل، الخالي والمخيف. وفي الحالتين هو زمن صنعته أقدار الجغرافيا الطبيعية الأزلية شبه الثابتة، ليحاول أن يكون ضداً لأقدار الطبيعة: هرباً من الصحراء المقفرة القاسية المعادية للكائنات والعمران؛ ولجوءاً الى النيل وما تبعثه مياهه من حياة نهرية تلطّف قسوة الصحراء، وتبعث الأنس في عمران البشر.

هل من زواج عنصري الطبيعة المتناقضين هذين، الصحراء والماء، ولدت مصر، وولد زمنها الدهري، شعبها المنكفئ المتجانس، تاريخها الثقيل، البطيء والمديد، ودولتها المركزية الثقيلة كالتاريخ؟ ألهذا سرعان ما يغمرك سيلان البشر والتاريخ في مصر، يبتلعانك من دون أن تقوى على التفلّت من قوتهما الدهرية الفوضوية، فتستسلم لتلك القوة، كأنك مخدّرٌ، أو في حال من اختناق بطيء؟

تسير في الأماكن، بين البشر، في مصر، تتنقل بين الأحياء وبعض المدن، تصل الى الغيوم وبحيرتها الصحراوية وقراها الريفية والسياحية وغيطانها، تزور الإسكندرية في قطار، تمر وسط الصعيد في مركب -فندق عائم بطيئاً بطيئاً في النيل، تتنوع المشاهد وأشكال العمران وأنماط العيش وفئات المجتمع والطبقات، لكنك تشعر دائماً وأبداً بأن قوة تجانس دهرية تسري عميقاً في دبيب الفوضى والركام والزحام والمساحات الخالية، ثم ينتظم كل شيء في أشكال مختلّة، ويتوقف فجأة على حافة الكارثة.

القوة تلك صنيعة التاريخ والبشر، وهي التي صنعت التاريخ والعمران والشعب على ضفتي النيل الضيقتين، وفي الانفراج المنبسط حقولاً فسيحة، قصيرة النبت والأشجار في الدلتا. أما الغيوم وبحيرتها المالحة، قراها وغيطانها، فتبدو جزيرة منعزلة تائهة في القفر الصحراوي المديد.

فيقوة تفوّلها الفوضوي المتلاطم، تبدو الحياة اليومية المصرية، قديمة وآنية، دهرية وزائلة، وشبيهة بفوران بركاني متواصل، يبتلعك في ما يتدفق منه من بشر وأشياء وركام مواد بلا أسماء، أو فقدت أسماءها. حتى الكلمات وما تقوله الكلمات، من صلب هذا الفوران الذي تختلط فيه الأزمنة اختلاطاً متنافراً. فما يَبلى ويَتْلَفُ في مصر، يُهْمَلُ ويُترك على حاله، كأن الاشياء تولد وتُستهلك وتموت في مكانها، حتى تتلاشى وتتحلّل تلقائياً وتختفي، فتترك في الأماكن لُطَخاً هي المادة الخام للزمن.

هذه القوة الفوضوية الدهرية للحياة اليومية ومشاهدها، تحول دون أن تصير الاشياء المهملة المتحللة أثراً مشهدياً متجمداً في الزمن والأماكن، ما دام كل شيء قديماً وآنياً في الوقت نفسه. حتى النيل والأهرامات، وهي من أوابد مصر الخالدة، تتراءى في عمر واحد موحد مع ما يحوطها من عمران. كأن لا فرق في مصر بين الخلود والموت، بين الماضي والحاضر، الأبدي والزائل، وبين الاشياء والبشر.

عمل لإدي الخوري

لبنان هاني درويش

ربما من سأم وضجر من قوة التجانس الدهري للتاريخ والشعب والدولة المركزية الثقيلة، ومن الجغرافيا الطبيعية المنبسطة أفقياً في بلاده، وقف الصديق المصري الشاب الراحل مختنقاً ووحيداً في منزله بحي حدائق الأهرام شبه الصحراوي في القاهرة، بعد عودته من رحلة طويلة في ألمانيا – وقف مرة على مرتفع شاهق في جبل الكنيسة، مسحوراً بمشهد الثلج قربه، بنتفٍ غيوم بيضاء صافية قريبة فوقه، بالأفق البحري المرئي بعيداً من بين المرتفعات الجبلية وانحناءاتها المتدرجة المتداخلة، وأوديتها المخاتلة السكرى بالضباب، ثم قال: من قال إن لبنان بلد صغير؟! هذا خطأ فادح مصدره ضعف المخيلة الجغرافية الطبيعية والبشرية. فلو أمسكنا لبنان من أطرافه وجذبناه، لا نبسط كما تنسبطُ قطعة قماش ملمومة “مجعلكة” ولصارت مساحته الفعلية أرحبَ أو أوسع من مصر. لكن الصديق المتدفق نشاطاً وحيوية وكلاما ، سرعان ما استدرك قائلاً: لا، فليبق لبنان على حاله، لئلا يصير كمصر التي تستطيع دبابة واحدة تقف وسط الدلتا أو في الصعيد، أن تقطع طرقها وتسيطر عليها، ما دامت ممتدة منبسطة أفقاً بلا نتوءات ولا مرتفعات ومنخفضات وتعرجات وسط الصحراء الشاسعة.

استمر الصديق الراحل، هاني درويش، في تأملاته الجغرافية والطبيعية  والبشرية، فقال: الآن فهمت فهماً حسياً ملموساً حقيقة ضعف الدولة المركزية، شكليتها وافتراضيتها، وهشاشة الهوية الوطنية الجامعة الموحدة، خفّتها المتناهية حتى الامحاء، في لبنان. لبنان المتنوع جغرافياً بجباله وقممه وأوديته، بسهوله الساحلية والداخلية المنفصلة، بمساحاته المتعرجة الملتفة المتداخلة، بمسافاته وطرقه الصاعدة الهابطة الملتوية المخاتلة، تماماً كهويات جماعاته المتناثرة المتوارية. هذا على خلاف مصر، المنبسطة الضيقة المأهولة بكثافة مرعبة على ضفتي النيل، وعلى خلاف هويتها الوطنية المتجانسة الثقيلة كدولتها المركزية وقوة سلطانها القاهرة، فلا يقوى شخص ولا جماعة على التفلّت أو الخروج من جاذبية تلك القوى المتظافرة.

أما في لبنان – قال هاني – فيستطيع كل شخص وجماعة أن يتواريا ويختفيا في واد أو خلف ربوة أو قمة جبلية، وفي شعاب صخورها، فينقطعان وينعزلان عن الغير والسوى، ويقيمان ما يشبه إمارة مستقلة حصينة، يمكنها ان تغزو إمارة أخرى مجاورة مماثلة.

الخرافات التأسيسية

هذه الترجمة أو المقاربة المصرية شبه الكاريكاتورية للجغرافيا الطبيعية والبشرية اللبنانية – من صديق صرف حياته الكتابية كلها وهو يمشي متوتراً لاهثاً وسط الركام، ليصف مآسي الركام في القاهرة، ولفظ أنفاسه الاخيرة وسط الركام – ليست بغريبة عن أدبيات الفكرة اللبنانية المؤسِّسة لـ”الكيان” اللبناني. ولا هي بغريبة أيضاً عن مقولة حزب “قومية الأرض”، وفقاً لعبارة أحمد بيضون عن الفكرة – الخرافة القومية المؤسِّسة لـ”الحزب القومي السوري الاجتماعي”. فالأولى استلهمت من الجغرافيا الطبيعية ومن بعض معطياتها البشرية والتاريخية القديمة المتناثرة، مقولة “لبنان الجبل – الحصن المنيع، والملجأ، وملاذ الاقليات المضطهدة في الشرق”، لايجاد عمق “تاريخي” للدولة والهوية اللبنانيتين المعاصرتين. أما الثانية، أي العقيدة “القومية السورية” فاستنبتتْ من الجغرافيا الطبيعية للحضارات القديمة، قومية عرقية خرافية، مدادها ومدارها الأرض والأمة والزعيم الملهم.

المشرق في خضم الكارثة

لكن، ألا تبدو اليوم صيغة هاني درويش المصرية أقرب الى الحال الكارثية التي تغرق فيها الدول والمجتمعات المشرقية المتداعية الممزقة في العراق وسوريا ولبنان؟ دول ومجتمعات تحولت جماعتها أجهزة أهلية وعسكرية، واسترسلت في حروب داخلية واقليمية متناسلة.

فها هي المنظمة العسكرية الشيعية الخمينية في لبنان، ترث النظام الأمني للاحتلال السوري للبنان، وترسل جيشها لقتال شعب سوريا الثائر على نظامه الأمني الذي انكشف شبهه بالاستعمار الاستيطاني- بل تجاوزه بأشواط- لكي تبقى سوريا مستعمرة أسدية من الأنقاض والمقابر. هذا فيما المنظمة العسكرية الحرسيّة الإيرانية في لبنان، تدفن “شهداءها” في ديارها اللبنانية، وسط حشود تردد شعاراً خرافياً معينة أعراض النساء المقدس في مخيلة الرجال، كما في الغزوات الجاهلية: “لن تُسبى زينب مرتين”.

تحت الشعار نفسه تجاهد في سوريا أيضا “عصائب أهل الحق” وسواها من المنظمات العسكرية العراقية المنشقة عن “جيش المهدي” المنحل في عراق نوري المالكي المتحلّل جماعات وأقاليم متناحرة بهمة إيران الخامنئية – الحرسية، وثاراتها القومية والدينية المذهبية. فضباط الحرس الثوري الايارني وكتائب خاصة من مقاتليه، هم الذين يقودون كتائب المنظمة الشيعية في لبنان و”عصائب أهل الحق” العراقية، في حروبهما السورية، وينظمون حروب بشار الأسد لإبادة شعبه الثائر على استعماره الاستيطاني التدميري.

وأثمرت الحروب الأسدية الثمار التي تبتغيها وتريدها: تجمعت في الديار السورية الممزقة المدمرة، كتائب “المجاهدين” السنّة من شتى أرجاء الأرض، تحت أسماء كثيرة. الأشهر بينها “الدولة الاسلامية في العراق والشام – داعش” و”جبهة النصرة”. فأقامت هذه الكتائب إمارات إسلامية جهادية وتكفيرية على أنقاض المجتمع السوري، بعد غرقه عقوداً في الصمت والمهانة والرعب، قبل أن يتصدر شبانه ثورة شعبية، مدنية سلمية ملحمية، بدأت في آذار 2011، واستمرت تسعة شهور، مستلهمة ثورة شبان مصر المفاجئة الخاطفة. لكن النظام الأسدي الفاشي استطاع قتل جيل كامل من شبان سوريا الملهمين، أو تشريدهم، أو تغييبهم في أقبية فروعه الأمنية للتعذيب حتى الموت. فقتل الأسد الإبن، مستلهماً عبقرية والده في حماة 1982، نحو ستة آلاف شاب من المتظاهرين في أنحاء سوريا، بينهم – وفقاً لإحصاء عضو “الهيئة السياسية في الائتلاف السوري” محمد يحيى مكتبي، (“الحياة”، 2 حزيران الجاري) – 354 طفلاً و288 امرأة. ذلك تحت شعار “الأسد أو حرق البلد”. وكتب مكتبي أيضاً: “لقد أصبحت سوريا اليوم بلدا محتلاً من الحرس الثوري الإيراني والميليشيات العراقية و”حزب الله” و”داعش” وعدد لا يحصى من المرتزقة الذين جلبتهم إيران من كل حدب وصوب، بذريعة الدفاع عن مقامات آل البيت الأطهار! وبعد كل هذه الانجازات المروعة التي قلّ نظيرها في تاريخ البشرية، تأتي المسرحية الهزيلة للانتخابات الرئاسية، وشعارها: “سيبقى الأسد وسنحرق البلد”.

هستيريا العبودية المختارة

بدأ الفصل الاول من هذه المسرحية في لبنان، حيث قامت الأجهزة الإيرانية – الأسدية العاملة فيه، بحملة ترغيب وترهيب وابتزاز لمجموعات من اللاجئين السوريين، فنظمتهم ودفعتهم في حشود سيارة وراجلة نحو السفارة السورية الاسدية في بعبدا، على مدخل بيروت، في الطريق الدولية الآتية اليها من دمشق. عطّلت الحشود حركة السير نهاراً كاملاً على تلك الطريق، أثناء تقديمها آيات الشكر والامتنان والولاء الأبدي الممهور بالدم، لبشار الأسد، مكافأة له على إمعانه في قتل السوريين وتدمير بلادهم وتشريدهم، ومنهم المشاركون في عراضة الزحف الى السفارة. أما الأجهزة المنظِّمة لعراضة الذل هذه، فعبّرت بذلك عن توقها وحنينها للاحتلال السوري الأسدي للبنان، والذي تستميت في القتال في سوريا الأسد من أجله. وهي دفعت أولئك اللاجئين السوريين الى السفارة، عودا الى بدء تظاهرة 8 آذار 2005 التي تصدرها وكان خطيب حشودها في ساحة رياض الصلح،  السيد حسن نصرالله، غداة اغتيال رفيق الحريري، وعشية إرغام الجيش السوري الأسدي ومخابراته على الانسحاب من لبنان.

لكن مشهد حشود اللاجئين السوريين في زحفهم الى سفارة جلاّدهم، يبعث على غثيان مضاعف مضاعف، حيال تجريد أولئك اللاجئين، وتجرّدهم هم أنفسهم، من أبسط المشاعر الانسانية، ليظهروا في مشهد ينطوي على مثال غير مسبوق في تجديده ذاك المركب الشهير الذي يدفع البشر الى العبودية الإرادية أو المختارة. إنه مشهد يحمل الكثير من الدلالات الغرائبية الشديدة التعارض التي تُظهر الهستيريا العصابية الجمعية في أشد صورها اختلاطاً وتعقيداً، بمزجها الخوف والذل والمهانة والبؤس والشقاء، بلكذب والوقاحة والكيد والضغينة والصفاقة والاستقواء والمروق والإملاق.

الحق أن هذا المزيج المركب ليس سوى صناعة أسدية مديدة وعميقة الجذور في سوريا ولبنان. وكان لبنان الاحتلال السوري الأسدي، ولا يزال لبنان “حزب الله”، الساحة الأرحب لاختيار ذلك المركب الذي أدمن الخيال الكلبي المريض لمبتكره ومجدّده، تحويل البشر آلات للقتل والانتحار والتدمير الذاتي.

الخيال هذا سوري أسدي، قدر ما هو صدامي عراقي. فتوأما البعث هما إحدى تجلياته العروبية الكارثية الطويلة الأمد في المشرق. وبعد أكثر من عقد على انهيار البعث الصدامي في العراق، لا يزال إرثه يُغرق العراق في الكارثة، فتجري الانتخابات التشريعية فيه على وقع الحروب الأهلية والسيارات الانتحارية المفخخة بالموت. وها هو نوري المالكي يتهيأ لرئاسة الحكومة العراقية للمرة الثالثة على التوالي، فيعلّق الحزب الشيعي الخميني – الخامنئي صوره على طريق مطار بيروت، مشاركاً في حملته الانتخابية، أو في حمله تنصيبه والياً على ولاية لبنان. وفي العراق، حين “رفع الشركاء والخصوم السياسيون، سنّة وشيعة وكرداً، رؤوسهم عن كشوفات نتائج الانتخابات، توجهوا بأنظارهم فوراً إلى إيران والولايات المتحدة الأميركية، في انتظار موقف، إشارة، أو تلميح حول الولاية الثالثة” للمالكي، على ما كتب مشرق عباس، مراسل صحيفة “الحياة” من بغداد، في صبيحة النهار الأول من حزيران الجاري.

مصر الثورة بلا جسم سياسي

مقارنة بأحوال المشرق الموصوفة، كشفت الثورة السلمية المدنية لشبان مصر وشعبها، بدءاً من 25 كانون الثاني 2011، عن تماسك الهوية الوطنية للشعب والدولة المصريين، على الرغم من سقوط ألوف القتلى والجرحى، جراء تصدّي جهاز الدولة البوليسي المتعفّن، للمتظاهرين. وكشفت الثورة المصرية أيضاً عن مقدرة البيروقراطية العسكرية – الاقتصادية الطفيلية، على التحصُّن الكلبي المراوغ بالهوية الوطنية التاريخية للدولة والجيش والمصريين الحديثين، منذ تأسيسهما على يد محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الانقلاب العسكري الناصري في العام 1952. مذذاك سيطرت النخبة العسكرية على مقاليد السلطة والحكم ومؤسسات الدولة كافة، سيطرة ديكتاتورية أخمدت كل حياة سياسية في المجتمع، حتى بدايات الثورة الشبابية في 2011، ومقدماتها الاحتجاجية الموضعية على نظام حسني مبارك، منذ 2005: “حركة كفاية” المناهضة لتوريث رئاسة الجمهورية المصرية لسلالة مبارك، على الطريقة الأسدية في سوريا. “حركة 6 أبريل” المناصرة للإضرابات العمالية المطلبية في المحلة، حملة “كلنا خالد سعيد” الشبابية الاحتجاجية على عنف جهاز الشرطة الوحشي. منظمات “الألتراس” الشبابية المشجعة لأندية كرة القدم في الملاعب، تعبيراً احتجاجياً صاخباً لاهياً وحيوياً ضد الكبت والخواء الاجتماعيين والثقافيين وضد التبلّد المرهق في الحياة المصرية العامة المستكينة، وصولاً إلى مقارعة العنف الدموي لرجال الشرطة، باحتفالات الألعاب النارية في الشوارع.

هذه الحركات وروافدها الشبابية الكثيرة، ومن خلفها أجيال وقطاعات واسعة من الشعب المصري، استطاعت، وسط ذهول العالم، أن تنجز معجزة ارتجالية كحلم يقظة: إسقاط رأس النظام الديكتاتوري في مصر، وفرض مرحلة انتقالية لإطلاق حياة سياسية ديموقراطية في المجتمع، ولإصلاح أجهزة الدولة وإعادة هيكلتها. لكن قوى الثورة المصرية المليونية في الشوارع والميادين، كان التصحر السياسي المديد، من أسباب حرمانها مقدرتها على صوغ أجسام سياسية تمكّنها من تصدّر المرحلة الانتقالية. لذا تصدّر “المجلس العسكري” المشهد الانتقالي، مستغلاً الشعار الشعبي الآني العابر: “الشعب والجيش يد واحدة”، في نهاية سكرة الموجة الأولى العارمة من الثورة وسحرها. غير أن الموجات اللاحقة من الثورة الشبابية، قوّضت محاولة “المجلس العسكري” إعادة تجديد سلطة الجيش، كأن شيئاً لم يكن. وإذ جرى حشر شبان الثورة والشعب في أول انتخابات رئاسية للمرحلة الانتقالية، بين انتخاب مرشح الجيش و”فلول” النظام السابق، وبين انتخاب مرشح “الاخوان المسلمين” فاز المرشح “الاخواني” على الفريق أحمد شفيق بفارق ضئيل في أصوات الناخبين.

نزع براقع التديّن

آنذاك ذهبت التوقعات إلى أن مصر وقعت في القبضة “الاخوانية” لحقبة مقبلة مديدة، اعتماداً على مقولة تعتبر أن الشعب المصري أسلس قياده لتدين اجتماعي- سياسي، أخرج الدين وشعائره وفرائضه من حيز الحياة الخاصة الى فضاء العلانية العامة، تماشياً مع الحقبة الرئاسية لأنور السادات الذي سمى نفسه “الرئيس المؤمن”. كان ذلك الإخراج للتدين، ينطوي على هروب الشعب المصري من الخواء الروحي والثقافي والسياسي المديد، وعلى الاعتماد على الله في جبه إفقار غالبيته العظمى، وتركها في العراء، بعد تفكيك دولة الرعاية الناصرية، وتقديم قطاعاتها مجاناً لمافيا اقتصادية من رجال المقاولات والأعمال الجدد المتواطئين مع كبار ضباط الجيش والأمن. هذا ما جعل التديّن برقعاً للخواء والاستنقاع المديديين اللذين ملأهما “الاخوان المسلمون” بإعالة المقفرين وتسكين آلامهم.

لكن من زار القاهرة في مناسبة الذكرى السنوية الثانية لـ”ثورة 25 يناير” (كانون الثاني 2011)، ووجد الشارع والإعلام المصريين في حال غليان ضد “الإسلام الاخواني” بعد شهور على تنصيب محمد مرسي رئيساً للجمهورية، وغداة إعلانه الدستوري الذي جمع مقاليد السلطات كلها في يده، لم يصدّق أن مصر تخلع عنها بتلك السرعة والسهولة براقع ذلك التديّن الذي جعله “الاخوان المسلمون” حجّة سياسية لتسويغ “اخونة” الدولة والمجتمع. فالغالبية العظمى من الشعب المصري المسلم إسلاماً تقليدياً عادياً وغير سياسي، لم تستسغ أن يحمكها رئيس – دمية في يد مرشد “جماعة” مغلقة شبه سرية في تنظيم دولي سرّي. ثم لم تلبث كلمات ذلك الرئيس – الدمية، لغته ولهجته، في مخاطبته رهطة بـ”أهلي وعشيرتي”، أن وقعت وقعاً غريباً، مستهجناً وممجوجاً، في أسماع المصريين. وقد يكون هذا كله ذكّرهم بما أمسى منافياً للتقليد الوطني المصري في التخاطب والحكم، منذ “ثورة الضباط الأحرار” في تموز 1953، وانقلابهم العسكري الوطني الناصري على بقايا الاستعمار الانكليزي والسلالة الملكية لمحمد علي باشا، الوالي العثماني الألباني الأصل، وريث سلاطين الدولة المملوكية.

إرهاق شبابي وشعبي

عوداً إلى بدء الثورة الشبابية والشعبية في 25 كانون الثاني 2011، ونسجاً على منوالها، ولدت “حركة تمرد” الشبابية وتواقيعها المليونية، قبل خروج حوالى 30 مليون مصري إلى الشوارع في 30 حزيران 2013، ضد حكم “العشيرة الاخوانية”. لكن النخبة العسكرية والأمنية – في خضم غياب جسم سياسي مدني يتصدر المشهد المليوني غير المسبوق في تاريخ الثورات، وبعد الإرهاق الشبابي والشعبي طوال ما يزيد عن سنتين من الاحتجاجات المتواصلة – استغلت بقايا الرصيد الوطني للجيش وتوق الشعب المصري إلى الاستقرار والأمن ولقمة العيش، وحوّلت التمرّد على “الاخوان” انقلاباً عسكرياً بقيادة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، وريث عمر سليمان في رئاسة جهاز المخابرات العسكرية. ثم سارعت المؤسسة العسكرية إلى تحويل الغضب الشعبي السلمي على “الاخوان” وانصارهم، مذبحة “في ميدان رابعة العدوية، مما أعاد الجماعة “الاخوانية” وأنصارها إلى العنف الإرهابي. وباسم “الحرب على الارهاب” وتخليص المصريين منه، أصدر الجيش قانون منع الاحتجاج والتظاهر، وتصدّر المشهد السياسي والأمني والإعلامي. وها هوذا المشير السيسي يُنصّب رئيساً للجمهورية، بعد انتخاب أقرب إلى استفتاءات الـ99 في المئة المعهودة.

الخروج من الأقدار

هل الجيش قدر مصر؟

هل تبقى الدولة المصرية المتآكلة كجثة، وتبقى الوطنية المصرية الثقيلة المختنقة، أسيرتي الجيش الذي تحوّل مؤسسة للمقاولات والنهب، بعد تحريمه وتجريمه كل حراك سياسي واجتماعي ومصادرته أجهزة  الدولة ومؤسساتها ومقدراتها كافة، منذ خمسينات القرن العشرين؟

والمشرق من العراق إلى لبنان، مروراً بسوريا، هل قدره التمزّق والحروب الأهلية؟

هل تتحرر الجماعات المشرقية من خرافات هويات الضغائن والأحقاد، ليتكون في بلدانها داخلاً وطنياً وشعبياً متماسكاً ومتحرراً من الولاءات الخارجية؟

رقص مأسوي حول جثة الدولة في مصر

يونيو 1, 2014

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 31-05-2014

لوحة لعادل السيوي

تقتفي هذه السطور وقائع رحلة جزئية سريعة في الديار المصرية، فتروي بعضاً من مشاهد العمران في القاهرة والاسكندرية والفيّوم. المشاهد الآنية الراهنة ، تتراءى في خلفيتها وظلالها، “الروح التاريخية” المصرية ومآسيها المزمنة، الثورة وشبانها وناشطوها وأحلامهم المترجحة بين الأمل واليأس منذ العام 2011. كثير من هؤلاء الناشطين ينتمون الى أجيال مختلفة، ويعتبرون أن السنوات الأربع المنصرمة كشفت كشفاً مبيناً لا رجعة عنه: أجهزة الدولة المصرية جثة مهترئة متحلّلة.

في الساعة التاسعة من صبيحة نهار 20 أيار الجاري، كان علينا أن نخوض في تدفق أمواج فوضوية صاخبة من الخلق والسيارات وبسطات الباعة وصيحاتهم المتنافرة، وسط غبار وأتربة ومهملات على إسفلت دبق وأرصفة خربة تحت تقاطعات جسور سوّدها السخام في فضاء رصاصي ثقيل يخترقه صخب الأصوات والأجسام والأشياء التي أفقدها الإهمال المزمن أسماءها. كان علينا أن نخوض في هذه الفوضى البشرية والمادية، لنجتاز المسافة القصيرة الفاصلة بين تقاطعات الشوارع والجسور ومدخل “محطة رمسيس للقطارات” في وسط مدينة القاهرة، وهي المحطة التي يعود تاريخ إنشائها الى أوائل القرن التاسع عشر، وكانت تسمّى “باب الحديد”، وفيها صوّر يوسف شاهين واحداً من أوائل افلامه السينمائية في خمسينات القرن العشرين، وسمّاه باسمها، قبل تجديدها بعيد إنجاز فيلمه ذاك.
لكن تدفق الفوضى والصخب والأجسام والمهملات، وما تبعثه في الجسم من إرهاق يخالطه شعور بالضياع والاختناق والخوف، سرعان ما تلاشى، فجأة، حين دخلنا الى مبنى المحطة التي ينقلك الفضاء الداخلي لهندستها المعمارية الداخلية الأنيقة، الجذابة والمريحة، وانتظام حركة حشود المسافرين فيها، إلى عالم آخر، غير متوقع، بُعيد اجتيازك مدخلها. بناء المحطة من الخارج، من الطراز المعماري الكولونيالي المغبّر المهمل، كأمثاله من مباني القاهرة الكثيرة. أما تصميمها الهندسي الداخلي المريح، فيزاوج عضوياً بين فنون العمارة والتجهيز الحديثة، وملامح محدثة من التراث الإسلامي. أنجز هذا التصميم وأشرف على تنفيذه في أواسط الخمسينات من القرن الماضي، المهندس المصري المرموق علي لبيب جبر (1898 – 1962). وهو صمّم في الحقبة نفسها إحدى البنايات المشرفة على النيل في حي الزمالك الراقي. البناية هذه كان يقيم في واحدة من شققها الفخمة الفسيحة، محمد عبد الوهاب، منذ الخمسينات حتى رحيله.
اللافت الباهر في المحطة، الى هندستها الداخلية المحافظة على رونقها منذ تجديدها قبل نحو 50 سنة، هو مقدرتها على إشاعة الانتظام في تدفق حركة المسافرين الكثيفة في بهوها الفسيح ذي السقف العالي، وفي ردهاتها وممراتها الجانبية المفضية الى أرصفة صعود المسافرين الى مقصورات القطارات. في الساعة التي أمضيناها في المحطة منتظرين إقلاع القطار الى الاسكندرية، تنقلنا بين منشآت خدماتها الداخلية: هنا مكتبة أنيقة تعرض أصنافاً من الكتب والصحف، موضّبة وفق أنواعها، هناك أكثر من مقهى لا تقلّ حداثتها عن المكتبة، وهنالك أكشاك تقدّم أنواعاً من المآكل السريعة، الى سواها من أكشاك بيع لسلع وهدايا وحاجيات يستخفّ المسافرون حملها. هنا، في “محطة رمسيس”، أنت حقاً في محطة للسفر في القطارات. المشاهد والحركة في فضائها الداخلي، وما تقدمه من خدمات للمسافرين، تُنسيك دبيب الفوضى الهائلة المخيفة في خارجها القريب، وتبعث على خفة وطمأنينة فرحتين، غريبتين تماماً على من لم يسبق له السفر في القطارات وارتياد محطاتها، إلا في بلدان أوروبية. الشعور هذا، يشبه، في سياق لبناني، ما يشيعه الدخول الى حرم الجامعة الأميركية في بيروت، الذي صانته وعزلته عن محيطه العمراني الفوضوي البيروتي، قوة إدارية وتنظيمية عمرها ما يزيد على 170 سنة. أما في “محطة رمسيس” القاهرية، فالهوّة سحيقة ما بين داخلها المنظّم وخارجها الفوضوي الخرِب. لذا يراودك في داخلها شعور غريب، كأنك في مكان يستحيل وجوده في البلدان العربية الخربة، المقطّعة الأوصال البرية في داخلها وفي ما بينها، منذ خمسينات القرن العشرين وانقلاباتها العسكرية، القومية والوطنية الديكتاتورية المتلاحقة. فأنظمة الانقلابات والحروب الأهلية، في المشرق ومصر والسودان واليمن وليبيا والجزائر، أهملت، بل خرّبت، كل ما ورثته من عمران ومنشآت ومؤسسات مدنية، وانصرفت الى تسوير سلطانها العسكري الطغياني بالجيوش وأجهزة الأمن والمخابرات، على الطريقة السوفياتية. هذا، فيما تزامن ذلك كله مع انفجار سكّاني جماهيري، وتدفّق هائل للريفيين الى المدن التي تُركت مراكزها وأحياؤها القديمة للإهمال والفوضى العمرانية، وأخذ يسوّرها ويحاصرها من خارجها العمران العشوائي. وكان في عداد ما أهملته الأنظمة العسكرية العربية وخرّبته، ما ورثته من منشآت السكك الحديد الطويلة والإقليمية التي تعود الى حقب متلاحقة؛ حقبة الاصلاح العثماني وحقبة محمد علي باشا في مصر القرن التاسع عشر، والحقبتين الكولونيالية والاستقلالية السريعة العابرة في النصف الأول من القرن العشرين. فتحت شعارات التحرر والتحرير القومي والوطني، ومقاومة الاستعمار الغربي وقاعدته إسرائيل واحتلالاتها، سادت سياسات الإهمال والخراب وتقطيع الأوصال والحروب الأهلية الداخلية والاقليمية، والمعتقلات والاغتيالات. حتى اذا تخلّف بلد صغير مثل لبنان عن هذا الركب العسكري الديكتاتوري، وُصِمَ بالمروق والعار، وغُذّيَ الشقاق الأهلي الطائفي بين جماعاته، وصولاً الى الحروب الأهلية المدمرة التي استنبتت، مع الدولة العبرية وحملاتها العسكرية واحتلالاتها، جهاز “مقاومة” خمينية – أسدية، يطمح الى إرساء ديكتاتورية أهلية طائفية في لبنان، بعدما تهاوت رؤوس الأنظمة الديكتاتورية العربية منذ بدايات العام 2011، ودخلت بلدانها ودولها في المخاضات العسيرة الراهنة.

ألبر قصيري وقطار الاسكندرية
في الساعة العاشرة صباحاً، صعدنا الى إحدى مقصورات الدرجة الأولى من قطار أقلع بنا من “محطة رمسيس” القاهرية، في رحلة تستغرق ساعتين ونصف الساعة للوصول الى الاسكندرية، على مسافة نحو 300 كلم شمال الدلتا الزراعية التي يرويها النيل بين رأس مثلثها الجنوبي في القاهرة وقاعدته على شاطئ مصر المتوسطي. أجهزة التكييف في القطار تضخّ الهواء البارد بطاقتها القصوى التي تعوّد عليها المصريون، من دون تعديل، طوال الرحلات. أما غير المصريين فعليهم التحوّط للاحتماء من لفح البرد في المقصورات، على ما نبّهتنا لبنانية مقيمة في القاهرة. القطار فرنسي الصنع على الأرجح، وهو محدث مريح، لكنه مهمل مغبّر صدئ في بعض المواضع من الخارج، أكثر مما في الداخل. ما إن تضاعفت سرعته، حتى اكتشفتُ أن المقعد تحتي متحرك، وسرعان ما انفلتت قعدته الإسفنجية من مكانها، وظهرت تحتها في الإطار الحديدي، كومة من نفايات متنوعة مزمنة. أعدتُ القِعدَة الإسفنجية المنزلقة الى مكانها، وجلستُ عليها منصرفاً الى قراءة رواية “ألوان العار” للمصري – الفرنسي ألبر قصيري، المولود في القاهرة العام 1913، والراحل في العام 2008، بعدما فاضت روحه وحيداً في غرفة أقامته، منذ العام 1945، بفندق “لويزيانا” الباريسي العتيق. صدرت الرواية بالفرنسية العام 2003 لدى دار “غاليمار” الباريسية، فترجمتها الى العربية منار رشدي أنور، وأصدرها في القاهرة “المركز القومي للترجمة” العام 2011. لكن الفوضى والإهمال في التحرير والطباعة والإدارة، جعلا اسم المترجمة سناء رشدي، بلا أنور، على الصفحة الداخلية الأولى من الطبعة العربية. فكيف يمكن، إذاً، الوثوق بتحرير الرواية وطباعتها؟!
على مقعد كومة النفايات المزمنة في القطار، أقرأ في مطلع “ألوان العار” لقصيري: “حشود البشر الهائمة (…) على إيقاع تسكع صيفي بلا مبالاة على أرصفة غير مستوية في مدينة القاهرة، تبدو كأنها متكيّفة بسكينةٍ وبشيء من السخرية اللاذعة، مع تدهور البيئة المستمر الذي لا رجعة فيه. ولربما تحدِّثنا أنفسنا بأن هؤلاء الجسورين، المتنزهين تحت الحمم الجارفة لشمس منصهرة، متواطئون بتسامح (…) مع العدو الخفي المقوّض لقواعد (عمران) عاصمة كانت منارة في الماضي. إنها الجماهير التي لا تؤثّر فيها المأساة والحزن، فيما هي تسير في سيل بشري جارف يحمل عيّنات من البشر أصابتها البطالة بالسكينة: عمال عاطلون، حرفيون بلا زبائن، مفكّرون خاب أملهم في بلوغ قمة المجد، موظفون إداريون هاربون من مكاتبهم لقلة المقاعد فيها، متخرجو جامعات رازحون تحت وطأة عملهم العقيم (…). وأخيراً الساخرون الأزليون، أولئك الفلاسفة المحبّون للظلام والعتمة، الذين يرون أن التدهور المشهود لمدينتهم، مصمّم خصيصاً لشحذ حاستهم النقدية”. لا يتوقف قصيري عن ابتكاراته في وصف أحوال القاهرة ومزاج أهلها “المتسم بالطرافة المفجعة”، في عاصمة حوّلتها موجات النازحين “المشبعين بأوهام حمقاء، بيوتاً للنمل. وفي هذا الجو المختل بوحشية، تندفع السيارات كأنها بلا سائقين”، فيبدو للمترجل الذي يحاول عبور الطريق “أنه مُقدمٌ على عمل انتحاري”. هذا، فيما يمنح “البؤس من يصطفيهم، الوقاحة والغرور، فيفخر كل متحدث بنسله الفرعوني”.

لوحتان لعادل السيوي.

غيطان الدلتا والفيّوم
أضعُ رواية قصيري جانباً. من خلف زجاج نافذة القطار أسرّح بصري بعيداً، نحو غيطان الدلتا، سهل مصر الزراعي الكبير: مشاهد الاجتماع الزراعي وعمرانه العشوائي تتكرر، كما في الفيّوم على ضفة البحيرة الصحراوية الكبيرة المالحة، على مسافة نحو 170 كلم جنوب غرب القاهرة، حيث صوّر يوسف شاهين، في سبعينات القرن العشرين، أحد أفضل أفلامه وأجملها، “الأرض”، من بطولة محمود المليجي، في دور له أحدث انقلاباً في أدواره السينمائية.
قبل يومين من رحلتنا الى الاسكندرية، قصدنا الفيّوم بسيارة من طراز الدفع الرباعي، اجتازت بنا طريقاً تتناثر على جنباتها تجمعات سكنية متباعدة وسط خلاء صحراوي كئيب، وصولاً الى الفيّوم وبحيرتها وغيطانها وقراها الزراعية والسياحية على جهة من ضفاف البحيرة المالحة. تلال الطمي والنفايات تتكدّس جافةً مزمنة على جنبات الترع المائية الآسنة الثقيلة الراكدة على جنبات الطرق المهترئة الإسفلت في القرى غير السياحية، حيث يتناثر الرجال والشبان في مقاهٍ متربة مغبّرة مهملة منذ افتتاحها. تشبه هذه التلال تلال السلع المحدثة المكدّسة في الدكاكين العشوائية، وعلى جنبات الطرق أمامها، في أعداد هائلة من صناديق المشروبات الغازية والعصائر وعبوات المياه. يعجب المشاهد العابر من اجتياح هذه السلع الاستهلاكية الريفَ الزراعي النائي المعزول الفقير المهمل، حيث ترعى أبقار وحمير نحيلة على جنبات الغيطان الزاهرة الجميلة التي ترويها مياه الآبار الارتوازية غير المالحة في الحقول، بعيداً من البحيرة. هو التلفزيون وصوره، قبل وسائل التواصل الألكتروني الآني، ما أشاع “أحلام” استهلاك هذه السلع في الأرياف النائية، اتقاءً من داء البلهارسيا الذي تجلبه المياه الملوثة، مما أدى الى خفض معدلات الوفيات وتزايد عدد السكان ومعدلات البطالة واتساع رقعة الفقر والبؤس والإهمال في الأرياف الزراعية.
قرى الفيّوم السياحية التي تتهاود فيها أسعار خدمات الإقامة الموقتة العابرة، يكاد يقتصر روّادها في عطل نهاية الأسبوع، على الأجانب المقيمين في القاهرة، طلباً لتحميص جلودهم (البرونزاج) في لذع الشمس، وسط هدوء مشهد ريفي جميل على ضفة البحيرة، أو بعيدٍ منها حول بركٍ صغيرة للسباحة، تحوطها خضرة الحقول. هذا، قبل قيام هؤلاء السائحين، عصراً، بنزهات على الخيول في طرقٍ ترابية، لا تخلو جنباتها من أكوام نفايات في الغيطان القريبة من العمران العشوائي الذي يعادل عمره عمر نفاياته. يتساءل المشاهد العابر: كيف كان هؤلاء الريفيون يعيشون قبل هذا النوع من العمران العشوائي المحدث كسلعه ونفاياته في قراهم؟
هنا لا بد من استعادة وقائع وصور من بحث خالد فهمي في كتابه “كل رجال الباشا”، محمد علي باشا، الذي روى فهمي مآسي إنشائه الدولة المصرية الحديثة وجيشها الحديث، ضداً لتغنّي الوطنية المصرية ومعظم المصريين بمركزية تلك الدولة وجيشها اللذين حوّلا الفلاحين من عبيد لدى كبار الملاّك الزراعيين، الى عبيد في الجيش وفتوحاته المشرقية. هذا، قبل أن يصير كبار الضباط في هذا الجيش طوال عهدي السادات ومبارك، شركاء طفيليين لعصبة من المقاولين الطفيليين في سائر ميادين الحياة الاقتصادية، ولا سيما في نهب مقدرات الدولة ومنشآتها- المهملة أصلا في الحقبة الناصرية- وتخريب مؤسساتها كافة، واستملاك الأراضي الزراعية والعقارية لبناء المجمّعات السكنية الراقية الباذخة، وسواها من العشوائيات التي اجتاحت المدن والأرياف، في ملحمة مأسوية، جعلت عمران مصر في معظمه خرائب مكتظة بالبشر.
وها هوذا المشير عبد الفتاح السيسي، يحاول تبييض صفحة هذا الجيش ومؤسستي الشرطة والأمن الوطني والعصابة الاقتصادية الطفيلية، بعد ثورة سلمية مدنية مفاجئة تلطخت المؤسسات الأمنية المصرية كافة بدماء شبّانها. يحاول المشير ذلك بنشر طوفان صوره وكلماته الوثنية الجوفاء في أرجاء مصر كافة، بعدما استطاع زرع رجال أمنه مجدداً في مؤسسات الإعلام المصري، العامة والخاصة كلها، وتطويعها لإشاعة عبادته كوثنٍ أو فرعون جديد في الديار المصرية التي يعزف ألحان طغيانه الانتخابي، على أحزان أهلها ومآسيهم المزمنة وتوقهم الراهن الى الأمن والاستقرار ولقمة العيش، بعد موجات من الثورة، طلباً للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
من خلف زجاج نافذة القطار المتجه إلى الاسكندرية وسط سهول الدلتا، تظهر في القرى الزراعية القريبة، صور للوثن الجديد، غير بعيد من بعض أساساتٍ وأعمدة لبيوت سارع فلاّحون إلى البدء في تشييدها عشوائياً في أوقات الانفلات الأمني والإداري أيام الثورة، فسارعت أجهزة الأمن بعد استعادتها زمام المبادرة إلى تهديم تلك الأعمدة والأساسات.

أحمد مدحت والاسكندرية
في “محطة مصر” في الاسكندرية، كان الشاب العشريني الاسكندري أحمد مدحت، ينتظر وصولنا ظهيرة نهار زيارتنا مدينته. قبل نحو سنة كانت صحبتنا عبر الـ”فايسبوك”، وإعجابي بما يدوّنه ويكتبه على صفحته الـ”فايسبوكية” من ملاحظات ومتابعات وشذراتٍ قصصية وشهادات عن أحوال مصر الراهنة، قد أتاحت لي التراسل معه، وهو الذي يضع، إلى جانب صورته على صدر صفحته، عبارة لافتة: “لن تستطيع معي صبراً”. الصحبة الإفتراضية والتراسل المتقطع، أثمرا نشر بعضٍ من كتابات الشاب الاسكندري في “الملحق”، وأديا إلى لقائنا وتجوالنا معاً لساعات في الاسكندرية.
حين سألته عن عبارته حول نفاد الصبر، قال إنها أعجبته، فاستلّها من آية قرآنية، وجعلها فاتحة لصفحته في “كتاب الصور والوجوه”. على استغرابي أن يكون القرآن مصدراً لثقافة شاب في العشرين، قال إنه أمضى سني فتوته ومراهقته بين الثالثة عشرة والثامنة عشرة، سلفيّا وقارئاً وحافظاً للقرآن، قبل خروجه على السلفية وثقافتها ونشاطاتها، خروجاً قطعياً، في عشايا “ثورة 25 يناير” 2011، التي شارك في تظاهراتها وملحقاتها كافة، حتى الموجة الاحتجاجية الكبرى لإسقاط الرئيس “الإخواني” محمد مرسي في 30 حزيران 2013. فجأة رأيت في أحمد مدحت نموذجاً جديداً لخالد البري الذي كان قد خرج مطالع الألفية الثالثة في القاهرة على “الجماعة الإسلامية” المصرية ونشاطه المحموم فيها، وبدأ يكتب سيرة خروجه ذاك، ونشر “الملحق” آنذاك حلقتها الأولى، قبل اكتمالها ونشرها في كتاب لدى “دار النهار” عنوانه “الدنيا أجمل من الجنة”.
فجأة صعقنا طوفان الفوضى الصاخبة الشرسة، ما إن خرجنا من مدخل “محطة مصر” في الاسكندرية، أعتى وأشرس مما كنا قد خوّضنا فيه للوصول إلى مدخل “محطة رمسيس في القاهرة، قبل ثلاث ساعات. الساحات الفسيحة المهملة أمام مبنى “محطة مصر” تجتاحها بسطات باعة للسلع الرخيصة وصياحهم المختلط بصيحات مكبّرات صوت بدائية بُحَّ صوتها الآلي، منصوبة على أسلاك تعلو البسطات، وموصولة بآلات تسجيل (كاسيت)، تكرّر آلياً عباراتٍ غير مفهومة في أصواتٍ هبائية، تدليلاً الى سلع مكدسة على البسطات، يصعب العثور على أسماء لها. كانت هذه الساحات خالية مهملة قبل الثورة، قال أحمد. على مثال اجتياح العمران العشوائي الليلي في نواحٍ من المدن والقرى الريفية الزراعية في سنوات الثورة، اجتاحت البسطات الساحات أمام “محطة مصر”. إنه الرقص المزمن حول جثة أجهزة الدولة المصرية التي يتزايد اهتراؤها وتحلّلها في المساحة الضيّقة على ضفتي النيل، علّق مروان، مقتبساً جزءاً من عبارة الصحافي المصري، وائل عبد الفتاح. من آخر صيحات هذا الرقص وآياته، مشهد سبعة مراكب كبيرة، خالية مشعشعة بأضواء مصابيح ملوّنة، تعبر النيل مطلقةً أغاني التمجيد والعبادة للمشير السيسي، وتغطي جنباتها وترفرف فوقها صوره، في ظهيرة النهار الذي سبق رحلتنا الى الاسكندرية.
على خلاف جيل يكبره من نشطاء الثورة الذين استمعتُ الى توقعاتهم عن احتمالات ما ستصير اليه أحوال مصر في المدى المنظور بعد وصول المشير الى قصر الاتحادية الرئاسي، فاستبعدوا حصول صدامات دامية بين الجيش والشعب أو فئات منه تقوم باحتجاجات مطلبية، توقع أحمد مدحت حصول مثل هذه الصدامات الدامية. فهو مع أصدقائه الكثيرين من جيله، الذين اعتقل منهم ستة شبان عشرينيين من ناشطي الثورة غير الإسلاميين، يضعهم اليأس والكمد والحقد على جهاز الشرطة وأمن الدولة والجيش، على حافة الانفجار، ما داموا معرّضين لاحتمال الاعتقال في كل لحظة، في حال إقدامهم على أيّ نشاط يمكن أن يجعلهم عرضة للملاحقة والمداهمات بحجة خرقهم قانون منع التجمعات والتظاهر. أحمد كسواه من أصدقائه، ليس خائفاً، ويمضي أيامه كأنها “أيام زائدة” خارج المعتقل.

تجديد الأمل

يوليو 9, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 06-07-2013

حرٌّ هو الكائن البشري في دينه وتديُّنه، وحرية الإنسان أسبقُ وأشدّ أصالةً في وعيه وجوارحه ومخيلته من الدين والتديّن. هذا ما يقوله معظم شبّان مصر وشابّاتها، ومن ورائهم الغالبية الساحقة من شعب مصر، في ثورتهم الأخيرة هذه، التي ابتكرها وأسَّس لها شبان “حركة تمرّد” وشاباتها قبل أشهر قليلة. وهم يقولون ايضاً قولاً صريحاً: لا نريد أن يحكمنا أحد باسم الدين، وينصّب نفسه وجماعته وحزبه أولياء على أمورنا الدينية في الحياة الدنيا.
الحق أن مثل هذه الأقوال ليست أقل من معجزة في المجتمعات العربية المصابة بالركود والعجز عن تجديد حياتها السياسية وثقافتها السياسية، وعن تشخيص معضلاتها الكثيرة والكبيرة، المتراكمة والمزمنة، منذ أكثر من ستة عقود. لم يكن لجوء فئات من الأجيال الشابة في هذه المجتمعات إلى التحصّن بالدين والتديُّن تديّناً رسالياً جديداً منذ ثمانينات القرن العشرين، إلاّ وجهاً أو قناعاً لذلك العجز المزمن، بعدما استتبّ الحكم والسلطان في الجمهوريات العربية لحكّام ديكتاتوريين وزمرهم العسكرية والأمنية، وللنهب الاقتصادي، وعزموا على توريث أبنائهم السلطة والرئاسة.
كان قد سبقهم إلى ذلك، ومهّد لهم الطريق اليه جزّار حماة في العام 1982. فغداة تلك المجزرة ردّاً على عنف “جماعة الاخوان المسلمين” السورية، اليائس والعدمي، كافأ حافظ الاسد أخاه رفعت، منفّذ المجزرة، بأن أقصاه وأبعده، تمهيداً لتوريث “سوريا الأسد” لابنه باسل. لكن الدهر غدر بباسل على طريق مطار دمشق الدولي، فأتى الأب – العرّاب بابنه الثاني، طالب طبّ العيون في لندن، بشار، وعهد إلى الزمرتين الأسديتين، الأمنية والاقتصادية القرابية، مهمّة تدريبه وتأهيله ليكون وارث سوريا الجديد الذي يُغرق عرشه بطيئاً بدماء شعبها منذ حوالى سنوات ثلاث.
¶¶¶
المتأهبون الآخرون لوارثة الجمهوريات الديكتاتورية عن آبائهم العرّابين، منهم من قُتل مع عرّابه (عدي وقصي صدام حسين)، ومنهم من نجا ويقبع في السجن يتيماً (سيف الإسلام بن معمّر القذافي) ومنهم من لا يزال طليقاً (أحمد علي عبدالله صالح) مع عرّابه المخلوع عن عرش اليمن. أما من لم ينجب ولداً يرثه (زين العابدين بن علي)، ففرّ من قصره في تونس هارباً إلى السعودية مع زوجته العرّابة مثله.
ومن استجدى شعبه قبيل خلعه عن عرش مصر (محمد حسني مبارك) قائلاً إنه عزف عن توريث ابنه، وإنه يريد أن يموت ويُدفَن في بلده، حيث ولد ونشأ، فقد جعله شبّان مصر وشابّاتها نسياً منسياً. وها هم حاصروا بالملايين قصر رئيسهم “الإخواني” وخلعوه، بعدما ظنّ مع جماعته وحزبه، أهله وعشيرته “الإخوانية”، أن انتخابه رئيساً في غفلة من المصريين، يمنحه تفويضاً دينياً أبوياً عليهم، بوصفه “أمير أمة المؤمنين” الذي انتدبته الإرادة الإلهية و”مكتب الارشاد الإخواني” ليسوسها بـ”السمع والطاعة”، على مثال ما يسوس المرشد رجال مكتبه وجماعته وحزبها.
¶¶¶
شبّان مصر وشابّاتها يحيون الأمل من جديد: من “حركة كفاية” إلى “حركة 6 إبريل” إلى موجة فتيان “بلاك بلوك” إلى “حركة تمرد”، موجات سريعة متعاقبة من شبّان وشابّات، أفراداً ومجموعات أفقية سيّالة ومشرعة، بلا قيادة ومرشد ومكتب إرشاد، وبلا قائد ملهم، إلا تلك الحرية الفتيّة الطازجة الفرحة في الشوارع والميادين.
هل يضع شبّان مصر وشابّاتها، ومن خلفهم الغالبية الساحقة من شعبها، خاتمة ديموقراطية لأوهام الإسلام السياسي؟ فالاحتجاجات المليونية التي أطلقتها “حركة تمرد” ليس مطلبها عزل “الإخوان المسلمين” وإقصاءهم من الحياة السياسية، بل إخراجهم من شرنقة أوهامهم بأنهم أولياء أمر المؤمنين، بعدما حوّلت جماعتهم في مصر – على ما كتب عمار علي حسين – “تنظيمها الإيديولوجي إلى ما يشبه الكائن البيولوجي”.
سلام الى شبّان مصر وشاباتها وشعبها الثائر ضد تحويل التديّن عقيدة سياسية سلطانية مظلمة.

“حتى أتخلى عن فكرة البيوت” لإيمان مرسال: شعر يروي نقصان الوجود

مارس 27, 2013

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 27-03-2013

إيمان مرسال

تفتتح الشاعرة المصرية إيمان مرسال مجموعتها الأخيرة “حتى أتخلى عن فكرة البيوت” (“دار التنوير”، القاهرة – بيروت، 2013) باستعادتها صور “مستعمرة متحركة من النمل”: “ميت عدلان قريتي العزيزة الجميلة الغالية، وطني الأم الذي يزورني كل ليلة في الكوابيس”. القرية هذه “يقولون إن أجداد (سكانها) ردموا مستنقعاً وبنوا بيتاً لله أولاً وبيوتاً للأموات ثانياً ثم أخيراً بيوتاً للناجين من لعنة الكائنات الصغيرة”. تتوالى في هذه القصيدة الأولى من المجموعة، الصور القصصية أو الإخبارية: “حسام، زميلي (…) في آخر الفصل (…) غرق في سن العاشرة وهو يصطاد سمكة. لم يستغرب أحد موته لأنه كان معروفاً للجميع (بأنه) إبن موت”. في “يوم الجمعة (…) اليوم الذي لم أحب: تهوئة الصالون (…) رائحة المنظفات وحبال الغسيل (…) وجهنم تأتي من ميكروفون المسجد”. وهناك “نساء جَبِلْنَ أكثر مما ينبغي، وفقدان أجنّة في الطريق الى المستشفى (…) من نجا لهن (…) ولدوا قبل الفجر في غرف الخبيز (عندما) كان الأطفال كالحصاد، مناصفة مع الحكومة”. أما الـ”مراهق (الذي) جعله الجيش رجلاً (في الصحراء، (فقد) حفر خندقاً لن يجد وقتاً ليختبئ فيه”، فأعادوه “الى بيت أمه (…) جثة مع ساعة اليد والبطاقة الشخصية”. في “منتصف” السبعينات” من القرن العشرين، بدأت “الآمال”، آمالهم، “تصحو وهم يشربون الشاي: استبدال الجدران الطينية بالأحجار، الغاز بالكهرباء، ألا يقلّ أول تلفزيون ملوّن عن عشرين بوصة”. وبعدما “ذهب أحدهم الى العراق ليموت في حرب شاهدها بعضهم بالألوان (…) استطاع من بقي منهم أن يمدَّ حبلاً من المصابيح ليدلَّ المعزين الى مكان العزاء”.
هذه بعضٌ من مرويات قصيدة “ربما لم يكن في نيتهم أن يخدعوا الله” التي تروي بالصور المكثّفة محطات من تاريخ قرية ميت عدلان، في خليط من الذكريات والمشاهد والمصائر ذات الروح المصرية الخالصة، واللصيقة بأطوار التاريخ والمجتمع المصريين، كما يتجسدان في لحظات ومشاهد من الحياة اليومية: “سأنجح في تضييق شروخ (ها) بالفوتوشوب”. إنها لحظات ومصائر ومشاهد مكتوبة بأسلوب قد نجازف في تسميته أسلوب “الوثائقية الشعرية” التي تفصح الشاعرة عن استعمال تقنيات فنون ما بعد الحداثة في تأليفها وتوليفها، مستدخلةً تلك التقنيات في صميم المخيلة الشعرية، ومخْلِيةً مادة الشعر ولغته من سلطان المثال الشعري المتعالي الذي يجعل اللغة نفسها، مجرّدة من تجارب العالم المادي والخبر عنها، مدار الشعر ومادته الاولى والاخيرة. وخروج مرسال على سلطان المثال الشعري ذاك، يجعل نصها أو قصيدتها غير لغوية، أو ما بعد اللغة، أو لا تحضر اللغة فيها إلا بوصفها لغة غير شعرية، وتتوسل بالشعر من طريق غير لغوية. إنه خروج يؤكد أن “الحرفة” اللغوية لم تعد “عمود” الشعر الحديث، على خلاف ما نظّر وكتب بعضٌ من رواد الحداثة الشعرية العربية في الستينات والسبعينات من القرن العشرين. الفرق ما بين لغة مرسال وأسلوبها “الوثائقي الشعري”، ولغة تلك الحداثة، يتجلى تهكمياً ساخراً في قصيدتها الثانية: “وأنا أتدحرج بين خياراتي كنقطة ندىً على عنقود من العنب، دخل (الى البار) أحد القوميين العرب بشعر ابيضَّ لتوّه كأنه كان ينازل الغزاة في الميدان المجاور: الأمة تحترق، قال بدلاً من مساء الخير”.
أسلوب الوثائقية الشعرية هو الذي يبث الروح المصرية الخالصة في كتابتها، على نحوٍ يجعل تلك الروح، كما تتجلى في وقائع الحياة اليومية، قِوام شعر مرسال (على الأقل في القصيدة الأولى من المجموعة)، سداه ولحمته، لتغيب عنه اللغة بوصفها الخالق السحري المتعالي للعالم والشعر، وليحضر العالم، اشياؤه، كائناته، المصائر المكثَّفة لشخصياته، متشظّيةً متنازعة، وكمعين للشعر، في صوت خافت ولغة خافتة حتى الغياب والإمحاء. ذلك لتكون اللغة محايثة، بل صادرة صدوراً عضوياً عن العالم والأشياء والبشر في مصائرهم شبه القدرية أو “الموضوعية” والخالية من كل بطولة ونبوءة أو رسولية. هذا ما يجعل الأوقات والأماكن والموجودات والكائنات والمصائر في هذا النوع من الشعر، أقرب الى ظلال وأطياف عابرة، فيما قد “يكون الموت هو عدم القدرة على تبادل ذكرى مشتركة بين شخصين” في قصيدة “اسمك امامي ولا ورد في يديّ”. وفي “الصباح الذي بلغتُ فيه الأربعين (…) فشلتُ (…) في التأكد من وجود حياتي بجانبي على السرير”، بينما “أمامي طابور من الموتى (…) بيوت للأرق داومت على تنظيفها بإخلاص في ايام العطلات، هدايا لم افتحها لحظة وصولها، قصائد(…) أشكّ في انتمائها اليَّ، رجال لم أقابلهم الا في الوقت الخطأ ومصحّات لا أتذكر منها إلا الحديد على الشبابيك” (من قصيدة “حياة”). هذا فيما “الله يضلّل ذاكرة مخلوقاته من وقت لآخر ليتسلى” في قصيدة “احتفال”. الى جانب اللغة الاخبارية، بل في نسيجها، يحضر الكائن خارج حياته، او منفصلاً عنها، كأن شخصا آخر عاشها عنه، أو هي ظلت مرجأة، لتحضر كذكرى وكغياب عن الفعل.

الوجود الناقص

في هذه المقتطفات الاخيرة، يغيب الشعر الوثائقي، أو الوثائقية الشعرية، ليحضر الكائن الفرد المجرد، في مواجهة العالم والوجود ومصيره وذاكرته، لكن بلا بطولة ولا هالات مأسوية، بل بوصفه كائناً شديد الهشاشة، وغير ممتلك لوجوده ومصيره وحياته نفسها، ومنخلعاً منها انخلاعاً قدرياً. أما قصيدة “أنت أمام الباب أنا خلفه” فنموذج آخر لاختفاء اللغة وضمورها، للاقتراب من الشعر الذي يومئ من دون ان يصرّح ويعلن مستعيضاً عن استنفاد العالم لغوياً، بوصف لحظات حسّية حميمة وعابرة من حياة الكائن وهشاشته: “بضغطة اصبعك على الجرس تحدث فوضى/ الى الأذن تنط دماء كانت تتهادى قرب سلسلة الظهر/ تتراجع قدماي خطوتين الى الخلف/ كل عضو يهرول وحده في اتجاه خطأ”.
قوة الاضطراب والمشاعر في لحظات تحقق لقاء غرامي مرتقب، معبَّرٌ عنها هنا بأشد قدر ممكن من الهدوء، وبأقل قدر من الانفعالات التي تظل مكتومة اصلاً، لتحضر افعال لاإرادية ناقصة تتجاذب الشخص المنتظر خلف الباب، اي المرأة التي مع رنين الجرس “مرة اخرى/ مقطوعة الانفاس ينفد صبرها”. لكن نفاد الصبر ينقلب فجأة الى عكسه: “اتباطأ/ كأنني أخرج لساني للوقت الذي انتظرتك فيه”. انقسام النفس والسخرية من النفس هنا، يتجليان أيضاً في الجملة: “ربما تلك الثواني (ثواني الانتظار وعدم اليقين) هي الأكثر بهاء مما بعدها”، اي لحظات تحقق اللقاء. فـ”فتح الباب لرجل تنتظره ينتظر في الخارج” وتحقق اللقاء المرتقب، يطفئان قوة الانفعالات ويبددانها. هذا من دون أن يخفى الحس التهكمي الساخر من تلك الانفعالات التي تبدو بلا جدوى ولا طائل، ما إن تنقضي وتتبدد. كأن الانقضاء والتبدد واللاجدوى هي مبدأ العالم والوجود: “وتعبر العتبة/ انت لا تعرف ماذا تصنع (وكان من الأفضل القول: ماذا تفعل) بنفسك وأنا سأمد (وكان من الافضل حذف حرف السين من هذه الكلمة) يداً للسلام والاخرى تتأكد ان النظارة في مكانها”. هكذا تسقط قوة المشاعر والانفعالات في حركات حائرة خاوية، فلا يبقى من تلك القوة سوى ما لا ينبئ عنها. كأن حياة الكائن البشري في حال من النقصان او النكوص الدائم، فلا يبقي تحقق الرغبة من الرغبة سوى رمادها. لكن هذا التناوب ما بين التحقق والنقصان، الرغبة ورمادها، يستمر: “اقسم ان الندى كان يسقط من سقف الصالة، خفيفاً ومالحاً على شفتي، ولهذا لم اقل اهلا”. ثم “برضىً انظر الى سوء الاضاءة في بيتي. هذا الشحوب سيجعلني اختبئ تحت ذاتي بينما انت امامي على الكنبة، ضائع كضيف”.
هل النقصان و”خفة الكائن غير القابلة للاحتمال” في افعاله واهوائه وآلامه، هما مبدأ الوجود البشري والعالم؟ اما الامتلاء والإمتلاك والتحقق، فليست اكثر من وهم جميل ومعذِّب، الا في الرؤى الدينية وجنتها الموعودة.

البهجة الفوضوية

فبراير 16, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 16-02-2013

في خضم سكرات النشوة الأولى بالثورات العربية، وشمت شاعرة لبنانية شابة رقم 2011 على معصمها، لتُبقي ذكرى تلك النشوة مطبوعة على جلدها، فيما كتب الناشط والكاتب المصري أشرف الشريف على صفحته في الـ”فايسبوك” مقالة عنوانها “المجد لسياسات الفنفنة”، في مديح السلوك الإحتفالي الإستعراضي الذي يتبعه شبّان “الإلتراس” حينما تأخذهم نشوة حسيّة جماعية أثناء احتشادهم على مدرجات ملاعب كرة القدم في مصر، وفيما هم يجابهون بالنشوة الاحتفالية نفسها عنف أجهزة الأمن المصرية في الشوارع. الوشم الاحتفالي الشخصي على الجلد تخليداً لعام الثورات، وتمجيد سلوك شبّان “الإلتراس” في مرآة الثورة المصرية التي ساهموا فيها، ينطويان على شكل فني جسماني في التعبير عن البهجة بالحدث الكبير. الفنيّة هذه – شأن الاحتشاد والتظاهر ورسوم الغرافيتي والهتافات والشعارات والأغاني وأشرطة الفيديو والعبارات المبثوثة على الشبكة الإلكترونية العنكبوتية – لازمت الثورات العربية منذ انطلاق شرارتها المنتقلة من بلد الى بلد.
اليوم، بعد سنتين على انطلاق الشرارة، تتناسل تلك البهجة وتتسع وتتحول مذهباً جديداً في التفكير والفعل والتعبير والعمل والسلوك والتواصل في أوساط مجموعات شبابية واسعة في بلدان الثورات وسواها. يستوحي هذا المذهب أو يستعيد صور الحركات الفوضوية التحررية العالمية، كأنه يقول إن الثورات العربية الراهنة التي بادرت اليها الأجيال الشابة من دون قيادة ولا تنظيم، واستعملت الفضاء الإلكتروني الشبكي المشرع بلا حدود أداة تواصل لاحتلال الشوارع والميادين، هي ثورات تحررية تنطوي على بعد جسماني وتستعصي على التأطير السياسي، ومشرعة على الفعل والممارسات الثورية الفوضوية اللصيقة بالتعبير الفني وبأنماط من التعارف واللقاء والعيش والعلاقات الأفقية الحرة اللاسلطوية والعارية من الإيديولوجيا. هذه كلها تنهل من الفوضوية والإباحية والبوهيمية والسوريالية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وصولاً الى حقبة ما بين الحربين العالميتين.
إنها النشوة الشبابية التحررية الفوضوية، ردّاً على الاستنقاع والخواء والموات في مجتمعات الحزب الواحد والدولة السلطوية المدمرة للمجتمع. وذلك لضخ حيوية جديدة طازجة في الركام الاجتماعي الذي هزّته الثورات وأخرجته عارياً من مستنقع التسلط المديد. في هذا الإطار ظهرت أخيراً “المجموعات الأنركية” (الفوضوية) وصفحاتها على الـ”فايسبوك”: “الحركة الاشتراكية الثورية” في مصر، “الحركة السورية النسوية الأنركية”، “أنركيون سوريون”، و”راديكال بيروت”. تأصيلاً لهذه الحركات كتب سامح سعيد عبود (المصري) على موقع “الحوار المتمدن” أن “الحركة الاشتراكية الثورية” نشأت في أواسط القرن التاسع عشر، لتشكل العمود الفقري للحركة الأنركية، بمدارسها المتناقضة” التي “برز فيها دور الأنركيين في كومونة باريس 1871، وفي الثورة الروسية 1917، والثورة الاسبانية 1936، (وصولاً الى) حركة مناهضة العولمة والحرب في بداية القرن الحالي”.
قد تكون الحركات الاحتجاجية التي يشكل الفتيان والشبان مادتها الرئيسية في المدن المصرية، هي النموذج الأبرز للحركة الفوضوية المنبعثة من مخاض الثورات العربية. الحركة هذه مثالها المحلي في مصر حركة “الإلتراس” التي استلهمها شبّان مجموعات “بلاك – بلوك” (الكتلة السوداء) وفتيانها. وهي ولدت ردّاً على العنف الذي مارسه “الإخوان المسلمون” ضد المعتصمين حول “قصر الاتحادية” الرئاسي، غداة إذاعة الرئيس محمد مرسي إعلانه الدستوري. وقد سبقت ولادة “بلاك – بلوك” حملات احتجاجية عدة، منها “عسكر كاذبون”، “إخوان كاذبون”. اللافت في الحركات والحملات هو تلك الفجوة القائمة بينها وبين الجسم السياسي المؤتلف في أحزاب “جبهة الانقاذ” المعارضة لحكم “الإخوان المسلمين”. في هذا المعنى تصرّ الحركة الفوضوية على اعتبار أنها حركة تتجاوز السياسة وتتخطاها، وتخرج على التأطير السياسي الحزبي، الى الفعل الحر المباشر، السيّال والمستقل والمشرع على الغارب من دون حدود. قد يكون هذا ما حمل “جبهة الإنقاذ” أخيراً على “النأي بنفسها” عن تلك الحركة التي تأبى التوقف عن الاحتجاج والصدام مع قوات الأمن في الشارع، كأن احتجاجها يحمل في طياته غريزية جسمانية أطلقتها الثورات من عقالها.
إلى ذلك تبدو مجموعات فتيان الحركة الفوضوية وشبانها أقرب إلى ظاهرة شبه مسرحية في سلوكها وأزيائها وأساليب عملها. المسرحة هذه مصدرها صناعية هذه المجموعات وشبكتيها المنفلشة، الآنية، والمغفلة، على مثال شبكية التواصل عبر الفضاء الالكتروني الافتراضي. ويشكل غياب الهوية الجمعية العضوية عن نشوء المجموعات وتعارفها وعملها، ركناً اساسياً في حضورها المسرحي في الشوارع. وقد بدا هذا واضحاً في أزياء مجموعة “بلاك – بلوك” وحركتها أثناء تظاهرات الذكرى السنوية الثانية للثورة المصرية.

أَخَوَات “الإخوان”

فبراير 3, 2013

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 26-01-2013

عزت الجرف في ندوة للتعريف بالدستور الجديد

عد الاحتجاجات الكبرى على “الاعلان الدستوري” الديكتاتوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي، والاستفتاء المشوه على الدستور “الإخواني”، تأتي الذكرى السنوية الثانية للثورة المصرية وسط احتقان سياسي ووضع اقتصادي خانق، في ظل التحضير لانتخابات تشريعية جديدة. في هذا المناخ يبرز وضع المرأة والمواطنة والحريات العامة في الدستور، كعناوين أساسية للمعركة السياسية والانتخابية الدائرة في مصر اليوم.

عاشت مصر في الشهر الأخير من السنة المنصرمة بوادر ثورة جديدة مناهضة للسلوك غير السياسي لجماعة “الإخوان المسلمين” وحزبها، وللإعلان غير الدستوري الذي أصدره الرئيس المصري الجديد محمد مرسي المنتخب والمنتمي الى الجماعة والحزب إياهما. في خضم الاحتجاجات الواسعة التي أطلقها الإعلان الرئاسي “الإخواني”، جامعاً مقاليد سلطات الدولة المصرية كلها في يد الرئيس على مثال ديكتاتوري، سارع الرئيس وجماعته وحزبه الى تفعيل عمل الهيئة التأسيسية لصوغ الدستور المصري الجديد، بعدما كان انسحب من الهيئة معظم ممثلي أطياف الشعب المصري غير الموالية لقوى الاسلام السياسي. وهذا ما أدى الى اتساع الاحتجاجات وتسارع وتائرها جامعة تلك الاطياف التي انبثقت عنها وتألفت هيئة سياسية قيادية هي “جبهة الانقاذ”، تصدرت المشهد السياسي المعارض لاستيلاء الرئيس مرسي ومن خلفه جماعته وحزبها، استيلاء عشائرياً على نتائج الثورة المصرية وعلى سلطات الدولة وصوغ دستورها الجديد لـ”أسلمة” الدولة والمجتمع المصريين و”أخونتهما”. لكن الهيئة السياسية المعارضة المتمثلة في “جبهة الانقاذ” لم تستنفد المشهد الاحتجاجي الكبير الذي استمر قرابة شهر، واستقطب مروحة واسعة من فئات الشعب المصري وأطيافه المناهضة للسلوك والإجراءات الرئاسية الإخوانية العشائرية. فإلى جانب هذه الفئات والأطياف و”جبهة الإنقاذ”، برزت قوتان أساسيتان في مناهضة الإعلان الرئاسي غير الدستوري ونتائجه: معظم هيئات الجسمين القضائي والإعلامي المصريين. وهذا ما أظهر حركة الإحتجاج في هيئة ثورة جديدة، مدنية ودستورية الطابع والأهداف، وحمل قوى الإسلام السياسي وجماعاته على التوسل بالعنف ضد المحتجين والمتظاهرين والمعتصمين السلميين في الشوارع، تماماً على منوال ما فعل النظام المصري السابق عندما أطلق رجال أجهزته الأمنية ورهطه المستأجر من البلطجية والغوغاء لقمع المحتجين في “جمعة الغضب” الشهيرة (28 كانون الثاني 2011) التي وضعت بداية النهاية لنظام الرئيس حسني مبارك.
القمع “الإخواني” الدامي للمعتصمين حول “قصر الاتحادية” الرئاسي، أضاف عنصراً جديداً الى القمع السابق: بعد هجومهم العنيف على المعتصمين، شنّ بلطجية “الإخوان” حملة اعتقالات في صفوف المتظاهرين، فاحتجزوهم وحققوا معهم وعذّبوهم في مسجد قرب “قصر الاتحادية”، متولين في هذا عمل “شرطة قضائية” إسلامية (الحسبة)، قبل تسليمهم ضحاياهم الى القضاء المصري الرسمي كي يقتصَّ منهم ايضاً. لكن النيابة العامة القضائية برّأت الضحايا المعتدى عليهم، مما حمل الرئيس مرسي على الاقتصاص من القاضي بنقله الى أقاصي الصعيد. في خضم هذه الحوادث المتدافقة بدا الرئيس الجديد للدولة المصرية، رئيساً لرهط عشائري. وهو استكمل سلوكه هذا بمسارعته الى قطع الطريق على الحركة الاحتجاجية المدنية المتنامية بتسلمه مسوّدة الدستور الجديد واعتباره إنجازها المشوه فتحاً “ديموقراطياً” مبيناً. ثم إنه بادر الى دعوة الشعب المصري للاستفتاء على الدستور. وإذ امتنعت معظم الهيئات القضائية عن الاشراف على الاستفتاء وتنظيمه، جرى تشويه الاستفتاء وتزويره، وصولاً الى إقرار الدستور الفئوي “الإخواني”، تمهيداً لإجراء انتخابات تشريعية جديدة بعد أشهر قليلة. وهذا ما حمل الحركة الاحتجاجية المدنية و”جبهة الانقاذ” على الانعطاف بنشاطها منعطفاً جديداً، تحضيراً للانتخابات التشريعية المزمعة.
في هذا السياق توقفت الاحتجاجات المدنية في الشارع، وانصرفت قواها وهيئاتها، وكذلك التجمعات الشبابية الثورية وأحزابها الناشئة والجمعيات الحقوقية، الى القيام بحملة واسعة من النشاطات والندوات لإيضاح اعتراضها على الدستور ورفضه، وبيان تشويهه إرادة الشعب المصري.

اشهر الأخوات، عزت الجرف، الشهيرة بـأم أيمن

المواطنة غير السياسية

تتصدر هذه الحملة مسائل الحريات العامة وحقوق الانسان والمواطنة والمرأة، التي نصّت بنود من الدستور الجديد على تقييدها وتشويهها، وربطها بمعايير واعتبارات وأحكام فئوية غايتها تسليط الجماعات الاسلاموية وقيمها على الدولة والمجتمع المصريين. فالمواطنة التي يكرسها الدستور الجديد تقيّد المواطن الحر، بوصفه شخصاً فرداً ينتمي الى الأمة والشعب الدستوريين انتماءً إرادياً سياسياً، بأن جعلته عضواً في أمةٍ لها هوية أهلية جوهرية ثابتة ركيزتها “التراحم والتكافل والأعراض” ذات الجذر المفترض إسلامياً. الجذر هذا يستبطن روابط وهويات قوامها الأعراق والأصلاب والانساب والدين، مما ينفي عن المواطن الصفة التعاقدية الدستورية الحرة، ويلزمه الانتماء الى الوطن والمجتمع، وممارسة حقوقه السياسية، عبر ضرورة انتسابه الى تلك الأصلاب والهويات المفترضة تاريخية، لكن العرقية والقومية والدينية في حقيقتها.
في عملية تلاعب بمشاعر المصريين الدينية وبتعلقهم بالرابطة الأسرية، والعائلية، نصَّ الدستور الجديد على اعتبار “الأسرة أساس المجتمع”، وليس رابطة المواطنة والمواطن الفرد الحر وإرادته السياسية. وشدّد ايضاً على “قوّاميّة الدين والأخلاق الوطنية” الغامضة والإنشائية، على الأسرة التي يُعتبر التشديد على رابطتها بدعة في نص دستوري، إلا في عقول الاسلاميين الإخوانيين الذين تفردوا في صوغ بنود الدستور. فهذا الأخير، خلف عبارات إنشائية مثل “حرص الدولة والمجتمع على الطابع الأصيل للأسرة، وعلى تماسكها واستقرارها”، يكرّس السلطة الأبوية والذكورية، وقيماً وتقاليد رجعية متخلفة تجاوزها المجتمع المصري: قوّاميّة الرجال على النساء، تقاليد ختان البنات، التزويج المبكر، التحجب والتنقب، تقييد الاختلاط بين الذكور والإناث، هيمنة أئمة المساجد وخطبائها على القيم العامة، وصولاً الى أسلمة المناهج والكتب المدرسية. هذا كله تحت ستار عبارة: “مساواة المرأة مع الرجل… من دون الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية… والوحدة الثقافية والحضارية واللغوية”.

سهام الجمل، أمينة المرأة في حزب الحرية والعدالة

المرأة في مهبّ الشريعة

في تقرير لمنظمة العفو الدولية، اعتبرت حسيبة حاج صحراوي (نائبة مدير برامج المنظمة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) أن الدستور المصري الجديد “لا يرقى الى مستوى يمكنه من حماية حقوق الانسان، ويتجاهل حقوق المرأة، ويفرض قيوداً على حرية التعبير” تحت ستار “حماية الدين”. وفي ندوة أحياها “المجلس القومي للمرأة” في مصر، تحدثت نائبة رئيس المحكمة الدستورية تهاني الجبالي عن تضافر مواد الدستور وتكاملها في أثرها السلبي على حرية المرأة وحقوقها. أما الناشطة الحقوقية منال الطيبي فاعتبرت أن الدستور يعمل على “تفتيت المجتمع” لأنه يخلو مما ينص على “المواطنة الدستورية”. وانتقدت المحامية منى ذو الفقار “مرجعية الأزهر في ما يتعلق بالشريعة الاسلامية” في المادة التي تجعل الأزهر “في مقام السلطة السياسية”.
فتحية العسال (أمينة اتحاد النساء التقدمي، والقيادية اليسارية، والكاتبة الصحافية) وصفت الدستور بـ”الأعور” و”المتخلف”. وهي قدّمت دعوى قضائية ضد الرئيس مرسي، لأن “الجمعية التأسيسية” لم تمثل أطياف الشعب، وخصوصاً المرأة. فمن أصل مئة عضو في الجمعية هناك 5 نساء إسلاميات وامرأتان من التيار المدني استقالت إحداهن اعتراضاً على تهميش المرأة. واعتبرت العسال أن حل الجمعية التأسيسية بحكم قضائي يبطل مرجعيتها الدستورية، لا جدوى منه، لأن رئيس الجمهورية هو المكلف إعادة تشكيلها. وهذا ما يؤدي الى تشكيل الرئيس مرسي جمعية جديدة من “الليبيراليين المتأخونين”، الأمر الذي يجعل مصر اليوم في وضع “معقد”، لأنها “في طريقها الى حكم ديني”، بعدما استغل الاسلام السياسي الدين و”الأمية السياسية” للوصول الى السلطة. ميرفت التلاوي (رئيسة المجلس القومي للمرأة) اعتبرت تقييد حرية المرأة بأحكام الشريعة الاسلامية فاتحة لفوضى فقهية لأصحاب المذاهب المختلفة والمتنازعة، بعدما كانت الأحكام المدنية في مصر قد اعتقت النساء من تلك الأحكام، أقلّه في النصوص الدستورية.

دستور المرأة الإخوانية

في المقابل هناك نماذج النساء الإخوانيات اللواتي تتصدرهن الدكتورة عزت الجرف الشهيرة بـ”أم أيمن” والملقبة في الأوساط الليبيرالية بـ”قاهرة المرأة المصرية”. وهي عضو في مجلس الشعب السابق و”مسؤولة المرأة في المكتب الإداري للجماعة الاسلامية”، وتلميذة الداعية زينب الغزالي. من أقوالها: “الدستور الجديد أعظم دستور في العالم، لأن الذين وضعوه كان لديهم إلمام بجميع الدساتير”. وهو أعاد إلى الأزهر مكانته في “قيادة العالم الاسلامي، كما في الماضي. وذلك لنشر الدعوة الاسلامية وعلوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم”. “لأم أيمن” باع طويل في نشر الدعوة اعلامياً ومن على شاشات الفضائيات التلفزيونية. من أقوالها في هذه الاطلالات: وجوب الغاء قانون الخلع. منع اثبات “ابناء الزنى” كي لا يتجذر الزنى في المجتمع. اصدار قانون يسمح بـ”اغتصاب الزوج لزوجته”، لأن هذا “من حقه” الشرعي. منع المرأة من السفر، لأنه يسمح “باختلائها برجال غير زوجها”. إلغاء قانون منح الجنسية لأبناء المصريات المتزوجات من أجانب. إلغاء القانون الذي يجرّم أفعال التحرش الجنسي، لأن “عري النساء هو سبب التحرش”. تشريع العنف الأسري، “لأن ضرب الأطفال يحضّهم على الصلاة والصوم”.
بناء على هذه “الفتاوى” الاخوانية لـ”أم ايمن” التي اعتبرت “اننا اصحاب مشروع سماوي”، أطنبت الدكتورة مكارم الديري (مدرّسة في جامعة الازهر، وقيادية في “حزب الحرية والعدالة” الإخواني) في مديح الدستور الجديد الذي “تقبع المرأة في كل بنوده”، ويحمل النساء على “المحافظة على أسرهن وغرس القيم الفاضلة في نفوس ابنائهن”. وهذه أمنية المرأة في حزب “الحرية والعدالة” سهام الجمل، تعتبر ان شعار “الاسلام هو الحل” شعار “غير ديني”، لأنه يؤكد القيم العليا لـ”الأمة”، ويؤدي الى “حل مشاكلنا وتنظيم أمورنا وفق مبادئ الشريعة” التي يستطيع اي “انسان” مسلم ان “يعرض فهمه لها” وفقاً لـ”الآيات القرآنية”.

وفاء مصطفى مشهور أم، مربية، وسياسية

صراع مفتوح

وسط هذين الاتجاهين العامين في ما يتعلق بمبادئ الدستور الجديد وحال المرأة فيه، تأتي الذكرى السنوية الثانية للثورة المصرية. الاتجاه المدني الليبيرالي واليساري، يطلق سلسلة من الندوات والمناظرات والنشاطات في مواجهة التضليل الدعوي الاسلاموي الذي يتستر بالدين والشريعة لتقييد الحريات العامة وتشويه المواطنة وتغييب حقوق النساء. ثم ان الانتخابات التشريعية المرتقبة، تشكل بدورها حافزاً اساسياً لتفعيل النشاط السياسي للتيار المدني في المحافظات والأرياف المصرية، حيث تعتمد تيارات الاسلام السياسي على “الأمية السياسية والتعليمية” وعلى الإعالة للسيطرة على الرأي العام الاهلي وجذب الناخبين.
المعركة الدستورية والسياسية والانتخابية مفتوحة اذاً في مصر. وهي مرشحة لأن تكون طويلة وكثيرة الأوجه والفصول في وضع اقتصادي مأزوم وخانق، ووسط احتقان اجتماعي وسياسي قابل لانفجارات موضعية متمادية.

دستور العشيرة الإخوانية

ديسمبر 23, 2012

11-640

محمد أبي سمرا

ملحق جريدة النهار في 22-12-2012

هل هذه ثورة ثانية في مصر، بعدما ظهر جلياً أن دافع “الإخوان المسلمين” الى الالتحاق المتأخر بركب الثورة الاولى هو تعطشهم المديد الى السلطة والرئاسة الأهلية والعشائرية؟ هل انطلقت في مصر الثورة الدستورية التي تحرر السياسة من تحويل الانتخابات قناعاً للتسلط، كما تحرر المعارضة من كونها غنيمة حرب؟ ربما تكون معركة الإعلان الدستوري في مصر محطة بارزة في الانكشاف المتسارع لتيارات الاسلام السياسي ومسيرتها نحو هاوية الفراغ والإفلاس.

قبل أيام من إذاعة الرئيس المصري محمد مرسي إعلانه الدستوري، ظهرت على صفحات مدوّنين وناشطين مصريين في الـ”فايسبوك” رسائل تتوقع حدوث أمر سياسي ما تحضّر له جماعة “الإخوان المسلمين” وحزبها “الحرية والعدالة”. فقد تواردت الى المدوّنين والناشطين معلومات مصدرها أصدقاؤهم ومعارفهم من الإسلاميين، تفيد بأن قيادة الجماعة والحزب المذكورين وزّعت على محازبيها وأنصارها تعاميم تضعهم في حال من الاستنفار، من دون الإفصاح عن هدفه ودواعيه. لكن الأيام التالية سرعان ما تكشفت عن دواعي الاستنفار: إصدار الرئيس مرسي إعلانه الدستوري الذي هبّت قوى وتيارات الحركة الشعبية المدنية الديموقراطية المصرية وأحزابها، وكذلك الصحافيون والقضاة، الى رفضه والى الاحتجاج والتظاهر حتى إسقاطه، لأنه يجمع سلطات الدولة، التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويحصرها في يد حاكم فرد هو رئيس الجمهورية، ربيب جماعة “الإخوان المسلمين” وحزبها. ما إن بدأت القوى والتيارات المدنية باحتجاجاتها وتظاهراتها، حتى ظهرت جليةً غاية الاستنفار المسبق شبه السري الذي عمّمته قيادة “الإخوان” وحزبها على محازبيها وأنصارها: تسيير تظاهرات مؤيدة للرئيس وإعلانه، والتصدي للمحتجّين المعارضين في الشوارع.
عودة المكبوت السياسي
استهلت جماعات المؤيدين نشاطها بالاحتشاد أمام القصر الجمهوري الرئاسي، فأطل الرئيس من القصر خطيباً في الحشد، مؤكداً في سلوكه هذا أنه يستمد قوته وسلطاته وشرعيته من مؤيديه وحدهم، وليس من عموم الشعب، ولا من موقعه الرئاسي الذي يضعه فوق الجماعات والتيارات السياسية المتعارضة والمتنازعة. كأن الرئاسة الدستورية في هذه الحال موقع لجماعة تستقوي به على سواها من الجماعات الأخرى. وهذا ما لم تعرفه مصر الدولة والشعب في العهود الديكتاتورية، الناصرية والساداتية والمباركية، التي تسلطت على الدولة والمجتمع والشعب بقوة المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والبيروقراطية. وهي عهود تأميم السياسة وإلغائها، وتشريع أبواب المحاكم والسجون العسكرية لكل من يتجرأ على اقتراف أي قول أو فعل سياسي. هكذا عاش الشعب المصري عقوداً طويلة في حال من الركود والاستنقاع والاقصاء والتذرر في حياته الاجتماعية، ضاعفها إغراقه في الفقر والإفقار الاقتصاديين، وفي “المساواة” بامتناع السياسة التي احتكرتها واحترفتها نخبة عسكرية وأمنية ديكتاتورية أمعنت في فسادٍ إداري ومالي واقتصادي عميم في عهود حسني مبارك المديدة. الحق أن العهد الناصري (1952 – 1970) هو الذي أوقف، بالانقلاب العسكري، الصراع السياسي في المجتمع المصري ما بين التيارين الأعرض والأكبر في مصر، التيار الإسلاموي الإخواني والتيار المدني، اللذين حرّرتهما “ثورة 25 يناير” 2011. كأن هذه الثورة أعادت مصر الى عشايا انقلاب “الضباط الاحرار”، بعد ستة عقود من تغييب السياسة ومنعها، فإذا بذلك المكبوت السياسي يطفو مجدداً ويطغى على المشهد العام في مصر الثورة الراهنة التي لم يقفز “الاخوان المسلمون” الى ميدانها والاستيلاء عليها، الا بعدما ايقنوا أن المجموعات الشبابية المدنية الجديدة موشكة على انجاز ثورة شعبية عارمة خاطفة وغير مسبوقة في اقترابها من اسقاط النظام الديكتاتوري المديد.

الرئاسة غنيمة حربية

وكان ان استطاع “الاخوان المسلمون” بالمراوغة والمكر والخداع – وهي اقانيم تربيتهم السياسية في العهود الديكتاتورية –خوض الانتخابات وايصال رئيس للجمهورية منهم، ما إن استتب له الامر في القصر الرئاسي حتى خوّل نفسه اصدار اعلان دستوري يختصر الدولة والسلطات في شخصه، بلا حسيب ولا رقيب. كأن المصريين الذين ثاروا على نظام الرئيس السابق حسني مبارك، المخلوع مع رهطه، كان هدفهم الاول والاخير تنصيب رئيس آخر يجدد شباب الديكتاتورية ويؤسس عصبية عشائرية حاكمة غير مسبوقة في مصر. هكذا ظهر جلياً ان دافع “الاخوان المسلمين” الى الالتحاق المتأخر بركب الثورة المدنية الديموقراطية، هو تعطشهم العميق والمديد الى السلطة والرئاسة في المعنى الاهلي والعشائري المقنَّع بالعملية الدستورية والانتخابية. اما الحرية والسياسة في معناها المدني الديموقراطي – وهما الدافع الاصلي والاولي للثورة المصرية – فليسا في مذهب العشيرة الاخوانية والرئيس المنتخب، سوى الطريق الى السلطة. والمذهب هذا انقلابي، ويتوسل بالانتخابات وصناديق الاقتراع محطة شكلية عابرة وحفلة تنكرية تُرمى اقنعتها جانباً، فور وصول الرئيس المنتخب الى سدة الرئاسة وقصرها الجمهوري، حيث يصير الرئيس في حلٍّ من تمثيل الارادة الشعبية الديموقراطية والدستورية الجامعة، معتبراً ان تلك الارادة ليست سوى رأسمال احتكاري يستطيع التصرف به وتوظيفه بحسب مشيئته ومشيئة جماعته، لعزل من لم ينتخبوه، بل لإنزال القصاص بهم والثأر منهم اذا لم يرضخوا لسلطانه. في هذا السياق كتبت الناشطة المصرية البارزة هالة جلال غداة التظاهرات المؤيدة والمناوئة للاعلان الدستوري، ان مصر “انقسمت والاخوان المسلمين والرئيس هم المسؤولون(…) وان الدساتير تُكتب في العالم كله لحماية الضعفاء والاقليات(…) وان الفوز في الانتخابات لا يجعل المعارضين غنائم حرب”. ظهر جلياً في سلوك الرئيس المنتخب و”اخوانه” حيال الحركة الاحتجاجية الشعبية المدنية ان الديموقراطية في مذهبهم السياسي اقرب الى اجراء حربي سلاحه الانتخابات وهدفه انفاذ ارادة العصبية الحاكمة وسلطانها في الدولة والشعب الذي لا حضور له في المخيلة السياسية “الاخوانية”، الا بوصفه رعية يجب عليها تقديم شعائر الولاء والطاعة للرئيس الحاكم وسلطانه الواحد. وهذا يعني ان على الشعب المصري كله ان يصير “اخوانياً” وعلى مذهب الرئيس قبل انتخابه. اما من ليس على هذا المذهب فعليه ان يصمت ويستكين ويعتزل السياسة، كي لا يُفسد على الرئيس رئاسته، والا فإنه غير ديموقراطي وخرج على الثورة التي أوصلت “الاخواني” محمد مرسي الى سدة الرئاسة. ومذ اذاع مرسي اعلانه “اللادستوري” في رؤية معارضيه، لم تتوقف جماعته “الاخوانية” وألسنتها الكثيرة عن وصم المعارضين المحتجّين بالتآمر والعمالة. هكذا تحولت جماعة “الاخوان المسلمين” وذراعها السياسية، “حزب الحرية والعدالة”، حزباً للسلطة الحاكمة في مواجهة الحركة الاحتجاجية المدنية على الدستور والاعلان الدستوري الإخوانيين.

madana-640

التعذيب وشراء الشهداء

بعدما تصدى محازبون لجماعة “الإخوان المسلمين” للمحتجين المتظاهرين في شوارع عدد من مدن المحافظات المصرية، احتشد المتظاهرون أمام مقار “الإخوان” الحزبية التي تحميها قوات من الشرطة، فحصلت مجابهات أدت الى سقوط جرحى، مما حمل المحتجين على مهاجمة مقار “الإخوان” وحرقها، على غرار ما فعل ثوار “25 يناير” قبل سنتين بمقار “الحزب الوطني” الحاكم ومقار الأمن المركزي آنذاك. في مدينة السويس عثر المحتجون في مقر “حزب الحرية والعدالة” على مئات من طلبات أعضائه الموعودين بالحصول على وظائف إدارية في شركة قناة السويس. كما عثروا أيضاً على مئات من الطلبات المماثلة للحصول على وحدات سكنية تمولها الحكومة، ناهيك بمئات أخرى من طلبات الإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية. تكرر المشهد نفسه في كثير من مدن المحافظات المصرية، مما حمل المتظاهرين على تصوير نماذج من هذه الطلبات وبثها على الشبكة العنكبوتية لإظهار السياسات الإدارية التي يتبعها الحزب الحاكم الجديد الذي حوّل مقاره مكاتب رديفة أو خلفية للوزارات الحكومية المخولة تلقي طلبات التوظيف في إدارات الدولة. هذا يعني أن حزب الرئيس يسعى الى أن يكون دولة داخل الدولة وأجهزتها الإدارية البيروقراطية.
الحق أن “حزب الحرية والعدالة” لم يتستر على هذا الإجراء، بل هو اعتمده خطة معلنة سمّاها “تمكين” أجهزة الدولة وتفعيل مفاصلها، على ما صرّح القيادي “الإخواني” حسن أبو الفتوح، ربيب خيرت الشاطر الذي قال أيضاً إن الخطة هذه ليست بنت ساعتها، بل وُضعت في التداول منذ نهايات تسعينات القرن العشرين.
الصدامات المتكررة بين المؤيدين والرافضين للإعلان الدستوري، وسَّعت دوائر الرافضين واحتجاجاتهم وتظاهراتهم، وصولا الى التظاهرة المليونية التي احتشدت حول قصر الاتحادية الرئاسي، حيث نُصبت خيم الاعتصام لإسقاط الإعلان الدستوري. في النهار التالي هجمت حشود من “الإخوان المسلمين” على المعتصمين واقتلعت خيمهم ونكلت بهم واعتقلتهم في مسجد قريب، بعد سقوط عدد من القتلى ومئات من الجرحى في معارك كرّ وفر بين الطرفين. كاميرات المعتقلين في المسجد استطاعت تصوير وقائع التعذيب والتحقيق التي اتبعها محازبو “الإخوان”، فأظهرت الأشرطة المصورة القاعة الداخلية للمسجد في هيئة مسلخ بشري: أجسام مدمَّاة منطرحة أرضاً أو مستندة الى الجدران في حال أقرب الى الإغماء او الغشيان، يخضع أصحابها الى الإستجواب.
رجل ملتح يرتدي بذلة وربطة عنق يصرخ قائلاً لرجل مدمّىً تكسو وجهه الرضوض: قل من أعطاك الفلوس، إعترف منين الفلوس؟! في مشهد آخر، عشرات الأجسام المدماة والمهشمة في حال من التلاشي. الشريط نفسه بثّته قناة تلفزيونية مصرية معارضة، تتخلله مقتطفات من شهادة داعية سلفي ظهر على قناة تلفزيونية سلفية، معلناً أن مقذوفات الخرطوش الفارغة التي يعرضها على المشاهدين، كانت في خيم المعتصمين حول قصر الاتحادية الرئاسي، والى جانبها زجاجات خمرة وعدد من مظاريف الواقي الذكري.
في شريط آخر يظهر الديبلوماسي المصري يحيى نجم ممتلئ الوجه بالندوب، وهو يروي وقائع اعتقاله وتعذيبه في المسجد قرب قصر الاتحادية. قال نجم إنه استقال من منصبه في البعثة الديبلوماسية المصرية في فنزويلا العام 2005، احتجاجاً على سياسات النظام السابق وعلى الفساد في وزارة الخارجية، فجرى حرمانه من جواز سفره ومن العودة الى مصر، حتى غداة الثورة في 2011. وبما انه كان بين المعتصمين حول القصر، جرى اعتقاله وتعذيبه في المسجد – المسلخ البشري إياه. الداعية السلفي في مطالعته التلفزيونية قال متباهياً: الإخوة أمسكوا 32 شخصاً حول القصر بينهم واحد ديبلوماسي، معتبراً ان صفة ديبلوماسي شيطانية الوقع، فيما هو يقول: مأجور، مرتشٍ، عميل لأميركا، عدو للدين والشريعة.
في النهار الذي تلى الهجوم على المعتصمين، شيّع “الإخوان المسلمون” من جامعة الأزهر، ما زعموا إنهم شهداؤهم في الصدامات حول قصر الاتحادية. كان عدد الشهداء بحسبهم ثلاثة: أحدهم جلبوا جثته من محافظة الشرقية (يقول الناشطون المدنيون إن انتماءه الى “الإخوان” غير مؤكد)، والثاني أعلن “حزب الحرية والعدالة” إسمه، فإذا الاسم لشاب على قيد الحياة، بثَّ الناشطون المدنيون صوراً له يعانق والده منتحبين في ميدان التحرير. أما الشهيد “الإخواني” الثالث، فأعلن وزير الإعلام صلاح عبد المقصود أنه الصحافي الحسيني ابو ضيف الذي أصيب بطلق ناري في رأسه اثناء تغطيته الصدامات قرب قصر الاتحادية، فنقله اصدقاؤه الى المستشفى، حيث مكث في حال الغيبوبة الكاملة، وقال الاطباء إنه ميت عيادياً وما لبث ان شُيِّع الى مثواه الاخير نهار الاربعاء 12 كانون الأول الجاري. المعروف ان ابو ضيف صحافي مناهض لسياسة “الإخوان”، ويعمل على تغطية شؤون الجماعات الاسلامية في مجلة “روز اليوسف”. وكان التحقيق الذي كتبه أخيراً يتناول تخلية سبيل شقيق زوجة الرئيس محمد مرسي، المتهم والموقوف في قضايا اختلاسات مالية. أما وزير الإعلام الذي يعرف ابو ضيف معرفة شخصية في نقابة الصحافيين، فذهب الى المستشفى الذي يرقد فيه الصحافي، وصرح بأنه كان واقفاً وسط حشود “الإخوان” قرب القصر، حين اصيب بطلق ناري وقتل.
ويبدو ان “الإخوان” ذهبوا بعيداً في تكثير شهدائهم المزعومين. جماعة منهم عرضت على ذوي فتى يدعى محمد محمد السنوسي قتل قرب قصر الاتحادية، أن يصرحوا بأن ابنهم ينتمي إلى “حزب الحرية والعدالة” لقاء منحهم مبلغاً من المال، فرفض أهل الفتى القتيل هذه المقايضة. وحين هددهم المقايضون “الإخوان”، لجأ أهل الفتى الى تقديم شكوى قضائية بمساعدة ناشطين مدنيين، صوّروا شهادة الأهل وبثّوها على الشبكة العنكبوتية الى جانب صورة شاب معصوب الأذن يدعى محمد سيد، وروى ان محازباً “إخوانياً” هجم عليه في “موقعة الاتحادية”، فعضَّ أذنه والتهمها. أما القاضي الذي سلّمه “الإخوان” عشرات من الشبان كي يحقق معهم بوصفهم متهمين بالهجوم على المتظاهرين والاعتداء عليهم، فكتب
مطالعة قضائية تفيد بأن الشبان عُذّبوا بعد اعتقالهم، وأخلي سبيلهم. النائب العام الجديد الذي عيّنه الرئيس مرسي بعد عزله النائب العام السابق وفقاً للإعلان الدستوري، أبعد القاضي الذي أطلق الشبان، ونقله من القاهرة إلى مدينة نائية في إحدى المحافظات.

IMG_2627-640

لكل حيّ دستوره وإعاشته

في خضم التظاهرات الاحتجاجية قام حزب “الحرية والعدالة” بحملة دعائية للدستور والاستفتاء عليه، فوزّع في الأحياء السكنية منشورات تحوي بنوداً من الدستور الجديد تختلف من حيّ إلى آخر، بما يتلاءم مع تطلعات سكان الأحياء وميولهم، حسبما يفترض الموزعون الذين يدعون الأهالي إلى التصويت بنعم في الاستفتاء الدستوري ضد “دستور العلمانيين الكفرة” على ما يرد في المنشورات. هذا يعني ان “الاخوان” يقومون بعملية خداع الأهالي، وتحويل الدستور بياناً سياسياً دعائياً خالصاً في مكره وتلاعبه بمشاعر المواطنين وأمزجتهم. العملية هذه تبلغ الذروة في كشفها عن السلوك “الاخواني” السياسي المديد والانتخابي الراهن: تجزئة بنود الدستور، وتوزيعها بالمفرّق، كالإعاشة على المحتاجين، كأنما لكل حي أو جماعة دستور خاص يختلف عن دستور الحيّ الآخر والجماعة الأخرى. والمعروف ان الحزب “الاخواني” يمد شبكاته في المساجد والجمعيات الأهلية والعائلية في الأحياء والمناطق. وتركز الحملة الدعائية على العناوين الآتية: قل نعم للدستور لأنه يمهّد الطريق لتطبيق الشريعة، يحافظ على هوية مصر، يرسّخ مبدأ الشورى. أما أشهر عبارة أطلقها الرئيس مرسي في برنامجه السياسي: نحن نواجه مؤامرة من الداخل والخارج. لذا – اضاف قائلاً للمصريين في سياق آخر: بطلوا تسهروا أدام الأقنية التلفزيونية، ناموا بدري علشان تصحوا بدري وتصلّوا الفجر، وتشتغلو كويس.
في المقابل كان عنوان حملة السلفيين الدعائية في شوارع القاهرة وسواها من المدن: نعم للدستور بالزيت والسكر. وهذا هو الشعار الذي وضعه السلفيون على شاحنات صغيرة جابت الأحياء محملة الزيت والسكّر وسواهما من المواد الغذائية، رشوة للناس ليكون لهم دستوراً مغذياً ومفيداً، على غرار حملة “شكراً قطر” في لبنان ما بعد “حرب الوعد الصادق” المدمرة و”نصرها الإلهي” الميمون.
من تونس الى مصر، وصولاً إلى لبنان، يتسارع انكشاف السلوك الرعاعي لتيارات الاسلام السياسي. وقد تكون معركة الاعلان الدستوري في مصر المحطة الأبرز في هذا الانكشاف المتسارع نحو هاوية الفراغ والافلاس. فما كان يتوقع ناشطون مدنيون مصريون حدوثه في سنتين أو ثلاث بعد انتخاب محمد مرسي رئيساً، حدث بعد أشهر قليلة من انتخابه. لكن هل تتمكن
الحركة المدنية المصرية من مراكمة خبرات تجاربها في هذا المخاض الكبير المتسارع؟ فإذا كانت تونس قد افتتحت موسم “الربيع العربي”، فهل تفتتح مصر تقديم مثال لربيع الحركة المدنية الديموقراطية التي تُخرج الثورات العربية من قبضة الاسلام السياسي الخانقة إلى رحاب الحرية السياسية الدستورية؟

تكفين الأنوثة في القاهرة وطهران واغتصابها في تونس التحرش الجنسي احتفالاً بشهوات الذكورة وثقافة التقيّة

أكتوبر 3, 2012

محمد أبي سمرا

جريدة النهار في 3-10-2012

تعتبر حوادث التحرش الجنسي البدني واحدة من الظواهر التي تتصدر اهتمام جمعيات المجتمع المدني ونشاطاته في مصر ما بعد الثورة. الظاهرة هذه تكشف عن ثقافة التقيّة الاجتماعية والاخلاقية التي تحجّب أنوثة المرأة وتكفّنها في القاهرة، كما في طهران، بوصفها كائن الشرف – الفضيحة، ثم تستبيحها وتغتصبها في تونس، بوصفها كائن الشهوة المفسدة للرجال والمجتمع.

مصر: شرف الرجولة

قبل حوالى أسبوعين أطلق الشاب المصري رمضان سالم النار على إيمان مصطفى (16 سنة)، فأرداها وسط شارع في أسيوط. بعد القبض عليه والتحقيق معه قال إنه ارتكب فعلته لأن الفتاة شتمته وبصقت في وجهه، ردّاً منها على معاكسته إياها معاكسة بريئة بإلقائه التحية عليها قائلاً لها “هالو”. لم يتحمل الاهانة، فأطلق النار من مسدسه غضباً في اتجاه جدار، لكن الرصاصة أصابت الفتاة خطأ، وقتلتها. لكن شهود الحادثة – على ما نقل مدوّنون على صفحات التواصل الاجتماعي الالكتروني – قالوا إن رمضان كان يمتطي دراجة نارية، فتحرش بإيمان واعتدى عليها بدنياً، فقاومته وشتمته وبصقت في وجهه، فأطلق عليها النار مباشرة. الناشطة والمدوّنة داليا عبد الحميد كتبت أن استسهال الشاب إطلاق النار على الفتاة، مرآة صادقة لنظرة المجتمع المصري وأجهزة الأمن والقضاء الى حوادث التحرش الجنسي بالنساء، وتعاملها مع هذه الحوادث وحكمها عليها. فالمتحرش الذَّكَر في هذه المرآة وفي عين نفسه، من حقه الطبيعي أن يغضب ويثأر لشرفه الرجولي المهان من “حرمة” ليس من شيمها وأخلاقها وطبيعتها أن تغضب وتثور وتقاوم الاعتداء عليها جنسياً، بل إن طبعها وشرفها الانثويين يحتمان عليها الاستكانة والسكوت وتجرُّع الإهانة الذكورية وآلامها في صمت، ما دام شرف النساء مناطاً أصلاً بالرجال الذين وحدهم ينتفضون غضباً للدفاع والذود عن “حريمهم وأعراضهم”. أما إذا غضبت امرأة وثارت في وجه رجل لأيّ سبب، فإنها تكون قد خرجت على ناموس حشمتها الحريميَّة، مما يعرّضها للفضيحة والعار على الاقل، وللتأنيب وغضبة الرجال وعنفهم. وهذا ما دفع رمضان سالم الى صب غضبه على إيمان مصطفى رصاصات قاتلة، منتفضاً لشرفه المهان.

تونس: اغتصاب مضاعف

ليل 3 أيلول الماضي، تعرضت فتاة تونسية الى الاغتصاب في تونس العاصمة. كانت في سيارتها مع خطيبها عندما أوقفهما رجال أمن في ثياب مدنية، فهددوا الشاب الخطيب وابتزّوه بتهمة اصطحابه فتاة ليست في حصانته، وطلبوا منه رشوة (300 دينار). اصطحبه أحد رجال الأمن للبحث عن صرّاف آلي للحصول على المبلغ. في الأثناء قام رجال أمن ثلاثة بالتناوب على اغتصاب الفتاة في سيارتهم. محامية المجني عليها، آمنة الزهروني، وصفت الحادثة وذيولها في مقابلة أجرتها معها مراسلة محطة “العربية” في تونس، وبثّ ناشطون وناشطات من حقوق المرأة والانسان، شريط المقابلة على شبكات التواصل الاجتماعي. قالت المحامية إن الفتاة، حين حضرت الى مركز للشرطة لتقديم شكوى، تعرضت لضغوط لسحب شكواها. تقرير الطبيب الشرعي أثبت وجود السائل المنوي لرجال الشرطة في مواضع من سيارتهم وعلى اللباس الداخلي للفتاة. أثارت الحادثة ضجة في العاصمة التونسية، مما دفع المتحدث باسم وزير الداخلية الاسلامي الى التصريح بأن الفتاة كانت في “وضع غير أخلاقي”، كأنه يبرر حادثة الاغتصاب. قاضي التحقيق في القضية حاول رد ملف الدعوى لأنه لا يتضمن اتهام الفتاة بـ”إتيان فعل فاضح”، وبـ”التجاهر عمداً بفحش”. حيال هذه الإدعاءات حاولت الفتاة الانتحار، لأنها شعرت بأنها تتعرض للإغتصاب مجدداً.

فتنة الأنوثة القاهرة

83 في المئة من الفتيات المصريات تعرّضن لتحرش جنسي، وفقاً لاحصاءات قام بها “المركز المصري لحقوق المرأة” في القاهرة العام 2010. قبل حوالى شهرين نشرت صحيفة كندية صورة فوتوغرافية لمشهد تحرش فاضح في أحد شوارع العاصمة المصرية: ثلاثة صبيان صغار يطاردون ثلاث فتيات يكبرنهن بأكثر من عقد من السنين. الصبيان مغتبطون في مطاردتهم الفتيات: واحدة منهن سافرة، اثنتان محجبتان، والثلاث في ثياب شديدة “الاحتشام” تغطي أجسامهن الطويلة حتى الأقدام، وكذلك أيديهن. وهن يركضن وسط الشارع مذعورات. كل واحدة تحشر جسمها بالأخرى، احتماءً من أيدي صبيين تمكنت من الظفر بمؤخرتي فتاتين من الثلاث الباديات فرائس سائغة في براثن الصبية. على الرغم من إدراك الفتيات الطبيعي المفترض أن ميزان القوى البدني والعمري والمعنوي يميل الى صالحهن، فإنهن كنعاج تتخلّين حتى عن التفاتة سريعة متجاسرة الى الخلف صارخات، قد تكون كافية لتدارك رعبهن وردع الصبية وفرارهم.
هيهات لهذا الضرب من الإدراك الغريزي أن يتسلل الى روع فتيات يعلم القاصي والداني أن خروجهن الى شوارع القاهرة وسيرهن فيها، يكاد يكون ضرباً من التورط في أتون من الفوضى والزحام والتلوث الحسي والبيئي، وحيث تشكل حوادث التحرش الجنسي البدني الذكوري بالإناث ظاهرة متفشية وشائعة بقوة تبلغ حدوداً فلكية تتجاوز حضورها في سائر المدن العالمية. هذا فيما يسلك المجتمع المصري – مجتمع الأهل والرجال الآباء والأزواج والإخوة والأصدقاء، وكذلك النساء الأمهات والأخوات والصديقات، وصولاً الى مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية، والى الفتيات اللواتي يتعرضن للتحرش –  سلوكاً يتّسم بالسكوت والتقيّة الشاملين، إلا في ما ندر، حيال ظاهرة التحرش. في معظم الحالات يتجاوز المجتمع سكوته وتقيّته الى إدانة كل فتاة تسوّل لها نفسها أن تفصح عما تعرَّضت له من مهانة وأذيّة في الشارع. فالأنثى يستحيل أن تكون هي الضحية في العرف الاجتماعي والاخلاقي العام الذي يعتبرها الجاني الأول والأخير، ما دامت حرمةً قاصراً يبعث خروجها الى الشوارع والأماكن العامة الريبة والتوجس، ويثير شهوات الرجال المسلوبي إرادة كبح نزواتهم حيال فتنة الأنوثة وإغرائها القاهرين. وهذا ما أشارت اليه الصحافية المصرية أمينة خيري، في تحقيق عن ظاهرة التحرش في القاهرة، نشرته “الحياة” في 17 أيلول الفائت، فكتبت أن الرجال غالباً ما “يقولون للمنقبّة”: أكيد تحت النقاب حكاية. ويرددون في أذن المحجبة: ملتزمة لكن قمر. ويصيحون في (السافرة): “أحب الجرأة”. تبقى هذه العبارات المتمايزة لطيفة محبّبة، ما دامت تقتصر على تحرش لفظي يسمّيه المصريون “معاكسة”. لكن هذه التمايزات سرعان ما تمحى لصالح “المساواة (التي) تتحقق مع قسوة التحرش” البدني، على مثال ما يفعله الصبية بالفتيات الثلاث في الصورة الموصوفة المنشورة في الصحيفة الكندية.
على النساء أن يسكتن عن هذه القسوة، لأنهن المسؤولات عن إثارة شهوات الرجال، والمنذورات للطهارة والطاعة في حمى الرجال. هذا ما يذيعه دائماً تراث من القيم والفتاوى التي أناطت ركناً اساسياً من أركان شرف الرجال والأمة بالنساء بوصفهن “حرمات” ملتزمات بيوتهن، كأن التزامهن هذا في مثابة المحافظة على فطرة الأمة وأصالتها وأعراضها ورموزها المقدسة، في مواجهة “الغزو الثقافي” الغربي والغريب. ففي الحملات الخطابية الغاضبة من شريط الفيديو المسيء لنبي الاسلام، جرى الدمج ما بين شرف النبي وأعراضه واهل بيته والنجيع الكربلائي الحسيني، لأن هذه كلها ركن اساسي من اركان الاسلام وأمته.

جسارة فتاة ايرانية

على النقيض الاقصى من صورة الفتيات المصريات، تداولت شبكة “فايسبوك” قبل شهور صورة فتاة ايرانية في طهران، تعترض فجأة في وسط الشارع موكباً للرئيس الايراني محمود احمدي نجاد. قد تكون الفتاة في عمر الفتيات المصريات، أو اصغر منهن بقليل. لكنها نحيلة الجسم ومشدودة الاعصاب في وقفتها وظهرها الى عدسة الكاميرا. على رأسها حجاب يبديه انتصابها المشاكس الواثق حجاباً لا تأبه الفتاة لوظيفته المفترضة، كأنه زيّ خارجي فرض عليها، فتأقلمت معه حتى نسيت وجوده على رأسها، مثل الثوب المحتشم الطويل الداكن الذي ترتديه. لكن لا الحجاب ولا الثوب يكبحان سلوكها الجسماني والذهني عن الاندفاع اندفاعاً غاضباً شرساً للوقوف قبالة الرئيس وهي تمدّ له يدها في حركة “بذيئة” من اصبعها الوسطى، فيما هو يطل بين حراسه من سيارة رانج روفر مكشوفة، محيياً الناس الواقفين لاستقباله.
يصعب التكهن بالدوافع غير العامة التي حملت الفتاة على فعلتها المفاجئة وغير المتوقعة التي ادهشت الرئيس، فبدا مذهولاً لا يدري ماذا يفعل: حار بين أن يستمر في رفع يديه محيياً “الجماهير”، وبين ان يحركهما مستنكراً. لكن الفعل الجسور جسارة شبه “مجنونة” أو “انتحارية”، أدى بالفتاة سانديس ارتضائي ياسين الى الحكم عليها بالسجن مدة 22 سنة، قد تساوي عدد سنوات عمرها. فعلة الفتاة الايرانية الجسورة تذكّر بالفعلة البريئة للفتاة السورية الحمصية طل الملوحي التي عرّضتها كتابتها على الشبكة العنكبوتية عبارات تنشد الحرية وحقوق الانسان في “سوريا الاسد”، الى الاختفاء عشية الثورة السورية، قبل الاعلان عن اعتقالها وسجنها في سجون نظام هو “الاخ الاكبر” للنظام الايراني.

 

تكفين الانوثة

فعلة سانديس المشهدية قوية الرمزية وتنطوي على ارادة شخصية جبارة، بل أبعد من شخصية في قوتها ورمزيتها وتجاوزها الحدود. كما أنها تنطوي على تهوّر شخصي وفوق شخصي، يعطّل حس الواقع الذي يشرّع غيابه الارادة على التدمير الذاتي. ثم ان الفعلة “البذيئة” والهول اللذين أقدمت عليهما الفتاة الايرانية في موازين قيم النظام الخميني، هما صنيعة الضغوط والأهوال التي جرّعها هذا النظام لفئات واسعة، حرة ومتمدنة، من الشعب الايراني. في مقدم هذه الفئات النساء اللواتي أرغمهن نظام الملالي الديني والمذهبي المتشدد على أن يسترن أنوثتهن، وحرمهن من اخراجها اخراجاً فردياً وشخصياً يناسب ارادتهن وأهواءهن وحساسياتهن الجمالية في اختيارهن الملابس والازياء. وهو اختيار يتيح لهنّ الفرح بالانوثة، والتعبير عنها في الهواء الطلق، مما يبعث البهجة والخفة في نفوسهن وفي مشاهد الحياة اليومية ومسرحها، وفي ابصار المشاهدين ونفوسهم، ما دامت “العين باب النفس الشارع”، وفقاً للفقيه القاضي والشاعر ابن حزم الاندلسي.
لكن أين هي تلك الاندلس التي يحلم اسلاميون كثيرون اليوم احلاماً عصابية وهستيرية باستعادتها الى “ديار الاسلام”؟! لا يبعد أن يكون الرئيس نجاد من هؤلاء الاسلاميين الذين تنطوي ارادة تحرير الأمة، وأحلامهم الذكورية، على جعل النساء “حرمات” متساويات في تكفين انوثتهن بسواد الليل والويل والثبور. وقد تكون الفتاة سانديس ارتضائي ثارت ثورة فردية متهورة على هذه الذكورية.
نسجاً على منوال تكفين الانوثة، ألبس شاب مصري، ملتح على الطريقة السلفية، عروسه في حفل زفافها (ظهرت صورة الحفل على “فايسبوك”) بذلة عرس بيضاء، وكفّن رأسها ووجهها وعنقها بكيس من الساتان الابيض البرّاق، وامسك بيدها المكفّنة بكفّ من القماش نفسه، وجرّها خلفه كمجرم يجرّه جلاّده الى منصة اعدام، على ما علّق احدهم على الصورة بعد نشرها على صفحته في الـ”فايسبوك”.

ثقافة التقيّة

لا تقلل ظاهرة تحجيب الانوثة وتكفينها من ظاهرة التحرش الجنسي البدني العنيف الذي يقوم به الذكور على نطاق واسع في الاماكن العامة في مصر. فالنساء والفتيات المصريات اللواتي اقدمت فئة واسعة منهن على التحجب وارتداء ملابس “محتشمة” اتقاءً للتحرش، لم يقلل الحجاب والاحتشام من تحرش الذكور بهن. كأن ما حجبنه عن الابصار من انوثتهن راحت الايدي تستبيحه حسياً وعنيفاً، فتترك جروحاً في نفوس النساء اللواتي يتحتم عليهن التكتُّم على جروحهن ومكابدتها وحدهن في السر، لأن الافصاح عنها وعن اسبابها يوقع عليهن اذى معنوياً واخلاقياً من أسرهن وأهلهن وبيئتهن ومن المجتمع العام ومؤسساته الأمنية والقضائية، اشد مضاضة مما يلحقه بهن المتحرشون، على ما روى الفيلم المصري “678” الذي اتخذ هذا الرقم عنواناً له، وهو رقم حافلة نقل في القاهرة، تتعرض فيها احدى شخصيات الفيلم لتحرش يومي متصل. عُرض الفيلم في العام 2010، وهو الأول عن ظاهرة التحرش، لمخرجه الشاب محمد دياب الذي صوّر بؤس الثقافة الاجتماعية والاخلاقية حيال ما تتعرض له النساء من هتك واستباحة في الحياة العامة. فالمرأة كائن ذميٌّ عليه التكتُّم على مهانته خشية الفضيحة. لكنها من وجه آخر هي كائن الشهوة والفتنة لمتعة الرجال والمفسدة للرجال والمجتمع. كما أنها كائن الشرف الرجولي من وجه ثالث. فكيف لهذه الأضداد أن تتعايش الا في ثقافة التقيّة البائسة؟

 

أول الغيث

لكن فيلم “687” كان أول الغيث في التصدي لثقافة التقيّة هذه. فجمعيات المجتمع المدني الحقوقية في مصر وتونس شرعت تنشط في الشارع وعلى شبكات التواصل الاجتماعي الالكترونية لعرض حوادث التحرش وذيولها ومناقشتها في العلنية العامة.
في تونس لا تزال تتفاعل قضية اغتصاب الفتاة وردود الفعل عليها، منذرةً بعاصفة من التظاهرات والاحتجاجات وسط احتقان الجماعات الليبيرالية والعلمانية والمدنية في مواجهة الاسلاميين والسلفيين. في القاهرة بُثّ شريط دعوى على “يوتيوب” ضرب 4 تشرين الأول موعداً لـ”اكبر مسيرة ضد التحرش الجنسي في مصر” تحت شعار “المرأة والدستور: لا للتحرش”. يذكّر الشريط بالحملات التي أطلقها الناشطون والناشطات عشية ثورة 25 كانون الثاني 2011، غداة سقوط نظام زين العابدين بن علي في تونس.


تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 1٬307 متابعون آخرين